المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المجنون الشاعر


زهير شيخ تراب
08-19-2014, 09:44 AM
اورد محمد جعفر بن أحمد السرّاج القارئ في كتاب مصارع العشاق عن المبرد قال: خرجت أنا وجماعة مع أصحابي مع المأمون, فلما قربنا من نحو الرّقّة فإذا نحن بدير كبير فاقبل إلي بعض أصحابي فقال: مِلْ بنا إلى هذا الدير لننظرَ من فيه, ونحمد الله سبحانه, على ما رزقنا من السلامة. فلما دخلنا إلى الدير رأينا مجانين مغلولين, وهم في نهاية القذارة, فإذا منهم شاب عليه بقية ثياب ناعمة, فلما بصر بنا قال: من أين أنتم يا فتيان, حياكم الله؟ فقلنا نحن من العراق, فقال: يا بأبي العراق وأهله ! بالله أنشدوني أو أنشدكم؟ فقال المبرد: والله إنّ الشّعر من هذا لطريف, فقلنا أنشدنا! فأنشأ يقول:

الله يعلم أنني كمدٌ === لا أستطيع أبث ما أجدُ

روحان لي: روح تضَمّنها === بلد ٌ, وأخرى حازها بلدُ

وأرى المقيمة ليس ينفعها === صبرٌ , ولا يقوى بها جلدُ

وأظن غائبتي , كشاهدتي === بمكانها تجد الذي أجدُ

قال المبرد: إن هذا لطريف, والله زدنا! فأنشأ يقول:

لما أناخوا قبيل الصبح عيسهم === ورحلوها فسارت بالهوى الإبلُ

وأبرزت من خلال السجف ناظرها === ترنو إلي ودمع العين منهملُ

وودّعت ببنان عقدها عَنَــمٌ === ناديت لا حملت رجلاك يا جملُ!

ويلي من البين! ماذا حلَّ بي وبها, === من نازل البين حان الحين فارتحلوا

يا راحل العيس عجّل كي نودّعها! === يا راحل العيس في ترحالك الأجلُ

إني على العهد لم أنقض مودّتهم === فليت شعري لطول العهد ما فعلوا؟

فقال رجل من البغضاء الذين معي: ماتوا! قال: إذاً فأموت. فقال له: إن شئت. قال: فتمطّى واستند إلى السارية التي كان مشدوداً فيها فما برحنا حتى دفناه.