المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المارد الذي خرج من القمقم


زهير شيخ تراب
08-19-2014, 09:55 AM
كانت الجَدّات في صغر سننا تُسمعنا حكاية قبل النوم, وطال إصغاؤنا لحديثها عن المارد الذي خرج من القمم, لينفذ طلبات مستحيلة لصاحب الفانوس, وما زالت هذه القصة تروى في الموروث الشعبي إلى اليوم. ولا ضير من ذلك إذ تُعتبر فضاءً واسعاً لتحقيق الآمال والأحلام. ولكن الجديد بالأمر أنني في هذا السن, وبعد أن غادرت سن الطفولة منذ زمن بعيد, بدأتْ هذه الفكرة التي لا تصدق تخرج من وجداننا الجمعي, لاستحالة وجود المارد أصلاً, فضلاً عن أنه قد دخل القمقم, أو أنه يحقق طلبات مستحيلة. الجديد أنني رأيت هذا المارد حقاً, وقد خرج من قمقمه, الذي ضاق به ذرعاً, ليتفجر كالبركان المحتبس منذ آلاف السنين. وقد اضطرمت فيه الحمم ليخرج مبشراً بفعل المستحيل, مصمماً على عدم العودة إلى سجنه الذي لم يعد يتسع لطموحه وآماله.

لقد وُضع هذا المارد منذ زمن طويل, قهراً في حبسه المظلم. فقرر من تلقاء نفسه, ودون أن يفرك أحد بلمسته *****ية ذلك القمقم. قرر أن يخرج وينتفض على سجَّانه, رافضاَ كل القيود وكل الحرمان وكل الظلم وكل القهر.

خرج ليعبر عن حقيقة كانت مدفونة في سراديب العزلة والتضليل والتعمية. باحثاً عن كرامته وعن شخصيته وعن أصالته, باحثاً عن قيمه ومبادئه التي سرقها سجّانه. وتلاعب بمصيره ومستقبله. يوم رهن مصيره بمصالح الخارج, يوم قَبِل أن يضع نفسه في خانة لا يرضى عنها الشعب. فَبَعُد عنه واتسعت الهوة.

ثار المارد في تونس ومصر واليمن وسوريا معلناً أن لا رجعة للوراء. وأن من أذاقه الذل والهوان. لم يعد مقبولاً بين ظهرانيه, وأن لا أحد يمكن أن يسرق قراره أو أن يقرر عنه. أو يسلبه حقه في التعبير والتغيير والعيش الكريم.

لم يبحث الشعب المارد في الربيع العربي عن لقمة العيش وحسب, ولم يكن يضيره البحث عن مسكن أو مأكل أو مشرب فقط, ولم يَثُرْ ليحصل على فتات من العطايا يقدمها السيد تفضلاً لعبيده . وإنما ثار للكرامة والتحرر, ليتنفس أنساماً صافية الكبرياء والشموخ. ليرفع الرأس عالياً وهو يقول أنا حر, أنا الكريم ابن الكرام, جذوري وماضي أجدادي يشهد بذلك .

سحقهم لأنهم في واد والشعب في واد آخر. فسقطوا على يد الشعب المارد الذي خرج من القمقم.