المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التطرف والتشدد عدو الإسلام الأول


عبدالناصر محمود
08-20-2014, 04:30 PM
التطرف والتشدد عدو الإسلام الأول*
ــــــــــــــــــ

24 / 10 / 1435 هــ
20 / 8 / 2014 م
ــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8564.jpg

منذ اللحظة الأولى التي كانت تبرز فيها بعض مظاهر التطرف والغلو في الدين, في تصرفات بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, كانت المعالجة النبوية لهذه الظاهرة الخطيرة في الإسلام بالمرصاد, بسرعة وحزم ودون أي تأخير أو تسويف, فلا غلو ولا تشدد ولا تطرف في الإسلام, لأنه دين الوسطية والاعتدال والسماحة.

ظهر ذلك جليا في أكثر من حادثة في السيرة النبوية, ولكن أبرزها حديث أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَحَدُهُمْ : أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا . وَقَالَ آخَرُ : أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ . وَقَالَ آخَرُ : أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا . فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : ( أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) صحيح البخاري برقم 5063

وإذا كانت المعالجة النبوية لظاهرة التشدد في العبادة, والتطرف في الطاعة التي تخص كل مسلم ولا تتعداه إلى غيره, شديدة إلى درجة نفي أن يكون فاعل ذلك من أمته صلى الله عليه وسلم, فكيف يكون حال من يتطرف في دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم؟!! فيكفرهم دون سبب شرعي صحيح, ويستحل دماءهم وأموالهم وأعراضهم لمجرد الاختلاف معهم في الرأي, أو لارتكابه ذنبا أو معصية لا تخرج المسلم عن دائرة الإسلام والإيمان.

لقد ظهر هذا الفكر المتطرف – وللأسف الشديد – منذ أواخر عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وأدى إلى استشهاده, وازداد في عهد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأدى إلى استشهاده أيضا, وعانى المسلمون من فكر الخوارج سنوات طويلة وما زالوا, وسالت بسبب هذا الفكر دماء كثيرة وعزيزة وما زالت تسيل حتى عصرنا الحاضر.

فقد ظهرت في العصر الحديث بعض الجماعات الدينية التي تنتسب إلى الإسلام, وتحمل فكر الخوارج وتنهج نهجها – وللأسف الشديد -, وقد اعتبر المفتي العام للمملكة السعودية الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ في البيان الذي عنونه بـ"تبصرة وذكرى"، ونقلته وكالة الأنباء السعودية "واس": أن أفكار التطرف والتشدد والإرهاب الذي يفسد في الأرض ويهلك الحرث والنسل ليس من الإسلام في شيء, بل هو عدو الإسلام الأول, والمسلمون هم أول ضحاياه, كما هو مشاهد في جرائم ما يسمى بداعش والقاعدة وما تفرع عنها من جماعات.

وبين المفتي أن في هؤلاء يصدق قوله صلى الله عليه وسلم: "سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة" . صحيح مسلم برقم 2511

وأضاف "وهذه الجماعات الخارجية لا تحسب على الإسلام، ولا على أهله المتمسكين بهديه، بل هي امتداد للخوارج الذين هم أول فرقة مرقت من الدين بسبب تكفيرها المسلمين بالذنوب، فاستحلت دماءهم وأموالهم".

وأوضح "وندعو في هذا الصدد إلى توحيد الجهود وتنسيقها التربوية والتعليمية والدعوية والتنموية لتعزيز فكر الوسطية والاعتدال النابع من شريعتنا الإسلامية الغراء بصياغة خطة كاملة ذات أهداف واضحة مدعمة بخطة تنفيذية تحقق تلك الأهداف المنشودة واقعاً ملموساً".

وأشار المفتي إلى الواجب علينا في المملكة العربية السعودية وقد أنعم الله علينا باجتماع الكلمة ووحدة الصف - بينما العالم يضطرب من حولنا - أن نحافظ على هذا الكيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضاً، وألا نجعل من أسباب الشقاق والخلاف خارج الحدود أسباباً للخلاف فيما بيننا، فكلنا ولله الحمد في المملكة العربية السعودية موحدون ومسلمون، نحافظ على الجماعة، ونلتزم الطاعة في المعروف، ونحمل أمانة العلم والفكر والرأي والقلم ويوالي بعضنا بعضاً ولاءً عاماً، ويعذر بعضنا بعضاً فيما أخطأنا فيه.

وأضاف: سواء في ذلك العلماء والأساتذة والكتاب والمثقفون وسائر المواطنين، ندير حواراتنا حول ما يهمنا من قضايا الدين والوطن بأسلوب الحوار الراقي الذي لا يُخوَّن ولا يَتَّهم، فكلنا في هذا الوطن سواء، لنا حقوق وعلينا واجبات.

وختم المفتي بيانه بالدعاء قائلا: نسأل الله تعالى أن يديم علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وأن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كل سوء وأن يقيَنا وإياهم الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يصلح أحوال المسلمين إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه".

فهل سيكون هذا البيان ناقوس خطر لمواجهة أي فكر متطرف في بلاد المسلمين قبل أن يستفحل داؤه ويصعب علاجه؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــ