المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل الجيلاني بريء


عبدالناصر محمود
08-23-2014, 07:10 AM
هل الجيلاني بريء من ضلالات الطريقة القادرية؟
ــــــــــــــــــــــــــ

27 / 10 / 1435 هــ
23 / 8 / 2014 م
ـــــــــــــــ

(يحيي البوليني)
ــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8484.jpg

بدأ منذ نهاية القرن الخامس الهجري ميلاد وظهور من عرفوا في الإرث الصوفي بالأقطاب أو الأبدال، الذين نسبت إليهم اكبر الطرق الصوفية التي تنتشر في العالم الإسلامي إلى اليوم، والتي تفرعت منها طرق أخرى يصعب جدا حصرها والتي لا يكاد يخلو بلد إسلامي من وجودهم فيها على الرغم من وجود شركيات وخرافات وضلالات عن الغالبية العظمى منهم، بل يمكن القول بأنهم يخترعون سيرا ومواقف لم تحدث في حياة شيوخهم لا لشئ إلا لإثبات أفضلية هذا الشيخ أو ذاك على الباقين.

فمن أعلام هذه الحقبة محيي الدين عبد القادر الجيلاني أو ما يعرف بـ "الجيلي" أو الكيلاني من تنسب إليه الطريقة القادرية حيث ولد سنة 471هـ, وتوفي في سنة 561هـ, ثم ظهر أحمد بن أبي الحسين الرفاعي من بني رفاعة وإليه تنسب الطائفة الرفاعية البطائحية نسبة إلى مولده بالبطائح, ثم ظهر بعد ذلك أبو الحسن الشاذلي نسبة إلى شاذلة في تونس وإليه نسبت الطريقة الشاذلية والذي توفي سنة 656, ثم ظهر بعدهم أحمد البدوي الذي ولد بفارس سنة 596هـ الذي تنتسب له تنسب الطريقة الأحمدية وتوفي سنة 634هـ، وأخيرا ظهر إبراهيم الدسوقي الذي ولد عام 623 هـ وإليه تنسب الطريقة الدسوقية وتوفي سنة 667 هـ, فعاشوا تقريبا في قرن واحد واليهم الخمسة تنسب الأكثرية الساحقة من صوفية العالم الإسلامي اليوم.

ونبدأ سير الرجال الخمسة ونتفحص حياتهم ومواقفهم ونقف على حدود الغلو الذي ألحق بهم, ولعل أكثرهم كانوا أبرياء مما فعله اتباعهم من بعدهم حيث كذبوا عليهم وافتروا افتراءات كثيرة, وسننقل آراء علماء الإسلام ممن كتبوا السير ونقلوها عنهم, فإن كانوا من أهل الصلاح والتقوى والسير على عقيدة أهل السنة والجماعة بلا تحريف ولا تبديل فنحن أولى بهم من مدعي الصوفية, وإن لم يكونوا على العقيدة الصحيحة أو انحرفوا عنها فدين الله أولى بالإتباع فنحن لا نعرف الحق بالرجال ولكن نعرف الرجال بالحق ونعرف الحق ونعرف به أهله.

الشيخ عبد القادر الجيلاني
----------------

هو "عبد القادر بن أبي صالح بن عبد الله الجيلي ثم البغدادي، ولد بكيلان، ووفد بغداد شاباً سنة 488 هـ، وتفقه على عدد من مشايخها خاصة أبي سعيد المُخَرَّمي، وكان على مذهب الإمام أحمد في صفات الله - عز وجل -، وبغض الكلام وأهله، وفي القدر، وفي الفروع، خلف شيخه أبا سعيد المُخَرَّمي على مدرسته، ودرَّس فيها وأقام بها إلى أن مات.

قال ابن السمعاني عنه: (إمام الحنابلة وشيخهم في عصره، فقيه صالح، ديِّن خيِّر، كثير الذكر، دائم الفكر، سريع الدمعة".

ولد للشيخ عبد القادر تسعة وأربعون ولداً، سبعة وعشرون ذكراً والباقي إناث.

جلس الشيخ عبد القادر للوعظ سنة 520هـ، وحصل له القبول من الناس، واعتقدوا ديانته وصلاحه، وانتفعوا بكلامه ووعظه " [1].

لقب بالجيلاني وبالجيلي وبالكيلاني نسبة إلى جيل وراء طبرستان في بلدة يقال لها جيلان ****ان وقيل جيلاني: منسوب إلى جده جيلان.

وعادة الصوفية كما الشيعة تماما مع أئمتهم ومراجعهم وشيوخهم - فإنهم دائما يحرصون على إيصال نسب مشايخهم إلى أهل البيت, ودائما ما يصلوهم إلى نسل الإمام علي بن أبي طالب مع اليقين بان النسب لا يقدم ولا يؤخر في صلاح المرء أو فساده, فقد قال صلى الله عليه وسلم " ... ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه" [2] .

فنسبه مريدوه إلى أهل البيت إلى الحسن المثنى بن الإمام الحسن بن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنهما مع أنه من قبيلة "جنكي دوست" الفارسية [3]. وهو اسم فارسي أعجمي, وبهذا فالشيخ عبد القادر رحمه الله فارسي الأصل بشثبري النسب [4].

طائفة من أقوال علماء أهل السنة في ترجمته

قال عنه ابن الجوزي رحمه الله في ذيل طبقات الحنابلة: "شيخ العصر وقدوة العارفين وسلطان المشايخ صاحب المقامات والكرامات والعلوم والمعارف", وقال "وللشيخ عبد القادر - رحمه الله - كلام حسن في التوحيد والصفات، والقدر، وفي علوم المعرفة موافق للسنة, وله كتاب (الغنية لطالبي طريق الحق)"، وهو معروف، وله كتاب (فتوح الغيب)"، وجمع أصحابه من مجالسه في الوعظ كثيراً، وكان متمسكاً في مسائل الصفات والقدر ونحوها بالسنة، بالغاً في الرد على من خالفهاثم إلى أن قال .. والشيخ عبد القادر كبير الشأن، وعليه مآخذ في بعض أقواله ودعاويه، واللهُ الموعد، وبعض ذلك مكذوب عليه" [5].

ومن الألقاب التي أطُلقت عليه لقب الإمام الذي أطلقه عليه السمعاني فقال "إمام الحنابلة وشيخهم في عصره" ونقله عنه ابن رجب[6], ومنها لقب شيخ الإسلام أطلقه عليه الذهبي فقال "الشيخ الإمام العالم الزاهد العارف القدوة شيخ الإسلام وعلم الأولياء ومحي الدين" [7].

الافتراءات والضلالات التي نسبت إلى أقوال وأفعال وحياة الجيلاني

تمتلئ كتب كثيرة جدا من كتب المتصوفة وخاصة من أبناء الطريقة القادرية إلى مبالغات كبيرة جدا تخترق حدود العقل بعدم التصديق، إلى حدود أخرى من وجوب استنكارها والإنكار عليها وبيان ضلالها، كتصرف الجيلاني في الكون أو في أقدار وأرزاق وآجال العباد وغير ذلك من العقائد الضالة الفاسدة, وربما كانت المبالغات سمة مشتركة عند اتباع كل طريقة, فاستساغوا الكذب والافتراء على شيوخهم وعلى حياتهم, فالذي يكذب على الله ويدعي أن الله عز وجل يوحي إليه بغير واسطة، والذي يكذب على رسول الله ويدعي ملاقاته يقظة وسؤاله عن دقائق الشريعة وترجيح الأحاديث؛ لا يستغرب عليه بعد ذلك أن يكذب على شيوخه ويفتري عليهم في الأقوال والأفعال.

أليست الولاية في دين الله التي ذكر الله شروطها في قوله سبحانه "أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ"، أليس ذلك مرتبطا بالبلوغ والوصول إلى سن التكليف حتى يكون المرء مكلفا فيؤمن بالله ويتقيه فتثبت ولايته أم هل تظهر الولاية – كما يزعمون في الجيلاني - منذ الولادة؟

فيذكر جعفر بن الحسين البرزنجي [8]في كتابه "الجَـنِـيُّ الدَانِي في ذكر نبذة من مناقب القطب الرباني السيد الشيخ عبد القادر الجيلاني" يذكر أعاجيب ومبالغات من الصعب تصديقها أو قبولها, وهي مثل:

- كان الجيلاني في طفولته يمتنع من الرضاع في رمضان عناية من الله تعالى به!!, وذكروا أن أهل قريته قد غم عليهم دخول شهر رمضان فما عرفوا دخول الشهر إلا من صيام الرضيع عن الطعام في نهار رمضان, فهذا مما يتواتر عن الطرق كلها فحكاه القادريون عن الشيخ عبد القادر الجيلاني، وغيرهم عن غيره. [9]

فهل يمكن القبول بكرامة لطفل لا يزال في عمر الرضاعة بحيث تستدل الناس على دخول شهر الصيام بعدم رضاعه؟!!, وهل الرضيع مكلف بالصيام حتى تتحقق له كرامة في ذلك, واي كرامة هذه التي لم ترد في حق نبي من الأنبياء حتى تثبت لأحد من اتباع الأنبياء مهما بلغت مكانتهم؟

- تحدث البرزنجي عن نشأة الجيلاني وبداية سلوكه الطريق إلى الله, ووصفها بأوصاف لا يمكن تصديقها أو اعتبارها – إن قبلت - دليلا على مسلك شرعي, فقال "مكث خمسأ وعشرين سنة سائحأ في صحارى العراق وخراباته, لا يعرف الناس ولا يعرفونه, فيعدلونه عن أمرة ويصرفونه، وقاسى في بداية أمره الأخطار فما ترك هولا إلا ركبه وفقر منة الفقار, وكان لباسه في سياحته رضي الله عنه, جبة صوفٍ وعلى رأسه خريقة, يمشي حافياً في الشوك والوعر, ويقتات ثمر الأشجار, وقمامة البقل التي ترمى وورق الخس من شاطىء النهر, ولا ينام غالباً, ولا يشرب الماء, وبقي مدة لم يأكل فيها طعاماً فلقيه إنسان فأعطاه صرة دراهم أكراماً, فأخذ ببعضها خبزاً سميداً وخبيصاً وجلس ليأكل وإذا رقعة مكتوب فيها, إنما جعلت الشهوات لضعفاء عبادي ليستعينوا بها على الطاعات وأما الأقوياء فما لهم وللشهوات, فترك الاكل وانصرف وفهم أنه محفوظ ومعتنى به وعرف".

فهل اكتساب الترقي في الدين بالعلم أم بالسياحة في الصحاري والخرابات؟ واي علم يكتسب بلا واسطة بين العبد وبين الدليل لتعلم كتاب الله وسنة نبيه والتفقه في دين الله, وهل يمكن قبول وسائل اكل القمامة وورق الاشجار والسير حافيا وعدم النوم وعدم شرب الماء لمدة خمس وعشرين سنة كمسلك شرعي للوصول إلى الله سبحانه؟, وهل ترفع الجيلاني بذلك – ونثق ان كل هذه من الأباطيل عليه – هل ترفع بذلك عن الشهوات؟ فهل ترفع النبي والصحابة الكرام عن الشهوات أم كانت الشهوات المباحة موجودة عندهم وصرفت في حقها.

- كعادة الصوفيين يزعمون جميعا لقاء شيوخهم بالخضر عليه السلام ومصاحبتهم له والتلقي عنه, فيدعون أنه حي وهي دعوى منقوضة بالكتاب والسنة فيقول سبحانه "وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ" [10], وبحديث النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عمر وجابر رضي الله عنهما: "أرأيتكم ليلتكم هذه فإن رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد".[11]، وقوله عليه السلام: "اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض". [12]

فقال البرزنجي "ورافقه الخضر على نبينا وعلية الصلاة والسلام أول دخوله إلى العراق * ولم يكن سيدنا الشيخ يعرفه وشرط عليه الخضر أن لا يخالفه والمخالفة سبب الفراق * وقال له الخضر اقعد هاهنا فقعد في المكان الذي أشار إليه بالقعود فيه ثلاث سنين يأتيه في كل سنة مرة ويقول له لا تبرح مكانك حتى آتيك"

- المبالغة الخيالية في الأرقام مما يدل على عد إحسان التلفيق وعدم تسوية الكذب, فقال البرزنجي "ونام مرة في إيوان كسرى من المدائن في ليلة باردة فاحتلم فذهب إلى الشط واغتسل ثم نام فاحتلم فذهب إلى الشط واغتسل وقع له ذلك في تلك الليلة أربعين مرة وهو يغتسل في كل مرة, ثم صعد على جدار الإيوان خوفاً من النوم محافظة على الطهارة, وكان كلما أحدث توضأ ثم صلى ركعتين, ولا يجلس على حدث قط".

لا تدخل في عدم مرات الاحتلام التي ليس لها ضابط تضبط به وذلك مع عدم طعامه أو شرابه فهذا مبالغ فيه بكل يقين, ولكن كم يكفي من الوقت لرجل يحتلم أربعين مرة ثم يذهب في كل مرة إلى الشط ليغتسل ويعود ويصلي ركعتين بعد الحدث ثم لينام مرة أخرى, كم يكفيه من الوقت حتى يدعي هذا القائل انها كانت في ليلة واحدة, ثم ما دليل الولاية الشرعية فيما ذكر صاحب الجني الداني, فأي منقبة شرعية في هذا؟

- وأضاف صاحب الجني الداني "وكان يتظاهر بالتخارس والجنون حتى حمل إلى البيمارستان مرات إلى أن اشتهر أمرة وفاق أهل عصره علماً وعملاً وزهداً ومعرفة ورياسة وقبولاً".

فعجبا لقوم يعتبرون ان الجنون ميزة لأوليائهم، فمتى كان صلاح الرجل وتقواه في محاولة إظهار نفسه مجنونا أمام المسلمين؟ فهل فعل ذلك الأنبياء, فما كان ابغض على رسول الله من أن يقال عليه مجنون, فقد نفا الله عز وجل ذلك الوصف الكريه عن رسوله صلى الله عليه وسلم فقال "مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ" [13] , وقال "وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ" [14], وأعلن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أن أكثر ما كان يخشى على نفسه عند بدء نزول الوحي أن يقال عنه مجنون فقال كما جاء عند أهل السير: "لَمْ يَكُنْ مِنَ الْخَلْقِ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ شَاعِرٍ أَوْ مَجْنُونٍ، كُنْتُ لَا أُطِيقُ النَّظَرَ إِلَيْهِمَا , قال قلت: إن الأبعد يعني نفسه لشاعر أو مجنون لا تحدث بها عني قريش أبدًا" [15], فكيف يمكن لمؤمن - فضلا عن ولي - أن يسعى لإثبات الجنون على نفسه وهو من حيث الأصل منقصة والكمال في ضده؟

- ذكر البرزنجي رواية لم يحدث قبلها في أهل الإسلام فقال "اجتمع له مائة فقيه من علماء بغداد وجمع كل واحد منهم عدة مسائل, وجاءوا إليه ليمتحنوه, فلما استقروا أطرق الشيخ رضي الله عنة فظهرت من صدره بارقة من نور فمرت على صدور المائة الفقيه فمحت ما في قلوبهم وبهتوا واضطربوا وصاحوا صيحة واحدة, وكشفوا رؤوسهم, ومزقوا ثيابهم"

فماذا يمكن تسمية ما ذكره هذا؟ لم تحدث في حياة الأنبياء عليهم السلام, فقد ناظر إبراهيم النمرود وواجه موسى فرعون ومن بعده *****ة، وواجه النبي صلى الله عليه وسلم مشركي العرب وناظر عددا من أهل الكتاب فانتهى الأمر إلى المباهلة, وناظر علماء الأمة كل الخارجين عنها فلم يذكر مثل هذا التخريف, ثم الم يكن من واجب العلم أن يرد عليهم الحجة بالحجة لا أن تظهر أنواره فتمحي ما في صدورهم ويبهتوا ويضطربوا, ولماذا يتحولون هم أيضا إلى مجانين فيصرخون ويكشفون رؤوسهم ويمزقون ثيابهم ألم يكن أولى بهم الإقرار له بالتفوق في العلم عليهم وهم في وقارهم أم أن عدوى الجنون لابد وان تطال كل متصوف؟

- قال صاحب الجني الداني "وكان رضي الله عنه لا يجلس الذباب على ثيابه وراثة له من جده صلى الله علية وسلم. فقيل له في ذلك. فقال أي شي يعمل الذباب عندي وليس عندي من دبس الدنيا ولا عسل الأخرة".

فلم نسمع من قبل ان تساقط الذباب على ثياب الرجل منقصة فيه ولم نسمع كذلك عن كرامة من لا يقع الذباب على ثيابه, فأي منقصة أو كرامة في هذا, ولم يذكر لنا الكاتب في أي كتاب من كتب السنة أو الشمائل المحمدية ذكر هذا الوصف الذي يقول وراثة عن جده صلى الله عليه وسلم؟

ذكر اتباع الطريقة القادرية أفعالا كثيرة يسمونها بالكرامات للجيلاني مثل أن الشيخ عبد القادر الجيلاني متصرف في الأكوان وأنه النائب عن الله في إدارة الكون وانه غياث المستغيثين وأنه يمشي على الهواء, وأن مجرد اسمه إذا كُتِبَ في كفن الميت لن تمسه النار وأنه يحيي الموتى وغير ذلك مما تكرر كثيرا في الكتب التي تتحدث عن مناقبه، والتي كان مصدرها الأساسي كتاب كبير يضم ثلاثة مجلدات في مناقب الشيخ عبد القادر الجيلاني وضعها أبو الحسن الشطنوفي المصري جامعا هذه المجلدات من السنة الناس فلم يتثبت ولم يحتط " كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع" [16]

فقال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله: "كان الشيخ عبد القادر - رحمه الله - في عصره معظماً، يعظمه أكثر مشايخ الوقت من العلماء والزهاد، وله مناقب وكرامات كثيرة، ولكن قد جمع المقرئ أبو الحسن الشطنوفي المصري في أخبار الشيخ عبد القادر ومناقبه ثلاث مجلدات، وكَتَبَ فيها الطم والرم، وكفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع, وقد رأيتُ بعض هذا الكتاب، ولا يطيب على قلبي أن أعتمد على شيء مما فيه فأنقل منه إلا ما كان مشهوراً معروفاً من غير هذا الكتاب، وذلك لكثرة ما فيه من الرواية عن المجهولين، وفيه الشطح، والطامات، والدعاوى، والكلام الباطل، ما لا يحصى، ولا يليق نسبة مثل ذلك إلى الشيخ عبد القادر - رحمه الله -، ثم وجدت الكمال جعفر الأدفوني قد ذكر أن الشطنوفي نفسه كان متهماً فيما يحكيه في هذا الكتاب بعينه" [17].

ولهم مواقف كثيرة جدا تعيي الباحث عن سردها, ولعل من أهمها وأخطرها أنهم يدعون أن الجيلاني استعاد روح احد أتباعه من يدي ملك الموت في السماء, وأعادها إلى جثة صاحبها مرة أخرى في خرافة ودجل وانحراف عقدي واضح لا يمكن قبوله" [18]

الطريقة القادرية وضلالاتها
---------------

والطريقة القادرية التي يمكن الإسهاب والتفصيل في أفكارها منحرفة جدا، فهم يؤمنون بعقيدة الحلول والاتحاد ووحدة الوجود ويؤمنون بعقيدة الحقيقة المحمدية ويلغون مسألة الثواب والعقاب، وأنهم يقولون بعدم وجود فرق بين الجنة والنار ولا بين الطائع والعاصي، ويعتقدون أن الولي يقول للشيء كن فيكون ويدعون الناسَ إلى عبادة شيخهم وطلب الحاجات منه والاستغاثة به من دون الله.

وينسبون إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني قصيدة يسمونها ("الوسيلة" مليئة بالانحراف وفساد الدين , فمن بعض ابياتها:

" ضريحي بيت الله من جاء زاره * يهرول له يحظى بعزٍ ورفعة

وأمري أمر الله إن قلت كن يكن * وكلٌ بأمر الله فاحكم بقدرتي

وعاينتُ إسرافيل واللوح والرضا * وشاهدت أنوار الجلال بنظرتي

وشاهدت ما فوق السماوات كلها * كذا العرش والكرسي في طي قبضتي

وناظرٌ ما في اللوح من كل آيةٍ * وما قد رأيت من شهود بمقلةِ

ولولا رسول الله بالعهد سابقاً * لأغلقت بنيان الجحيم بعظمتي

مريدي تمسَّكْ بيْ وكن بيَ واثقاً * لأحميك في الدنيا ويوم القيامة

توسَّلْ بنا في كل هول وشدةٍ * أغيثك في الأشياء طراً بهمتي " [19]

إلى نهايتها وهي تسير على هذا النهج الشركي .

كما يزعمون على الشيخ أنه "كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء وكان مع نوح زمان الطوفان وكان مع إبراهيم عليه السلام حين ألقى في النار"، فقالوا: "قال الشيخ أنا كنت في العليا بنور محمد وفى قاب قوسين عند اجتماع الأحبة، أنا كنت مع نوح أشاهد في الورى بحاراً وطوفاناً على كف قدري, وكنت مع إبراهيم ملقى بناره وما برّد النيران إلا بدعوتى" [20]

ولا يعتقد أي من العلماء من السلف والخلف أن الشيخ عبد القادر هو قائل هذه الشركيات، ويقولون فيه كما يقال في كل مسلم بعد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أن له وعليه ويؤخذ من كلامه ويرد, فما وافق فيه الكتاب والسنة يقبل وما خالفهما يرد.

ولكن الأقرب لليقين هو كذبهم وافترائهم عليه, وليس أدل على هذا من افترائهم عليه بنسبة قول له يدعون فيه أنه قال: «قدمي هذه على رقبة كل ولي لله تعالى», فصرح السرهندي بأن السهروردي سمعها من عبد القادر نفسه، إذ كان مصاحبا له.[21]

وعلى الرغم من ورودها بكثرة بالغة في كتبهم فلم ينكرها احد وبنى عليها التيجاني فاشتط أكثر فأكثر, وهذه الجملة طعن بالنبي وصحابته لأن النبي أعظم أولياء الله يليه الصحابة, وفي المقولة لم يخصص قائلها جماعة من الأولياء دون آخرين بأنهم تحت قدمه بل أطلق وعمم أن كل ولي لله فهو تحت قدمه, وقد كذب الحافظ ابن رجب هذه الرواية عن الجيلاني واتهم راويها الشطنوفي كما سبق بالوضع والكذب [22].

وتوفي الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله ببغداد، ليلة السبت الثامن من شهر ربيع الآخر سنة خمسامئة وإحدى وستون من الهجرة النبوية، ودفن ليلاً بمدرسته بباب الأزج، وقد كثر الزحام فلم يتمكن من دفنه نهاراً وفرغ من تجهـيزه ليلاً وكان يوماً مشهودا.

وتكثر حول قبره الشركيات ومظاهر الغلو من الطواف والنذر والتبرك وغير ذلك حتى ان الشيعة يستطيلون بأفعال هؤلاء المتصوفة على أهل السنة, فإذا انكر أهل السنة عليهم مظاهر الشرك عند الشيعة عند قبور أهل البيت قالوا إنكم عندكم أفعال تضارع ما تنكرونه علينا مستدلين بما يحدث عند قبر الجيلاني.

ورغم دفنه بالعراق وله مقامه المعروف هناك إلا انه انتشرت في الأمة الإسلامية قبور وهمية للجيلاني, فله قبور بالمغرب وغيرها من الكثير من دول الإسلام وهو لم يطأها بقدمه, فشيدت قبة بقبيلة عبدة بموضع عُرف بالمقام ادُعي أنه مقامه, وبفاس خصص مريدو القادرية ناحية من كلية القرويين، وسموها خلوة الشيخ عبد القادر، ويتمسحون بالماء المار محاذيا لها خارج المسجد, ولا حول ولا قوة إلا بالله.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ((قُلْت : وَلِهَذَا يَقُولُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - كَثِيرٌ مِنْ الرِّجَالِ إذَا وَصَلُوا إلَى الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ أَمْسَكُوا وَأَنَا انْفَتَحَتْ لِي فِيهِ رَوْزَنَةٌ فَنَازَعْتُ أَقْدَارَ الْحَقِّ بِالْحَقِّ لِلْحَقِّ وَالرَّجُلُ مَنْ يَكُونُ مُنَازِعًا لِقَدَرِ لَا مُوَافِقًا لَهُ وَهُوَ - رضي الله عنه - كَانَ يُعَظِّمُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَيُوصِي بِاتِّبَاعِ ذَلِكَ وَيَنْهَى عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِالْقَدَرِ )) وقال: (( وَأَمَّا أَئِمَّةُ الصُّوفِيَّةِ وَالْمَشَايِخُ الْمَشْهُورُونَ مِنْ الْقُدَمَاءِ : مِثْلُ الجنيد بْنِ مُحَمَّدٍ وَأَتْبَاعِهِ وَمِثْلُ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ وَأَمْثَالِهِ فَهَؤُلَاءِ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ لُزُومًا لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَتَوْصِيَةً بِاتِّبَاعِ ذَلِكَ وَتَحْذِيرًا مِنْ الْمَشْيِ مَعَ الْقَدَرِ كَمَا مَشَى أَصْحَابُهُمْ أُولَئِكَ وَهَذَا هُوَ " الْفَرْقُ الثَّانِي " الَّذِي تَكَلَّمَ فِيهِ الجنيد مَعَ أَصْحَابِهِ . وَالشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ كَلَامُهُ كُلُّهُ يَدُورُ عَلَى اتِّبَاعِ الْمَأْمُورِ , وَتَرْكِ الْمَحْظُورِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْمَقْدُورِ وَلَا يُثْبِتُ طَرِيقًا تُخَالِفُ ذَلِكَ أَصْلًا لَا هُوَ وَلَا عَامَّةُ الْمَشَايِخِ الْمَقْبُولِينَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَيُحَذِّرُ عَنْ مُلَاحَظَةِ الْقَدَرِ الْمَحْضِ بِدُونِ اتِّبَاعِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ )) وقد سئل شيخ الإسلام عن قول القائل أن من قرأ آية الكرسي واستقبل جهة الشيخ عبد القادر الجيلاني وسلم عليه وخطا سبع خطوات يخطو مع كل تسلمية خطوة إلى قبره قُضيت حاجته، فكان من جوابه رحمه الله أنه قال: فصل: وأما قول القائل: من قرأ آية الكرسي... فهذا أمرٌ القُربة فيه شرك برب العالمين، ولا ريب أن الشيخ عبد القادر لم يقل هذا، ولا أمر به، ومن يقل مثل ذلك عنه، فقد كذب عليه، وإنما يحدث مثل هذه البدع أهل الغلو والشرك(23)....

ـــــــــــــــــــــــــــ

[1] عبد القادر الجيلاني الشيخ المفترى عليه - الأمين محمد الحاج

[2] صحيح مسلم 4/2074 برقم 2699 باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر

[3] " قلادة الجواهر" " 20 - 21" .

[4] " مختصر عمدة الطالب" : نقلا عن " التاريخ الأوحد" " ص8" .

[5] ذيل طبقة الحنابلة لابن رجب " 1/ 290" .

[6] الشيخ عبد القادر الجيلاني د. سعيد القحطاني ص 28.

[7] سير أعلام النبلاء " 20/ 439" .

[8] ذكره المرادي في الجزء الثاني من تاريخه" سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر" وقال عنه : "هو جعفر بن حسين بن عبد الكريم بن السيد محمد بن عبد الرسول البرزنجي المدني الشاذلي , كان إماماً وخطيباً ومدرساً بالمسجد النبوي . وألف مؤلفات وإنشاءات رائقة . منها رسالة سماها " جالية الكرب بأصحاب العجم والعرب " وهي في أسماء البدريين والأحديين . وكان فرداً من أفراد العصر . وكانت وفاته سنة 1177 هـ .سبه وسبعين ومائة وألف . ودفن بالبقيع رحمه الله تعالى " .

[9] الفتح المبين ص 5.

[10] "الأنبياء34"

[11] البخاري مع الفتح 1/255 باب السمر في العلم

[12] صحيح مسلم مع شرح النووي 12/84 كتاب الجهاد، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر

[13] " القلم:2"

[14] " التكوير:22"

[15] ابن هشام في "السيرة" " 1/ 252-253"

[16] صحيح مسلم 2/10 باب النهي عن الحديث بكل ما سمع

[17] الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 293.

[18] كتاب " تفريج الخاطر في مناقب تاج الأولياء وبرهان الأصفياء الشيخ عبد القادر الجيلاني" " ص: 17" .

[19] كتاب الفيوضات الربانية في المآثر والأوراد القادرية ص : 194

[20] كتاب الفيوضات الربانية فى المآثر والأوراد القادرية ص 47

[21] هذه الحادثة مشهورة جدا في كتبهم ولا ينكرونها فذكرت في " المكتوبات الربانية" للإمام السرهندي " 350" " نور الإنصاف في كشف ظلمة الخلاف" " 29" و " قلادة الجواهر" " ص 113" و " ضوء الشمس في قول النبي بني الإسلام على خمس " 133" , كلها للصيادي الرفاعي و " جامع كرامات الأولياء" للنبهاني " 1/ 293" .وغيرها

[22] الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 293

23
23<-مجموع الفتاوى 27/112
-------------------------------