المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ثالثة الأثافي


عبدالناصر محمود
08-24-2014, 07:05 AM
غاز الصهاينة وثالثة الأثافي
ـــــــــــــــ

( حازم البارودي)
ــــــــــ


28 / 10 / 1435 هــ
24 / 8 / 2014 م
ـــــــــــ

http://204.187.101.75/memoadmin/media/Egypt/version4_1245879552.jpg


في هدوء شديد، وبعيدًا عن ضجيج الشارع العامر بالتظاهرات الرافضة لاختطاف التجربة الوليدة، وفي الوقت الذي ينشغل العالم فيه بالمشاهد المروعة لمجازر الانقلاب بحق رافضيه، وفي غرف مغلقة كما هي العادة، وفي الظلام الدامس الذي يناسب نفسية ومؤامرات المشاركين، بعيدًا عن أي صورة من صور المراقبة أو المحاسبة الشعبية أو البرلمانية أو السياسية أو حتى المهنية، بعيدًا عن كل هؤلاء قام المؤقت منصور الذي أُعطي ما لا يستحق ممن لا يملك، وفي ليلة باردة من ليالي شهر ديسمبر الطويلة، قام المؤقت منصور بالتوقيع على اتفاقية ترسيم الحدود الاقتصادية البحرية بين مصر وجزيرة قبرص، تم فيها رسميًّا التنازل عن الحقوق التاريخية والاقتصادية والإستراتيجية لمصر في حقول الغاز والنفط في الحوض الشرقي للبحر المتوسط، والتي تعد أكثر بقاع الأرض ثراء بالنفط والغاز، إلى جزيرة قبرص، والتي قامت بعدها مباشرة بمنح الكيان الصهيوني حق التنقيب لأجل مفتوح في هذه الحقول لتتحول بعدها "إسرائيل" لأكبر منتج للغاز في المنطقة، بعد أن ظلت تستورد من مصر احتياجاتها الغازية طيلة سبع سنوات بسعر أقل من تكلفة الإنتاج بمنحة المخلوع مبارك لأسياده الصهاينة.
هذا كله جرى في الوقت الذي تعاني فيه مصر من أزمة انقطاع كهرباء ضخمة وغير مسبوقة في تاريخها الحديث بسبب العجز في توفير الغاز اللازم لتشغيل محطات توليد الكهرباء.
فكيف تحولت مصر فجأة من دولة مصدرة للغاز إلى "الأردن – لبنان – إسرائيل" إلى دولة عاجزة عن توفير احتياجاتها منه؟
حتى نجيب على هذا التساؤل كان لابد من الرجوع إلى الوراء قليلًا، فبعد حرب الأيام الست بدأ الصهاينة في البحث عن الذات من أجل الاعتماد على النفس، وتأسيس الكيان الحلم أو دولة "إسرائيل" الكبرى الممتدة من الفرات إلى النيل، لذلك شهدت فترة الستينيات وما بعدها طفرة في مجال تأسيس الدولة تركزت على الجانب الأكاديمي من بحوث ودراسات تتعلق بتوفير البدائل ومصادر الطاقة للاعتماد على النفس ومزيد من السيطرة والهيمنة والتفوق الإقليمي، وفي الفترة الممتدة من سنة 1980 حتى سنة 1997 تم تقديم أكثر من 20 ورقة بحثية بخصوص استخراج الغاز من قاع الحوض الشرقي للبحر المتوسط.
ثم كانت الطفرة سنة 1997 عندما كشفت المعدات والأجهزة الحديثة عن وجود احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي والمسال في المياه الاقتصادية لمصر في المنطقة المعروفة جغرافيًّا بمخروط النيل تحت جبل "إراتوستينس" الغاطس الموجود ضمن الحدود البحرية المصرية. ولكن بسبب تواطؤ نظام مبارك وعمر سليمان تم التنازل عن هذا الجبل الغاطس بعد ترسيم الحدود الاقتصادية مع قبرص سنة 2003، وأصبح الجبل الثري بالغاز والنفط ملكًا للكيان الصهيوني، ثم توالت الأحداث والمفاجآت.
فقد ظهرت شخصية "حسين سالم" ضابط المخابرات السابق والصديق المقرب من المخلوع مبارك، وقد أسس شركة "ميدور" لتكرير البترول وأسند رئاستها لسامح فهمي الذي سيتولى منصب وزير البترول، ويباشر عقد الصفقة المريبة مع الصهاينة سنة 2005، وهي الصفقة التي تقضي بتصدير 1.7 مليار متر مكعب سنويًّا من الغاز المصري لمدة 20 عامًا، بثمن يتراوح بين 70 سنتًا و1.5 دولار للمليون وحدة حرارية بينما يصل سعر التكلفة 2.65 دولار، كما حصلت شركة الغاز "الإسرائيلية" على إعفاء ضريبي من الحكومة المصرية لمدة 3 سنوات من عام 2005 إلى عام 2008، وقد أثارت هذه الاتفاقية حملة احتجاجات كبيرة من الساسة والبرلمانيين والخبراء المتخصصين بسبب شروطها المجحفة، وضررها البالغ على الأمن القومي المصري، وكونها مع العدو الصهيوني الذي يمثل أكبر تهديد وخطر على أمن المنطقة كلها، فكان رد الهالك عمر سليمان أن مصر بتصدير الغاز سوف تتحكم في 40٪ من مصادر الكهرباء لـ"إسرائيل"، ومن ثم يعطيها ذلك ثقلًا وتأثيرًا على القرار "الإسرائيلي"، لكن الواقع يكشف أن العكس هو الذي حدث، فقد صار العقد ضغطًا معنويًّا على مصر، وأصبحت مصر أمام الرأي العام العربي شريكًا لـ"إسرائيل" بدعم الطاقة في عدوانها على غزة وحصارها إياها، وأن نظامها بقيادة مبارك يؤثر راحة وسلامة المواطن "الإسرائيلي" على المواطن المصري.
المصيبة الأكبر أن الصهاينة عقدوا هذه الصفقة وهم مسيطرون فعليًّا على معظم مناجم الغاز في البحر المتوسط، وهذا معناه أن الهدف الحقيقي، غير التمتع بغاز رخيص بسعر أقل من سعر التكلفة بـ50%، أخطر من ذلك بكثير، الهدف هو إفقار مصر وحلب ثرواتها الطبيعية من النفط، وهذا الأمر بدأت آثاره تظهر مع بداية ثورة 25 يناير المجيدة، وبمراجعة معدلات الإنتاج والاستهلاك يتضح لنا حجم الكارثة.
فإن إنتاج مصر من الغاز بلغ 2.2 تريليون قدم مكعب سنويًّا، قامت مصر بتصدير 0.4 تريليون قدم منها في عام 2011 قبل أن تخفض إجمالي صادراتها إلى 0.2 تريليون قدم فقط في 2012، وختامًا أوقفت مصر تصدير الغاز نهائيًّا في عام 2013.
وهذا الثبات الإنتاجي بين عامي 2012 و2013 كان مؤشرًا واضحًا على بدء تراجعه في 2013 وما بعدها؛ بسبب عزوف شركات البترول نظرًا لأجواء عدم الاستقرار السياسي، بينما في المتوسط ينقص إنتاج الآبار التي لا يتم صيانتها بمعدل 10٪ كل عام، بما يعني أن إنتاج مصر المتوقع من الغاز الطبيعي عام 2014 لن يزيد عن 1.8 تريليون قدم مكعب، وهو ما لا يكفي سوى لتوليد 19 جيجا وات من الكهرباء.
هذا على صعيد الإنتاج، أما على صعيد الاستهلاك، ففي عام 2011 بلغ الاستهلاك المحلي من الغاز 1,8 تريليون قدم مكعب، ولكنه بلغ في عام 2012 حوالي 2 تريليون قدم مكعب بزيادة تقريبية مقدارها 10% رغم ثبات الإنتاج في العامين، وبتطبيق نفس معدلات الزيادة السنوية في الاستهلاك "10%" فإن مصر ستكون بحاجة بين 2.4 إلى 2.6 تريليون قدم مكعب من أجل تغطية الاستهلاك المحلي، بينما ليس في إمكان مصر توفير أكثر من 1.8 تريليون قدم مكعب كحد أقصى؛ مما يعنى عجز مقداره 30% في معدلات توليد الكهرباء في ساعات الذروة، وهو عجز مرشح للزيادة بشكل ملحوظ سنويًّا، مع تناقص كميات الغاز وزيادة استهلاك الكهرباء.
وهذه البيانات والوقائع كلها تقود إلى حقيقة ثابتة وهي: أن مصر تفقد تدريجيًّا حقوقها في أكبر مناطق احتياطي الغاز في العالم، بينما يغتصب الكيان الصهيوني من مصر ولبنان احتياطي غازي يقدر بـ26 تريليون قدم مكعب وبأكثر من 240 مليار دولار، مما يعني أن "إسرائيل" صارت على خريطة الدول المصدرة للغاز، بينما تتجه مصر لاستيراد الغاز من "إسرائيل". وهو ما أكدته الأنباء الأخيرة فقد كشفت شبكة بلومبيرج الإخبارية الأمريكية، أن مصر تتفاوض مع الكيان الصهيوني، لشراء شحنات غاز طبيعي مسال بقيمة 60 مليار دولار.
وقالت الشبكة المعنية بالشأن الاقتصادي في تقرير لها نشرته الخميس الماضي: "إن تلك المفاوضات تأتي في الوقت الذي استأنفت فيه "إسرائيل" هجماتها الضارية على الفلسطينيين في قطاع غزة، بعد تعطل الجهود التي تقوم بها مصر لوقف إطلاق النار". وأضافت الشبكة أن شركة "نوبل إينرجي إنك" تخطط لتصدير شحنات غاز بقيمة 6.26 تريليون متر مكعب من حقلي تمار وليفياثان، وكلاهما في الأصل مصريان - إلى مصانع إنتاج الغاز الطبيعي المسال الواقعة في كل من ميناء دمياط وميناء إدكو.
من جانبه، قال ديفيد شريم - مدير الحافظة في مؤسسة "سفيرا فاندز مانيجمنت ليميتيد" التي تتخذ من تل أبيب مقرًّا لها -: إنه "من مصانع الغاز الطبيعي المسال هذه الموجودة في مصر، يمكن للغاز "الإسرائيلي" أن يصل إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية". ويبدو أن الأمر مخطط له منذ شهور، فقد نشرت وسائل إعلام عالمية في منتصف مايو الماضي أنباء عن قيام سفينة التنقيب العملاقة كاسترونا مباشرة نشاط داخل المياه الإقليمية المصرية، وتحديدًا في مدينة "إدكو"، الأمر الذي تكهن البعض أنه بداية فعلية لعمليات تسييل الغاز "الإسرائيلي"، أي أن مصر ستصبح قنطرة الصهاينة نحو الثراء والعالمية.
وهذا الكلام يعني أن "إسرائيل" ستزود مصر بحوالي 50% من استهلاكها السنوي من الغاز الطبيعي، مما يجعل مصر أسيرة هذه الإمدادات "الإسرائيلية"، وبالتالي ستكون فريسة سهلة وهينة للهيمنة والسيطرة الاقتصادية "الإسرائيلية" في مصر، في ارتهان واضح للمحور "الإسرائيلي" في المنطقة، وذلك في مرحلة ما بعد الانقلاب، وهي المرحلة التي تقوم فيها أمريكا بإعادة ترسيم خريطة التحالفات القديمة بحيث يصبح حلم دولة "إسرائيل" الكبرى واقعًا قريب المنال، فسقوط مصر أسيرة الهيمنة الاقتصادية لـ"إسرائيل" بمثابة ثالثة الأثافي، بعد سقوطها أسيرة الهيمنة العسكرية والسياسية، وهو ما يمثل أكبر تهديد للأمن القومي المصري، وفاتحة عهد السقوط الفعلي للدولة المصرية وضياع هيبتها وانتهاء سيادتها على قرارها، في وقت ينظر قادة الانقلاب إلى كل شيء يتعارض معهم على أنه مساس وتهديد للأمن القومي، فالمظاهرات تهدد الأمن القومي، وإشارة رابعة تهدد الأمن القومي، وطلاب الأزهر يهددون الأمن القومي، وبنات 7 الصبح تهدد الأمن القومي، وانتقاد الأداء الحكومي يهدد الأمن القومي، والسؤال عن مشاريع السيسي يهدد الأمن القومي، وحتى أطفال المدارس أصبحوا يهددون الأمن القومي، وأصبح الأمن القومي نكتة يتندر عليها الناس حتى قالت إحدى الراقصات: إن الحجر على فن الرقص يهدد الأمن القومي.
بانضمام الهيمنة الاقتصادية إلى الهيمنة السياسية والعسكرية، لم يبق إلا خطط تجويع المصريين وإضرارهم من أجل مزيد من السكوت والهوان والتنازل، وهو ما مورس بقوة من خلال المعدلات الجنونية لقطع الكهرباء، حتى إذا استغاثوا وضجوا قيل لهم: لا مفر من الغاز الصهيوني، ولتنحوا جانبًا مسألة الكرامة الإسلامية والنخوة العربية، ولتتجاهلوا الدماء المراقة، ولتمحوا من ذاكرتكم المشاهد المروعة لأشلاء الأطفال والنساء في الشجاعية وأخواتها، فالأهم أن نمرر الصفقة، وننعم بالكهرباء!!

----------------------------------------