المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صندوق بندورا


عبدالناصر محمود
08-24-2014, 07:15 AM
غزة أصبحت مثل “صندوق بندورا” بالنسبة لنتنياهو*
ــــــــــــــــــــــــــــ

28 / 10 / 1435 هــ
24 / 8 / 2014 م
ـــــــــــــــ

http://altagreer.com/wp-content/uploads/2014/08/dc2eb15b3b52af7a95d7aa989af2_r16-9_w770_h433_g083f2068076b11e4a60c0025900fea04.jpg


ديفيد هيرست – ميدل إيست آي
-----------------

لو لم يقرر بنيامين نتنياهو استخدام ذريعة قتل ثلاثة شبان مستوطنين لشن مذبحة ضد حماس في الضفة الغربية ومن ثمّ مهاجمة غزة، لتحقق الكثير من ما تعتبره إسرائيل مفيدًا لها في الوضع الراهن. ولكانت حكومة الوحدة بين فتح وحماس ستصبح مجرد اسم يترنح من أزمة إلى أخرى، ولظل محمود عباس شريكًا رئيسًا فيها. ولبقي 50.000 موظف حكومي في غزة بدون أجر. ولبقيت حماس محصورة داخل مربع صغير يسمى غزة، ولظل تواصلها مع العالم الخارجي محظورًا بحزم من جهة الحدود المصرية أكثر من الإسرائيلية.

ولكن الحملة التي استمرت 46 يومًا أدت لتغيير الكثير من ذلك. حيث أدت إلى إعادة توحيد الفصائل الفلسطينية، ولو بشكل مؤقت، بطريقة لم يكن لأي حوار في الدوحة أن يحلم بها. كما اضطر محمود عباس أن ينأى بنفسه عن إدانة إطلاق الصواريخ والتركيز على المطالبة بإنهاء الحصار. ومهما كانت درجة غضبهما من رفض الفلسطينيين للمبادرة المصرية، إلا أنه اضطر هو ومصر للاتجاه نحو موقف المقاومة، فلم يكن يستطيع أن يفعل غير ذلك.

كما رفعت الحملة العسكرية الإسرائيلية حماس إلى واجهة القضية الفلسطينية، وأكدت أنها تتبوّأ منزلة أعلى من منظمة التحرير الفلسطينية. كما أدى استهداف قادة كتائب عز الدين القسام وعائلاتهم مرة أخرى إلى عكس الأثر المقصود. فلم يعد أحد يستطيع أن يقول إن مقاتلي حماس يرتعدون في الأنفاق في حين يتحمل المدنيون الثمن. فهاهم المدنيون من أبنائهم وزوجاتهم من أوائل من قتلوا.

كما طالب أبو عبيدة المتحدث باسم كتائب القسام، في بيان أعلنه يوم الخميس الماضي الوفد الفلسطيني بمغادرة القاهرة، والانسحاب من المحادثات التي وصفها بأنها تشبه الرقص مع الشياطين، بعد محاولة اغتيال محمد ضيف، رئيس الجناح المسلح لحماس.

ولا شكّ أن تلك النبرة تنبئ بالكثير، فهاهي كتائب القسام تقول ليس فقط لحماس بل وللمجموعات الأخرى في الوفد ما يجب القيام به. ولم تصدر حماس مثل هذا البيان السياسي من قبل. وهو ما إن دل على شيء فإنه يدل على مدى ثقتهم.

من ضمن التداعيات التي خلفتها الحرب على غزة هي تلك الجهود الأوروبية والأمريكية لوقفها. فقبل أسبوعين، أصدر 28 من وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بيانًا دعوا فيه إلى نزع سلاح جميع الفصائل في غزة، وذلك تمشّيًا مع شروط إسرائيل للمشاركة في محادثات التسوية النهائية. وصلوا الآن إلى فهم أكثر واقعية بأن نزع سلاح المقاومة هو أمر غير قابل للتحقيق، وتحول موقفهم إلى مناقشة آليات منع إعادة التسلح. والدليل على ذلك أن مشروع قرار الأمم المتحدة المعروف باسم E3 الذي أعدته بريطانيا وفرنسا وألمانيا لم يذكر لفظ “نزع السلاح” تمامًا.

وما زال ينتظر من نتنياهو أن يقترح صيغة ما على الجناح اليميني في حكومته، ولكن كلما طال أمد هذه الحملة العسكرية، سيتضاءل احتمال ألا تتسبب في خسائر لإسرائيل، التي إما أن تشن سلسلة من الغارات الدموية الجديدة على مركز مدينة غزة، وقد حذر الجيش الإسرائيلي من مغبة ما قد ينجم عن ذلك من تداعيات، أو أنها ستجد نفسها مضطرة للتفكير بشكل متزايد في خطوات من شأنها أن تؤدي إلى رفع الحصار.

ولعله يشعر أنه بين خيارين أحلاهما مر، وأمام مهمة خرجت عن إطارها؛ إذ إنها تؤذن بأن تتحول إلى نصر لحماس. فنتنياهو لم يكن أصلًا ينشد حربًا طويلة، وبالتأكيد لم ينشد حربًا تؤدي إلى تنامي معدلات انطلاق صواريخ حماس مع مرور الزمن بدلًا من أن تؤدي إلى تناقصها.

لقد بدأت الجولة الثالثة من الصراع انطلاقًا من الرغبة في تحقيق تفوق سريع عن طريق اغتيال الضيف، ولكن حتى لو تمكنت إسرائيل من اغتيال الضيف فما كان ذلك ليغير من الأمر شيئًا، فسيرة الضيف تبين أنه بدأ حياته النضالية برمي الحجارة وانتهى به الأمر قائدًا لما ينبغي أن يسمى الآن جيشًا صغيرًا لديه ترسانته الخاصة به من الصواريخ.

لذا؛ فإنّ جيلًا آخر من الشباب الفلسطينيين سيسيرون على نفس خطى الضيف. حيث تداعى آلاف الشبان الفلسطينيين للمشاركة في جنازة قادة القسام الثلاثة الذين ضرجوا بدمائهم في الغارات الجوية التي تلت محاولة اغتيال الضيف، وأقسم هؤلاء الشباب في الجنازة المهيبة في مدينة رفح على الانتقام لقادتهم. لذا؛ فكلما اغتالت إسرائيل جيلًا من قادة حماس، فسوف يحل محله جيل آخر أكثر فاعلية، وستصبح حماس أقوى من الناحية العسكرية.

ولكن، ليس الشباب في فلسطين وحدها هم الذين أصبحت تشغلهم قضية المقاومة، بل الشباب السنة في كافة أرجاء العالم العربي أصبح كذلك، وهو تحول يجدر بإسرائيل أن تأخذه على محمل الجد. فبالنسبة لإسرائيل، قد يبدو الحصول على مساندة مصر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة تحركًا ذكيًّا على المدى القصير، إلا أن هذا الدعم السري ما لبث أن تم فضحه خلال الحرب على غزة.

أما على المدى المتوسط والبعيد، فلن يصب مثل هذا التحرك في مصلحة الدولة المحاطة من كل اتجاه بالأقطار العربية السنية، وخاصة بعد أن عادت القضية الفلسطينية لتحتل مركز الصدارة في اهتمام العالم العربي الذي يعج بالصراعات.

وتجدر هنا ملاحظة أن الممالك الخليجية والأنظمة العسكرية الدكتاتورية التي ساندت إسرائيل في حربها على حماس هي نفسها تلك الأنظمة التي سخرت أموالها ونفوذها لدعم الثورة المضادة على الربيع العربي. وبذلك توحدت القضية الوطنية الفلسطينية في نضالها ضد الاحتلال مع الانتفاضة العربية ضد الأنظمة الدكتاتورية المدعومة من قبل الغرب. وباتت كتائب القسام شعارًا مقاتلًا عابرًا للحدود يتجاوز رفح، ويخاطب فيمن يخاطب شباب مصر أيضًا.

هل كانت تلك هي نية نتنياهو حينما شن هذه الحرب؟ ربما لا. ولكنه قد يكون الواقع الذي لا بد أن يتعايش معه إلى أن يتمكن من تغييره. فلقد أصبحت غزة بالنسبة له مثل صندوق باندورا.

صندوق باندورا هو الذي يحمل كل شرور البشرية بحسب الميثولوجيا اليونانية الشهيرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التقرير}
ــــــ