المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السودان على بوابة النفق المظلم


عبدالناصر محمود
08-26-2014, 09:36 AM
السودان على بوابة النفق المظلم*
ــــــــــــــــ

30 / 10 / 1435 هــ
26 / 8 / 2014 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8587.jpg


وكأن السودان في حاجة إلى مزيد من الانقسام على كل المستويات والمزيد من التقسيم الجغرافي!!, فلا تكاد القوى السودانية تجمع على أمر سياسي أو قرار مجتمعي, ففي كل فترة زمنية أو ظروف تاريخية لا تجد منهم سوى الانقسام المتعمق بين الكثير من القوى السياسية والأحزاب الموجودة على الساحة, ولعل الأحداث الخاصة بتعديل قانون الانتخابات تعد دليلا جديدا على هذا الانقسام الكريه.

ولقد تباينت الآراء حول التعديلات التي أجريت على قانون الانتخابات الذي أجازه مجلس الأمة السوداني مؤخرا، استنادا لأغلبية أصوات حزب المؤتمر الوطني الحاكم، والتي جاءت امتدادا للأزمة الدستورية التي أنتجت ذلك الفراغ التشريعي والسياسي والاقتصادي.

فيرى الحزب الحاكم – على لسان احد قيادييه البارزين - أن هذه التعديلات راعت زيادة فرص الأحزاب الصغيرة بزيادة نسبة التمثيل النسبي لها، وألقى باللائمة على المعارضة التي وصفها بأنها "لديها مبدأ قائم على رفض إجراء انتخابات من أساسه وليس إجراء تعديلات على قانونها", بينما تراها كثير من قوى المعارضة أنها تفصل الانتخابات على مقاس الحزب الحاكم, ويعبر عن قسم كبير من المعارضة الأمين السياسي لحزب المؤتمر الشعبي كمال عمر الذي قال "إن حزبه لا يعنيه إجازة هذا القانون، ونحن لسنا جزءا فيما تم داخل البرلمان", وأضاف "تعديل المؤتمر الوطني لقانون الانتخابات الآن هو تسهيل لعملية التزوير".

ويحاول حزب المؤتمر الوطني الحاكم بهذه التعديلات حث الأحزاب المعارضة على المشاركة في الانتخابات للهروب من فجوة عدم المشروعية الشعبية والقانونية لحكمه بعد اجراء الانتخابات وخاصة إذا قاطعتها المعارضة, فقرر الحزب الحاكم إلقاء الكرة في ملعب المعارضة وطرح هذه التعديلات لينقل المعارضة من الحديث حول اصل المشاركة في الانتخابات لتتحرك إلى مناقشات المشكلات العملية الفرعية في القوانين المنظمة لها، كنموذج للاستدراج السياسي فرضا لسياسة الأمر الواقع.

وكان حزب الأمة القومي المعارض بجانب مجموعة من الأحزاب الأخرى قد أعلنوا عن مقاطعتهم للانتخابات المقبلة بعد أن تقدموا بقائمة بها ثمانية شروط للمشاركة في الانتخابات، منها التأجيل لمدة أربعة أسابيع والمطالبة بتمويل حكومي للأحزاب السياسية وغيرها، مصرحا أنه إذا لم تتم تلبية شروطهم فإنها مؤشرات على ان الانتخابات القادمة ستكون – بحسب وجهة نظرهم - انتخابات زائفة.

هذا وتتضح نية الكثير من الأحزاب السياسية المعارضة إحراج النظام الحاكم الحالي ووسمه بسمة عدم المشروعية، وخاصة أن البرلمان قد فشل عبر نداءاته المتكررة في إقناع ممثلي الأحزاب المعارضة – التي أعلنت مقاطعتها لها - بالتواجد والمشاركة في جلسات مناقشة التعديلات، الأمر الذي تعتبره محاولة جديدة من الحزب الحاكم للالتفاف على القوى السياسية بالتمهيد لتزوير الانتخابات.

ولم تلق دعوة الرئاسة السودانية للأحزاب السياسية كلها للجلوس حول مائدة الحوار الوطني القبول الواسع، حيث شككت كثير من قوى المعارضة في جدوى هذا الحوار، ومن ثمّ جدوى الانتخابات نفسها، وأرجعت ذلك إلى ما وصفته بـ "افتقار سياسات الدولة لمبادئ الديمقراطية، ابتداء من إعادة تعيين رئيس لمفوضية الانتخابات بدلا عن انتخابه".

وعلى الجانب الآخر رفضت الرئاسة والحزب الحاكم ما سمي بـ "إعلان باريس" الذي وقعه رئيس حزب الأمة القومي السوداني الصادق المهدي مع رئيس الجبهة الثورية السودانية مالك عقار في العاصمة الفرنسية، والذي اتفقا فيه على عدم المشاركة في أي انتخابات عامة مقبلة إلا في ظل حكومة انتقالية، وهو الشرط المعجز الذي يعتبره الكثيرون عرقلة لأي حوار ويضع العربة أمام الحصان وليس العكس.

وفي ظل هذا التنافر بين الأحزاب السودانية وتهديد عدد من الأحزاب منها حزب الأمة القومي المعارض الذي لوح بتهديدات بتفعيل خيار الانتفاضة الشعبية حال رفض الحكومة الاعتراف "بإعلان باريس", وفي ظل هذا الانقسام الكبير الذي يهدد السودان بتهديدات متعددة وخطيرة على جميع الأصعدة في حال تعنت كل القوى وتشبث كل منهم بموقفه, فالحزب الحاكم والحكومة ماضون في إقامة الانتخابات في موعدها, والأحزاب المعارضة ستقاطع, وستخرج النتيجة طاعنة في شرعية الحزب والحكومة والرئاسة, لتخلق حالة أوسع من الفراغ والانقسام مرة ثانية، أو يتحقق تهديد الأحزاب المعارضة بإثارة انتفاضة شعبية تهدد السودان بفوضى عامة.

وكل هذه الخيارات ليست في صالح السودان ولا السودانيين, وبالتدقيق يستطيع كل مراقب أن يرى أثر الأصابع الأجنبية وراء إحداث هذا الانقسام الذي لا ينبئ بأي خير, فالسيناريوهات متكررة وشهدناها مرارا في مجتمعاتنا العربية والإسلامية, وعانت منها الأمة الإسلامية كثيرا, فهل من معتبر في السودان يرجح الصالح العام للخروج ببلدهم من هذا النفق المظلم؟
------------------------------------