المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : غزة تكبيرات العيد في يوم الفرح


عبدالناصر محمود
08-28-2014, 08:13 AM
غزة .. تكبيرات العيد في يوم الفرح*
ـــــــــــــــــ

2 / 11 / 1435 هــ
28 / 8 / 2014 م
ــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8601.jpg

لا يستوي مكر الثعالب عندنا * وشجاعة البازيِّ والضرغام

شتان بين فساد جند عدونا * وصلاح جند كتائب القسام

هكذا هنأ الشاعر عبد الرحمن العشماوي أهل غزة بما تحقق لهم اليوم رغم الدماء والآلام, ورغم التضحيات الشديدة وفداحة الثمن الباهظ الذي دفعوه.

فقليلة هي أيام الفرح للمسلمين عموما ولأهل غزة خاصة في هذه الأيام, فالفاصل الزمني ما بين البكاء والآلام وبين الفرح مسافة قليلة جدا, ولكن رغم أنهم كانوا يألمون كان عدوهم في نفس اللحظة يتألم ألما مساويا إن لم يكن ألما أشد, فشتان بين من يدرك أن قتلاه شهداء في الجنة وبين من يحرص على أي حياة مهما كانت ويود احدهم لو يعمر ألف سنة.

فحتى الأمس ظل أهل غزة يودعون شهداءهم من رجالهم ونساءهم وحتى أطفالهم, في كل يوم يُخرجون من تحت الركام أنفسا أبية رفضت أن تغادر بيوتها, لم تخش غارات الصهاينة, لم تخضع لتهديداتهم ولم تغتر بوعودهم, وثقت في ربها وتوكلت عليه, وعلمت أن الآخرة خير من الأولى, ثم وثقت في قياداتهم التي تقودهم لنيل حريتهم وتحقيق كرامتهم, وما كان ثمن الحرية رخيصا في يوم من الأيام.

هؤلاء هم رجال غزة وكلهم رجال ذكورا ونساء وأطفالا, لم يضعفوا ولم يستكينوا ولم يستكثروا تضحياتهم, ولم يصبهم الوهن ولم تنل الضربات من إرادتهم ولم تفت عزائمهم, فحق لهم اليوم أن يفرحوا.

وحق لنا – كمسلمين - أن نفرح لفرحهم ولما حققوه, وان لم نفرح بمثل هذا اليوم فمتى نفرح؟!, وان لم نفرح يوم رؤيتنا للعدو الذي أشاع انه لا يقهر وانه سيذهب في نزهة لعدة ساعات يدمر فيها أهل غزة وليعيدهم إلى الحظيرة التي ارتضى كثير من المسلمين والعرب دخولها؛ إن لم نفرح ونحن نراه يجر أذيال الخيبة ويلتمس طريقا للنجاة, فمتى نفرح إذن؟!

بدا العدو اعتداءاته بسلوك جبان دائم يعتبر أصلا طبيعيا فيه, فأطلق غاراته من بعيد على البيوت الآمنة وعلى الأطفال والمدارس والمستشفيات والمساجد الذين اعتبرهم بنكا لأهدافه الوضيعة, ألقى بالقذائف الأرضية من المدفعية والجوية من الطائرات والبحرية من الغواصات والسفن, ثم ما لبث أن اغتر فاقترب, فغاص بقدمه في المستنقع الذي أعد جيدا ليوم لقائه, فخرج عليه جنود حماس من كل مكان, انشقت الأرض عنهم فخرجوا من أحشائها ليبتلعوه, ثم رأيناه بعد ذلك يتوسل للخلاص, ليحفظ ماء وجهه القبيح وليستجدي وقفا لإطلاق النار بعد أن هدد القسام كل شبر في الكيان المغتصب.

إن الفهم الحقيقي لمفاهيم النصر والهزيمة يتجاوز دوما الحدود الرقمية لعدد القتلى وتدمير المنازل, فتختلف معاييرهما بحسب الزمان والمكان والظروف وبحسب نوعية وكمية القوى المتوافرة لدى الجانبين, وعادة ما يكون للنصر عدة مظاهر فليس له دوما مظهر واحد, فهل يمكن أن يقال أن ما فعله خالد بن الوليد رضي الله عنه يوم مؤتة بحسابات المعايير العسكرية هزيمة إذ استطاع النجاة بجيشه الذي كان قوامه ثلاثة آلاف رجل في مواجهة جيش الروم والغساسنة وهم أكثر من مائتي ألف رجل؟

بل يمكن القول وبكل حسم بان خروجه من هذه المعركة وعودته بالجيش إلى المدينة سالما ولم يقتل منه إلا اثنا عشر رجلا فقط هو عين الانتصار حينئذ.

وانتصرت غزة لعدة أسباب وعوامل أخفى البعض رؤوسهم في الرمال لكي لا يروها:

- انتصرت غزة حينما فتحت الأمل مرة أخرى للمسلمين الذين ظنوا أن الأمل قد أغلق، وان الطريق إلى القدس صار مستحيلا، وأن هزيمة الصهاينة مستحيلة كما صورت لهم ذلك كثير من وسائل الإعلام العربية والأجنبية على حد سواء, وكما يصرح بذلك صراحة أو ضمنا عدد من الساسة العرب, كما قال احد المسئولين العرب على حسابه على تويتر "أدرك أن في تويتر..صبية وأنهم لا يدركون الواقع. الواقع أن إسرائيل في أوج انتصاراته على الأمة العربية وليست غزة. بل وعلى العالم .تحكم العالم", فلم تخش غزة هذا الترهيب ودخلوا معركة أعدوا فيها ما استطاعوا - كما أمرهم ربهم - وتوكلوا عليه وثبتوا وذكروا الله كثيرا, وهذا عين المراد من كل مسلم "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ".

- انتصرت غزة يوم أن واجهت قواتها قليلة العدد قليلة العدة محدودة الإمكانيات جيشا متطورا يعد احد أقوى خمسة جيوش في العالم – كما يصنفونه – ويعد احد أقوى الجيوش في المنطقة, وهو الجيش الذي ترتعد منه فرائص العديد من الجيوش ويخشون سطوته وبطشه وقوته, فإذا به يوجه ناحية غزة احد أقوى لواءاته وهو لواء جولاني لواء النخبة لديهم لكي يسرعوا حسم المعركة بل نزهة تأديب أهل غزة, فإذا بلواء جولاني ينشغل بنقل جثث ضحاياه للمقابر وجرحاه للمستشفيات, وهكذا ضاعت السمعة الطويلة التي بذل الصهاينة فيها مئات المليارات وعشرات السنوات لكي يصنعوا أسطورة جيشهم الذي لم يقهر في معركة مع العرب.

- انتصرت غزة يوم أن حلت شفرة اسماع الصهاينة والعالم كله, حيث أسمعت الصهاينة وتعاملت معهم باللغة الصحيحة التي يفهمونها, فهم لا يسمعون لغة الضعف ولا الاستكانة, ولا لغة المناشدة والاسترحام, فليس فيها قلب ينبض, ولكن لا يفهمون إلا لغة القوة, فإذا به يهرب ويترك المغتصبات طالبا النجاة ضاغطا على حكومته بتأمينه كما وعدوه انه سينتقل إلى جنة الله في الأرض في ارض الميعاد, فنقل أهل غزة الرعب إلى الجميع, وامتلأت المطارات بهم يريدون فرارا منها وتعطلت كل مصالحهم, وأصبح كل مكان في الكيان الصهيوني هدفا مشروعا ومستطاعا للمقاومة, فإذا بالملاجئ تمتلئ بهم ولا يخرجون منها, وإذا بأفراد من الجيش يهربون من الخدمة, وتتحطم داخلهم عقيدة الزهو بالقوة ولتمتلئ قلوبهم بالضعف الأبدي الأزلي وبالذلة التي كتبها الله عليهم إلى يوم القيامة.

- انتصرت غزة يوم أن انتقل الأمن والأمان إلى هؤلاء المستضعفين الذين خرجوا بعشرات الآلاف إلى الشوارع مبتهجين بتحقيق هذا الردع للصهاينة، ليحتفلوا وسط بيوتهم المهدمة وبين مقابر ذويهم الذين دفنوهم تباعا كأسر وعوائل كاملة, فما من أحد من هؤلاء إلا وفقد عزيزا عليه في الأيام الخمسين الماضية, ولكنهم جميعا خرجوا مزهوين فرحين, بينما عدوهم خرج وعلى وجهه الغبرة ترهقه القترة, يزعم نصره وهو يعلم أنه يكذب على نفسه وعلى بني قومه, يعلن النصر ووجهه ملئ بالخزي وبالعار والقلق والكئابة, وهو يعلم انه قد انتهى سياسيا تماما فكانت غزة مقبرته, فحق لأهل غزة أن يفرحوا ويأمنوا "فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ".

- وانتصرت غزة حينما التف الغزاوية حين أوقف إطلاق النار حول قادة حماس يحتفلون بينما وجهت سهام الصهاينة ناحية قيادتهم التي كذبت عليهم ولم تقدر حماس حق قدرها ولم تنجح في إدارة المعركة, فمن ارتفعت أسهمه في القيادتين بعدها ومن سقط حتى نتبين الفائز من المهزوم؟

- وانتصرت غزة باعتراف محللي الصهاينة أنفسهم, فقال المعلق العسكري في صحيفة "هآرتس" العبرية "أمير أورن"، إن "نتيجة هذه الحرب مع قطاع غزة هي الانهيار لـ"إسرائيل" ومنظومتاها الأمنية والسياسية وحتى الشعبية", وعلم المحلل العسكري أن الكذاب الأشر سيدعي انه منتصر فقال مستبقا بيان نتنياهو "سيحاول نتنياهو بذل الجهود الهائلة لتسويق نتيجة الحرب كنجاح، وإذا ما كان يصدق نفسه فإنه سيكون فريدا في جيله", وسخر من مقولة نتنياهو "الهدوء مقابل الهدوء"، بالقول: الهدوء لا يقابل بالهدوء بل بالكذب".

وقال وزير الإسكان أوري أرئيل " إنه يصعب عليه العثور على إنجاز واحد يبرر "التضحيات الجسام" التي قدمتها الجبهة الداخلية الصهيونية ", وشدد أرئيل على ضرورة إجراء تحقيق شامل في مسار الحرب وتقصي الحقائق في كل ما يتعلق بالأداء العسكري والسياسي.

ولكن على الرغم من فرحة هذه اللحظة وعلى الرغم من اعتراف الصهاينة أنفسهم بها, فالقناة الثانية العبرية تقر بحسب استطلاع للرأي فيها أن 81% من آراء من شملهم الاستطلاع تقول بأن نتنياهو فشل في الحرب, وأن 58 % يقنعون بأن نتيجة الحرب على غزة هي هزيمة للصهاينة, إلا أن هناك أصواتا عربية وإسلامية رددت وستردد كثيرا أن إسرائيل قد حققت نصرا استراتيجيا قويا وان حماس قُهرت وان حماس فقدت شعبيتها وان إسرائيل تحكم العالم.

عن أي شئ يتحدث هؤلاء؟

آن لكل مسلم أن يفرح بالمعركة قبل الأخيرة كما وعد قادة حماس, وان المعركة القادمة مع الصهاينة هي الأخيرة ليتحقق حينها وعد الله بالنصر للمؤمنين, ويومئذ يحق للجميع الفرحة الكبرى بتحرير المسجد الأقصى من دنس الصهاينة المجرمين "فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً"

ــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــ