المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البعد القانوني في خطاب المقاومة


عبدالناصر محمود
08-29-2014, 06:52 AM
البعد القانوني في خطاب المقاومة الفلسطينية
ــــــــــــــــــــــــ

(م. علاء الدين بطة)
ـــــــــ

3 / 11 / 1435 هـ
29 / 8 / 2014 م
ــــــــــــ

http://albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/828082014115927.png

من المهم جداً التوقف عند الكثير من الاشارات والتصريحات التي وردت تباعاً في بيانات وخطابات وتصريحات المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها كتائب الشهيد عز الدين القسام - الجناح العسكري لحركة المقاومة الاسلامية "حماس".
المتابع لهذه البيانات يلحظ تطوراً واضحاً يشير إلى تعاطٍ جديدٍ واهتمام حقيقي من قبل المقاومة الفلسطينية الاسلامية "تحديداً"، بالمجتمع الدولي ومنظومة القوانين التي تطورت.
حركات المقاومة الاسلامية في فلسطين كانت لا تكترث كثيراً بالمنظومة الدولية الحديثة بدءا من الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وصولاً الى الحديث عن القوانين الدولية وقوانين حقوق الانسان والمنظمات الدولية العاملة فيها، بل وكانت تتهمها بالانحياز الكامل للكيان الصهيوني وتوفير الغطاء الدولي لجرائم الاحتلال والكيل بمكيالين.
فضلاً عن أنها لم تدخل في صدام كامل معها باعتبار أن حماس والمقاومة كان بمقدورها تنفيذ عمليات واطلاق النار ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي المتمركزة في المناطق الضفة الغربية وقطاع غزة والتي يعترف القانون الدولي بانها محتلة وبالتالي تتوفر شرعية في مقاومتها.
التحول الكبير حدث في أبريل 1994م، حينما نفذ الإرهابي الصهيوني "غولدشتاين" مجزرة الحرم الابراهيمي في الخليل، والتي قُتل فيها اكثر من ثلاثين من المصلين الابرياء. ومن هنا قررت حركة المقاومة الاسلامية "حماس" الرد على هذه المذبحة بكل الوسائل المتاحة مع "عدم استثناء المدنيين الإسرائيليين كرد على استهداف المدنيين الفلسطينيين".
وجاء الرد الأول في مدينة العفولة بسيارة مفخخة قادها الاستشهادي "رائد زكارنة" في 16 أبريل 1994م، مما أوقع ثمانية قتلى وعشرات الجرحى من المدنيين الإسرائيليين، واستمرت حركتا حماس والجهاد الإسلامي في تنفيذ العمليات الاستشهادية رغم الضغوط الهائلة والملاحقة المستمرة والاعتقالات المستمرة من قبل السلطة الفلسطينية لنشطاء كلتي الحركتين من أجل وقف هذه العمليات، وهو ما أدى الى تراجع محدود في عدد هذه العمليات، ظهور بوادر الاتفاق الذى أبدت فيها حركتي حماس والجهاد استعدادها لوقف النشاطات العسكرية ضد (إسرائيل) مقابل توقف السلطة الفلسطينية عن ملاحقة عناصرهما.
وقد جرت هذه المباحثات على جولات متعددة أبرزها التي أُجريت في القاهرة في شهر ديسمبر 1995 والتي اشترك فيها- ولأول مرة وفد رسمي من حركة حماس في الخارج. كما قامت بالتفاوض من خلال قائد كتائب القسام محمد الضيف وأبرز المطلوبين لقوات الأمن (الإسرائيلية) (والذي كان معتقلا لدى أجهزة الأمن الفلسطينية في غزة آنذاك) والذي أبدى استعدادا للاتفاق حسب الخطوط التالية:
أ‌- تتوقف حماس بصورة تامة عن النشاط العسكري ضد أهداف (إسرائيلية) من اجل المصلحة الفلسطينية.
ب‌- تقوم حماس بمساندة السلطة على توطيد سيطرتها التامة على الوضع وقطع الطريق على (إسرائيل) من أخذ الذرائع من اجل خرق الاتفاق ( مجلة الوسط 4/3/1996).
إلا أنه حدث ما لم يكن بالحسبان حيث إنه وفى يناير 1996م، اغتالت إسرائيل القائد يحيى عياش (مهندس العمليات الاستشهادية)، وهو ما دفع الحركة للرد بسلسلة عمليات استشهادية كبيرة أسفرت عن مقتل 64 اسرائيليا وحوالي 300 جريح، وبالتالي عادت العمليات الاستشهادية من جديد وتراجعت فرص وقفها.
استطاعت الحكومة الصهيونية تحشيد القوى الاقليمية والدولية لعقد مؤتمر "شرم الشيخ في ابريل 1996" والذى دعم السلطة الفلسطينية في اتخاذ اجراءات قاسية بحق عناصر حركة حماس وضرب التنظيم ومطاردة الخلايا العسكرية للقسام واغلاق المؤسسات.
وظلت حركة حماس وجناحها العسكري تتعرض للضغوط والاعتقال أن اندلعت انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000م، ولتظهر من جديد "العمليات الاستشهادية" وتتحول تلك العمليات من مجرد حالات منعزلة تظهر على فترات متقطعة إلى عمليات متوالية لها صفة الاستمرار ما كاد يجعل منها إبرازا لاستراتيجية فلسطينية للمقاومة.
ضغوط متعددة تعرضت لها حركات المقاومة الفلسطينية وخصوصاً حركتي حماس والجهاد الإسلامي وتحديدا في عامي 2002 - 2003 أدت الى:
· حدوث مراجعات فكرية مهمة أدت الى تراجع عن تنفيذ مثل هذا النوع من العمليات الاستشهادية في داخل فلسطين المحتلة عام 1948 "داخل اسرائيل" مع حصرها داخل المناطق المحتلة في الضفة والقطاع.
· تراجع فى عدد العمليات الاستشهادية التي اعتادت كتائب القسام. وسرايا القدس على تنفيذها منذ بداية الانتفاضة.
· وهذا ما ظهر جليا فى حديث القائد خالد مشعل لصحيفة الشرق الاوسط في 19/11/2002 والذى اشترط "وقف العمليات الاستشهادية مقابل وقف اسرائيل استهداف المدنيين الفلسطينيين".
وبالفعل توقفت العمليات الاستشهادية في داخل الكيان الصهيوني فيما استمرت في داخل ارضى 1967، وهنا من المهم الوقوف عن بعض الاشارات والتصريحات التي توضح مدى التغير الإيجابي باتجاه التعاطي او "احترام" القانون الدولي:
وبالفعل استبدلت المقاومة العمليات الاستشهادية بصواريخ القسام البدائية الصنع وبدأت باستخدامها بدءاً من نوفمبر 2001م، حيث استهدفت المواقع العسكرية الصهيونية المحيطة بقطاع غزة. وتوقفت حماس عمليا عن تنفيذ العمليات الاستشهادية واستهداف المدنيين داخل اسرائيل منذ عام نهاية عام 2002 وحتى الان بل وتوقفها عن دعوة قوى المقاومة الى تنفيذ عمليات استشهادية داخل فلسطين المحتلة عام 1948م.
التصريحات المتكررة للعديد الى الساسة الفلسطينيين الحمساويين والتي تحدثت على ان المقاومة الفلسطينية أعادت تقييم العمليات الاستشهادية ودعت لوقفها وايجاد بديل مقاوم اخر عنها يحظى بالقبول. وهذا ما بدا واضحا في حديث القيادي د. محمود الزهار في تصريحه لصحيفة الاهرام في فبراير 2002 والذى جاء فيه أن "حماس أوقفت العمليات الاستشهادية في فلسطين المحتلة ‏48,‏ ومازالت الساحة مفتوحة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام‏1967."‏
وبالفعل توقفت العمليات في داخل الكيان الصهيوني فيما استمرت في داخل ارضى 1967 وكانت آخر عملية استشهادية لحركة حماس ، هي عملية الاستشهادية " ريم الرياشي " والتي نفذتها عند معبر "إيريز" شمال قطاع غزة في 14/1/2004، والتي أسفرت عن مقتل أربعة جنود صهاينة, وإصابة عشرة آخرين.
وعند فوز حماس بالانتخابات التشريعية عام2006 وتشكيلها للحكومة توقفت حركة حماس عن اطلاق الصواريخ اتجاه الاراضي الفلسطينية المحتلة هذا بحد ذاته يعتبر نقلة نوعية وتطور في فكر حماس السياسي ويأتي تساوقا مع محاولة حماس الولوج الى الأسرة الدولية.
التطور القانوني الابرز كان في تعاطى حماس وحكومتها في غزة مع القاضي الجنوب أفريقي (ريتشارد جولدستون) عام 2009 وترحيبها به وتعاونها الكامل معه بل واعداد رد قانوني على اتهاماته تتضمن "اعتذارا عن مقتل مدنيين اسرائيليين بالخطأ".
في حرب حجارة السجيل عام 2012م، اعلنت كتائب القسام ان "الكتائب حربها ضد الجنود المحتلين فقط". اما في حرب "العصف المأكول " فقد تميزت بتطور قانوني كبير مقارنة بالحروب السابقة:
- في 12/7/2014 اعلن السيد ابو عبيدة الناطق باسم القسام ان "الكتائب لا تستهدف المدنيين وان حربها ضد الجنود المحتلين".
- فى 19/7/2014 دعا السيد أبو عبيدة "المدنيين الاسرائيليين لأخذ الحيطة واللجوء الى الملاجئ حيت أعلن انه سيتم قصف المواقع العسكرية المحيطة بتل ابيب س 9 من مساء اليوم".
- بعد تنفيذ عملية ناحل العوز بتاريخ 29/7/2014 أكدت القسام انها كانت تستهدف الموقع العسكري الصهيوني فقط والمجاور للمستوطنة وانها قامت باستهداف الجنود فقط وان القسام لم يستهدف المستوطنة القريبة مع انه كان يستطيع الوصول اليها بسهولة ومهاجمة سكان المستوطنة المدنيين.
- فى 20/8/2014 تم دعوة المدنيين فى غلاف غزة لمغادرة المنطقة والنزول الى الملاجئ ودعوة الطائرات لعدم السفر ابتداءً من الساعة 6 من صباح 21/8/2014.
- فى 23/8/2014 صرح خالد مشعل بان "حماس لا تستهدف المدنيين، وان الصواريخ التي تمتلكها بدائية وليست دقيقة لذلك قد تحيد ووعد بإنذار المدنيين الاسرائيليين قبل اطلاق الصواريخ".
ختاماً؛ من المهم الاستناد الى "الرواية الإسرائيلية" التي تتحدث عن ان صواريخ حماس والمقاومة التى تم ضربها على اسرائيل تزيد على 3500 قذيفة وصاروخ ولم يقُتل منها الا شخصين – بينهم جندي -وعشرات الاصابات الطفيفة وبالتالي هذا يؤكد صدق رواية المقاومة في انها لا تستهدف المدنيين بل الثكنات والمواقع العسكرية الاسرائيلية.
من المهم الوقوف على هذه التغيرات المهمة والتطور الهائل في الفكر القانوني لدي المقاومة الفلسطينية والذي يراعي قوانين القوانين الدولية وقوانين حقوق الانسان بغض النظر عن مدى ايمانها بالشرعة الدولية ومؤسساتها المتهمة دائما بالكيل بالمكيالين وعدم الحيادية والانحياز الواضح للرواية الاسرائيلية الكاذبة.
والمطلوب من المقاومة الاستمرار في هذا النهج مع اهتمام اكبر به ومراجعته باعتبار أن قوانين حقوق الانسان في اساسها تنبع من شريعتنا الاسلامية الغراء وقيمنا العربية الاصيلة.
------------------------------------------------------------