المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الملامح الأساسية للعلاقة بين نظام الوقف والاقتصاد


Eng.Jordan
02-21-2012, 01:05 PM
الملامح الأساسية للعلاقة بين نظام الوقف والاقتصاد
مدخل نظري

د. أحمد محمد السعد



المرجع في المرفقات







الملخص

يعد الوقف مورداً اقتصادياً مهماً، يسهم في إعادة ترتيب علاقات المجتمع، ومن هنا جاء هذا البحث ليبين أهم الملامح الأساسية للعلاقة بين نظام الوقف والاقتصاد من خلال علاقة الوقف بالسلوك الاقتصادي الذي ينبني على متغيرات تتمثل في السلوك الإدخاري والملكية والمنفعة.

ويبين البحث علاقة الوقف بالتوزيع والإنتاج والاستهلاك وسد الحاجات الأساسية التي تشكل الدورة الاقتصادية المتكاملة، ليقوم الوقف على تفعيلها في الاتجاه الإيجابي بتحقيق مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع. فنظام الوقف يطرح علاقة الوقف بالدولة في إطار أخلاقي يجمع بين مفهوم الربح والهبة، إذ يهدف الوقف إلى المنفعة الأخروية عن طريق التصدق والهبات، إذ هو تبرع في الحياة كالهبة والصداقة لنيل الأجر والثواب. ويهدف أيضاً إلى المنفعة الدنيوية؛ لأنه يضمن تأمين الحاجات الأساسية والضرورية لأفراد المجتمع المحتاجين، ويخلق فرصاً للاستثمار العائد على النفع العام أو الخاص في ضوء شروط الواقف، أو ما تراه الدولة يصب في المصلحة العامة.

والوقف على هذا الأساس من المؤسسات غير الربحية، ولكن من الممكن – على سبيل التجاوز – القيام ببعض المشروعات الاستثمارية التي تحقق بعض الأرباح للإسهام في النفقات التي يحتاجها جهاز الوقف بصفة مستمرة، وبخاصة في حالة عجز غلة الوقف أو مخصصاته الوقفية للنهوض باحتياجات الإنفاق الجديدة.

Abstract

Al-Waqf is an important economic source that contributes in the rearrangement of social relations. This study shows the essential features of the relationship between waqf and economic behavior that is ****d on variables such as depository, ownership and benefit. The study shows the existence of a relationship between waqf, distribution, production, consumption and meeting basic needs that make up the integrated economic cycle, so that waqf activates it positively be ensuring individual and social welfare. Waqf system presents the relationship between waqf and state in a moral framework that combines profitability and grant. Waqf aims at charity and promoting to get credit in later life. It also aims at secular benefit as it meets essential needs of the needs of the needy and creates chances for investment.

Waqf is a non-profit institution. But it is possible to make some investment projects that incur profits so as to contribute to the expenses of Waqf maintainability.

المقدمة
يعد الوقف أحد الأدوات الاقتصادية المهمة التي يتبناها المنهج الإسلامي في إعادة ترتيب علاقات المجتمع. وبدون شك فإن نظام الوقف يرتبط بالسلوك الاقتصادي للمسلم من خلال رؤيته العامة للعمل الإنساني المشترك المتضمن توجيه علاقة الإنسان بخالقه على أسس إيمانية وأخلاقية سامية والتي يظهر من خلالها قيم إسلامية قادرة على تحريك عجلة النشاط الاقتصادي نحو أهداف الخير العام ومصلحة الجماعة. ويتناول هذا البحث بعض جوانب الآفاق المشتركة للعلاقة بين الوقف والاقتصاد وذلك في المطالب الأربعة التالية:

المطلب الأول: مفهوم الوقف والسلوك الاقتصادي.

المطلب الثاني: الوقف وعلاقات التوزيع والإنتاج وسد الحاجات.

المطلب الثالث: الوقف والثروة القومية: تفعيل أم تعطيل؟

المطلب الرابع: الوقف والأخلاقيات الاقتصادية: ربح أو هبة أو الاثنين معاً.























المطلب الأول
مفهوم الوقف والسلوك الاقتصادي

أولاً: مفهوم الوقف

الوقف لغة: الحبس والمنع(1).
قال تعالى: "وقفوهم إنهم مسؤولون(2)" أي احبسوهم عن السير(3).
وتحبيس الشيء أن يبقى أصله(4). وفي الحديث: "أن خالداً قد احتبس أدرعه واعتاده في سبيل الله".
أي وقفها على المجاهدين(5).
اصطلاحاً: لم تتفق عبارة الفقهاء على تعريف الوقف، وسأذكر تعريفاتها دون مناقشتها، واختار منها مع بيان السبب.
عند الحنفية(6): ورد تعريفان، أحدهما لأبي حنيفة: حبس العين على ملك الواقف والتصدي بالمنفعة. والثاني للصاحبين: حبس العين على ملك الله تعالى وصرف منفعتها على من أحب.
عند المالكية(7): إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازماً بقاؤها في ملك معطيه ولو تقديراً.
عند الشافعية(8): حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه على مصرف مباح.
عند الحنابلة(9): تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة.
وتعريف الحنابلة هو المختار، لأنه مستمد من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ومطابق له. حيث قال لعمر رضي الله عنه: "إن شئت حبست أصلها وسبلت المنفعة"(10). والنبي صلى الله عليه وسلم هو أفصح الناس لساناً وأكملهم بياناً وأعلمهم بالمقصود من قوله.

ثانياً: أركان الوقف
سأورد هذه الأركان مع ذكر شروط كل ركن دون تفصيل، استكمالاً للبحث وتكتمل الفكرة عند القارئ.

فالوقف عند جمهور الفقهاء له أربعة أركان، هي: الواقف، المال الموقوف، الموقوف عليه، الصيغة(11). أما الحنفية فعندهم ركن واحد وهو الصيغة(12).

شروط الوقف(13): العقل والبلوغ والاختيار والحرية، وألا يكون محجوراً عليه لسفه أو غفلة.
وقد أجاز بعض الفقهاء(14) وقف المحجور عليه لسفه أو غفلة في حالة واحدة، وهي أن يقف على نفسه، ثم على جهة بر وخير. لأن هذا الوقف – عند المجيزين له – لا ضرر عليه منه، بل قد يكون فيه مصلحة وهي المحافظة على مال نفسه.

واشترط الفقهاء لنفاذ الوقف(15): ألا يكون الواقف محجوراً عليه لدين، وألا يكون مريضاً مرض الموت. وقد فصل الفقهاء في ذلك ويرجع إليه في مظانه، ولا مجال لذكره هنا.

شروط المال الموقوف(16): أن يكون مالاً متقوماً، ومعلوماً، ومملوكاً للواقف ملكاً باتاً. لأن الوقف تصرف برقبة العين الموقوفة، فلا يصح إلا ممن يملك حق هذا التصرف أصالة أو نيابة. وأن يكون قابلاً للوقف بطبيعته.

شروط الموقوف عليه(17): أن تكون جهة بر وخير، كالمدارس والمستشفيات والمساجد وغيرها. وأن تكون غير منقطعة، وهذا الشرط مرتبط مع مسألة تأبيد الوقف. وقد اختلف الفقهاء في ذلك، يمكن الرجوع إلى كتب الفقه للتفصيل(18). وألا يعود الوقف على الواقف، وهذا محل خلاف بين الفقهاء أيضاً. والراجح عدم جواز الوقف على النفس(19). وأن تكون الجهة مما يصح ملكها والتملك لها(20).

شروط الصيغة(21): أن تكون جازمة وتخلو من خيار الشرط، ومنجزة، ومؤبدة، ومعينة المصرف، وألا تقترن بشرط يخل بأصل الوقف أو ينافي مقتضاه. أما شرط التأبيد فهو محل خلاف.

ثالثاً: حكم الوقف

اتفق الفقهاء على جواز الوقف، وثبتت مشروعيته في الكتاب والسنة والإجماع.

من الكتاب: قوله تعالى: "لن تناولوا البر حتى تنفقوا مما تحبون"(22).

وقوله سبحانه: "وما يفعلون من خير فلن يكفروه"(23).

وقوله عز وجل: "وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون"(24). وغير ذلك من الآيات التي تحث على فعل الخير.

من السنة: السنة العملية(25): وقف الرسول صلى الله عليه وسلم مسجد قباء، ووقف سلاحاً وأرضاً. فقد كان لأحد يهود وهو مخيريق سبعة حوائط، وقد اشترك في القتال يوم أحد مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال إن قتلت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراد الله تعالى. فقتل يوم أحد وقبض الرسول صلى الله عليه وسلم أمواله، وتصدق بها أي أوقفها.

السنة القولية: ما رواه البخاري ومسلم(26)، أن عمر بن الخطاب أصاب أرضاً بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ فقال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، قال؛ فتصدق بها عمر أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول.

ما رواه مسلم(27) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له".

من الإجماع: أجمع الصحابة على جواز الوقف. ومما يدل على ذلك ما قاله الشافعي رحمه الله(28) "بلغني أن ثمانين صحابياً من الأنصار تصدقوا بصدقات محرمات". أي الأوقاف، فالشافعي يطلق عليها محرمات.

وقال جابر رضي الله عنه(29): "ما بقي أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وقف وقفاً".

وقال النووي(30): وهذا مذهبنا، يعني الشافعية. ومذهب الجمهور، ويدل عليه أيضاً إجماع المسلمين. وأما أهم المتغيرات الاقتصادية(31) التي يمكن استبناطها من دلالات التعريف اللغوي والاصطلاحي للوقف هي الادخار (التحبيس) (32) والملكية والمنفعة، وسيتم تحليلها في ضوء علاقتها بالسلوك الاقتصادي للواقف.

رابعاً: مفهوم السلوك الاقتصادي

لقد دأب الاقتصاد المعاصر على تعريف السلوك الاقتصادي بأنه ذلك النشاط الذي يمارسه الفرد غير علاقات السوق أو المنشأة أو الوحدات الإنتاجية المختلفة.

ويقسم علماء الاقتصاد السلوك الاقتصادي إلى ثلاثة أنواع، هي: السلوك الرشيد (Rational Behavior)، والسلوك غير الرشيد (Irrational Behavior)، والسلوك العشوائي (Random Behavior). وتختلف هذه الأنواع فميا بينها حسب معيار التوافق والانسجام بين طريقة النشاط الذي يمارسه الفرد وبين الأهداف الاقتصادية المراد تحقيقها(33). فالسلوك الرشيد هو توافق الأهداف مع حركة النشاط الاقتصادي، والسلوك غير الرشيد هو عدم التوافق بين الأهداف وحركة النشاط الاقتصادي، والسلوك العشوائي هو افتقاد العملية الاقتصادية للأداء السليم للنشاط أو افتقاد الأهداف المرجوة.

ولكن يفترض علماء الاقتصاد حالة مهمة جداً وهي أن السلوك الاقتصادي لا يمكن النظر إليه بأنه سلوك غير رشيد أو غير عقلاني ما دام يهدف إلى تعظيم (maximizing) شيء ما. بمعنى أن السلوك الاقتصادي يمكن وصفه بأنه سلوك رشيد وعقلاني ولو افتقر إلى الصفات المثلى الملازمة للقيم الإيجابية.

ويعني ذلك بوضوح أن السلوك الرشيد لا يتضمن بالضرورة عنصر الأخلاق أو عنصر العقيدة أو شكل النشاط المرغوب فيه، ولا يعني أن الفرد الرشيد لا تصدر عنه أخطاء صريحة.

وتبعاً لهذه الاتجاهات التي يطرحها الاقتصاد المعاصر فإن المتغيرات الاقتصادية الآنفة (الادخار، الملكية، المنفعة) تقع ضمن دلالات الرشد والعقلانية بشرط تلازمها مع الأهداف، بصرف النظر عن الجوانب القيمية والإنسانية. وللمثال على ذلك فالسلوك الادخاري للمنتج هو سلوك رشيد إذا استهدفه المنتج، ولو كان لأغراض احتكارية أو منع السلع وحبسها عن التداول بن الأفراد. وكذلك ظاهرة الملكية هي ظاهرة عقلانية إذا قصدها واستهدفها الفرد ولو تضمنت صور الاعتداء على حقوق الآخرين، ويلحق بذلك المنفعة المشتقة من قبل المستهلك ولو أراد بذلك الإضرار بمصالح الجماعة أو تحقيق الإشباع (اللذة) من الخبائث.

ويمكن بيان علاقة الوقف بالسلوك الاقتصادي من خلال تتبع دلالات بعض المعاني الاقتصادية المتضمنة في تعريف الوقف وذلك ضمن البعدين: اللغوي والفقهي على السواء.

فعند أهل اللغة كما بينت سابقاً يرتبط معنى الوقف بالتحبيس والتسبيل، ويقال وقفت كذا، أي حبسته. ووقف الأرض وقفاً أي حبسها، ويقال وقف الأرض على المساكين أو للمساكين في لغة أخرى(35).
وأما المعنى الاصطلاحي للوقف، فهو ذو مضمون متفق عليه إلى حد ما من الوجهة الاقتصادية حسب الشروحات التي أوضحها غير واحد من العلماء، وإن اختلف في بعض جوانبه الشكلية. فقد ذكرت في التعريف الاصطلاحي للوقف عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله هو حبس العين واستبقاء الأصل على ذمة ملك الواقف وحكمه، والتصدق بالمنفعة على جهة الخير(36). وعند المالكية هو استبقاء منفعة العين الموقوفة لأحد المستحقين لمدة معينة يراها الواقف(37).

وأما مفهوم الوقف عند جمهور الفقهاء (الشافعية والحنابلة والصاحبين: هو حبس العين على ملك الله تعالى والتصدق بالمنفعة(38) وهذا المفهوم يتفق مع نص الحديث النبوي بأنه تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة، وهو المعنى المشهور في مذهب الشيعة والزيدية(39).

ومن هنا لا بد من إعادة صياغة مفهوم السلوك الاقتصادي (السلوك الرشيد) مع صيغة الوقف في إطار الاقتصاد الإسلامي(40). فالمعروف أن الوقف يشكل ظاهرة اقتصادية إذ "إن قرار إنشاء الوقف هو قرار ذو جانب اقتصادي يتعلق بطريقة الانتفاع بالمال، ومن هو المنتفع"(41). وترتكز ظاهرة الوقف على أصول الشريعة الإسلامية الرامية إلى تحقيق مقاصد فطرية وأخلاقية وإنسانية واجتماعية عامة، كما أنها تكفل وجود غطاء تنظيمي مرن في إطار الأحكام الشرعية، إذ إن هنالك مجموعة كبيرة متجانسة من القواعد (الثوابت) الفقهية التي تحكم أهداف الخير العام ومصلحة الجماعة، وتحقق في نفس الوقت الإطار القيمي والأخلاقي والإنساني للسلوك الاقتصادي، وتصبغه بصبغة عقدية راسخة ومتينة، ومن أهم هذه القواعد: "التصرف على الرعية منوط بالمصلحة"، "لا ضرر ولا ضرار"، "الضرر يزال"، "يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام"، "الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف"، "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة أو خاصة"، وغير ذلك من القواعد الفقهية(42).

إذن، فالسلوك الاقتصادي الرشيد يعكس حالة قيمية مثلى في التصور الإسلامي، وذلك لأن النشاط الذي يمارسه الفرد لتحقيق هدف ما، يلتزم بالقانون الشرعي القائم على أصول العقيدة الإسلامية، مما يتفرع عنه ضرورة وأهمية مراعاة المبادئ الأخلاقية والإنسانية الإيجابية التي تحقق الأهداف الجماعية للمجتمع.

خامساً: تكييف متغيرات السلوك الاقتصادي مع نظام الوقف

1. الوقف والسلوك الادخاري(43): إن علاقة الوقف بالادخار واضحة من جهة إطلاقه على معنى الحبس ومنع العين الموقوفة عن أنشطة التبادل في السوق. وفي هذه الحالة يحتمل تكييف نظام الوقف مع السلوك الادخاري معنيين. أحدهما: أن الادخار يراد به حفظ الأموال الموقوفة وتخزينها وحجزها عن عمليات التداول، أي أن الادخار مقصود لذاته ولا غاية عن القيام به إلا ترصد الحاجات الخاصة خوفاً من فوات الفرص المنتظرة أو ضياعها. إن هذا المعنى أقرب إلى نموذج الوقف الذري الذي يستهدف تضييق استخدام الأعيان الموقوفة في إطار قرابة أو عائلي محدود. ويدل المعنى الآخر على أن الادخار غير مقصود لأغراض التخزين والحفظ ولو اتخذ طبيعة هذا الشكل، وإنما هو مقصود للانتفاع والإنفاق على الغير وعلى مشروعات الخير العام. إن المعنى الأول للادخار جائز ولكن الجواز يرتبط بوجود إشكالات واضحة، إذ إن سلوك الفرد يتعدى حدود الاستخدام الرشيد والعقلاني للأعيان الموقوفة، والتي وجدت أصلاً للانتفاع بها بدلاً من إمساكها وحجزها عن إفادة الغير. ولكن المعنى الثاني يشكل أهمية قصوى لأنه يوفر ظروف الجدوى الاقتصادية من خلال توسيع قاعدة الاستفادة من الأعيان الموقوفة والقدرة على إعادة تدويرها وتنميتها. ومن إشكالات أو محاذير المعنى الأول أن الادخار يرتبط على نحو قريب بمعنى الاكتناز، أي حجز تدفق الثروة أو تيار الدخل النقدي من الانسياب والجريان في القناة الاستثمارية المطلوبة، وكما هو معروف فإن الاكتناز يمثل سلوكاً اقتصادياً يستهدف تجميد الأموال وتعطيل الموارد الاقتصادية(44).

وقد ذهب بعض علماء الاقتصاد المعاصر، ومنهم العالم "كينز" وهو أحد أهم مشاهير علم الاقتصاد وأبرز رجالاته المعاصرين، إلا أن الادخار يجب أن يكون معادلاً للاستثمار. وقد جاءت آراء الادخار تبرز كقناة استثمارية لديها القدرة على إيجاد الحلول الاقتصادية لمشكلات الانكماش(45) والبطالة عند سعر فائدة يساوي الصفر(46). (= إبطال عملية الربا).

ومن هنا يتضح أن مفهوم الوقف على اعتبار أنه حبس للأعيان الموقوفة يرتبط بالسلوك الادخاري الذي يتخذ شكل وعاء للموارد الاقتصادية بحيث يتم استثمار مكونات الوعاء الاقتصادي على أساس عقلاني رشيد تتوافق من خلاله أهداف ونشاطات الاستثمار بعضها مع بعض ضمن الإطار القيمي والأصول العقدية على السواء.

2. الوقف والملكية: يتضح من أقوال الفقهاء حول المعنى الاصطلاحي للوقف وعلاقته بالملكية، أن ظاهرة الملكية تختلف بشكل نسبي في شروحات الفقهاء حسب معيار لزوم الوقف وحق التصرف في منفعة العين الموقوفة. فالإمام أبو حنيفة رحمه الله، والذي لا يقول بلزوم الوقف، أي لا يلزم انتقال ملكية العين الموقوفة أو زوالها عن ملك الواقف، مما يضمن للواقف فرصة الرجوع عن الوقف لأنه يملكه، ويجوز له حق التصرف فيه، مما يعني أن المدة الزمنية لحق انتقال ملكية الوقف محدودة، ويمكن للواقف استرداد ما وقف في أي لحظة زمنية. وعند المالكية كذلك تخضع قاعدة انتقال الملكية لمدة زمنية محدودة (التأقيت)، أي أن المنفعة المترتبة على المال الموقوف تستمر لمدة مؤقتة معلومة ثم ينتقل بعدها الموقوف للواقف(47).

وأما جمهور الفقهاء، فقد أسقطوا إرادة الواقف مطلقاً في جواز استرداد ملكية الموقوف، أي أن المدة الزمنية لا نهائية في هذه الحالة (التأييد)، فتنتقل بموجبها ملكية الموقوف إلى ملكية الجماعة، التي هي في الأصل ملك لله تعالى(48).

إن مفهوم الوقف لدى جمهور الفقهاء يسهم في إيجاد قاعدة متينة لمشروعات الوقف، ويكفل لها وجود قوة ودعم حيوي في خطط التنمية الوطنية. كما أن الاستثمار الوقفي يتخذ دوراً أكثر كفاءة وجدية على مدى الأفق الزمني، الأمر الذي يسمح بوجود فرص أكثر فاعلية في مجالات الاستثمار طويل الاجل، وذلك خلافاً لرأي الحنفية والمالكية الذي لا يسمح إلا بمشاركة محدودة في نشاطات التنمية. ويتبلور هذا الجانب بشكل خاص من جهة أن الوقف يرتكز بشكل أساسي على عنصر الأرض والعقارات غير المنقولة، مما يعني أن أهمية إطلاق المدى الزمني في مسألة المالكية للأعيان الموقوفة لا ينحصر في إطار البيئة المكانية فحسب وإنما يسهم في إيجاد مساحة واسعة لعمل متنوع قادر على التكيف الواعي مع عوامل المكان وعناصر العمل حسبما تقتضيه احتياجات التنمية. وواضح في هذا الجانب أن الأفق الزمني كمتغير اقتصادي على المدى الطويل يكشف جدوى المشروعات الوقفية واستخداماتها البديلة حسب تغيرات الرقم القياسي لتكاليف المعيشة، الذي يطلق عليه أحياناً مصطلح "مؤشر الأسعار"، إذ إن هذا المؤشر أو الرقم القياسي يقوم بتوجيه النشاطات الوقفية في الاستخدامات الرشيدة. ولكن من جانب آخر، قد يتحقق في بعض الحالات الخاصة استفادة محدودة من ظاهرة "تأقيت" الوقف، وتتمثل ببذل الواقف لجزء من عقاراته على سبيل الخدمة الطارئة لمصلحة مؤسسة الوقف، ويتم ذلك على سبيل المثال بتقديم مساكن مؤقتة للإسهام في حل أزمة سكنية ونحو ذلك.

3. الوقف والمنفعة: المنفعة هي اللذة أو القناعة التي يحصل عليها الفرد من استهلاك سلعة أو خدمة. والمعروف أن قرارات الاستهلاك تعتمد على قيم المنفعة الهامشية (الحدية) لكل وحدة نقدية، ويفترض علماء الاقتصاد أن المستهلكين لديهم الرغبة في زيادة قناعتهم إلى أقصى درجة ممكنة عن طريق سلة سلع و خدمات مكونة من أذواق مختلفة(49).

إن أهمية المنفعة في التصور الإسلامي لا يتعدى اعتبارها وسيلة من الوسائل المصاحبة للنشاط الاقتصادي من أجل تحقيق القدر الأدنى من ضروريات الحياة وذلك في ضوء ما يضمن ارتقاء الإنسان وتحريره من أوهام الحياة المادية. وتمثل الشروحات الفقهية (الأحكام الشرعية) التي تضبط السلوك الاستهلاكي للفرد، توجه قناعاته ولذته نحو الحياة الأخروية التي تتميز بوفرة المنفعة ومضاعفة الثواب. هذا وإن نظام يساعد الأفراد في الحصول على المنافع العمومية وتحقيق أشكال مختلفة من الإشباع أو القناعة التي تصب في مصلحة الخير العام، وكما هو معروف فإن منفعة الوقف هي منفعة موجبة (أي في جانب الطيبات وليس في جانب الخبائث)، وأن ملكية منفعة الموقوف شرط في صحة الوقف مهما اختلفت أشكال وصور العين الموقوفة(50)، وواضح أن المنفعة الموجبة تدخل في معنى الصدقة الجارية (تيار دخل مستمر) كما ورد الحديث، لذا فالمنفعة في التصور الإسلامي تشتمل على قيم موجبة. وقد ورد في القرآن الكريم العديد من ألفاظ: الخير والإحسان والبر والطيبات(51). وهي بعمومها تفيد الخير العام. ومن هنا فإن المنفعة المستهدفة في مشروعات الاوقاف تتعدى المشروعات الضارة في المجتمع، وتتجاوز المنفعة المشتقة من الخبائث، وجميع صور الاستثمار المحرمة شرعاً. ولذا يتجه سلوك الواقف بالإنفاق على مشاريع البنية التحتية لتحقيق منافع يستفيد منها معظم الأفراد، ومثال ذلك بناء الجسور والقناطر وتشييد دور الرعاية الصحية للمرضى والمراكز التعليمية كالمدارس وبناء المساجد والرباطات وغيرها.







المطلب الثاني
الوقف وعلاقات التوزيع والإنتاج وسد الحاجات

أولاً: الوقف وعلاقات التوزيع

تشتمل فكرة التوزيع على تخصيص مكافأة نسبية من الثروة أو الدخل على عناصر الإنتاج المختلفة، ومن جانب آخر ترتبط فكرة التوزيع "بالتحويلات الاجتماعية"، أي إسهامات الأفراد في مدخلات الخير والبر والإحسان العام، في إطار مبادئ التكافل بين الأفراد في المجتمع الإسلامي.

والواقع أن دخل الفرد يصب في ثلاث قنوات رئيسة، هي: الإنفاق على النفس أي الإنفاق على الاستهلاك الشخصي، والإنفاق على الغير (التحويلات الاجتماعية الخاصة)، والإنفاق على مصالح الجماعة والخير العام (التحويلات الاجتماعية العامة) (52).

وأما سلوك الواقف فإنه يتم عن طريق تحرير جزء من دخله في قناة التحويلات الاجتماعية العامة. وبذلك يسهم نظام الوقف بنقل قوة شرائية (= خدمات) أي جزء من الدخل أو الثروة، من فئة اجتماعية إلى أخرى. أن الوقف على الخدمات العامة التي تستفيد منها الفئات المحتاجة أو الفقيرة، هو في ذاته تحويل عام للقوة الشرائية لصالح هذه الفئات.

ويدعم المنهج الإسلامي سلوك الواقف نحو توسيع دائرة المشاركة الاجتماعية، لأن ما يزيد عن حاجة الفرد من دخله المكتسب أو ثروته يجب أن يصرف للاستهلاك في إطار الأهداف الجماعية وتحقيق مصالح الخير العام. يقول الإمام الغزالي: "ولا خلاف في أن تفرقة المال في المباحث فضلاً على الصدقات أفضل من إمساكه"(53). وفي موضع آخر قول: "فإذن ترياق المال أخذ القوت منه وصرف الباقي إلى الخيرات وما عدا ذلك سموم وآفات"(54). ويعني ذلك أن التوزيع العاجل للدخل في مشروعات الوقف يحقق كفاءة عالية للمردود الاجتماعي والاقتصادي الذي تعم فائدته بسبب سرعة تدوير الثروة والدخل وانتفاع الناس به.

هذا، وإن معيار توزيع الأعيان الموقوفة ينبع من فكرة الإحسان وواقع الخير والبر والذي تضمنته فكرة "الصدقة الجارية"، وبدون شك فإن ضوابط المنهج الإسلامي المتضمنة ضرورة الاعتدال والرفق في الإنفاق والنهي في تضييقه أو توسيعه (التقتير = التبذير)، من شأنه أن يحد من مستويات الطلب الاستهلاكي، ويصحح قرارات الإنفاق الفردية ويساعد في حفظ التوازن لقوى السوق وحماية علاقات التوزيع من الاختلالات وتقلبات الأسعار. وثمة إشارة جوهرية في سياق الحديث عن علاقة الوقف بالتوزيع، وهو أن ثروة الواقف أو دخله ينبغي النظر إليه على أنه معادل لمجموع قيم الإنفاق على الاستهلاك والادخار، وهو المتحقق فعلياً في ظل تطبيق المنهج الإسلامي، أي أنه لا وجود للضرائب بصيغتها المعاصرة (الخراج، الضرائب)، ويسهم ذلك بضمان فرصة حقيقية للواقف لتفعيل قدرته على توجيه الإنفاق في ظل الفرضية الرأسمالية المعاصرة، وذلك أن الفرد في ظل هذه الفرضية يجب أن يخصص جزءاً من دخله للإنفاق على الضرائب الحكومية(55) ونتيجة لهذا فإن الإنفاق في المصالح الجماعية والذي يقوم به الواقف يضمن الاستفادة الكلية من الدخل المتاح على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة.

مرسى الأماني
12-16-2014, 02:16 AM
thankssssssss