المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فن الكتابة في زمن الحرب


عبدالناصر محمود
08-31-2014, 08:27 PM
فن الكتابة في زمن الحرب
ـــــــــــــ

(سلمان بن محمد العنزي)
ـ{مقال بتاريخ : السبت 28 محرم 1424 الموافق 05 إبريل 2003 م}ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

5 / 11 / 1435 هــ
31 / 8 / 2014 م
ـــــــــ

http://islamtoday.net/nawafeth/images/image_holder.jpg

إذا كانت آية هذا الزمان الصحف والإنترنت؛ فإن الواجب على كل كاتب آتاه الله مداداً أنقى من قلب التقي، وأسلوباً أرشق من قوام الحسناء -الميادة أن يسخر كلماته وحروفه في بناء الإنسانية على الوجه الذي يرضى الخالق، ويزداد هذا المطلب في أوقات الحروب المدوخة، المقتاتة على دماء الأبرياء، والعابثة بحريات الناس، والمقطعة لوشائج القربى، والساخرة بالمعتقدات والمقدسات. وأوقات الحروب يضل فيها الرأي الحكيم، وتضطرب فيها القلوب المستقرة، وتتمزق فيها العواطف المتمازجة، ويفقد فيها الإنسان معنى الإنسانية، ولا يرى إلا الدمار والخراب محيطاً به إحاطة (الشناقة) بعنق المحكوم عليه بالإعدام ولا يستثنى من هذه الصور وتلك التهاويل أحد، وإنما يختلف الناس في خوفهم على مقدار معرفتهم بربهم وقربهم منه.
والكتابة في هذه الأوقات تحتاج إلى عقل وافر، ونفس منضبطة، وعواطف مقنعة، ومعرفة دقيقة، وأسلوب رشيق يتسرب في شعاب النفوس كما يتسرب النهر في عروق الأرض، وما أصدق كلمات الأديب الكبير مكسيم غور كي حينما قال:
"ويجب على الأديب أن يفهم أنه لا يكتب بالقلم فحسب، بل يرسم بالكلمات، لأنه يرسم لا كما الرسام الذي يجسد الإنسان جامداً؛ بل عليه أن يصور الناس في حركاتهم المستمرة، ويصور أفعالهم ويصورهم في صدامهم الدائم مع بعضهم بعضاً، ويصور أيضاً تصارع الطبقات والمجموعات والأفراد..".
كما يجب على الأديب أن يقرأ التاريخ قراءة جيدة، لأن الماضي يعود بأثواب متعددة غير أن اللابس واحد، والله عز وجل قصّ علينا أحوال الأمم السابقة في حال بطشها وتكبرها وتجبرها وفي حال ضعفها ونهايتها حتى نقيس الحاضر بالماضي لنجد أن البدايات والنهايات تتشابه، والذكي من يعرف كيف يفيد منها في حال البدايات؛ لتقوى شوكته ويستحصد رأيه، ويكون فعله وفق قانون الله في الحياة الذي لا يتخلف، وصدق الله إذ يقول: "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى".
وباختصار فإن على الأديب - في أمثال هذه الأوقات العصيبة- أن يقوم بدور المربية وبدور حفار القبور الذي يعلم الأسرار، ويعتبر بالتجارب، ليقول كلمته عن وعي كامل ومقدرة فذة بأسلوب ****** المداوي.
إن الأديب الحق لا يملك نفسه، فهي مُصادرة من قِبَل الدين أو الأمة أو الوطن يصرفها حيث يشاء وهذا ما يجعل كلماته حافلة قوية مؤثرة، لأنها لا تنبع من قوة رجل واحد، بل من قوة شعب بأكمله، له إمكاناته وقدراته ومعتقداته، فإذا قيلت تلك الكلمات؛ كان لها أثر الشمس في الحياة، لا تمنعه السقوف الأثرية، ولا الستائر المخملية.
ولعل هذا ما يفسر لنا أن قادة التغيير في العالم أغلبهم من المثقفين، أو هم في صحبة المثقفين، وهذا ما تحاول أن تفعله أمريكا اليوم، حتى أن بعض الباحثين يرجع كثيراً من تصرفات أمريكا - بعد أحداث الحادي عشر- إلى نظرية هنتجنتون في صدام الحضارات، أو نظرية (فوكوياما) في نهاية التاريخ وسيادة لنظام الليبرالي.
لا... ليس لكلمات الأديب الحق سترة واقية من الرصاص، أو مكاتب محاماة لأنها من روح الشعب تنبع، ويجري لها ما يجري للشعب من ألم وأمل، ومن بكاء وضحك، ومن حياة أو موت، إنها كلمات سائمة تأخذ سمت النبوة فإذا قُتِلت أو أُجهِضت عادت من جديد أقوى وأشد في صورة الآلاف من الشباب، والآلاف من الفتيات، والآلاف من الشيوخ..
والأديب الحق والكاتب المثقف لا يقول كلمة إلا بعد أن يبروزها ثم يعرضها على ميزان قلبه وعقله ليرى مدى تأثيرها، ومبلغ أثرها حتى لا يكون داعية إلى فوضى واضطراب، أو داعية إلى شؤم وقتال، فيكون أنحس من البسوس.. فإن أبى الأديب إلا الطريق العاطفية فإن له نهاية هو مدركها بوجه من الوجوه، ولم تتخلف في التاريخ كله ألا وهي الموت الزؤام، وقديماً قيل إن الثورة تأكل أبناءها، والسبب يعود إلى تقديم الانفعال والحماس على الرؤية والروّية عند معالجة الأمور الكبار، ولا يعني هذا أنني أدعو إلى التخاذل أو التقاعس، بل يعني أن تكون طلقتك عندما تخرج لا تستقر إلى في رأس عدوك
الرأي قبل شجاعة الشجعان
هو أول وهي المحل الثاني

فإذا اجتمعا لنفس حرة
بلغت من العلياء كل مكان
الأديب والكاتب لا يستغني عن الكتابة أبداً، إنه عندما يصل إلى مرحلة الاستغناء يموت ويذهب أدراج الرياح، فلا قيمة لأديب لا يكتب، ولا قيمة لكتابة لا تكون في الصميم، باعثة الهمة في قلوب الشباب، ومبصرة المجتمع بما يجب عليه.. إن الكتابة قدر الأديب، ويعظم هذا القدر ويثقل على النفس عندما يكون في أمثال هذه الأوقات التي تصنع رجالها، فمن ثبت اليوم وقال كلمته بكل إخلاص وتجرد، مع الدقة في الصياغة والعناية بالأسلوب والاهتمام بالوقت المناسب فإنه سيكون كاتب المستقبل، وأديب الأجيال، ومن حاد واجتالته الأهواء والشهوات فإنه سيكون كذرة تراب، سكنت عنها الريح فهدأت، تبحث عن أهوائها ومطامعها حتى إذا ثارت الريح ضربتها فيمن ضربته وطوتها فيمن طوت..
إن الكتابة هي قدر الأبطال عندما يتجردون من أنفسهم ويحين الوقت لذلك، ويعجبني جداً ما قاله الأديب الفذ (أدواردو غاليانو) عن أهمية الكلام، ومتى يكون وكيف يكون، يقول: "أرادت الديكتاتورية في الأورغواي من كل شخص أن يقف وحيداً، ولا يتكلم إلى أحد من السجناء الآخرين، لقد كان التواصل جريمة، لقد أمضى بعض السجناء أكثر من عشر سنوات مدفونين في زنزانات منفردة بحجم التوابيت، لا يسمعون شيئاً سوى صوت القضبان، أو الخطوات في الممرات، ولم يبق على قيد الحياة إلا اثنان منهم، لأنهما استطاعا التحدث مع بعضها البعض من خلال النقر على الحائط. بتلك الطريقة تحدثنا عن الأحلام والذكريات، والدخول في الحب والخروج منه، وتناقشا وتعانقا وتقاتلا، وتقاسما المعتقدات والحسناوات، والشكوك والذنوب، وتلك الأسئلة التي ليس لها أجوبة..
حيث يكون الصوت الإنساني حقيقياً، حين يولد من الحاجة إلى الكلام، لا أحد يستطيع أن يوقفه، حين يمنع عنه الفم يتحدث بالأيدي والأعين، بالمسام أو بأي شيء آخر، لأن كل واحد منا لديه شيء يقوله للآخرين، شيء يستحق أن يحتفي به الآخرون..).
وهل هناك أعظم من كلمة الحق التي تُحيي العباد والبلاد، لا أظن ذلك، وما قيمة الإنسان بدونها؟ إنه أشبه ما يكون بكيس قمامة مُلقى على الباب، ينتظر يد العامل تلقيه في حاوية النفايات..
وهذا الكلام الذي قاله (إدواردو) قد قال مثال (الزبيري) شعراً:

كسّروا الأقلام، هل تكسيرها
يمنع الأيدي أن تنقش صخرا؟

قطّعوا الأيدي، هل تقطيعها
يمنع الأعين أن تنظر شزرا؟
أطفئوا الأعين، هل أطفاؤها
يمنع الأنفاس أن تصعد زفرا؟

أخمدوا الأنفاس هذا جهدكم
وبه منجاتنا منكم فشكرا
هذا بعض ما يجب على الكاتب والأديب نحو أمته، وهذا بعض ما يجب أن تكون عليه الكتابة الحية الخالدة التي تشرق للأجيال من بين السطور، وتبعث في قلوبهم دافئ الأقوال فتزيد همتهم، ومعرفتهم، وتقع أقدامهم عند أول الطريق لنصرة أمته، ولو كان الثمن نفسه:

ورب ضحية أحيت شعوباً
فكان لها انعتاق واقتحام

---------------------------------