المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أوجه الاتفاق والافتراق


عبدالناصر محمود
09-01-2014, 06:43 AM
التجربة السيساوية والتجربة الحفترية.. أوجه الاتفاق والافتراق
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(صالح النفزاوي)
ـــــــــ

6 / 11 / 1435 هــ
1 / 9 / 2014 م
ــــــــــ

http://204.187.101.75/memoadmin/media//version4_520142314255.jpg

ماذا يجري في ليبيا ؟ هل يعلم أحد من غير الليبيين حقيقة ما يجري في ليبيا على وجه التعيين ؟ لا أعتقد . فالبعض ينظر إلى الأوضاع الليبية على أنها صراع بين أجنحة الثورة على المغانم والمكاسب ، والبعض يتصور أن ما يجري في ليبيا هو صراع قبلي بين قبائل الشرق والغرب ، أو مصراتة و زنتانة ، والبعض يتصور أنه حرب على الإرهاب بين الجيش الوطني بقيادة العميل حفتر ـ على حد وصف العبرية ـ والمجموعات المتطرفة في بني غازي والشرق الليبي . والحقيقة أن ما يجري في ليبيا غير ذلك كله ، فالأمر ليس اقتتالًا وفوضى عمياء بلا هدف، كما يحلو للبعض أن يصور الأمر، ولا هو شجار بين ثوار الناتو كما يصفه آخرون، وإنما هو صراع بين الثورة والثورة المضادة، بين الإسلاميين وعملاء أمريكا والصهاينة في المنطقة .

فليبيا شأنها شأن سائر بلدان الربيع العربي واجهت صراعا عنيفا ومحموما بين أنصار الثورة الذين تحركوا بصورة عفوية ضد الظلم والفساد والاستبداد الراسخ منذ عشرات السنين ، ولا يرتبطون إلا بالشعب والحق الذي يؤمنون به ، وبين أنصار النظام البائد المرتبطين ارتباطا كاثوليكيا مع الفساد والظلم والاستبداد ومن قبل ذلك كله مع أمريكا والصهاينة ، ومع الأوضاع القلقة والهشة في ليبيا قبل مقتل القذافي ، وشعور كثير من رجاله بأن أيامه قد ولت وأوراقه قد ذبلت ، قفز كثير منهم من سفينة القذافي ووثبوا على سفينة الثورة بغية الحفاظ على مكاسبهم ومغانمهم ، على رأسهم محمود جبريل وخليفة حفتر وعارف نايض وجمال هابيل والضجران وعثمان وعبد المجيد المليقطة وغيرهم ، ولكن مع نجاح الثورة وزيادة شعبيتها وتفطن الليبيون لحقيقة تلون هؤلاء المرتزقة ، لم يجد المتآمرون الجدد موطأ قدم في ليبيا الثورة ، ومن ثم كان الانتقال لمرحلة أخرى في المواجهة .

البعض يعتقد أن التخطيط للثورة المضادة في ليبيا قد بدأ في أعقاب الانقلاب العسكري الدموي في مصر ، والإطاحة بأول رئيس مدني منتخب في البلاد ، ولكن الحقائق والأحداث تشهد أن التخطيط قد بدأ مبكرا جدا ، فبعد إقرار قانون " العزل السياسي " في البلاد والذي شمل كل من خدم في نظام القذافي طيلة ثلاثين سنة ، وجد كل فلول القذافي وأزلام أمريكا وصبيان ممالك النفط والرمال أنفسهم خارج المشهد السياسي برمته ، فبدأ أفاعي التآمر تبحث عن الوكر الذي تجتمع فيه ، فلم تجد أفضل من الراعي الحصري للثورات المضادة ، الامارات التي كانت عربية ، فقد شكلت دويلة الامارات غرفة عمليات خاصة بليبيا يترأسها القيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان ويساعده فيها أحد أبرز المستشارين الأمنيين لسيف الإسلام القذافي المحتجز بالزنتان محمد اسماعيل، وذلك بهدف زعزعة الاستقرار في ليبيا، حيث سُربت معلومات عن مساهمة غرفة عمليات الإمارات في تمويل مظاهرات "جمعة إنقاذ بنغازي" في سبتمبر 2012 ضد كتائب الثوار عن طريق رجل الأعمال الليبي وصاحب قناة "ليبيا أولا" حسونة تاتانكي، والتي انتهت بتفكيك كتائب الثوار التي كانت تحفظ أمن بنغازي، وظهور موجة من الاغتيالات طالت عسكريين ومدنيين وإعلاميين عُرف عنهم انتماءهم لثورة فبراير 2011. بل واستطاعت الإمارات عن طريق حزب تحالف القوى الوطنية وغيره من الموالين لها استجلاب الذين عُرفت عنهم مواقف إقصائية ضد تيار الإسلام السياسي كسفير ليبيا بالإمارات عارف نايض والملحق العسكري بالسفارة الليبية سالم جحا. وفي الوقت نفسه، فإن الإسلاميين في ليبيا بدأت تتكشف لهم المؤامرة الإماراتية في كل زاوية. في أبريل الماضي، فوجئ العديد منهم عندما رفضت الإمارات دخول عوض البرعصي، نائب رئيس الوزراء السابق وعضو قيادي في حزب العدالة والبناء التابع لجماعة الإخوان الليبية، وكان قد عاش في دبي لسنوات قبل أن يعود إلى ليبيا خلال الثورة.

ثم جاء الانقلاب العسكري ليحيي آمال كل المتربصين بالربيع العربي والراغبين في عودة الحكم الاستبدادي والديكتاتوري في المنطقة ، خاصة في ليبيا التي يحظى فيها الإسلاميون بوضع أفضل من أقرانهم في باقي بلدان الربيع ، فقد حفزت الإطاحة بمرسي والحملة الشرسة ضد الإخوان قادة الميليشيات والسياسيين المعزولين والناشطين الليبيين المناهضين للإسلاميين من علمانيين وليبراليين ، ورجال أعمال من نظام القذافي ، كل هؤلاء تآمروا على الثورة الليبية، ولم يخفوا رغبتهم في رؤية مصير مماثل في بلدهم.

وكما كانت التجربة السيساوية المصرية خليطا من تآمر عسكري سياسي اقتصادي مدعوم بمال إماراتي ، فأيضا التجربة الحفترية الليبية خليط من تآمر عسكري سياسي اقتصادي مدعوم بمال إماراتي، فخليفة حفتر عسكري قديم ، مقيم في أمريكا منذ قرابة الربع قرن ، ميوله معروفة واتجاهاته وعلاقاته الاستخباراتية مع أمريكا معروفة لأصغر طفل ليبي ، وقد انضم إليه بقايا كتائب القذافي التي كان يطلق عليها زورا اسم الجيش الوطني . أما السياسيون ففي مقدمتهم محمود جبريل، الذي شغل منصب رئيس الوزراء الفعلي للثورة عام 2011. ولكن أُبعد بعد إدراج قانون "العزل السياسي" يمنع الذين عملوا مع النظام السابق من تبوء أي منصب سياسي. مما جعل قلبه يشتعل نارا على الثورة ، وهو لا يخفي كراهيته قط للإسلاميين ، ويقضي معظم وقته في الإمارات، يجادل دائما بأن ليبيا استولى عليها ما يصفهم بالمتطرفين. ومعه شخصية نافذة جدا ولكن لا يعلمها إلا الليبيون وحدهم وهو عبد المجيد المليقطة ، واحد من أكثر الشخصيات المؤثرة في تحالف القوى الوطنية، بقيادة محمود جبريل،وهو شقيق عثمان المليقطة زعيم لواء القعقاع، وأكثر منتسبيه من مدينة الزنتان، وقد تورطت هذه الميليشيات في القتال الأخير على طرابلس. ومعظم المعدات العسكرية الإماراتية تذهب إلى هذه المليشيات وهي التي تولت قتل العديد من الأقباط المصريين لإلصاق التهمة بالإسلاميين بليبيا ، ومنهم أيضا عارف نايض (أستاذ فلسفة متخصص في العقائد ومقارنة الأديان،)، وهو باحث صوفي يشغل حاليا منصب سفير ليبيا لدى دولة الإمارات العربية المتحدة. وهو أحد المقربين من جبريل ومن كبار مساعديه . إلى جانب الشخصيات السياسية والعسكرية، فإن المصريين والإماراتيين لديهم أيضا أصدقاء أقوياء في مجتمع المال والأعمال. ومن هؤلاء، حسن تاتاناكي، القطب المالي المرتبط بالمصالح النفطية والبناء الذين عملوا مع ابن القذافي، سيف الإسلام، قبل عام 2011، وربما هو الشخص الأكثر تأثيرا في هذه الشبكة، بسبب ثروته الكبيرة. فهو يملك قناة تلفازية (ليبيا أولا)، ومعروف بعدائه الصريح والقوي للإسلاميين، ويصف نفسه بأنه "شريك" لحفتر، ويفتخر بكونه شخصية مكروهة للإسلاميين، حيث يرى كثير منهم أثرا ليده في كل مكان ، وهو الذي اقترح نقل مجلس النواب المنتخب حديثا والموالي لحفتر إلى مدينة طبرق بشرق البلاد، في عمق الأراضي التي يسيطر عليها الجنرال حفتر، وقد ساعد في تغطية تكاليف هذه الخطوة في أوائل أغسطس .

وإذا كانت ثلاثية العسكري والسياسي والاقتصادي قد تكررت في ليبيا كما هي في مصر ، إلا أن التشابه جاء في المقدمات والوسائل ، واختلف تماما في المخرجات ، فلو كان حفتر هو السيسي ، وتحالف جبريل هو جبهة الانقاذ ، وتاتاناكي هو ساويرس ، إلا أن ثوار ليبيا من الإسلاميين وقبائل بني غازي ودرنة ومصراتة ، ليسوا مثل ثوار مصر المسالمين الطيبيين من إخوانٍ مسلمينٍ و6 أبريل والاشتراكيين الثوريين ، ولا عموم الشعب الليبي مثل عموم الشعب المصري بأي حال من الأحوال . فالمؤامرة الاماراتية المصرية المشتركة ضد الثورة الليبية قد تكشفت فصولها مبكرا ، واستطاع الإسلاميون هناك إجهاضها ميدانيا بكل بسالة ، و تمرمغت " كرامة " حفتر ومن معه في التراب تحت وقع ضربات ثوار " فجر ليبيا " ، وذهبت كل محاولة إنقاذ " كرامة حفتر " أدراج الرياح ، فقد فشل التدخل العسكري المشترك لمصر والإمارات في تحقيق أهدافه وجاء بنتائج عكسية . وألاعيب ومكائد الامارات ومصر بخلق شرعية دستورية بديلة للثورة الليبية ، وذلك عن طريق احتواء حكومة " الثني " واستقطاب المجلس التشريعي المنتخب أيضا ذهبت أدراج الرياح ، بعد أن قام المؤتمر الوطني العام بتكليف عمر الحاسي بتشكيل حكومة وحدة وطنية لانقاذ البلاد من الانقلاب الحفتري ، وقد أعلنت قوات "فجر ليبيا" أن اعترافها بمجلس النواب وحمايته في أي مدينة مشروطان بالتزامه بتسلم السلطة من المؤتمر الوطني العام وفقا للدستور ، أيضا محاولات الاستقواء بالخارج واجهت بحسم من الليبيين عندما هددوا برفع قضية على مصر والامارات في الجنائية الدولية بعد أن قدموا الأدلة الدامغة على تورط الدولتين في ضرب مواقع ليبية ، وأخيرا جاءت مليونية جمعة النصر لتكون بمثابة تكبيرات الجنازة على التجربة الحفترية في ليبيا عندما خرج عشرات الآلاف من الليبيين في طرابلس ومدن أخرى في جمعة أطلقوا عليها "جمعة النصر" احتفالا بانتهاء المواجهات المسلحة، بينما قال مقاتلو مجلس شورى ثوار بنغازي إنهم سيطروا على طريق مطار بنغازي وجسر منطقة بنينا. واحتفل المتظاهرون -الذين خرجوا في مدن بنغازي ومصراتة وغريان وسبها إضافة إلى العاصمة طرابلس- بسيطرة قوات "فجر ليبيا" على مطار طرابلس والمناطق المحيطة به، كما نددوا بالنواب المجتمعين بمدينة طبرق بسبب طلبهم التدخل الدولي في ليبيا.ورفع المحتشدون شعارات تندد بالعمليات العسكرية التي عرفت باسم "عملية الكرامة"، التي يقودها اللواء المتقاعد خليفة حفتر، كما رفعوا شعارات تؤيد عودة المؤتمر الوطني الليبي العام وقراره بتشكيل حكومة إنقاذ وطني.

ولكن ليس هذا معناه انتهاء المحاولات الاماراتية المصرية نحو تقويض الثورة الليبية ، فالأمر بالنسبة لمحور الانقلاب قد أصبح حياة أو موت ، بعد الهزيمة الساحقة للمحور الانقلابي في غزة على يد رجال حماس ، فلم يبق إلا ليبيا لتكون طوق إنقاذ وقبلة حياة للعسكري المصري ومموله الاماراتي ، لذلك لا يتوقع أن تنتهي الأزمة الليبية قريبا ، ولكن بفضل الله أولا وأخيرا ، ثم وعي الثوار الليبيين ، ونقاء وعزة الشعب الليبي سيتفشل كل هذه المؤامرات ، وما دام السلاح في اليد ، والصباع على الزناد ، والإيمان بعدالة القضية راسخ ، والتوكل على الله حاضر ، فسوف يذهب كيد المعتدين وسينبلج " فجر ليبيا " صبحا مشرقا .
-------------------------------