المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بركان سياسي جديد يتفجر في باكستان


عبدالناصر محمود
09-02-2014, 04:45 PM
بركان سياسي جديد يتفجر في باكستان*
ـــــــــــــــــــ

7 / 11 / 1435 هــ
2 / 9 / 2014 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8612.jpg

الأمة المسلمة كلها على شفا مجموعة من البراكين, الكامنة حينا والثائرة أحيانا أكثر, لا تثور بالتتابع كما كان معتادا من قبل, فكانت الأحداث تزداد سخونة في قطر إسلامي ويحتل مكانه في نشرات الأخبار حتى يهدأ ليبدأ بركان آخر في منطقة أخرى في الثورة ليتوارى الأول ويحتل الثاني مكانه, أما في هذه الأيام فبراكين الأمة لا تهدأ, وتثور كلها بالتزامن فلا تكاد يبصر الرائي منطقة إسلامية لا يوجد بها بركان يثور ونيران تتقد ودماء تنزف وجروح لا تلتئم وجراح لا تهدأ, فلماذا تختص الأمة الإسلامية بهذه القلاقل والهزات الشديدة دون غيرهم؟

فمصر لم تهدأ منذ أكثر من ثلاث سنوات ففيها كل يوم آلام ودماء وجراح, وليبيا موقفها يتعقد فلم يعد أحد يدرك على وجه الدقة من يحارب من؟, ومن يعادي من؟ فالحال ملتبس وبقوة, والسودان حتى بعد تقسيمها على شفا غليان سياسي وحرب أهلية, واليمن يعبث بها الحوثيون الشيعة ويتقدمون إلى السيطرة على العاصمة أن لم يكونوا قد تمكنوا منها, وسوريا حالها لا يخفى على احد والعراق تستمر مأساتها ولبنان على فوهة بركانها بين السنة والشيعة, ولا تكاد ترى قطرا إسلاميا مستقرا تمام الاستقرار, ومن تراه هادئا لا يمكنك الحسم بأنه على استقرار فقد يكون هدوؤها هو الهدوء الذي يسبق العاصفة, فماذا جنى المسلمون من هذه الحالة التي نعيشها في هذه الأيام إلا المزيد من الدماء التي تسيل على يد الإخوة الأشقاء فضلا على سيلانها في عدد من الدول الأخرى مثل بورما وأفريقيا الوسطى والتركستان الشرقية في الصين وعرب الأحواز وغيرها على يد غير المسلمين؟.

إن ما يحدث في العالم الإسلامي يحتاج إلى وقفة أو وقفات ففي هذه الفتن التي توصف بأنها كقطع الليل المظلم لا تكاد تخرج يدك فتبصرها لابد لك من توقف لفهم ما يجري في هذه البلدان, ولمصلحة من يجري كل هذا؟ فلاشك انه لا يصب مطلقا في صالح المسلمين, وفي المقابل نجد مظالم واضحة من الحكام والقادة السياسيين لشعوبهم تدفعهم دفعا شديدا لمحاولة التخلص من الظلم بأي وسيلة دون النظر للعواقب.

إنها فتنة العصر الذي نحياه والتي يجب لان يكون للعلماء الدور الأكبر في دفع شبهها وإضاءة الطريق للعوام ليبصروا موضع أقدامهم بشرط أن يكونوا من العلماء الحقيقيين الذي لا يرضون العبد بمعصية الرب وهذه هي الفتنة المضاعفة.

وآخر ما ورد من البراكين التي تثور وتستعر ما جاء عن الباكستان, وبركانها يخمد فترة ويثور بعدها طويلا, وهو بلد أدمن الانقلابات العسكرية فلا يعرف استقرارا منذ مدة طويلة إلا لفترات قصيرة ثم يعود بعدها إلى صراعات جديدة يذهب ضحيتها شباب مسلم وتراق دماء مسلمة بأيدي مسلمة.

انه السيناريو المتكرر لكي تحكم البلدان الإسلامية بحكم عسكري حقيقي أو مبطن, حكومة منتخبة تسيئ أحيانا وتصيب أحيانا, تضخم آلات إعلامية أخطاء الحكومة المنتخبة وتصورها للشعب خطايا, لا تحترم المعارضة الديمقراطية – تلك الفكرة الزائفة – فلا تمهل الحكومة لاستكمال مدتها القانونية كما يحدث في دول الغرب, تتحرك الجموع – بدعم غير منظور من جهات متعددة في الداخل والخارج - لإحداث فوضى للمطالبة بإسقاط الحكومة وإقالتها, تتحرك الحكومة لقمع المظاهرات, تسيل الدماء التي تشعل الاحتجاجات وتحيلها إلى ثورة حقيقية لتكتمل أركان الفوضى, وينتهي أمد الحلول الوسط والالتقاء في منتصف الطريق بين الحكومة والمعارضة بعد سيل الدماء, لتتدخل قوة اكبر في المشهد تحت دعوى حفظ الاستقرار وتستولي على السلطة لتضرب بالفريقين عرض الحائط ولتقع الثورة في حجرها لتكون القوة المهيمنة وهي قوة الجيوش دوما هي القوة المسيطرة في كل الأوقات بالديمقراطية أو بالدكتاتورية.

سيناريو أصبح مكررا وسمجا وغير مقبول أن يلدغ المؤمن ألف مرة من نفس الجحر ولا يتعلم, حكومة نواز شريف تتمسك بموقفها وربما ببعض أخطائها ولا تريد التنازل ولو بالقليل, ولاعب الكريكيت السابق عمران خان الذي تحول للسياسة وأصبح نائبا للبرلمان وزعيم حركة "العدالة الاجتماعية" يطمع في منصب رئيس الوزراء ويسانده طاهر القادري الصوفي صاحب العلاقات القوية مع الشيعة وزعيم "الحركة الشعبية الباكستانية" يطلبان استقالة الحكومة وتنحي رئيس الوزراء عن منصبه بدعوى أن الانتخابات 2013 كانت مزورة, رغم أن مراقبين محليين وأجانب وصفوا تلك الانتخابات بالحرة والنزيهة, ويتمسك شريف بالمنصب ويطالب أنصاره بالصمود حتى النهاية ويقول في النهاية: "إنه على استعداد للموت في مكانه".

وفي التصعيد المقابل وعد عمران خان بأن يواصل الاحتجاجات "حتى النفس الأخير" فحرك عددا من المتظاهرين المعتصمين في المخيمات منذ أكثر من أسبوعين خارج المقرات الحكومية, فحركهم إلى منزل رئيس الحكومة يطالبونه بالاستقالة واستخدموا رافعات لإزالة الحواجز من أمام المنزل مما يذكر تماما بعدد من الأحداث القريبة التي لا تزال حية في الذاكرة.

ووقع الصدام الحتمي وسقط ثلاثة قتلى و481 جريحاً، بينهم 92 شرطياً و118 امرأة وعشرة أطفال في المواجهات بين الشرطة والمتظاهرين الذين اقتحموا مبنى التلفزيون، وحطموا بعض الأجهزة، مما أسفر عن انقطاع البث التلفزيوني, فتدخلت قوات من الجيش واقتحمت المبنى وأخلته من المتظاهرين، وعاد البث التلفزيوني من جديد.

وبالطبع وقف الجيش موقف المراقب من بعيد والمحذر للفريقين فاصدر بيانا حذر فيه من أن أي لجوء للقوة لحل أزمة سياسية متصاعدة لن يؤدي إلا إلى تفاقم الوضع, وأكد على التزامه بالديمقراطية، وقال إنه لا بد من حل الأزمة سياسيا.

وما هو الا يوم أو يومين من المواجهات وسيعلن الجيش مهلة محددة للأطراف بالتفاوض وإنهاء الفرقة, وبالطبع ستفشل كل الأطراف حتى لو أرادت أن تصل إلى حل وسط بعد وجود الثارات والدماء والجروح, وحينها سيضطر الجيش إلى التدخل لحفظ الأمن والسيطرة على الحكم لفترة مؤقتة لحين إجراء انتخابات لن تأتي أبدا, أو على اقل المكاسب سيحصل على ضمان السماح لقائد الجيش السابق برويز مشرف الذي يحاكم حالياً بتهمة الخيانة، بمغادرة البلاد وهو ما يمثل خسارة كبيرة للسلطة المدنية في مواجهة الفساد والخيانة.

أما شبعنا من نفس السيناريو الذي ينفذ كل مرة دون أي تعلم من دروسه, فالعاقل من وعظ بغيره فكيف بمن لم ينتفع حتى بنفسه؟

ألا يكفي ما في الأمة من آلام ودماء وجروح؟, فهل من عاقل في هذه الأمة يعيد لها صوابها المفقود؟ أم هل عدمت الأمة عقلاءها أم أخرست أصواتهم فلا يستطيعون نطقا, وهل من مدرك لها قبل أن يأتي اليوم الذي يندم فيه الجميع؟
ـــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــ