المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : منطلقات قرآنية للحوار


عبدالناصر محمود
09-10-2014, 08:29 AM
منطلقات قرآنية للحوار*
ـــــــــــــ

15 / 11 / 1435 هــ
10 / 9 / 2014 م
ــــــــــــــ


http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3926.jpg


منطلقات قرآنية للحوار

الدكتور : سعيد سالم فاندي

من منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة

ـــــــــــــــ

بعد مقدمة الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة, جاءت مقدمة مؤلف الكتاب بالتأكيد على أن من مقاصد القرآن التواصل مع الآخر بالحوار المتوجه للهداية والإصلاح, بالكلم الطيب والمجادلة بالحسنى, كما ساد الحوار النص القرآني, وكان محور المنظومة الحوارية القرآنية مخاطبة الآخر بتساؤلات وحوارات تفتح له آفاق الخيار في اتخاذ القرار المناسب تجاه القضايا العقدية والفكرية والحضارية المطروحة للبرهان أو الاعتقاد أو التطبيق.

وقد عرض المؤلف في كتابه موقف القرآن من ظواهر علمية وقيم فكرية وحضارية, وأراد المؤلف أن يكون هذا العرض منطلقا للحوار الهادئ الهادف مع الآخر لتحسين قواطع التجاسر بين الوحي القرآني والتفكير الإنساني العام وكشف قواطع الافتراق, وإظهار خصائص القرآن في معالجة تلك القضايا, من خلال تسعة نقاط هي:

1- القرآن والحوار: أرد المؤلف هنا إظهار مبدأ الحوار الذي رسخه القرآن الكريم, وسعة دلالة النص القرآني المنفتح عى العقل بغير حدود زمنية أو مكانية, وقد سجل القرآن أول حوار بين الخالق المنعم والمخلوق المتكبر إبليس اللعين, ليكون تقريرا لمبدأ منهج الحوار في الاحتجاج.

كما سجل القرآن حوار نبي الله نوح مع ربه في سؤاله عن طلب اللطف بابنه الضال الذي تمرد على وحي السماء, وكذلك حوار إبراهيم عليه السلام وخالقه حين طلب من ربه أن يريه كيف يحي الموتى, بل يحاور الله جميع الرسل يوم القيامة: {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب} المائدة/109

لقد اشتمل القرآن الكريم أيضا على حوار تقريعي بين الله وعباده الكافرين, كما اشتمل على حوارات ناقدة في مجال الفهم والسلوك مع سلامة إيمان المحاور واستقامة طريقته كما حصل في حوار يعقوب لبنيه أو حوار موسى عليه السلام مع العبد الصالح, بالإضافة للحوارات القرآنية المحفزة على الطاعة وتنفيذ الأوامر الإلهية, كحوار إبراهيم لأبيه الضال يشحذ همته للدخول في حظيرة الإيمان, أو حوار ابراهيم مع اسماعيل في موضوع رؤيا ذبحه, كما أن القرآن سجل حوار الإنسان لنفسه داخليا كمخاطبة موسى لذاته بقوله: {قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين} القصص/15.

2- القرآن وحرية إرادة الإنسان: ويتناول المؤلف في هذه النقطة مسألة التسيير والتخيير في الإرادة الإنسانية التي توجه سلوكه وأفعاله, وحدود تلك الإرادة وعلاقتها بإرادة الله وكماله, وقد أورد المؤلف آراء الفلافسة اليونان والغربيين في هذه القضية, بدءا ببرمنيدس (541 ق.م) صاحب النظرية الذرية القديمة, وأفلاطون وأرسطو, وصولا لآراء توما الأكويني وديكارت وتوماس هوبز, وانتهاء بفولتير وهنري برجسون (1941م).

كما استعرض المؤلف آراء الفلاسفة المسلمين في هذه القضية من أمثال الكندي (258هجري) وابن سينا وابن رشد, كما استعرض المؤلف آراء المتكلمين في هذه القضية سواء من الأشاعرة أو المعتزلة أو الشيعة الإمامية أو المتصوفة أو غيرهم.

وبعد هذا التطواف في الآراء حول طبيعة حرية الإنسان في سلوكه وأخلاقه يوضح المؤلف الفرق بين الأعمال الاضطرارية بأنواعها والتي ترجع إلى قدرة الله في التكوين للإنسان, وبين الأعمال الاختيارية المتأثرة بإرادة الإنسان استجابة لقدرة الله القاضية بتكليف الإنسان.

إن هذه المنطلقات الثلاث: التكوين والتكليف والجزاء هما المحاور الثلاثة التي بينها القرآن لفهم قضية حرية الإنسان المعقدة, فتكلم القرآن عن التكوين في أكثر من آية: {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج ...} الإنسان/2, لتأتي مرحلة التكليف المترتب عليها الجزاء بالثواب أو العقاب, والمجال الحر التي تجول فيه إرادة الإنسان هو النية التي إن لامست إرادة الإنسان الفاعلة بالتأثير صار الإنسان مسؤولا عن فعله, وإن فارقته لم يكن مسؤولا, شرط أن تكون مليئة بالوعي حين صدورها.

3- القرآن والعلم: في هذه النقطة أوضح المؤلف النظرة الواسعة للقرآن الكرريم إلى العلم, حيث تستوعب نظرته كل مدد معرفي نافع يصلح أن يكون كاشفا للحق, وموظفا في حركة الحياة المتطورة, فقد شجع الإسلام على البحث والنظر, وأفاض بالاستشهاد بدقة نظام المخلوقات وانسجامها مع أغراض خلقها.

وبين المؤلف في هذه النقطة خلاف العلماء حول قضية احتواء القرآن على إشارات توافق الحقائق العلمية المعاصرة, مؤكدا أن جميع العلماء متفقون على أن القرآن الكريم كتاب هداية في المقام الأول, وأن مسائل الإعجاز العلمي هي إشارات فحسب.

كما فرق المؤلف بين ما حصل في الغرب من صراع بين الكنيسة والعلم, وبين ما هو موجود في الإسلام من انسجام تام بين الإسلام والعلم, نافيا بنفس الوقت أن يكون هناك توحد بين مدلولي: المجتمع المدني والنظام العلماني, لأن مدنية المجتمع لا تستلزم التعارض مع الحلول الإسلامية الشاملة لحياة المجتمع ولا تتطلب فصل الدين عن الدولة كما هي العلمانية.

4- القرآن والفلسفة: أكد المؤلف في هذه النقطة أنه لا يمكن النظر إلى العلاقة بين الوحي والعقل إلا في نسق التوافق, منبها أن تاريخ دعوة الإسلام كانت في البداية بعيدا عن الفلسفة وإن كانت عقول الصحابة ليست بمعزل عن التأمل والتفكر الذي هو منطلق الفلسفة, إلا أن الحاجة إلى الفلسفة ظهرت بعد المواجهة مع أفكار البلدان المفتوحة دفاعا عن الإسلام ونقضا للآراء التي تعارضه.

وقد أشار المؤلف إلى أن القرآن دعا إلى التأمل والتفكر والحكمة, وأنه إذا كانت الفلسفة من هذا الباب فلا مانع منها في الإسلام, كما أنه تناول انفراد القرآن الكريم بخصائص استدلالية عقلية لا توجد في أي كتاب آخر ومن أبرز هذه الخصائص: إزالة إزالة معوقات التفكير السوي, والتفاعل بين النص والعقل, واليسر والعمق, والتوافق والتلازم.

5- القرآن والفن: في هذه النقطة انطلق المؤلف من اعتبار الفن هنا بمعنى الجمال الذي يستشعره الإنسان في الطبيعة والمعاني, ثم يصوغه إيقاعا أو صورة مرسومة أو مسموعة, من أجل إظهار التفاعل والانسجام بين ذلك الشيء الجميل ومشاعر الإنسان المبدع فيه.

كما اعتبر أن أول المنطلقات التي تربط القرآن الكرريم والجمال هو تلك الدعوة التي تفيد بضرورة الانسجام مع الفطرة: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها..} الروم/30, ومن المنطلقات أيضا حسب رأي المؤلف: توجيه نظر الإنسان للتأمل في إبداع الله في صنعه للعالم المنظور, وما فيه من جمال وإبداع واستمتاع, إضافة لوصل القرآن في كثير من آياته بين جمالية البيان وجمالية الطبيعة كما في قوله تعالى: {والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس} التكوير/17-18.

كما تناول المؤلف في هذه النقطة موضوع القرآن والشعر, مبينا الفرق الكبير بينهما, وموضحا إنكار القرآن للشعر الكاذب وإن كان محملا بصورة عالية من التخيل, موضحا أن للشعر حالتين مذمومة ومأذونة كما أوضح ذلك الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير.

كما تنالو المؤلف في هذه النقطة مسألة القرآن الكريم وفن السماع من الغناء والموسيقى وكذلك فن التصوير, وبين أقوال علماء المسلمين في هذه النقطة , مناقشة أدلة المانعين والمبيحين من القرآن الكريم.

6- القرآن والنهضة: في هذه النقطة أكد الباحث أن مفهوم الثبات الذي يرتبط به المسلم في التزامه بأصول عقيدته وقاعد شريعته يترك مجالا آخر للتفاعل مع المتغيرات, والقواعد الإسلامية المستمد من القرآن الكريم والسنة النبوية تحفز على التطوير المستمر في مجال الحياة العملية, مما يعني الحضارة المستمرة المتنامية.

وأكد المؤلف أن الإنسان في القرآن الكريم هو خليفة الله في الأرض ينفذ تعاليمه ويتمتع بنعمه في الأرض, فهو ليس مخلوقا زاهدا في الحياة كما في بعض المذاهب الغنوصية, وليس بالمسيطر على الكون كما يتوهم إنسان الحضارة الغربية.

كما تناول المؤلف في هذه النقطة بواعث النهوض في القرآن الكريم, والتي أوجزها في: الباعث الروحي, والباعث العلمي, والباعث العملي, معتبرا قوة القرآن الكريم تكمن في جمعه بين تأصيل أسس التشريع وإمداده بالقدرة على مسايرة الأفهام والأقوام والبيئات.

7- القرآن وتوظيف المال: تساءل المؤلف في بداية هذه النقطة الخطيرة: ما هو المشروع الإسلامي الذي يعالج مأزق استبداد الأفراد من رجال الأعمال بالمال حسب النظرة الليبرالية الفردية الخطيرة؟؟

وفي محاولته الإجابة على هذا التساؤل اعتبر المؤلف أن الخطوة الأولى في الحل تكمن في مدارسة الآيات القرآنية التي توجه المسلم للمنهج السوي في توظيف المال, مشيرا إلى أن كثيرا من الكتابات الإسلامية في الإقتصاد الإسلامي من المنظور القرآني تحتاج لاستخلاص القواعد الاقتصادية العامة في سياق التوظيف الاقتصادي الأمثل للدورة المالية.

كما تناول فلسفة الإسلام في المال إن صح التعبير, كما تناول الحوافز الدافعة لتوظيف المال في القرآن الكريم من خلال: التوازن بين حاجة الفرد والجماعة, والاستثمار ومنع الاحتكار, وإباحة البيع وتحريم الربا, والرشد في الإنفاق.

8- القرآن والحرب: في هذه النقطة تناول المؤلف قيمة التسامح كمقصد وقاعدة قرآني يدعو إلى التسامح بين الناس كافة, وكقاعدة قرآنية حضارية تناسب الدعوة إلى الحق بالاختيار لا بالإجبار.

كما تناول المؤلف مسألة القرآن الكريم ودوافع الجهاد, والتي جعلها لرد العدوان ودرء الظلم, كما تعرض لضوابط الجهاد في الإسلام كالإحسان للأسير, وعدم التعرض للنساء والأطفال والشيوخ بالإيذاء أثناء الحرب.

9- القرآن وحقوق الإنسان: أشار المؤلف في بداية هذه النقطة إلى احتفاء العالم اليوم بشعارات حقوق الإنسان, مشيرا لأسبقية القرآن الكريم في هذا الجانب, من خلال دعوته للعدل في التعامل في حركة مدافعة الظلم والطغيات, والتنبيه للإخوة الإنسانية التي تجمع بني البشر جميعا, ومن خلال ضرورة الجمع بين الحق والحرية.

ولكشف أثر القرآن الكريم في تأصيل حقوق الإنسان, تعرض المؤلف لتشخيص ذلك من خلال دائرة حق الفرد, والتي يجعل القرآن الكريم على رأسها الحرية على رأسها حتى في المعتقد, ناهيك عن التعبير عن الرأي والمساواة وغيرها من الحقوق.

ثم تناول حق الأسرة التي أولاها القرآن الكريم أهمية تامة, بدءا باختيار الزوجين , وصولا لإبرام عقد الزواج, وليس انتهاء بواجبات وحقوق الأولاد والعلاقة بين كل مع الآخر.

ويأتي حق الأمة والجماعة الذي رسخه القرآن ليجعل من المسلمين أمة واحدة, مهما اختلفت أوطانهم وأجناسهم وألوانهم ولغاتهم, ومع إقرار القرآن لمبدأ الأمة لم يغفل حق الذميين ولا المعاهدين, كما وضع القرآن قواعد العلاقة بين الأمة الإسلامية وغيرها من الأمم.

وببعض الأسئلة للآخر "الغربي أو غير المسلم" لإنقاذ الغرب من الانجراف المادي الخطير الذي يوشك أن ينهار به إلى هوة الزوال يختم المؤلف كتابه, والذي يعتبر قراءة قرآنية فهمية لمنطلقات الحوار مع الآخر, فجزاه الله خيرا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــ