المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لماذا لا تقاتل أمريكا " داعش " منفردة ؟


Eng.Jordan
09-11-2014, 11:59 PM
http://204.187.101.75/memoadmin/media//version4_Kassf98.jpg




كتبه للمفكرة / حازم البارودي
بعد اجتماعه مع كبار المسئولين عن الأمن القومي، قال الرئيس الأمريكي في مؤتمر صحافي مساء 28 أغسطس الماضي ، أنه لا يريد أن يضع «العربة أمام الحصان»، واعترف بعدم امتلاكه إستراتيجية جاهزة لمواجهة التنظيم المعروف إعلاميا بـ «الدولة الإسلامية» أو «داعش»، إلا انه طلب من وزير دفاعه تحضير «خيارات عسكرية» لدراستها، بينما أعطى الضوء الأخضر لوزير خارجيته " كيري " لبناء " تحالف دولي " لمواجهة أخطار " داعش " . أوباما يعتمد إستراتيجية عدم إطلاق النار أولا، أي التفكير وتحديد الأهداف، ولاحقا من الممكن أن يكون هناك إطلاق للنار، وقبل ذلك كانت هناك الإستراتيجية التي اتبعها الجمهوريون وجورج بوش عندما ضربوا العراق منفردين دون الحاجة لبناء تحالف دولي ، اعتمادا على إستراتيجية "اضرب، خطط لاحقا، حدد هدفك في النهاية " ، ولكن لم يعد ذلك مناسبا في ظل المتغيرات الكبيرة التي حدثت في المنطقة وأمريكا نفسها .
أمريكا تعلم جيدا أن تنظيم الدولة الإسلامية يمثل خطرا داهما على دول المنطقة ، فهي تلعب على مخاوف الأنظمة والحكومات في المنطقة جيدا ، فاللاعبون في الشرق الأوسط يجدون أنفسهم لأول مرة في مواجهة تهديدات وجودية، من قوة إسلامية لا تطيع أيا من قواعد اللعبة الدولية ، ولا تلتزم بأي معيار من معايير الاتفاقيات الأممية ، ولا تعترف بحدود سايكس ـ بيكو ، وأمريكا تعمل بهدوء على استحثاث كل دول المنطقة نحو المشاركة في هذا التحالف حتى على حساب خلافاتها التاريخية وصراعاتها الأيدلوجية وحتى على حساب مشاكلها الطارئة . وكانت علاقات قطر مع السعودية والإمارات والبحرين قد انخفضت إلى حدها الأدنى بعد أن سحبت الدول الثلاث الأخيرة سفراءها من الدوحة متهمة إياها بالتدخل في شؤونها ودعم الإخوان الذين وُصفوا من قبل الرياض بأنهم جماعة إرهابية ،على خلفية الانقلاب العسكري المصري . الأمر كذلك لا يشمل الخلافات البينية بين دول الخليج، لكنه أيضا يشمل إيران ودول الخليج، فقد قال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الاثنين الماضي إنه مستعد للاجتماع بنظيره السعودي ، وقال : "سأكون مستعدا لزيارة السعودية وأن أرحب بالأمير سعود في إيران”.نائب وزير الخارجية الإيراني كان قد زار السعودية بالفعل خلال الأسبوع الماضي ما يدل على ذوبان الكثير من الجليد بين الغريمين التقليديين، خاصة مع تصريحات مسئول إيراني لاحقا قال فيها إن "الجانبين ناقشا الوضع في العراق ووسائل مواجهة التطرف والإرهاب " . ولنا أن نتفاجئ بهذا التطور الكبير في العلاقات بعد سنوات من العداء السافر والجفاء الطاغي في العلاقات ، ففي ظل وجود التهديد الداعشي لم يعد المشروع الإيراني الشيعي هو الخطر الداهم على الإسلام والمسلمين ، فقد حل محله خطر الإرهاب والتطرف !!
بنية التحالف الجديدة اجتذبت إليها حتى التنظيمات السياسية المعارضة ، مثل الائتلاف السوري المعارض بقيادة هادي البحرة الذي أوعزت له الإدارة الأمريكية أن يطلب مساعدة المجتمع الدولي ضد تهديدات " داعش " ، وهذا الأمر يعد من غرائب الأمور فهذا الائتلاف الوهمي لم يطلب ذات الطلب من المجتمع الدولي في الوقت الذي كانت المليشيات الشيعية مثل حزب الله اللبناني ومليشيات أبي الفضل عباس وعصائب الحق وسائر العصابات الإرهابية الشيعية وهي ترتكب المجازر المروعة في القصير ويبرود وعرسال وريف دمشق وحمص وغيرها ، بكل حال، هادي البحرة يسير على درب أقرانه ، من أحمد الجربا، صاحب جنيف، أو من رجل المبادرات معاذ الخطيب، صاحب فكرة الترشح لرئاسة الجمهورية مقابل الأسد، وصاحب فكرة التحاور مع نظام التشبيح من أجل الحصول على جوازات سفر. فالائتلاف المعارض يثبت يوما بعد يوما أنه صناعة أمريكية خالصة ولا يأتمر إلا بأوامر البيت الأبيض فحسب .
التوجه الأمريكي هذه المرة يشير إلى ضرورة قيام الدول العربية بدور يتجاوز التمويل، وهو ما أكدته ضمنيا الدعوة الفرنسية لعدد من الدول العربية لحضور اجتماع غربي موسع الشهر المقبل للاتفاق على إستراتيجية لمواجهة داعش، فيما أشار مسئولون أمريكيون إلى أنهم حصلوا بالفعل على تعهدات من نحو ثلاثين دولة بدعم التحالف المقترح بالمساعدات المالية والعسكرية والإنسانية. ما الذي يدفع أمريكا لانتهاج مثل هذه السياسات التحالفية بعيدة المدى من أجل مواجهة تنظيم مسلح لا يرقي التهديد الذي مثلته حركة طالبان في أفغانستان في أعقاب أحداث سبتمبر 2001 ؟
أمريكا هذه المرة عندها العديد من المبررات التي تدفعها نحو التمهل كثيرا نحو المسارعة نحو تدخل عسكري كبير في المنطقة : أبرزها النجاح الميداني اللافت الذي حققه جنود " داعش " ففي تقرير ميداني عن تنظيم الدولة قالت صحيفة "وول ستريت جورنال" يوم 2 سبتمبر الجاري : إن " داعش " مزجت بين الأساليب العسكرية والإرهاب التقليدي والعلاقات القبلية والإكراهوهيكل قيادي بدرجة عالية من التنظيم. ويرجع "النجاح المذهل" للدولة الإسلامية، كما وصفته الصحيفة، في هذا الصيف معاجتياح مقاتليها لشمال العراق وسوريا، إلى بنية شديدة التنظيم تسيطر عليها دائرةقيادية ضيقة ومتماسكة يستبد بها العداء والكراهية للشيعة والأمريكان وحلفائهم ،وتعلمت من أخطاء أسلافها في تنظيمالقاعدة. ورغم التقدم الكبير في تكنولوجيا التسليح وصناعته إلا إن العنصر البشري ما زال هو العنصر الحاسم في القتال ، لذلك صرّح الجنرال ديمبسي رئيس الأركان الأمريكي : أن الغارات الجوية وحدها لن تكفي للقضاء على داعش . فالخبرات القتالية المتوفرة لمقاتلي داعش تكاد تكون الأبرز في المنطقة وتأتي على قدم المساواة من حيث الكفاءة القتالية مع كتائب القسّام . وقد رأينا ثلاثين ألفا من قوات المالكي وهي تفر من أمام ألفي من مقاتلي " داعش " .
منها أيضا أن أمريكا لا تريد أن تضرب تنظيم الدولة الإسلامية دون أن توازن بين أهم دولتين في المنطقة ، السعودية وإيران ، فرغم أن السعودية تتشارك مع إيران العداء تجاه الدولة الإسلامية، لاتزال السعودية قلقةً مما قد يحدث إذا تم القضاء على التنظيم في ظل الوضع الراهن في العراق وسورية. ففي سورية، نظام الأسد أقوى من المعارضة المعتدلة، فيما العراق لم يشكّل بعد حكومة وحدة وطنية. ويمكن أن يعني القضاء على الدولة الإسلامية من دون إيجاد بديل عن نظام الأسد، وعن الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة في بغداد، بقاءَ حليفَي إيران في هاتين الدولتين. ومن شأن استمرار الوضع السياسي الراهن في سورية والعراق أن يوطّد نفوذ إيران في المنطقة. وهذا ما لا تريده امريكا التي تحركت بدون استراتيجية في أعقاب 11 سبتمبر بدافع الانتقام، فما حدث بعد 11 سبتمبر كان تدمير نظام طالبان السني في أفغانستان، ثم تدمير البعث في العراق، لقد كانت الولايات المتحدة تتحرك كما لو كانت تعمل لصالح إيران؛ لذلك فإن النتيجة كانت حتمية لصالح توسع ضخم للنفوذ الإيراني في المنطقة.
ومنها أن أمريكا لا تريد أن تتورط في مستنقع الشرق الأوسط الزاخر بالاضطرابت والصراعات العرقية والطائفية والاثنية ، بحيث لا يكاد يوجد بلد مستقر في المنطقة عموما ، يقول الصحفي المخضرم " توماس فريدمان " في مقاله الافتتاحي بالنيويورك تايمز منذ عدة أيام : " هناك ثلاثة حروب أهلية مستعرة في العالم العربي، الحرب بين الجهاديين المتطرفين والمعتدلين من داخل الإسلام السني، والحرب بين السنة والشيعة وهي الأبرز والأعلى حضورا ، والحرب الأخيرة التي تقودها داعش ضد جميع الأقليات من الشيعة واليزيديين والعلويين والأكراد والمسيحيين واليهود والتركمان " ثم استطرد قائلا : إن دخول أمريكا في أتون هذه الصراعات سيعمقها ويزيدها اشتعالا ، ثم وصف منطقة الشرق الأوسط بأنها أرض خصبة للكراهية ، ودخول الأمريكان سيزيدها .
ومنها أن أمريكا تعلم أن دخولها في حرب برية مباشرة سوف يعطي زخما قويا جدا للحركات والجماعات الجهادية التي تتكسب بالفعل كل يوم أرض جديدة ، وينضوي إليها العشرات من الشباب يوميا ، بعد أن كفروا بالسلمية والوسائل الديمقراطية لإقامة شريعة الله ، وهم يرون المطالبون بها يذبحون ذبح النعاج في شوارع وميادين مصر بعد الانقلاب العسكري ، وهم يشيرون بأصابع الاتهام مباشرة إلى أمريكا بالمسئولية في كل ما جرى في المنطقة ، وبالتالي فدخول جديد لها سيكون بمثابة قنبلة انشطارية ستصيب أمريكا وكل حلفائها في المنطقة .
أيضا أمريكا لا تريد أن تشن غارات أو هجمات مباشرة على التنظيم داخل الأراضي السورية دون تنسيق وترتيب مع أكبر عدد ممكن من دول المنطقة والعالم حتى لا تجد نفسها في قبالة داعمي نظام الأسد ـ روسيا وإيران والصين ، وتفقد أهم شريك فى هذا التحالف الجديد ؛ إيران . إذ أن المخطط الأساسي يعتمد على شقه الميداني الأرضي على المليشيات الشيعية والكردية ، ولو قصفت أمريكا مواقع الدولة في سوريا دون تنسيق مع بشار وإيران سوف تتعرض لفشل سريع لتحالفه الشيطاني .
ومن هنا يتضح أن أمريكا وهي تسعى لتأسيس تحالفها الدولي ضد " داعش " إنما هي تريد أن تغسل يديها من التبعات الخطيرة المتوقعة لمثل هذه العمليات القتالية ، وتحقن دماء أبنائها ، وتوفر كثيرا من أموال دافعي الضرائب الأمريكان ، وفي نفس الوقت تورط حلفاءها من العرب والعجم في قتال يهدد الأمن القومي والإقليمي لدول المنطقة جميعا ، ويزيد الاشتعال والتوترات الطائفية في المنطقة ، فالأفكار التي يقوم عليها تنظيم الدولة أفكارا سيادية تنتقل من قطر لآخر دون وسائط تنظيمية ، وأمثال هذه الأفكار تغذى وتنمو وتتمدد بالقصف والاضطهاد والتضييق ، ولا أمريكا ولا أيّ من حلفائها يستطيع وقف هذه الأفكار من الانتشار والتمدد ، وسلوا أهل أفغانستان والعراق ، هل استطاع الأمريكان وحلفاؤهم تغيير القناعات والأفكار ؟!