المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ابن كثير وموقفه من الإسرائيليات


عبدالناصر محمود
09-12-2014, 07:29 AM
منهج الإمام ابن كثير في التفسير وموقفه من الإسرائيليات*
ـــــــــــــــــــــــــــــ


17 / 11 / 1435 هــ
12 / 9 / 2014 م
ـــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3981.jpg

هو الإمام الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي الشافعي, ولد بقرية مجدل من أعمال بصرى، وهي قرية أمه سنة سبعمائة للهجرة أو بعدها بقليل ونشأ في بيت علم ودين.

شيوخه وتلامذته وثناء العلماء عليه

تلقي بن كثير العلم عن عدد كبير من الشيوخ الأعلام من أمثال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله والحافظ أبي عبد الله الذهبي والحافظ الكبير أبي الحجاج المزى صاحب التهذيب وهو فى نفس الوقت ختنه على ابنته كما تلقي عن الشيخ أبي إسحاق الفرازى والقاضي بن الشحنة أبي العباس الحجار وغيرهم كثير.

ومن تلامذة الإمام بن كثير الذين نبغوا فى مدرسته:

ولده محمد بن إسماعيل بن كثير والعلامة بن أبي العز الحنفي والحافظ علاء الدين الشافعى ومحمد بن أبي محمد بن الجزرى.

وأثنى عليه علماء عصره ومن بعدهم حتى عصرنا الحالي, فقال عنه ابن حجر"أنه اشتغل بالحديث والأثر وجمع التاريخ في كتابه البداية والنهاية وعمل طبقات الشافعية وشرع في شرح البخاري وكان كثير الاستحضار حسن المفاكهة وسارت تصانيفه في البلاد فأفادت الناس والعباد وانتفع بها الناس بعد وفاته", وقال عنه الذهبي "الإمام المفتى المحدث البارع فقيه متفنن ومحدث متقن ومفسر نقال", وقال عنه صاحب شذرات الذهب (كان كثير الاستحضار قليل النسيان جيد الفهم) وقال عنه بن حبيب(زعيم أرباب التأويل سمع وجمع وصنف الكثير وأطرب الأسماع وشنف).

ثناء العلماء على تفسيره للقرآن الكريم:

قال السيوطي في ترجمة الحافظ ابن كثير: "له التفسير الذي لم يؤلف على نمط مثله " , وقال الشوكاني : " وله تصانيف، منها التفسير المشهور وهو في مجلدات، وقد جمع فيه فأوعى، ونقل المذاهب والأخبار والآثار، وتكلم بأحسن كلام وأنفسه، وهو من أحسن التفاسير إن لم يكن أحسنها " .

وتفسيره هذا المسمى بـ "تفسير القرآن العظيم" يُعدُّ من أشهر ما دُوِّن في موضوع التفسير بالمأثور، وهو بهذا الاعتبار يأتي في المرتبة الثانية بعد تفسير الطبري المسمى بـ "جامع البيان في أحكام القرآن , فجاء متميزا بسهولة عبارته وإيجاز صياغته فلم يكن بالطويل الممل ولا بالوجيز المخِلَّ، بل كان طريقًا وسطًا بين بين , وقد تضمنت مقدمته كثيرًا من الأمور ذات الصلة بالقرآن الكريم وتفسيره مستندا فيها على كلام شيخه ابن تيمية رحمه الله.

طريقته العامة ومنهجه في التفسير:

اتبع طريقة سهلة محببة للقارئ سماها العلماء بالتفسير التحليلي بالمأثور التي وفرت على قرائه الكثير من الجهد والمشقة, فكان يذكر الآية ثم يتلوها بالتفسير بعبارة سهلة موجزة, فإذا كان محل التفسير يقتضي مقارنة الآية بأخرى فإنه يبسط تلك الآيات ويقرنها ببعضها عملا بمنهج تفسير القرآن بالقرآن, وقد أعطى هذه الطريقة اهتمامه الكبير, ثم بعد ذلك يُتبع آيات القرآن بإيراد الأحاديث المرفوعة التي تتعلق بالآية ويبين موقفها من الثبوت والضعف في مقام الاحتجاج ويرجح بعضها على بعض وينقد بعضها الآخر مبينا رأيه فيها وفى رجال الروايات بما له من دراية في مجال علوم الحديث ثم يختتم بأقوال الصحابة والتابعين ومن تلاهم من علماء السلف حول الآية مُعرضا عن كل نقل لم يصح ثبوته وعن كل رأي لم ينهض به دليل, واعتمد على العديد من المفسرين السابقين وأشهرهم ذكرا في تفسيره بن جرير وبن عطية وبن أبي حاتم.

موقفه في تفسيره من آيات الأحكام

في آيات الأحكام يدخل ابن كثير في المناقشات الفقهية ويعرض أقوال أهل العلم في مسائل الأحكام، مشفوعة بأدلة كل منهم، ثم يُرجِّح من أقوالهم ما يرى أن الدليل يدعمه، أو أن السياق يؤيده؛ وهو في كل ذلك مقتصد غير مسرف، ومعتدل غير مفرط وإن شئت أن ترى مثالاً لذلك فارجع إليه عند قوله تعالى في الآية 185) من سورة البقرة: .." فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفرٍ فعدّة من أيام أخر..) فإنه يذكر أربع مسائل تتعلق بهذه الآية، ويذكر أقوال العلماء فيها، وأدلتهم على ما ذهبوا إليها.

موقف ابن كثير من الإسرائيليات

الإسرائيليات كما عرفها العلماء بأنها أخبار التوراة والإنجيل التي نقلها إلينا من أسلم من اليهود والنصارى, والتصق مسمى الإسرائيليات بها لأن معظم هذه الأخبار كانت تأتى من خلال كتب اليهود التى كان يحدث بها كعب الأحبار وعبد الله بن سلام ووهب بن منبه رضي الله عنهم.

ولم تكن الإسرائيليات أمر سوء من أولها لآخرها, بل كانت تلك الأخبار عبارة عن تفسيرات وجدها الصحابة في كتب اليهود لمتشابه القرآن لكريم وقد بين الرسول عليه الصلاة والسلام أمرها فقال في الحديث الصحيح "حدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج" لكنه أمر في الوقت نفسه أن ألا نأخذها بالتكذيب أو التصديق إذا لم يكن عندنا منه أصل.

وتتبع بن كثير في تفسيره الإسرائيليات عند من سبقه من المفسرين ولم يكتف بأنه أورد بعضها بل قام بتشريحها سندا ومتنا ونبه عليها وحذر منها على وجه الإجمال تارة وعلى وجه من التفصيل تارة أخرى، فمثلا, عند تفسيره لقوله تعالى (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ... الآية ).

أورد قصة غريبة عن بحث بنى إسرائيل عن البقرة المخصوصة التي وجدوها عند رجل منهم كان بارا بأبيه فجزاه الله عن ذلك بأن اشتروا منه البقرة بأحمال الذهب إلى نهاية القصة التي وردت عن بعض السلف.

فيقول ابن كثير معلقا بعدها بالنص: "وهذه السياقات عن عبيدة وأبي العالية والسدى وغيرهم, فيها اختلاف والظاهر أنها مأخوذة من كتب التراث ولكن لا نصدق ولا نكذب فلهذا لا يعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا, والله أعلم".

وأيضا عند تفسير أول سورة "ق" نراه يعرض لبعض معانيها فى أول السورة فيقول "وقد روى بعض السلف أنهم قالوا ( ق ) جبل محيط بجميع الأرض يقال له قاف والظاهر لنا ـ والله أعلم ـ أن هذا من خرافات بنى إسرائيل التى أخذت عنهم, وعندي أن هذا من وأمثاله من اختلاق بعض زنادقتهم يلبسون به على الناس أمور دينهم كما افترى في هذه الأمة ـ مع جلالة قدر علمائها وحفاظها ـ أحاديث مختلقة على النبي عليه الصلاة والسلام وما بالعهد من قدم, فكيف بأمة بنى إسرائيل مع طول الزمن وقلة الحفاظ بينهم والنقاد, وشربهم للخمور وتحريفهم الكلم عن مواضعه وتبديل كتاب الله وآياته؟

وفي الختام لا نجد أفضل من يوضح طريقته سواه, فبين رحمه الله منهجه وطريقة سيره في مقدمته لتفسير القران فقال: "فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد بسط في موضع آخر، فإن أعياك فعليك بالسنة؛ فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة؛ فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح، لاسيما علماءهم وكبراءهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهتدين المهديين، وعبد الله بن مسعود -رضي الله عنهم أجمعين-وإذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين".

ولتفسيره الكثير من المميزات الأخرى مثل:

- لم يجتهد ابن كثير في بيان معنى من غير أصل وتوقف عمّا لا طائل تحته ولا فائدة في معرفة ما لم يرد فيه نقل صحيح.

- قدَّم لتفسيره بمقدمة طويلة هامة أبان فيها عن رأيه في شؤون التفسير فيها من العلم النافع الغزير.

- بين ابن كثير الناسخ والمنسوخ لما لهذا الأمر من تبيين الحكم ومعرفة ما آل إليه، والعلم بهذا أمر ضروري لكل من يتصدى لكتاب الله تعالى في استبيانه معانيه وإيضاح أحكامه.

- تحاشى ابن كثير المباحث الإعرابية وفنون البلاغة والاستطراد للعلوم الأخرى , فجاء تفسيره شيقا ونافعا للقارئ المسلم الذي يريد فهم كتاب الله وللباحث المسلم الذي يدرس علم التفسير في جمع لطيف بينهما.

________

مراجع للاستزادة في الموضوع

1- منهج ابن كثير في التفسير - د سليمان بن إبراهيم اللاحم , ط : دار المسلم للنشر والتوزيع ، الأولى ، 1420 هـ / 1999 م

2- التفسير بالأثر والرأي وأشهر كتب التفسير فيهما , د. عبدالله بن إبراهيم بن عبدالله الوهيبي , المصدر: مجلة البحوث الإسلامية، العدد 7، ص200-237

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــ