المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التدخل الغربي المرتقب في ليبيا


عبدالناصر محمود
09-18-2014, 08:18 AM
التدخل الغربي المرتقب في ليبيا.. أهدافه ومآلاته
ــــــــــــــــــــــ

(مجدي داود)
ـــــــ

23 / 11 / 1435 هــ
18 / 9 / 2014 م
ــــــــــــ

http://204.187.101.75/memoadmin/media//version4_Lybia268.jpg


في سابقة لم يشهدها العالم العربي من قبل، دعا مجلس النواب الليبي الجديد إلى تدخل أجنبي فوري وعاجل لحماية من وصفهم بـ"المدنيين ومؤسسات الدولة"، ونص القرار أنه "على المجتمع الدولي التدخل بشكل عاجل وفوري لحماية المدنيين في ليبيا خصوصًا في العاصمة طرابلس".
جاءت دعوة البرلمان في ظل انعقاده في مدينة طبرق شرق البلاد، وهي مدينة خاضعة لسيطرة ميليشيات اللواء المتقاعد "خليفة حفتر" الذي أطلق عملية انقلاب عسكري على السلطات الشرعية، وشن هجمات مسلحة على كتائب تابعة لرئاسة أركان الجيش الليبي، إلا أن البرلمان الجديد تغاضى عن كل ذلك، وقرر حل الكتائب المسلحة التابعة لرئاسة أركان الجيش بل واعتبارها منظمات إرهابية، وهو ما يمثل انحيازًا واضحًا من قبل البرلمان الجديد إلى الانقلابيين الذين خرجوا على المؤسسات الشرعية السابقة التي كان من المفترض أن يتسلم البرلمان الجديد السلطة منها، باعتباره أعلى سلطة في البلاد.
جاءت تلك الدعوة إذن لتزيد من قتامة المشهد السياسي في ليبيا، وتزيد الأمور تعقيدًا، وتجعل من الوصول إلى حل سياسي أمرًا بعيدًا، فالبرلمان الجديد بدلًا من أن يقرر حل جميع الميليشيات المسلحة الخارجة عن سيطرة الجيش الليبي، إذا به يأمر بحل الكتائب التي يسيطر عليها الجيش، وينحاز إلى الميليشيات الخارجة عنه، وعندما رأى أن نتيجة القتال على الأرض تسير في اتجاه معاكس لرغباته، طلب التدخل الأجنبي محاولًا إنقاذ الميليشيات الانقلابية من هزيمة متوقعة على أيدي كتائب الثوار.
بعد أيام قليلة من طلب التدخل الأجنبي، قامت طائرات مجهولة الهوية بقصف مواقع عسكرية تابعة للكتائب التابعة لرئاسة الأركان، في ظل قيام الميليشيات الانقلابية بهجمات مسلحة على مواقع أخرى تابعة لها، إلا أنها تمكنت من صد هذه الهجمات، ثم اتهمت كلًّا من مصر والإمارات بالوقوف وراء الضربات الجوية التي استهدفت مقارها، وظهرت عدة أدلة وقرائن تؤكد وقوف الدولتين وراء تلك الضربات، ولا يخفى على أحد المحاولات الحثيثة من الإمارات والنظام المصري لإجهاض ثورات الربيع العربي بعد نجاحهم في الإطاحة بالإخوان المسلمين في مصر رغم وصولهم لسدة الحكم في انتخابات نزيهة.
صمت البرلمان الليبي ولم يحرك ساكنًا إزاء اختراق طائرات أجنبية لبلاده، وهو ما يعد تقصيرًا في أداء واجبه الوطني، ويعد دليلًا آخر على انحياز البرلمان إلى الميليشيات الانقلابية.
هذا الانحياز إلى الانقلابيين، دفع الثوار والمؤتمر الوطني –الذي انتهت ولايته- إلى عدم الاعتراف بالبرلمان الجديد والحكومة التابعة له، والتي فرت معه إلى طبرق، وصار هناك انقسام عمودي أو رأسي في الشارع الليبي، وصار هناك نظامان سياسيان يتنازعان الشرعية.
استجابة فرنسية:
في منتصف الأسبوع الماضي، ألمح وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان إلى إمكانية استجابة بلاده لدعوة البرلمان الليبي بالتدخل العسكري، وحشد الدول الغربية للقيام بعمل عسكري في ليبيا، مذكرًا بما قامت به فرنسا في مالي قبل ما يقرب من العامين، وساق في هذا السياق مجموعة الاتهامات المتكررة والمعروفة حول الإرهاب، معتبرًا أن جنوب ليبيا أصبح يشكل بؤرة "للمجموعات الإرهابية"، أما في شمالها "فالمتطرفون يهددون المراكز السياسية والاقتصادية في البلاد".
التدخل الفرنسي المرتقب في ليبيا، هو تدخل بالنيابة عن العالم الغربي برمته، فهو تطبيق لسياسة "الباب المفتوح" التي اتفق عليها الدول الأعضاء في حلف الناتو في قمة لشبونة عام 2009م، لتنظيم عملية الدفاع الجماعي للناتو عن أعضائه أو مصالحهم في العالم، وذلك بتوزيع أعباء التدخل في منطقة النزاع على جميع الأعضاء، بحيث تتصدر الدولة الأقرب لتلك المنطقة المشهد بصفة فردية وليس باسم الناتو، فيما تدعمها بقية الدول عسكريًّا ولوجستيًّا واستخباراتيًّا، وهو ما حدث مع فرنسا أيضًا في مالي وفي أفريقيا الوسطى.
أهداف التدخل المرتقب:
لفرنسا أهداف من التدخل العسكري الغربي المرتقب أن تقوده في ليبيا، يأتي على رأسها المصالح الاستيراتيجية في قطاع النفط، فالعالم الغربي لن يحارب فقط من أجل تمكين أحد طرفي الصراع، بل إن له مطامع كثيرة، وهو الفارق الرئيس بين ليبيا وسوريا التي لم تحرك المجازر التي أسقطت مائتي ألف سوري قتيلًا، وملايين الجرحى والنازحين، ساكنًا لدى العالم الغربي برمته.
ولم تستطع فرنسا نسيان إرثها الاستعماري القديم في "إقليم فزان" جنوب ليبيا، والذي كانت تسيطر عليه بعد الحرب العالمية الثانية، وهذا الإقليم تحديدًا يشهد اكتشافات نفطية حديثة وهائلة، وعلى هذا يكون التدخل العسكري مقابل امتيازات كبيرة في قطاع النفط.
وتريد فرنسا أن تعزز من وجودها العسكري في العمق الإفريقي، فهناك قوات فرنسية في مالي، وأخرى في أفريقيا الوسطى، وبوجود قدم لها في ليبيا، فهذا يعزز من قوتها ويجعل يدها طولى في تنفيذ أهدافها ونيل مطامعها في إفريقيا.
ويضاف إلى ما سبق الهدف المعلن، وهو محاربة ما يسمى "الإرهاب"، والمراد من ورائه محاربة قوى الثورة الليبية، التي ترفض أن تكون ليبيا تابعًا ذليلًا للغرب، والتي تسعى إلى قيام دولة قوية ذات سيادة، ونظام سياسي قوي بعيدًا عن الاستبداد والديكتاتورية والحكم العسكري، أما دعوى "حماية المدنيين وإعادة الاستقرار" فهي دعوى يثبت كذبها تأخر التدخل العسكري شهورًا طويلة شهدت فيها ليبيا فوضى أمنية غير مسبوقة وصلت حد اقتحام مبنى "المؤتمر الوطني العام"، وكان يمثل أعلى سلطة في البلاد وقتها، وقتل عشرات المدنيين الليبيين خلالها، دون أن تحرك فرنسا أو غيرها ساكنًا.
التدخل حاليًا والتدخل إبان عهد القذافي:
إن التدخل العسكري المرتقب في ليبيا حاليًا، يختلف كثيرًا عما كان عليه في مالي، كما يختلف عن التدخل الأجنبي بالحظر الجوي إبان الثورة على نظام معمر القذافي من وجوه عدة:
- التدخل العسكري إبان عهد القذافي كان بعد صدور قرار من مجلس الأمن الدولي بفرض حظر جوي على ليبيا، لمنع الطيران الحربي التابع لنظام القذافي من قصف المدنيين العزل في المدن والمناطق الثائرة، كما أنه جاء بدعم وطلب عربي رسمي واضح، وهذا لا يعني أن التدخل العسكري وقتئذ كان بهدف حماية المدنيين، بل كان الغرب يهدف من ورائه أيضًا لحماية وتعزيز مصالحه الخاصة.
- التدخل العسكري إبان عهد القذافي كان مطلبًا شعبيًّا لوقف الجرائم التي يرتكبها، وسرعان ما تحول الموقف الشعبي ضد التدخل الأجنبي بمجرد مقتل القذافي، وقبل أن يستتب الأمر للثوار، أما هذه المرة فهناك رفض شعبي واضح للتدخل المرتقب، ظهر في المسيرات التي خرجت تندد بمجلس النواب والتدخل الأجنبي في المدن الليبية.
- التدخل العسكري الجوي لا يكفي بمفرده في ترجيح كفة أحد طرفي الصراع الدائر الآن في ليبيا، وإلا كان بإمكان ميليشيات حفتر حسم الصراع لصالحها، من خلال الطائرات التي تمتلكها أو من خلال قوات حلفائها في مصر والإمارات.
- التدخل البري يتطلب دعم ومساعدة دول الجوار، وقد رفضت كل من تونس والجزائر المشاركة في هذا الأمر، أو حتى تقديم تسهيلات جوية للقوات الأجنبية، فتونس تقف إلى جانب الثورة الليبية وترفض المحاولات الانقلابية، أما الجزائر فقد اتخذت منذ بداية الثورة في ليبيا موقف الحياد، خشية أن يعود أي انحياز لأطراف الصراع سلبًا على أمنها واستقرارها، كما أنها لا تجد تبريرًا منطقيًّا تقدمه لشعبها لهذا الأمر بخلاف ما كان عليه الأمر عند التدخل العسكري في مالي والذي سبقه اختطاف عدد من دبلوماسييها هناك، ولا يتبقى سوى مصر، وهي وإن كانت تؤيد التدخل العسكري في ليبيا وقامت بضربات جوية، لكنها قد تجد صعوبة في المشاركة الواضحة بقوات برية أو السماح لقوات غربية بالمرور عبر أراضيها.
مآلات التدخل المرتقب:
--------------

من خلال تجارب التدخل الأجنبي التي شهدها العالم الإسلامي في السنوات الماضية، يكون من المرجح أن يؤدي التدخل الأجنبي العسكري في ليبيا إلى مزيد من الفوضى والتوتر، وتعميق الانقسام الرأسي في البلاد -التي تعيش في ظل برلمانين وحكومتين يتنازعان الشرعية-، وانعدام أي حلول سياسية في المدى القريب.
فمن ناحية، التدخل الأجنبي لن يحل الصراع الحالي؛ لأن الواقع في ليبيا اليوم يختلف كثيرًا عن الوضع في مالي قبل عامين، فليبيا بيئة قبلية ينتشر فيها السلاح بكثرة، وهذه الكتائب المستهدفة بالتدخل حصلت على كم هائل من الأسلحة خلال الثورة على القذافي، ولا تزال تمتلك كميات كبيرة منها، تستطيع أن تقاتل بها لفترة طويلة وتكبد عدوها خسائر فادحة لا يتوقعها.
ويواجه التدخل الأجنبي تحديًا آخر، وهو أن الكتائب الثورية المستهدفة ليست جيشًا نظاميًّا موجودًا دائمًا في معسكرات واضحة معروفة، بل هي عناصر منتشرة بين المواطنين، يصعب تمييزهم عنهم، أو يتجمعون في مجموعات صغيرة، كما أن لهم حاضنة شعبية كبيرة، وهو ما يعيق استهدافهم سواء جويًّا أو بريًّا إلا بإيقاع خسائر كبيرة في صفوف المدنيين، وهو أمر من شأنه أن يثير انتقادات دولية في الخارج، وغضبًا شعبيًّا كبيرًا في الداخل، يترجم في تضامن أكبر مع القوى الثورية ضد التدخل الأجنبي والطرف المستقوي به.
نتيجة لذلك، لن يعود الصراع بين الطرفين –الثوار والمؤتمر الوطني من ناحية، وبرلمان طبرق وقوات حفتر الانقلابية من ناحية ثانية- مجرد صراع سياسات وأيديولوجيات أو صراع مبادئ أو حتى صراع على السلطة، بل سيكون صراعًا بين طرف وطني وطرف آخر يوالي الغرب ويستعين به، ويتحول إلى صراع صفري، وسيتعمق هذا المشهد وينتشر في الشارع الليبي، فيكون من الصعب أن يتدخل وسطاء عقلاء لمحاولة تهدئة الأمور والوصول إلى حل وسط، ويستمر الصراع المسلح حتى يقضي أحد الطرفين على الآخر.

----------------------------------------