المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لا تقل هكذا


عبدالناصر محمود
09-18-2014, 08:36 AM
لا تقل هكذا
ــــــ

(د. عبدالحكيم الأنيس)
ــــــــــــ

23 / 11 / 1435 هـ
18 / 9 / 2014 م
ـــــــــــ


https://scontent-a-vie.xx.fbcdn.net/hphotos-xpa1/v/t1.0-9/s480x480/10701996_709933639087240_3302803276158589806_n.jpg ?oh=70b9ba03e1fdd37429ce5e5b2fba1beb&oe=54C576ED

لا تقل هكذا
-------

يعلِّمنا العلماءُ المربون اختيارَ الألفاظ، والتدقيق في العبارات، والتطلع دائمًا إلى الأحسن والأفضل في القول والعمل، كل ذلك بفقهٍ سديدٍ، وحرصٍ رشيدٍ:
قال القاضي ابنُ العربي:
"أخبَرني مُحَمَّدُ بنُ عبدالحَكَمِ البُسْتيُّ الواعظُ قالَ: أَخْبَرَنا أَبو الفضْلِ الجَوهَرِيُّ سماعًا عليه، يقولُ: كُنَّا في جنازةٍ، فقالَ الْمُنْذِرُ بها: انْصَرِفُوا رَحِمَكُم اللَّهُ.

فقال: لا يَقُلْ أحَدُكُمْ انْصَرِفُوا، فإِنَّ اللَهَ تعالى قال في قومٍ ذَمَّهُمْ: ﴿ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ [التوبة: 127].

ولكن قولوا: انقلِبُوا رَحمَكُم اللَّهُ، فإِنَّ اللّهَ تعالى قال في قومٍ مَدَحَهُمْ: ﴿ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ﴾ [1].
◘ ◘ ◘ ◘

وروى أبو نعيم الأصفهاني عن الإمام يحيى بن أبي كثير(ت:129هـ) قال:
"خيرُ الإخوان الذي يقولُ لصاحبه: تعالَ نصوم قبل أن نموت.
وشرُّ الإخوان الذي يقولُ لأخيه: تعالَ نأكل ونشرب قبل أن نموت"[2].
◘ ◘ ◘ ◘

ويُذكرُ في كتب الأدب هذان البيتان:
إذا العشرون من شعبان ولَّتْ ** فواصلْ شرب ليلك بالنهارِ
ولا تشربْ بأقداحٍ صغارٍ ** فقد ضاق الزمانُ على الصغارِ[3]
◘ ◘ ◘ ◘

وقد عارضهما العلامة ولي الدين أبو زرعة العراقي (ت:826هـ) فقال:
إذا العشرون من رمضان ولتْ ** فواصلْ صوم يومك بالقيامِ
ولا تأخذْ بحظِّك من منامٍ ** فقد ضاق الزمانُ عن المنامِ[4]
◘ ◘ ◘ ◘

وقال العلامة الشيخ علي بن إبراهيم الإبي اليماني ثم المكي الشافعي (790 تقريباً - 859هـ) -وكأنه يعارض ذلك القائل أيضًا-:
إذا العشرون من رمضان ولتْ ** فواصلْ ذكر ربك كل حينِ
ولا تغفل عن التطواف وقتاً ** فأنتَ من الفراق على يقينِ[5]
◘ ◘ ◘ ◘

وللعلامة الشيخ محمد بن عبد الحق العقيلي المالكي المكي (ت:993هـ):
إذا العشرون من شعبان وافتْ ** تهيأْ للصيام وللقيامِ
ولا تكسل عن الطاعات فيهِ ** فهذا الوقتُ وقتُ الإغتنامِ
فشهرُ الصوم قد وافاك حقاً ** بكل المَكْرُمات على الدوامِ[6]
◘ ◘ ◘ ◘

وعلى نهج علمائنا وإرشاداتهم أذكرُ ما وقع لي من ذلك:
• للشاعر الببغاء قصيدة يمدح بها عميدَ الجيوش: الحسين بن أبي جعفر(ت:401هـ)، قال فيها:
سألتُ زماني بمَنْ أستغيث ** فقال: استغثْ بعميد الجيوش[7]

فقلت: ما أحوجنا أن نقول:
سألتُ زماني بمَنْ أستغيث ** فقال: استغثْ بمليكِ العروش
أتطلبُ عونًا من العاجزينَ؟ ** فأين العميدُ وأين الجيوش؟!
◘ ◘ ◘ ◘

♦ وللشاعر الأرَّجاني (ت:544هـ) مضمنًا:
وقُمْ نأخذْ من اللذات حظًّا ** فإنّا سوف تدركنا المنايا[8]

فقلت: ما أحوجه إلى أن يقول:
وقُمْ نأخذْ من التقوى بحظٍّ ** فإنا سوف تدركنا المنايا
◘ ◘ ◘ ◘

♦ وجاء في قصيدة للحسن بن أبي الحسن النحوي البغدادي الدمشقي (ت:568هـ):
للعبد أنْ يلتذَّ في ** دنياهُ واللهُ الغفور[9]
فقلت: ليته قال:
للعبد أنْ ينكفَّ في ** دنياهُ واللهُ الشكور
◘ ◘ ◘ ◘

وقد يقول المرءُ شيئًا، ثم يندم عليه إذا أسيء فهمُه:
ومن ذلك أن الإمام أبا إسحاق الشيرازي (ت:476هـ) قال:
جاء الربيعُ وحسنُ وردِهْ ** ومضى الشتاءُ وقبحُ بَرْدِهْ
فاشربْ على وجهِ الحبيـ ** ـب ووجنتيهِ وحُسْنِ خدِّهْ

قال أبو سعد السمعاني: أنشدنا أبو المُظَفَّر شَبيب بن الحسين القاضي قال: أنشدني الشيخ أبو إسحاق الشيرازي لنفسه. وذكر هذين البيتين.

قال ابن السمعاني: قال لي شبيب: ثم بعدما أنشدني هذين البيتين أُنشِدا عند القاضي عين الدولة حاكم صور -بلدة على ساحل بحر الروم- فقال: أحضِرْ ذلك الشأن -يعني الشرابَ - فقد أفتانا به الإمامُ أبو إسحاق. فبكى الإمامُ ودعا على نفسه وقال: يا ليتني لم أقل هذين البيتين قط.

ثم قال: كيف لي بردِّهما مِنْ أفواه الناس؟
فقلت: يا سيدي هيهاتَ قد سارتْ بهما الركبان[10].
◘ ◘ ◘ ◘

وبعد:
فقد "قال عمرُ بن عبد العزيز رحمه الله لغلامه -ورأى روثَ دابة-: نحِّ ذلك النقيل. تصوُّناً عن اسم الروث.
وقال: عرضتْ لي دمَّل تحت يدي فآلمتني. ولم يقل: تحت إبطي"[11].

وروى ابنُ الجوزي عن أبي عبيد قال: ما رأيتُ رجلًا قط أشدَّ تحفظًا في منطقه من عمر بن عبد العزيز"[12].

وروى عن أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز، فقال رجلٌ لرجل: تحت إبطك. فقال عمرُ: وما على أحدكم أن يتكلم بأجمل ما يقدر عليه؟.

قالوا: وما ذاك؟
قال: لو قال: تحت يدك، كان أجمل[13].

و"كان الحجّاجُ على قبح أفعاله، وسوء أحواله، يتنزّه عن أن ينطق بلفظة سخيفة. وقد قال لمنْ اتهمه بمال ابن الأشعث: (لو خبأتَه تحت...) حتى قال: (تحت ذيلك، لم يكن بدٌّ من إخراجه). وإنما أراد أن يقول: تحت......"[14].
---------------------------
[1] "أحكام القرآن" (4 /421).
[2] "حلية الأولياء" (3 /71)
[3] نسبهما اليوسي في "المحاضرات" وفي "زهر الأكم" إلى أبي نواس. ونسبهما بعضُهم إلى ابن المعتز.
ونسبهما العماد الأصفهاني في "خريدة القصر" إلى الفقيه أحمد بن علي المشكهري الموصلي!
[4] انظر: "ثبت" الوادي آشي ص 111.
[5] الضوء اللامع (5 /155).
[6] النور السافر ص 555 .
[7] الأعلام (2 /234).
[8] خريد القصر: القسم الثاني (3 /362).
[9] معجم الأدباء (2 /871).
[10] انظر: الوافي بالوفيات (6 /65)..
[11] جمع الجواهر للحصري.
[12] مناقب عمر بن عبدالعزيز ص 193.
[13] السابق ص 278.
[14] جمع الجواهر للحصري. وانظر الكلمة المطوية فيه.

-----------------------------------------