المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الديبلوماسية في الأندلس على عهد الخليفة عبدالرحمن الناصر


تراتيل
02-23-2012, 04:40 PM
الديبلوماسية في الأندلس على عهد الخليفة عبدالرحمن الناصر


اجتمعت في شخصية عبد الرحمن الناصر مواهب عديدة أهلته لأن يكون حاكماً ناجحاً، فهو سياسي مرن، وقائد شجاع، وإداري صلب، يتمتع بثقافة أدبية واسعة، وذوق فني رفيع. ولابد لشخصية كهذه أن تترك بصماتها على الأوضاع العامة في الدولة، وأتاحت له الأوضاع السياسية العامة في العالم المعروف آنذاك أن يتبوأ مركز الزعامة في العالم الإسلامي الغربي، وأن يتفوق على أقرانه في الشرق، وتحول في العشرة أعوام الأخيرة من عهده إلى رجل العالم الإسلامي القوي الذي له من متانة نظامه في الداخل وسمعته السياسية في الخارج، ما يؤهله لأن يكون موضع إعجاب وتقدير الشخصيات المعاصرة التي سعت إلى صداقته وإقامة علاقات ودية معه، ولم يكد يمر عام في الحقبة الأخيرة من عهده من دون أن يزور قرطبة عدد من السفراء المسلمين والنصارى يطلبون مقابلة الخليفة.
والواقع أن التعرض لموضوع العلاقات السياسية في تلك الحقبة الزمنية من العصور الوسطى أمر غير يسير، حيث العلاقات العسكرية طاغية على سواها من مظاهر التعاون الودي، وأن الاتصالات والزيارات المتبادلة بين وفود الخلافة الأموية في الأندلس وبين الدول النصرانية، سواء في الشرق أو الغرب، لم تشغل سوى جانب سطحي في إطار العلاقات الدولية آنذاك، لأن الجانب الأهم كانت تشهده ساحات القتال.
1- لعلاقة مع الدولة البيزنطية: كانت الامبراطورية البيزنطية تمر في عهد الامبراطور قسطنطين السابع (332 هـ-348هـ/944م-959م) بوضع القوة في ظل الأسرة المقدونية، وليست بحاجة إلى الدخول في تحالفات مع أطراف خارجية، ومع ذلك فقد اتسم عهد الامبراطور المذكور بالمحافظة على استمرار العلاقات السياسية الجيدة مع الدول الأجنبية، ومنها الدولة الأموية في الأندلس.
والراجح أن ما اشتهر به هذا الإمبراطور من نشاط ثقافي، وما أسهم به في التقدم الفكري البيزنطي، وما أصدره من مؤلفات عديدة، وما أقدم عليه من تشجيع الآخرين على التأليف، كل ذلك كان عاملاً رئيساً في التقارب مع قرطبة التي كانت تمر آنذاك بأوج ازدهارها الفكري، وعليه كان بين قرطبة والقسطنطينية انسجام فرضته تطورات الأحداث والظروف المشابهة في عهد كل من عبد الرحمن الناصر وقسطنطين السابع، وقد تمت اتصالات الثاني بالأول في هذا الإطار الثقافي، ولا تشير روايات المصادر إلى أبعاد سياسية وراءها، أو إقامة علاقة لا تختلف في المضمون والاتجاه عن العلاقات السياسية التي تقوم بين الدول بدافع تبادل التعاون في المجالات الاقتصادية والثقافية والفنية، بدليل أن الإمبراطور البيزنطي أهدى العاهل الأموي مخطوطين عظيمين، أحدهما في علم النبات ل "ديسفوريوس" باللغة اليونانية، والآخر في السيرة وأخبار الملوك القدماء ل "باولو أورسيو" المؤرخ الإسباني اللاتيني الذي عاش في القرن الخامس الميلادي.
يتحدث المؤرخون المسلمون في مجال استئناف العلاقة السياسية بين قرطبة والقسطنطينية عن سفارتين؛ ففي عام 336هـ/947م-948م وفدت على قرطبة سفارة بيزنطية أرسلها قسطنطين السابع تحمل طائفة من الهدايا النفيسة، ويقدمون إلينا تفاصيل شيقة عنها تلقي ضوءاً على نظم الرسوم السياسية في ذلك العصر، ولما عادت السفارة إلى القسطنطينية، أرسل عبد الرحمن الناصر معها سفيراً هو المستعرب هشام بن هذيل مع هدية قيمة، ليؤكد على المودة ويوثق عرى التقارب بين قرطبة والقسطنطينية، فعاد بعد عامين مع سفارة بيزنطية ثانية، وهي التي حملت المخطوطين اللذين أشرنا إليهما، وتفيض الرواية الإسلامية في تفاصيل هذه السفارة إفاضة واضحة، ولكنها لا تلقي ضوءا كبيراً على موضوعها وغايتها الحقيقية.
2- العلاقة مع الامبراطورية الرومانية المقدسة: ومن العلاقات المثيرة التي شهدتها قرطبة أثناء خلافة عبد الرحمن الناصر، ذلك التبادل السياسي بينها وبين فرانكفورت عاصمة الامبراطورية الرومانية المقدسة التي كان يرأسها آنذاك "أوتو" الأول الملقب بالعظيم (324هـ-362هـ/936م/973م) وهو أقوى الشخصيات الأوروبية في ذلك الوقت، والملفت أن هذه العلاقة لا تأخذ سوى حيز يسير جداً من اهتمام المصادر الأندلسية، فهي تكاد تقتصر على ذكر شخصية السفير وتاريخ الزيارة التي يرجح أنها تمت في حدود عام 344هـ-955م.
ويبدو أن عدة اتصالات قد مهدت لسفارة "أوتو"، كان قد بدأها هذا الملك، متخذة طابع الاحتجاج على نشاط البحرية الأندلسية المنطلقة من "بروفانس" ضد شواطئ بلاده في جنوبي فرنسا وشمالي إيطاليا وصولاً إلى سويسرا.
وكرد على هذا الاحتجاج، أرسل عبد الرحمن الناصر في عام 339هـ/950م سفيراً إلى "أوتو" هو راهب مستعرب، وحمله رسالة تنطوي على كثير من الغطرسة، وقد توفي في الطريق، فأوصلها مرافقه إلى البلاط الملكي في فرانكوفرت، فكان لها الأثر السيئ في نفس الملك، فرد عليها برسالة حملها الأسقف يوحنا الجورزيني، فنزل ضيفا بإحدى المزارع القريبة من قرطبة، والمجاورة لكنيسة سان مرتين حيث سمح له بالمشاركة في المراسيم الدينية التي تجري أيام الآحاد والأعياد، وهي ظاهرة تدل على مناخ الحرية الدينية الشائع في قرطبة في عهد عبد الرحمن الناصر، كما تدل على مرونة هذا الخليفة الذي لم ينفعل إزاء عصبية المبعوث الملكي ورسالته الجدلية حول موضوع الإسلام الذي أصر على إلقائها بين يديه.
وجاء تقدير عبد الرحمن الناصر بأن الرسالة التي يحملها الأسقف يوحنا الجورزيني تحتوي على إهانة لكرامته وكرامة الإسلام، فأحاطه علما بأنه لن يستقبله إلا في حال أن تقتصر المقابلة على تقديم الهدايا التي أرسلها "أوتو" الأول من دون الرسالة، فرفض يوحنا الجورزيني، وحينئذ قرر عبد الرحمن الناصر أن يرسل سفيراً إلى الملك الألماني يستوثق ما إذا كانت الرسالة تعبر عن وجهة نظره أم أن الأسقف اغتنم الفرصة للإفضاء عن آرائه العدائية والمتطرفة في مجلس الخليفة، واختار الخليفة "رثموندو"، المعروف في المصادر العربية باسم ربيع بن زيد ليقوم بهذه المهمة، فذهب إلى فرانكفورت واجتمع بالملك الذي رحب به، فبدد السحب السوداء التي غمرت العلاقة بين البلدين، ولما عاد إلى قرطبة، أرسل معه مبعوثاً شخصياً هو "دون دي فيردون" يحمل تعليمات جديدة إلى يوحنا الجورزيني تقضي بالتخلي عن موقفه المتشدد، وقرر عبد الرحمن الناصر استقباله أخيراً.
لا نعلم شيئا عن نتائج هذه السفارة، لأن المؤرخين المسلمين لم يتحدثوا عن موضوعها، وأغفل المؤرخون النصارى نتائجها، ولكن الراجح أن وجهة النظر التي أبدتها حكومة قرطبة للسفير الملكي فيما يتعلق بشأن المستعمرات الإسلامية وغزوات المسلمين لفرنسا وشمالي إيطاليا وسويسرا، أن ليس لها علاقة بتلك المستعمرات، وأنها لا تتحمل تبعات أعمالها.
3- سفارات أخرى: استمرت سفارات ملوك الدول الأوروبية المختلفة في التوافد على قرطبة لخطب ود عبد الرحمن الناصر، نذكر منها سفارة بطرس بن سيمون الكبير ملك بلغاريا، وسفارة لويس السابع ملك فرنسا، وسفارة بابوية أرسلها البابا يوحنا الثاني عشر.
نقلاً عن " تاريخ المسلمين في الأندلس لمحمد سهيل طقوس

التاريخ