المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أفريقيا والتحدي


عبدالناصر محمود
09-27-2014, 07:09 AM
عرض كتاب: أفريقيا والتحدي.*
ـــــــــــــــ

3 / 12 / 1435 هــ
27 / 9 / 2014 م
ــــــــــــ

http://nama-center.com/ImagesGallary/photoGallary/25-9-2014.jpg

الكتاب: أفريقيا والتحدي
المؤلف: وانغاري ماثاي
المترجم: أشرف محمد كيلاني
الناشر: سلسة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت.
عدد الصفحات: 291 صفحة متوسطة القطع.
الطبعة: عدد 410، مارس 2014.

أولا- أهمية الكتاب
--------------

يستمد هذا الكتاب أهميته من مؤلفته ومن موضوعه ومن طبيعة مقاربته لموضوعه.

فأما ما يتعلق بالمؤلفة، فإن "وانغاري ماثاي"، الكينية المولد والمنشأ، قضت كل حياتها في خدمة القضية التي تؤمن بها، وراكمت على مر عقود خبرة عميقة، بإفريقيا ومشاكلها، وبطاقاتها وإمكاناتها أيضا. حيث أسست حركة الحزام الأخضر التي قامت، عبر شبكات من النساء الريفيات، بزراعة ما يزيد على 30 مليون شجرة في أنحاء كينيا. لتنتخب في البرلمان سنة 2002، وتتولى بعد ذلك منصب نائب وزير البيئة والموارد الطبيعية. ليأتي بعدها الاعتراف الدولي متمثلا في حصولها على جائزة نوبل للسلام في عام 2004.

وأما ما يتعلق بموضوع الكتاب، فهو واقع قارة أنهكها الجوع والفقر والمرض، غير أنها قارة مستبشرة، لم تفقد الأمل بعد في النهوض، لذا فالكتاب ليس مجرد ترف فكري: إنه تشخيص أزمة دقيق، واقتراح حلول طموح، من مواطنة أحبت بلدها وأفنت عمرها في التعبير عمليا عن ذلك الحب.

وأما ما تعلق بطبيعة المعالجة، فالكتاب يصدر عن سيدة شكلت رؤيتها عبر الاحتكاك بالناس ومشاكلهم، وعبر معايشتهم في الحقول والأكواخ، من خلال حركة الحزام الأخضر، وليس من خلال مكتب أنيق يخفي زجاجه السميك بشاعة واقع يلفه الحرمان. لذا جاء الكتاب عمليا، يقدم مجموعة من المبادئ العملية التي تجنب المواطني ومزارعي الكفاف أزمة الغذاء، كما يقترح الكتاب مبادئ تؤسس لضمان الحكم الرشيد، والحريات الأساسية، والتنمية العادلة والمستدامة، والسلام.

وإذا كانت المؤلفة تلتقي مع العديد من المفكرين العرب في نقد الحداثة، وإعلاء القيم الثقافية الأصيلة لمجتمعها، فإنها تتميز بواقعية النقد، الذي ينأى عن الإغراق في الإشكالات النظرية (وهذا حال الكثير من مثقفينا)، ويركز أكثر على الواقع، منطلقا للتحليل، وهدفا للتغيير.

ثانيا- عرض الكتاب
-------------

ينطلق الكتاب بمشهد حقيقي، وقع للمؤلفة أثناء إحدى زياراتها لياوندي، عاصمة الكاميرون، حيث كانت تقف خارج الفندق، بينما تتساقط أمطار خفيفة، ووجدت نفسها تتأمل سيدة تجهز الأرض للزراعة، وكانت أساليب زراعة الكفاف التي تتبعها تتسبب في تآكل التربة وفقدان الماء، وزراعة الكفاف هي وسيلة السواد الأعظم من الأفارقة لكسب لقمة العيش، غير أن التحديات التي تواجه تلك الفلاحة هي عالم مصغر، بطرق عدة، للتحديات الهائلة التي تواجه الفلاح الأفريقي تحديدا، وأفريقيا بوجه عام: فامتيازات التعدين والأخشاب التي تغذي الطلب العالمي النهم يتهدد بتدمير غابات حوض الكونغو، بالإضافة إلى أن الفلاحة الشعبية السائدة تؤدي إلى تدهور التربة وإفقارها. لذا يحتاج الفلاحون بشكل عاجل للتعليم وتنمية المهارات، وإلا ستعاني الأجيال المقبلة من تمدد الصحاري، وتدهور الأراضي، وتزايد أعداد النازحين والمهاجرين الباحثين عن الطعام والماء والمراعي.. وسيعانون بسبب الصراعات الحتمية التي تحدث عندما يتدافع الناس من أجل الموارد النادرة.

وقد يكون هذا الجهل من مخلفات الاستعمار الذي عانت منه إفريقيا طويلا؛ لكن على الرغم من أن الاستعمار كان مدمرا لإفريقيا، فقد أصبح كبش فداء مريحا لتبرير الصراعات، وأمراء الحرب، والفساد، والفقر، والتبعية، وسوء الإدارة في المنطقة. لا يمكن لإفريقيا الاستمرار في إلقاء اللوم على الاستعمار إزاء إخفاق مؤسساتها، وانهيار بنياتها التحتية، والبطالة وتعاطي المخدرات، وأزمات اللاجئين؛ لكن أيا من هذه الأمور لا يمكن فهمه بشكل كامل من دون الإقرار بحقيقة ماضي إفريقيا.

ورغم أن علماء الآثار والمؤرخين يثبتون أن للقارة تاريخا مزدهرا بالحضارات المتطورة والراقية التي سادت في القرون التي سبقت وصول الأوروبيين، إلا أن شعوب إفريقيا خضعت مطولا لتضليل قوي؛ فعلى مدى خمسة قرون، ظل العالم الخارجي يخبر الأفارقة أنهم شعوب متخلفة، طقوسهم الدينية آثمة، وزراعاتهم بدائية، وأنظمتهم في الحكم غير مناسبة، ومعاييرهم الثقافية همجية. وهكذا عانى الأفارقة من استعمار مزدوج، مادي وعقلي. حيث عمل الأخير تحديدا على تدمير التراث الروحي والثقافي للأفارقة، والذي كانت أبسط نتائجه السياسية هي ندرة القيادة الصالحة. فبعد الاستقلال، وظهور الدول القومية، استلم قيادتها في الغالب نخب ذات تعليم غربي، وكان معظمهم مؤيدا للإدارة الاستعمارية، فاحتفظ بمقومات الحكم الاستعماري، الذي يخدم مصالح القوى الاستعمارية.

ولا تكتفي المؤلفة بالنتائج السياسية والاقتصادية السلبية للاستعمار، بل تذهب إلى أن أكبر العوائق الآن هو من طبيعة ثقافية، فما يطلق عليه الأفارقة الآن اسم "أمة" ليس سوى قشرة خارجية وضعت فوق دولة معدومة الثقافة، بلا قيم، أو هوية، أو شخصية. حيث يجري إحباط ومحاصرة كل من يروج للثقافات المحلية وإدانته بتهمة رعاية القبلية، ويتم تحفيزه في المقابل على أن يصبح مواطنا في الدولة الحديثة، وهي دولة ليس لها من شخصية سوى جواز السفر وبطاقة الهوية.

وبعد تحليل تركة الاستعمار الثقافية والسياسية والاقتصادية، تبحث المؤلفة في الكيفية التي يمكن بها للمساعدات، والتجارة، والدَّين، أن تغذي اختلال التوازن في العلاقة بين إفريقيا والعالم الصناعي، حيث لا تكتفي بتوجيه النقد إلى المجتمع الدولي إزاء ممارساته التجارية غير النزيهة وعبء الدين الثقيل الذي لا يزال الأفارقة يرزحون تحت وطأته، بل تركز المؤلفة أساسا على تحفيز كل الأفارقة ووضعهم أمام تحدي الإفلات من ثقافة التبعية التي تفضي إلى السلبية، والانهزامية، والإخفاق.

وبعد هذا التحليل الاقتصادي، يأخذ خطابها طابعا سياسيا، حين تناقش ظاهرة العجز في القيادة بأفريقيا، لكنها لا تكتفي بالنقد السلبي، بل تبحث في ما يمكن القيام به لإصلاح الأمور. وبالتالي لا تركز على إحراج أو لوم المجتمع الإفريقي بأسره، وبخاصة قياداته، بل تضعه أمام تحدي التحرر من الفساد والأنانية، وهو تحد يشمل المناصب العليا والقاعدة الشعبية على السواء؛ فكل إفريقي، من رئيس الدولة إلى مزارع الكفاف، بحاجة إلى اعتناق ثقافات الأمانة، والعمل الجاد، والنزاهة، والعدالة، وكذلك اغتنام ثروات قارته الثقافية، والروحية، والمادية.

وتعود المؤلفة لاحقا إلى قضية فقدان الثقافة الناتجة عن "الاستعمار العقلي"، والذي يظهر في الافتقار إلى احترام بعض الثقافات في إفريقيا، وما يترتب على ذلك من فقدان مدمر للثقة في النفس لدى الكثير من الجماعات العرقية التي تسميها المؤلفة بـ"الدول المجهرية" في كل أنحاء القارة.

ونظرا لأهمية الثقافة عند المؤلفة، قامت هذه الأخيرة بتنظيم حلقات دراسية للتعليم المدني والبيئي، حيث مكنتها ملاحظاتها من تطوير مفهوم "متلازمة الحافلة الخطأ" (Wrong Bus Syndrome)، الذي تشرحهم بقولها: "وكالمسافرين الذين استقلوا الحافلة الخطأ، فكثير من الناس والمجتمعات المحلية يسيرون في الاتجاه الخطأ أو يسافرون عبر الطريق الخطأ، بينما يسمحون للغير (قادتهم غالبا) بأن يقودوهم بعيدا أكثر فأكثر عن وجهتهم المنشودة، وطبقا لتحليلي، فجزء كبير من أفريقيا اليوم يستقل الحافلة الخطأ".

ونظرا لأن الدولة القومية أضحت واقعا رغم كل الانتقادات، فإن المؤلفة تبحث على نحو أكثر عمقا في تحديات الدولة القومية الإفريقية. خصوصا وأن الأفارقة تجاهلوا على مدى عقود الأهمية الثقافية والنفسية الأساسية لهوية الدولة المجهرية، بدلا من الاستفادة من العرقية لتحقيق مكسب سياسي. لذا تدعو المؤلفة الأفارقة إلى أن يعيدوا اكتشاف تنوعهم اللغوي، والثقافي، والعرقي، ويتمسكوا بهذا التنوع؛ ليس فقط كي تتمكن دولهم القومية من المضي قدما سياسيا واقتصاديا، لكن حتى يتسنى لهم أيضا معالجة نفسٍ جريحة بفعل إنكار من تكون حقا.

ومثلما يكون التنوع الثقافي أساسيا للمجتمع الإنساني السليم، يكون التنوع البيولوجي كذلك أيضا. لذا فالبيئة قضية محورية ينبغي أن تطرح في جميع المناقشات حول التحديات التي تواجهها إفريقيا، وطرق معالجاها والتعامل معها. في هذا السياق، تناقش المؤلفة المشكلات المتعلقة بالأراضي، والزراعة، وصيانة الموارد الطبيعية، وبخاصة صيانة الغابات. وبعد ذلك، تستكشف المهمة الضخمة والمتمثلة في ضرورة المحافظة على النظام البيئي لغابة حوض الكونغو وسط أفريقيا.

وفي الأخير، تتأمل المؤلفة التحديات التي تواجه الأسرة الإفريقية داخل القارة وفي الشتات على حد سواء، وتحث الأفارقة على التضامن والتعاون، ودعم بعضهم البعض في جهودهم للمضي في طريقهم قدما، كما تحثهم أيضا على الإيمان بأنهم قادرون على ذلك.

ثالثا- على سبيل الختم
-------------

كما أوضحت في تقديم الكتاب، فإن المؤلفة تقدم على امتداده مقترحات عملية ومبادئ أساسية للنهوض وتجاوز المشكلات الملحة، من بينها الدعوة إلى الانخراط في الديمقراطية على مستوى القاعدة الشعبية وتعزيز المجتمع المدني، حتى يتسنى تحرير طاقات الشعوب لتشكيل حياتها وأولوياتها التنموية، ويتسنى للحكومات دعمها في تحقيق رؤيتها.

ويقدم الكتاب أيضا مقترحات جريئة، يتوجه بها إلى القادة السياسيين والمواطنين الفاعلين على السواء، إذ يدعوهم جميعا إلى التحلي "بالروح الخدمية" لخدمة مجتمعاتهم والتخلي عن الأنانية، كما يدعوهم للاعتماد على الذات وصنع تنميتهم بأنفسهم. والاعتماد على الذات ينبغي أن يكون سلوكا أصيلا لدى عموم الشعب فيتكاثفوا مع قادتهم لتنمية بلدانهم، كما ينبغي أن يتجسد عند القادة على شكل سياسات مستقلة، تستجيب لمطامح الجميع، وتتصدى للأطماع الدولية التي تستهدف الموارد الطبيعية العظيمة التي تنعم بها إفريقيا.

ويبقى الدرس المهم، هو أن إفريقيا دفعت طويلا إلى محاكاة النظام المالي الغربي والممارسات الاقتصادية المكتسبة من العالم الصناعي. ورغم أن هذا النظام قد أثرى الغرب، فإن ممارسته من دون حذر تسببت في إفقار إفريقيا ليس إلا. والأزمة المالية "العالمية" تقدم درسا مفيدا لإفريقيا، والتحدي الأعظم الذي تواجهه: لا أحد يعرف الحل لكل مشكلة؛ وبدلا من اتباع وصفات الغير بصورة عمياء، فإن الأفارقة في حاجة إلى التفكير والعمل لأنفسهم والتعلم من أخطائهم.

------------------------------------