المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من انتفاضة التحرير إلى سياسات مبارك


عبدالناصر محمود
09-28-2014, 05:08 AM
من بهجة انتصار انتفاضة التحرير إلى سياسات مبارك
ــــــــــــــــــــــــــــــ

4 / 12 / 1435 هــ
28 / 9 / 2014 م
ــــــــــــ

http://el-wasat.com/portal/upload/images/1411827677.jpg


*ـ في فناء مترب بمنزل لواء الشرطة المتقاعد سيد عزب في قرية بوسط الدلتا إلى الشمال من القاهرة يتجمع رجال يطلبون خدمات خاصة يأملون أن يؤديها لهم الرجل باستخدام نفوذه في دوائر الحكومة.
البعض يطلب وظائف والبعض الآخر شهادات محو أمية تعينهم في الالتحاق بوظائف فيما يطلب آخرون مساعدة للحصول على تراخيص بناء.
إنها عودة إلى نمط المحسوبية الذي كان سائدا في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك بعد أن تصور مصريون كثيرون أنه سيختفي بعد انتفاضة 2011 التي أسقطت حاكما مستبدا وابتهج بها المصريون على نحو بدا لم يسبق له مثيل.
ما في جعبة عزب ليقوله عن نوع العمل الذي يمارسه يعني أن فرصة بداية جديدة في حياة المصريين السياسية عندما ينتخبون برلمانهم القادم ضئيلة.
عزب يقدم للمترددين على بيته الخدمات التي يستطيع إنجازها في دوائر الحكومة من أجل أن يحصل على أصواتهم في الانتخابات -كما تحدث إليهم لهم في كلمة مرتجلة- ويعود نائبا مثلما كان في عهد مبارك عندما مثل الحزب الوطني الديمقراطي في مجلس الشعب.
وكانت محكمة قضت بعد الانتفاضة بحل الحزب الوطني الديمقراطي الذي كان يرأسه مبارك وأيلولة أمواله إلى الدولة.
قال عزب لطالبي الخدمات وهو يهندم أكمام ***ابه الرمادي "هي دي (هذه هي) طبيعة الشعب المصري. الخدمات الشخصية (التي يؤديها النائب للناخب) تتفوق أكتر (في مجال الحصول على التأييد)."
وال***اب هو الزي الذي يرتديه أغلب الناخبين الذين يتودد إليهم عزب.
وأضاف عزب "(هذه) طبيعتنا كشعب... أنا عايز (كناخب) أروح للراجل اللي ألاقيه موجود ويقضي لي مصلحتي. ده اللي في دماغ الناخب دلوقتي. (هذه) طبيعتنا كشعب."
وتابع "إحنا لسه مش زي أمريكا (لسنا مثل أمريكا بعد). ثقافة الرأي والحوارات.. لا لا لا. النضج ده مش موجود عندنا."
كافح مصريون كثيرون من أجل الوصول إلى الديمقراطية التي طالبوا بها في احتجاجاتهم في ميدان التحرير بؤرة الانتفاضة التي أنهت قيادة مبارك للبلاد بعد 30 عاما في الحكم.
وصل عبد الفتاح السيسي -قائد الجيش الذي عزل الرئيس المنتخب محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين بعد احتجاجات حاشدة على حكمه العام الماضي- للرئاسة بانتخابات أيضا.
وشدد السيسي قبضته على الحكم منذ انتخابه وتراجعت مصر عن إصلاحات سياسية تحققت بعد انتفاضة 2011. ومن بين أسباب نجاح السيسي أن كثيرا من المصريين أيدوه طلبا للاستقرار على حساب حريات أكبر.
لكن يبقى السؤال المطروح دائما إلى متى يظل أنصار السيسي يفضلون الاستقرار على الحرية؟
المخاطر عالية بالنسبة لمصر التي لا تزال بغير برلمان منذ منتصف 2012 عندما حل المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي كان يدير شؤون البلاد لفترة انتقالية أول برلمان منتخب بعد الانتفاضة.
وكان حكم من المحكمة الدستورية العليا أبطل قانون انتخاب مجلس الشعب. وكان حل أول برلمان انتخب في اقتراع حر ونزيه منذ أكثر من 60 عاما بمثابة رجوع عن إنجاز كبير للثورة.
حظرت مصر جماعة الإخوان المسلمين التي حصدت أكبر عدد من المقاعد في انتخابات مجلس الشعب وأعلنتها جماعة إرهابية. ويقبع ألوف من أعضائها الآن في السجون.
وأغضب قانون جديد للانتخابات البرلمانية نشطاء يقولون إنه يفتح الباب على مصراعيه امام عودة أقطاب الحزب الوطني الديمقراطي إلى نفوذهم السابق ويهمش الأحزاب الصغيرة التي نشأت بعد الثورة.
وتنتظر الأحزاب قانونا جديدا يقسم الدوائر الانتخابية.
ويتوقع عزب أن يعيد هذا القانون للوجود الدوائر الانتخابية الصغيرة التي سهلت على الأغنياء والمتمتعين بتأييد العائلات الكبرى الفوز بمقاعد البرلمان.
لم يتحدد تاريخ لإجراء الانتخابات إلى الآن لكن نواب الحزب الوطني الديمقراطي السابقين مثل عزب والمشاهير مثل الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى يستعدون لخوضها.
وبرزت وجوه جديدة لكنها ليست لشباب النشطاء الذين أشعلوا الانتفاضة في التحرير واعتصموا فيه 18 يوما إلى أن أعلن مبارك تخليه عن منصبه وتكليف المجلس العسكري بإدارة شؤون البلا لفترة انتقالية.
سيخوض عزب الذي يوجد بيته في قرية الزمرونية انتخابات مجلس النواب عن دائرة كفر شكر وسينافسه المخرج السينمائي خالد يوسف وهو مؤيد متحمس للسيسي. ومن بين المتنافسين على المقعد صاحب مصنع في المنطقة يأمل في الفوز من خلال أصوات من قدم لهم وظائف في مصنعه.
أثار النهج الذي اتبع في الفترة الانتقالية بعد مبارك مخاوف من أن تفشل أكبر الدول العربية سكانا في بناء مؤسسات خالية من الفساد والمحسوبية وهو نوع المؤسسات اللازم لتحقيق الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي.
قال خالد داود المتحدث باسم حزب الدستور الليبرالي إن القوانين صيغت بما يعزز قبضة السيسي على العمل السياسي الذي يرى داود أنه صار عقيما.
وقال داود وهو يقف تحت الشمس الحارقة خارج محكمة في الآونة الأخيرة منتظرا بدء جلسة محاكمة لنشطاء يطالبون بالديمقراطية "عدنا للأيام التي كانت الأحزاب السياسية تتعرض فيها للهجوم في الصباح والمساء."
وأضاف "نقرأ في الصحف أن علاقة الرئيس بالشعب مباشرة وانه بهذا ليس في حاجة لأحزاب. المزاج العام للناس أن الاحتياج هو للوحدة وأن نؤيد السيسي وأننا لسنا في حاجة لنشغل أنفسنا بالبرلمان."
* قانون السيسي
بعد عزل مرسي كان مقررا أن تجرى الانتخابات التشريعية قبل الانتخابات الرئاسية لكن تعديلا قلب الخطة رأسا على عقب وأتاح إجراء انتخابات الرئاسة أولا وانتخب السيسي في مايو أيار بينما يجب أن تجرى انتخابات البرلمان في غضون ستة أشهر.
تحدث السيسي هذا الأسبوع في الأمم المتحدة قائلا إنه يسير وفقا لخطة لبناء دولة ديمقراطية مدنية جديدة تحترم حرية التعبير والاعتقاد. ووعد بإجراء انتخابات البرلمان قبل نهاية العام لكن الوقت الباقي قد لا يكفي للترشح والدعاية وإجراء الانتخابات كما أن الدوائر الانتخابية تحتاج إلى إنجاز إعادة التقسيم.
ويقول معارضون إن السيسي يبطيء السير من أجل الحصول على الوقت الكافي لتعزيز حكمه.
يحكم السيسي من خلال خليط من السلطات الرئاسية التي ينفرد بها وسلطات تشريعية تعاونه فيها الحكومة. وحتى الآن قلص الحريات السياسية وخفض الدعم على الوقود ووضع الميزانية العامة للدولة دون مناقشات في برلمان أو معارضة في الشارع.
حظرت الحكومة التظاهر دون موافقة السلطات الأمنية ودخل بعض قادة انتفاضة 2011 السجون بسبب مشاركتهم في مظاهرات صغيرة دون الحصول على إذن.
بعض القوانين التي صدرت في الفترة الانتقالية سينظرها البرلمان الجديد ليتخذ قرارات بشأنها لكن فعالية البرلمان يمكن أن تستند إلى طبيعة تشكيله لا إلى ما يتمتع به من سلطات.
أعاد قانون الانتخاب نظاما مختلطا من كل من الانتخاب الفردي لشغل 420 مقعدا من بين 540 والانتخاب بالقائمة الحزبية المغلقة لشغل 120 وهو ما يضر بالأحزاب الصغيرة التي تكابد للحصول على مواطيء أقدام لها في ساحة سياسية تهيمن عليها الأسماء الكبيرة.
قال ناثان براون أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن بالولايات المتحدة "النتيجة الأرجح أن يهيمن على البرلمان الأفراد وليس الأحزاب والأفكار ولذلك سيكون برلمانا مشتتا."
وأضاف "نظريا إذا كان لديك برلمان فيه كتلة قوية فيمكنك أن تفعل الكثير. إذا حصلت على البرلمان الذي يتوقعه الناس فسيكابد لوضع أجندة تشريعية إيجابية."
* تحالفات
تقدم الولايات المتحدة نحو ملياري دولار مساعدات لمصر سنويا ودعت إلى الديمقراطية لكنها بقيت حذرة وهي تمارس دورها الاستراتيجي في منطقة مضطربة.
ورغم التحديات لم يمت العمل السياسي في مصر.
لكن في غياب التواريخ وقواعد العمل يبقى المرشحون مثل عزب في حملة انتخابية طويلة. وتشكل الأحزاب تحالفات من أجل أن تزيد فرصها في الفوز بمقاعد.
ومن بين الأحزاب التي تفعل ذلك حزب الحركة الوطنية الذي أسسه أحمد شفيق المرشح الخاسر أمام مرسي والذي كان آخر رئيس للوزراء في عهد مبارك وقائدا للقوات الجوية قبل ذلك. ويضم الحزب أثرياء واصحاب نفوذ.
وتقول مصادر سياسية إن كمال الجنزوري رئيس الوزراء في التسعينات خلال عهد مبارك ورئيس الوزراء في الفترة الانتقالية بعد مبارك يحاول أيضا تشكيل تحالف من نحو 120 من المشاهير المقربين منه محاولا بناء كتلة برلمانية مؤيدة للسيسي.
في غياب الإخوان المسلمين سيمثل حزب النور السلفي اليمين الديني. وانتقد رئيسه يونس مخيون قانون الانتخاب قائلا إنه يضيع فعالية البرلمان القادم ويجعل من الصعب أن يشكل رئيس الوزراء حكومة قوية.
وإذا كانت الانتخابات الرئاسية مؤشرا فقد يكابد المرشحون لجذب الناخبين. فأقل من نصف المسجلين في قوائم الناخبين شاركوا في مايو أيار حتى بعد مد الاقتراع الذي كان مقررا له يومين يوما إضافيا. وحصل السيسي على أكثر من 90 في المئة من أصوات الناخبين في عودة لصدى آخر لما قبل الانتفاضة وأيضا على خلاف المنافسة الشديدة التي ميزت انتخابات 2012.
وقال داود "لماذا قمنا بالثورة؟ لقد كان من أسبابها وجود نظام الحزب الواحد (المهيمن دون باقي الأحزاب)... نحن عائدون إلى أيام مبارك... أيام العزوف عندما كانت النتيجة معروفة مسبقا وانصرف الناس عن المشاركة."
ويرجح تراجع الاقبال على التصويت في الانتخابات التشريعية في وقت لا يرى فيه الناخبون أحزابا جديرة بالتأييد وتشعر الجماهير بالملل من ممارسة السياسة.
وقال متسوق وهو يهز كتفيه عند سؤاله عن الانتخابات التي أجريت بعد الانتفاضة "انتخابات أيه؟ وساخة (قذارة) أيه؟ خدنا أيه من كل الانتخابات اللي فاتت؟"
وأضاف مدمدما وهو يقلب ثمار البندورة (الطماطم) التي اشتراها "اسأليني عن الأسعار دي."
-----------------------------------