المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإسلاميون وحكم الدولة الحديثة


عبدالناصر محمود
09-28-2014, 07:09 AM
الإسلاميون وحكم الدولة الحديثة
ــــــــــــــــ

(د. فوزية طلحا)
ـــــــــ


4 / 12 / 1435 هــ
28 / 9 / 2014 م
ـــــــــــــ

http://nama-center.com/ImagesGallary/photoGallary/reading/28-9-2014B.jpg


قراءة في كتاب:
---------------

"الإسلاميون وحكم الدولة الحديثة" لإسماعيل الشطي
-------------------------------

تقديم
---

يعد كتاب "الإسلاميون وحكم الدولة الحديثة" لصاحبه اسماعيل الشطي[1] من الإسهامات النوعية في مجال الدين والسياسة، حيث حاول صاحبه من خلاله أن يضع أصبعه على أحد مكامن الخلل في فكر الإسلاميين الذين يتوخون حكم الدولة الحديثة، كما حاول أن يرصد أهم التحديات التي تواجههم، والتي تحول دون بناء دولة حديثة وفق النظريات التقليدية التي تشبعوا بها والتي تنسجم مع نظام الخلافة، ولا مجال لتطبيقها في بناء مشروع دولة حديثة تستمد شرعيتها من النظام الدولي الحالي الذي فرض عليها مجموعة من القيود والقوانين.
فقد وضع الشطي مشروع الإسلاميين في بناء الدولة الحديثة التي تتوخى تطبيق الشريعة الإسلامية، أمام تحدي مواجهة النظام الدولي الذي تأبى اتفاقياته ومعاهداته إخضاع أي دولة لمعايير الحكم التي عرفتها دار الإسلام آنفا، الأمر الذي يفرض على الإسلاميين الاستسلام لهذه القوانين الدولية، لتجنب العزلة والحرب المدمرة.
وسنحاول في هذه الدراسة تقريب أهم الأفكار التي تناولها الكتاب، والتي تعتبر خطوة جريئة تميط اللثام عن واقع هش تعاني منه الدول العربية عامة، والحركات الإسلامية السياسية خاصة، كما يمكن القول أن هذا الكتاب قد جاء موافقًا لخصوصية المرحلة الراهنة، التي عرفت صعود التيارات الإسلامية السياسية لخوض تجربة حكم الدولة الحديثة في مجموعة من الدول العربية، الأمر الذي يطرح عدة تساؤلات، من أهمها: هل يمتلك الإسلاميون الآليات السياسية لحكم الدولة الحديثة؟ وهل يتوفرون على مشروع قوي ينهض بالمجالات الحيوية في بلدانهم لتلبية حاجات الشعوب التي انتخبتهم؟ وهل هم واعون بالتحديات التي ستواجههم لتطبيق الشريعة في بلدانهم؟
إنها أسئلة كثيرة حاول الشطي أن يجيب عنها في هذا الكتاب لتمحيص خصوصية التجربة وصعوبة المرحلة.

المحور الأول :مميزات دار الإسلام في عصر الخلافة
-----------------------------------

أكد الدكتور إسماعيل الشطي في كتابه أن نظام الحكم في الإسلام أمر متروك للاجتهاد البشري، لأنه أمر متغير وخاضع لتطور وتذبذب التجربة الإنسانية، فلم يرد في القرآن الكريم ما ينظم العلاقات بين عناصر الدولة، كما أحجم النبي صلى الله عليه وسلم عن حسم كثير من الأسئلة المتعلقة بالسلطة السياسية حتى اللحظات الأخيرة التي سبقت وفاته، وكل الدراسات التي أنجزت بعد ذلك حول تعريف السلطة وتحديد مكوناتها وتنظيم توليتها وتشكيل علاقاتها يدخل في باب الاجتهاد البشري، اجتهاد لم يخرج عن نماذج الحكم القائمة آنذاك داخل القرى والمدن والممالك والإمبراطوريات، هذا الاجتهاد خلف تراثا فقهيا لا ينبغي تقديسه، حتى لا يصبح عبئا يحول دون تقدمنا.
وقد رصد الدكتور اسماعيل الشطي فصلا كاملا في كتابه يتحدث فيه عن مميزات دار الإسلام كما كانت في عصر الخلافة، حيث حاول تناوله من عدة جوانب من أهمها، الأصل الذي قامت عليه الدولة الإسلامية وهو الجهاد، واعتبر أن أساس علاقة المسلمين بمناوئيهم هو الحرب، انطلاقا من تقسيمهم الدنيا إلى دارين، دار إسلام ودار الحرب، ويعتبر هذا التعريف غير شامل ولا يمكن إسقاطه على فترات كثيرة من تاريخ الإسلام الممتد إلى أربعة عشر قرنا.
ومن الجوانب التي تناولها الكاتب في هذا الباب، الرعايا والوافدين، حيث رصد المكتسبات والحقوق التي كان يتمتع بها المسلمون المنضوون تحت راية الإسلام، وكذا حقوق وواجبات الأجانب الوافدين من غير المسلمين، كما تناول كيفية إدارة الحكم والتنظيمات الإدارية وكذا الأجهزة الحكومية التي عرفتها دار الإسلام، وتطورها خلال أربعة عشر قرنا، وكيف تحولت دار الإسلام من نظام قبلي وراثي إلى نظام ملكي في عائلة بني أمية القرشية العربية، وانتهت بعائلة بني عثمان التركية الأعجمية؟ ومن أهم ما أشار إليه الشطي الجانب الاقتصادي والمالي الذي عرفته دار الإسلام والإصلاحات الكبيرة التي لحقت بها.

بناءًا على ما سبق خلص الشطي إلى النتائج التالية [2]:
----------------------------------

§ نشوء نموذج دار الإسلام جاء نتيجة تطور الاحداث التاريخية داخل قرية صغير"يثرب"، وأخذت هذه التطورات مسارا متذبذبا بين ثقافة القرى وثقافة الإمبراطوريات، وبين مبادئ الإسلام الاساسية والحصيلة التاريخية لتراث المنطقة الديني، ولم يتشكل هذا النموذج نتيجة نصوص دينية مباشرة، بل ظل صناعة بشرية خضعت لمبدأ التجربة والخطأ.
§ إدارة الحكم طوال تاريخ دار الإسلام تتطور وتتغير، ولم تأخذ نظاما واحدا ولا أسلوبا متكررا، بدءا من القرية إلى الدولة/ المدينة إلى الإمبراطورية، كما مرت بمراحل قيادية مختلفة بدءا من النبوة إلى الزعامة ثم الرئاسة ثم الملك، كما أن الوحي لم يقدم نموذجا محددا لإدارة الحكم بل تركه لاجتهاد المسلمين.
§ كل النظم والأساليب الإدارية التي اتبعها المسلمون منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت اجتهادات أملتها الخبرة المتاحة والظروف المحيطة والمصلحة العامة، ولم تكن استجابة لنص ديني، لقد كان دور الدين هو إضفاء القيم والمبادئ الجديدة على هذه النظم و الأساليب.
§ إن هذه النظم في نشوئها وتكاملها وتتابعها واستمرارها لا يمكن اعتبارها قائمة بذاتها منفصلة عما حولها، إنما يجب أن ينظر إليها ضمن الظروف الدولية التي أحاطت بها آنذاك، ومن خلال ملابسات الاختلاط بالأمم الأخرى والاحتكاك بثقافتهم، وقد استدل الشطي على ذلك بالاحتفاظ بالنظام النقدي المعمول به زمن الرسول صلى الله عليه وسلم دون تبديل أو تغيير، وكذا إبقاء النظام القضائي ساريا كما كان مع تعديلات فرضها الدين الجديد، هذا إلى جانب تقسيم العالم لدارين دار حرب ودار سلم لغياب السلم الدولي.

ومن الخلاصات التي أقرها الشطي في هذا المجال أن منصب الخلافة استطاع أن يحافظ على نفسه خلال التاريخ الإسلامي بسبب إضفاء طابع ديني عليه وتحويل عملية الاختيار إلى واجب شرعي، وأنه برغم الفترات العصيبة التي مر فيها هذا المنصب وفرغ فيها من محتواه، إلا أن الحفاظ عليه كان هدفا إسلاميا لتحوله إلى رمز وحدة دار الإسلام في ظل تعدد الأنظمة الحاكمة فيها، وحافظت هذه الرمزية على إبقاء دار الإسلام فضاء تجوال وإقامة لكل مسلم[3].

المحور الثاني:نشأة الدولة الحديثة وأهم مميزاتها
------------------------------

أكد الشطي أنه خلال القرون الأربعة الأخيرة تطور العالم الغربي ولم يعد يضع حسابا كبيرا للسلطة الدينية المركزية في روما، وأدت حروب التنافس والأطماع في أوروبا إلى صلح وستلفيا 1648م، والذي أرسى مفهوما سياسيا جديدا يقوم على مبدأ سيادة الدول، وهو مبدأ قاد إلى نشوء ممالك ذات نزعة قومية انتهت ببروز فكرة الدولة/القوم وبداية التنافس الاستعماري بينها، وصاحب كل ذلك تحرير العقل الغربي من أغلال السلطة الكنيسة وبزوغ عصر التنوير والنهضة الفكرية والعلمية، واستبدل الغرب في حربه مع الشرق الإسلامي فكرة دار الحرب بمشروع الاستعمار، وهو مشروع بدأ باحتلال الأراضي و نهب الثروات و إقامة مستوطنات خارج أوروبا وانتهى بإعادة شاملة لصياغة الشعوب ولتكوين الأفراد ولرسم الخريطة السياسية بما يضمن الهيمنة الغربية على العالم[4].
وأهم ما أحال عليه الشطي في استهداف الغرب للعالم العربي الإسلامي هو مؤتمر لندن الذي عقدته الدول الاستعمارية من أجل اقتسام الغنائم بالعالم عام 1905، واستمرت جلساته حتى 1907 والذي خرج ب"وثيقة كامبل" الخطيرة التي توصل فيها المؤتمرون إلى نتيجة مفادها أن البحر المتوسط هو الشريان الحيوي للاستعمار، لأنه الجسر الذي يصل الشرق بالغرب والممر الطبيعي إلى القارتين الآسيوية والأفريقية وملتقى طرق العالم، وأيضا هو مهد الأديان والحضارات، وتتوفر لشعوبه وحدة التاريخ والدين واللسان، فكان من أبرز ما جاء في توصيات هذا المؤتمر هو إبقاء شعوب هذه المنطقة مفككة جاهلة ومتأخرة[5]، كما رأى المخططون في مؤتمر كامبل منذ أكثر من 100 سنة ضرورة العمل على استمرار التخلف في المنطقة العربية وحرمانها من اكتساب العلوم والمعارف التقنية، وعدم دعمها في هذا المجال، وأكدوا على فصل الجزء الإفريقي عن الأسيوي بإقامة دولة عازلة، عدو لشعب المنطقة، وصديقة للدول الأوروبية، وهكذا قامت إسرائيل، لقد أدرك المخططون في مؤتمر كامبل إن إبقاء المنطقة العربية والإسلامية في إطار التخلف والفقر كفيل بحبس المسلم في دوامة البحث عن لقمة العيش الكريم، وعامل أساسي في بث روح الضعف والوهن في الأمة[6].
وللحد من استنزاف الحروب التي عرفها الغرب، والممتدة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، أنشئت هيئة الأمم المتحدة التي حافظت على جوهر فكرة عصبة الأمم الهادفة إلى هيمنة الغرب على العالم، مستخدمة القانون تارة، والديبلوماسية تارة، والأمر الواقع تارة، وتم ذلك من خلال إيجاد نظام دولي موحد يضم كل دول العالم ويحافظ على مصالح الدول الخمس الكبرى[7].

وهكذا جاء النظام الدولي بديلا معدلا للنظام الاستعماري، ومحافظا على مصالح ونفوذ الدول الكبرى، بشكل يستفز الشعوب الممانعة لظاهرة الاستعمار، كالتالي:[8]
(1) اعتبار الدولة /القوم الوحدة الاساسية التي تشكل البنية الهيكلية للنظام الدولي، أما المنظمة المتشكلة من تلك الدول والحاضنة لها فهي هيئة الأمم المتحدة.
(2) توحيد نمطية الدولة/القوم لكي تصبح الوحدة الأساسية متماثلة، ولا يتم الاعتراف دوليا بأي كيان سياسي وقبول عضويته في النظام الدولي ما لم يلتزم بالمعايير النمطية.
(3) تقع مسؤولية السلم والأمن الدوليين على مجلس الأمن طبقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو أهم أجهزة الأمم المتحدة وله سلطة قانونية على حكومات الدول الأعضاء، لذلك تعتبر قراراته ملزمة للدول الأعضاء.
(4) منحت الدول المنتصرة بالحرب العالمية الثانية، وهي: (الولايات المتحدة الأمريكية – الاتحاد السوفياتي- انجلترا- فرنسا ) العضوية الدائمة في مجلس الأمن، وأضيف له الصين ، كما منحت هذه الدول الخمس حق النقض(الفيتو) ضد أي قرار لا توافق عليه أي واحدة منهم، وأصبحت هذه الدول الخمس دولا عظمى تتحكم في مصير الصراعات والحروب والأزمات السياسية والاقتصادية.

المحور الثالث :القالب النمطي للدولة المعاصرة
---------------------------

اعتبر الشطي أن الضمانة الوحيدة لسيطرة الغرب على العالم هو فرض نمطية موحدة على دول العالم لكي يعترف بها النظام الدولي، بشكل يحافظ على نفوذ الدول الكبرى وعلى صدارتها السياسية، وتتجلى هذه النمطية على المستوى المعرفي والاقتصادي والاجتماعي ومن الأمثلة التي أدرجها الشطي على ذلك أن النموذج النمطي للدولة الحديثة يتشكل من رقعة جغرافية تسمى وطنا، ويسمى أهلها شعبا، الذين يعتبرون بدورهم مواطنين لهم وثائق تثبت شخصية الفرد منهم، ولا يستطيعون التنقل خارج أوطانهم إلا بجواز سفر وموافقة الدول المزمع المرور فيها، أما الأجنبي فهو من لا ينتمي إلى للوطن ويقيم وفق القوانين المعمول بها في البلد، وعلى أرض الوطن تقوم السلطات وعلاقات تسوس الشعب في إطار مؤسسي يسمى الدولة، والدولة تتكفل بحماية الوطن والشعب والحفاظ عل سيادته، وتنتج الدولة مؤسسات للقيام بالأدوار المناط بها، مثل الحكومة والجيش والشرطة والقضاء والسلك الدبلوماسي، وتتكفل الحكومة بتوفير الخدمات الأمنية والمعيشية والاقتصادية والتوجيهية، وتوفر للمواطنين التعليم والتدريب والوظائف والخدمات الصحية، وتنشئ القرى والمدن وتربطها بنظم اتصالات سلكية ولاسلكية وبشبكة مواصلات برية وبحرية وجوية، ولهذا تنشئ وزارات لتقديم الخدمات، وللدولة رئيس يمثلها في المجتمع الدولي وعاصمة وسفارات خارجية وعلم وطني وعملة وبنك مركزي ويوم وطني، وعملة وبنك مركزي ويوم وطني[9].
هذه النمطية حملت الدولة مسؤولية الحفاظ على الثروة القومية، وتطويرها وتنميتها، ورعاية الانشطة الاقتصادية من زراعة وصناعة وخدمات من أجل أن يصل عائد هذه الأنشطة إلى أعلى المستويات لتسويقها داخليا وخارجيا، مما ألزمها بتطوير المرافق والخدمات والبنى التحتية والفوقية، وتنظيم تحصيل الضرائب والرسوم وزيادة مصادر الخزينة العامة، وأضاف إلى مسؤولياتها فتح الأسواق الخارجية للمنتوجات المحلية، وضبط الميزان التجاري والحفاظ على قيمة العملة الوطنية مقابل العملات الأخرى وضبط معدلات التضخم، وأصبح لزاما عليها لمواكبة مقتضيات الدولة الحديثة أن تنضوي في ركب منظومة اقتصاد عالمية (رأسمالية أو شيوعية أو اشتركية) وتخضع لميكانيزماتها، حتى يمكنها إدخال التكنولوجيا والنظم الحديثة في أنشطتها الاقتصادية والتجارية ولتطوير أنماط المعيشة، واستخدام الطرق التجارية الدولية التي تتحكم فيها الدول العظمى برًا وبحرًا وجوًا[10].
ولضمان استمرار القيادة الغربية للعالم، تم فرض نظام معرفي من نتاج الحضارة الغربية المعاصرة بشكل معياري، بحيث يجبر أي معرفة سابقة على إعادة صياغة نفسها لتنسجم وتتوافق مع معايير النظام المعرفي المفروض وما لم يتم ذلك يتم استبعادها أو إعادة تصنيفها ضمن التراث الشعبي (الفلكلور) أو ضمن الثرات الديني أو ضمن الأساطير.
من الضمانات الأخرى لقيادة الغرب للعالم تشكيل الحياة الاجتماعية والمعيشية للفرد بشكل نمطي متشابه، فالافراد في صغرهم يتلقون تعليما متشابها، ويتدرجون في سلم تعليمي موحد ويستقون من منظومة معرفية موحدة، وبهذا يكاد يتولى النظام الدولي تكوين الفرد وتشكيله من خلال الدولة النمطية[11].

المحور الرابع :تحديات الدولة الإسلامية في ظل النظام الدولي الحديث
-------------------------------------------

يرى الشطي أن الإسلاميين قد خاضوا الانتخابات لتولي الحكم مكتفين بعرض برامجهم الانتخابية، وأحيانا بنفس شعارات انتخاباتهم السابقة، دون أن يبينوا للناس نموذج حكمهم، ودون أن يقدموا إجابات للأسئلة الصعبة في إدارة الدولة المعاصرة، وانتهت تلك الانتخابات بتولي الإسلاميين حكم إدارة دولة تونس، وإدارة حكومة المغرب، وإدارة الدولة في مصر، وكلهم يمارسون الحكم دون أجوبة لكل الأسئلة المطروحة عليهم ودون نموذج واضح لديهم لحكم ما يسمى بالدولة /القوم المعاصرة[12]،لهذا تواجههم مجموعة من التحديات لإنشاء دولة إسلامية في ظل النظام الدولي المعاصر، خاصة إذا تمسكوا بنموذج دار الإسلام في ظل النظام الدولي الحديث، وذلك للاختلافات الجوهرية بين الأولى والنظام الدولي المعاصر، ومن نماذج هذه التباينات:

أولا: التباين في التأصيل:
----------------

- الأصل في دار الإسلام هو حالة الحرب، وديمومة الجهاد، الذي يعد حالة مستمرة لا تتوقف مادام هناك موانع ضد الدعوة الإسلامية، أما الأصل الذي ينبني عليه النظام الدولي الحديث فهو الخضوع إلى حالة السلم التي فرضتها الدول العظمى ضمن مواثيق هيئة الأمم المتحدة، وأي دولة تسعى لإعادة تأسيسها وفق مفهوم دار الإسلام تعتبر خارج نطاق النظام الدولي وتمردا عليه، وتتعرض لاصطفاف دول العالم ضدها، وتصبح كيانا معزولا.

ثانيا: الاختلاف حول مفهوم السيادة:
------------------------

فكرة السيادة في دار الإسلام تقوم على مفهوم البيضة والعصمة، بمعنى أن سلطة الدولة تمتد حيث يشكل المسلمون أغلبية سكانية في أي منطقة بالعالم لضمان عصمة أنفس ودماء وأموال المسلمين، وهو مفهوم أقرب إلى النطاق الديمغرافي منه إلى النطاق الجغرافي، بينما تقوم السيادة في النظام الدولي المعاصر على الرقعة الجغرافية للدولة التي أقرت بحدودها هيئة الأمم المتحدة[13].

ثالثا : غياب مفهومي الوطن والمواطنة:
-----------------------

لا تتحدث أدبيات دار الإسلام مطلقا عن فكرتي الوطن والمواطنة، وذلك انسجاما مع مفهومها لمبدأ السيادة الديمغرافي، وعليه عرفت هذه الأدبيات الخاضعين لسلطة دار الإسلام وحددت حقوقهم وواجباتهم وفق الانتماء الديني فهي تتحدث عن حقوق وواجبات المسلم أو الذمي أو المستأمن إزاء دار الإسلام أو نظام الحاكم، بينما تقوم فكرتا الوطن والمواطنة في الدولة الحديثة على الانتماء القومي أو الجغرافي بغض النظر عن موقف الفرد من الدين[14].
استنادا إلى ما سبق فإن عددا كبيرا من الإسلاميين الفاعلين في المجال السياسي لا يتحدثون عن فكرة إعادة إنتاج دار الإسلام في ظل الظروف الدولية المعاصرة، لكنهم في نفس الوقت لا يقدمون نموذجهم البديل لممارسة الحكم في ظل الدولة النمطية الحديثة، لكن الأدبيات القليلة المتداولة والنقاشات عند جماعات العمل السياسي تشير إلى أن نموذجهم لا يخرج عن محاولة لاسلمة النموذج النمطي للدولة الحديثة، وأسلمة هذا النموذج عملية معقدة أصعب مما يتصوره الكثيرون.
وقد أقر الشطي سالفا أن الغرب بنى نموذج الدولة الحديثة ليضمن استقرار قيادة الغرب لبقية العالم بشكل تبدو فيه الأمم مستقة ذات سيادة كاملة في قراراتها وعلى أراضيها، لكنه قيدها بأنظمة معرفية واقتصادية ومالية وأنماط من المعيشة وشبكات تواصل ونظم معلومات وقوانين ومعاهدات دولية، ولا تستطيع أي دولة نمطية تحت أي شكل من أشكال الإيديولوجية أن تتحرر من هذا القيد، ولهذا فمشروع أسلمة الدولة النمطية لا يتطلب سن تشريعات إسلامية فحسب، بل إعادة إنتاج نظام معرفي إسلامي، وإعادة تشكيل أنماط المعيشة والعلاقات الاجتماعية بما يتوافق مع قيم الإسلام، وابتكار آليات للسوق وأدوات مالية توافق مبادئ الإسلام، كل ذلك يحتاج إلى تعبئة فكرية شاملة وقادرة على دمج قيم ومبادئ ومقتضيات الإسلام مع مقتضيات القانون الدولي واتفاقيات ومعاهدات الأمم المتحدة والحفاظ على الانفتاح العالمي والتواصل الأممي[15].
لن يجد الإسلاميون حسب الشطي تحديا حقيقيا في وضع نص بالدستور يشير إلى أن دين الدولة الإسلام، أو حتى القول بأن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع، لأن اختيار منظومة تشريعية معينة لدولة ما يعتبر من أعمال السيادة لهذه الدولة في عرف القانون الدولي، فهو يحظر تدخل الدول الأعضاء في شؤون بعضها طالما كل دولة حرة في اختيار وتطوير نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي دون تدخل من دولة أخرى) ولكنهم عند محاولة تطبيق الشريعة فسيجد الإسلاميون أنفسهم محكومين بالقوانين الدولية، وأي دولة إسلامية تسعى لتطبيقه سوف تعجز عن تطبيق مفاهيم وأحكام الجزء الخاص بالعلاقات الدولية من الشريعة الإسلامية، طالما التزمت بالقانون الدولي، خاصة فيما يتعلق بالفكرة السائدة عن استمرارية الجهاد وارتباط هذه الفكرة ببيضة المسلمين، فالانضواء تحت مظلة الأمم المتحدة يعني:
§ أولا: القبول بضوابط الحرب والسلام كما وردت في المواثيق والمعاهدات الدولي.
§ ثانيا: احترام الشؤون السيادية للدول الأعضاء الأخرى وعدم التدخل بشؤونها الداخلية بدعوى الانتصار للجاليات الإسلامية إلا بما تسمح به القوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة.
§ ثالثا: الالتزام بمفهومي الوطن والمواطنة ومعاملة رعايا الدول كمواطنين متساوين بالحقوق والواجبات دون أي اعتبار للدين والمذهب أو الطائفة أو العرق أو الجهة[16].

كما أن تحديات تطبيق الشريعة الإسلامية لن يقف عند خضوع الدولة الإسلامية لمقتضيات القوانين والمعاهدات الدولية، الملزمة فحسب بل ستستمر الضغوط حول ما يطلق عليه الغرب قضايا حقوق الانسان، ويقصد من ذلك قضايا الأقليات والمثليين والمرأة ...[17]
هذا إلى جانب تأكيد الشطي على أن مجرد القبول بالنموذج النمطي للدولة المعاصرة يعني التخلي عن مفاهيم سياسية إسلامية تبناها نموذج دار الاسلام خلال أربعة عشر قرنا من الزمان واعتبرها البعض وكأنها جزء من مبادئ الإسلام السياسية، والقبول بالتنازل عن هذه المفاهيم بحد ذاته يثير تحديا بين الإسلاميين أنفسهم، خاصة الذين يعتبرون نموذج دار الإسلام والأصول التي قامت عليها جزءا من الدين، ومن نسيج الشريعة الإسلامية[18].
كما أن المشكلة أيضا تكمن في الإسلاميين أنفسهم، لأنهم لم يقدموا مشروعا عمليا لتطبيق الشريعة الإسلامية على أرض الواقع. فرافعوا شعار تطبيق الشريعة الإسلامية ما زالو يلبدون خلفه حتى لا ينكشف الغطاء عن الأزمة الحقيقية وراء تطبيق الشريعة الإسلامية، فبمجرد الانتقال من الشعار إلى المشروع سينكشف حجم الخلاف حول تحديد مفهوم الشريعة وكيفية تطبيقها، حيث لا اتفاق موحد حول مفهوم الشريعة؟ هل هي فهم بشري ثابت لأحكام الدين؟ أم فهم متغير؟ وما الثابت فيها وما المتغير؟ وما المقدس فيها وما اللامقدس؟.
إضافة إلى أن الانتقال إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، حسب الشطي سيعيد الخلافات بين مذهب أهل الفقه، ومذهب أهل السنة، وبين فقه المذاهب الأربعة والمذهب الجعفري، وبين المجددين والتقليديين وبين الفهم المعاصر للدين والفهم السلفي، وهي نفسها الخلافات التي تؤدي اليوم إلى تشرذم دعاة الإسلام إلى جماعات وأحزاب وفرق رغم اتفاقهم جميعا على شعار تطبيق الشريعة[19].
فتحويل شعار تطبيق الشريع الإسلامية في ظل الدولة النمطية المعاصرة إلى مشروع عملي يعتبر بحد ذاته تحديا حقيقيا، بغض النظر عن قبول الآخرين له، ولم يعد أمام الإسلاميين مجالا للتهرب من هذه المسؤولية وهم على أعتاب الحكم، إنهم مطالبون أن يبينوا للناس ماذا يقصدون بالشريعة بشكل صحيح وكيف سيطبقونها في ظل الظروف الراهنة؟ نقول ذلك لأننا نعلم أن الشروع عمليا بهذا الأمر يضع الإسلاميين أمام التحديات الفعلية[20].
وأكبرها على الإطلاق مشروع أسلمة المعرفة التي اكتست صبغة عالمية، وأسلمة الإقتصاد الرأسمالي الذي يتنافر مبادئ الإسلام خاصة فيما يتعلق بالجانب الأخلاقي، فالرأسمالية الليبرالية تقوم على فكرة أن الكون المادي أبدي آلي نشأ بمخلوقاته من خلال تطور عشوائي، وتتسم فيه موجبات العيش بالندرة، ويحكم فيه مبدأ "البقاء للأقوى"، ولايتم فيه الحصول على احتياجات البقاء إلا من خلال الصراع المتناحر، والفائز هو الأجدر بالبقاء لأنه الأقوى[21].

المحور الخامس: نماذج لحكم الإسلاميين
-----------------

حاول الشطي أن يستقرئ ثلاث تجارب في العالم الإسلامي سعت إلى أسلمة الدولة المعاصرة بطريقتها الخاصة.

النموذج الأول:
-----------

التجربة الإيرانية التي لم تستطع أن تصبح دولة طبيعية في المجتمع الدولي، ولا دولة إسلامية كما يحددها الفقه الإسلامي، فلقد بذل الإسلاميون الإيرانيون قصارى جهدهم لبناء دولة عصرية تستجيب لمبادئ الإسلام، مستغلين بذلك إمكانات إيران العديدة، من بعد جغرافي واستراتيجي، وتعداد سكاني كبير، وعمق تاريخي يمتد لمئات القرون، وثروات بشرية وطيعية متنوعة، إلا أن ذلك كله لم يخرجها من التصنيف الدولي كدولة مارقة، ولم يخترق الحصار الدولي المفروض عليها حتى من اقرب حلفائها[22].
كما أن سماح المجتمع الدولي لإيران بإنشاء دولة دينية (ولاية الفقيه) حسب الشطي يرجع لسببين رئيسيين هما:
§ أن الخلافة مشروع سني لا يثير أية حماسة لدى الشيعة، بل يقابله من جانبهم مشروع ظهور المهدي، وهو مشروع ميتافيزيقي غيبي مؤجل، لا يشكل تهديدا آنيا ملموسا على النظام الدولي ولا قوانيينه، فضلا على أن الشيعة قد جمدوا مشروع تطبيق الشريعة وأحكام الجهاد لحين ظهور المهدي.
§ السبب الثاني يرجع إلى أن الشيعة يشكلون طائفة من الأمة الإسلامية لا يزيد تعدادها عن 15%من تعداد المسلمين، ومركزة في دائرة محدودة لا تبعد كثيرا عن منطقة جنوب غرب آسيا، بينما يشكل السنة النسبة الأكبر من الأمة الإسلامية، وهو ما يصعب الأمر على الجمهورية الإسلامية الشيعية، لو فكرت في قيادة الأمة الإسلامية نحو مشروع بديل أو مشابه للخلافة، فالطائفة لا تقود الأمة، ذلك لأن مفهوم الطائفة مفهوم انعزالي[23].

النموذج الثاني:
----------

تجربة طالبان والتي تعد المحاولة الوحيدة المعاصرة حسب الشطي، التي سعت لإعادة إنتاج دار الإسلام ونهج الخلافة الراشدة، فلقد استخدمت القوالب التاريخية لنموذج دار الإسلام لتصب فيه معطيات الدولة القومية، على عكس النموذج الإيراني الذي استخدم قوالب الدولة القومية المعاصرة ليصب فيها المعطيات الإسلامية[24]، غير أن النظام الدولي العالمي الراهن قد صاغ المجتمع الدولي في قوالب لا تستوعب نموذج كدار الإسلام، وهو ما جعل دولة طالبان تنعزل تماما عن بقية الدول بما فيها الإسلامية، فلم تكن لها علاقات دولية تهيئ لها مكانا في المجنمع الدولي وتخفف من الضغوط المختلفة عليها، كما أصرت على بناء كيانها بشكل يتعارض مع القانون الدولي ولا ينسجم مع الدولة النمطية الحديثة، ورغم أنها وفرت الأمن لرعيتها لكنها أخفقت في توفير الحاجات الأساسية الأخرى والخدمات الضرورية للإنسان المعاصر، وكان ذلك بسبب غياب أي تصور لها حول المشاكل الاقتصادية التي تواجه الدولة[25].

النموذج الثالث:
-----------------

يعتبر النموذج التركي من أنجح النماذج التي صنعها الإسلاميون السياسيون لحكم الدولة الحديثة، فقد استطاع هذا النموذج أن يدير الدولة النمطية الحديثة بنجاح، وأن يؤكد امكانية احتواء الجماعات الإسلامية السياسية داخل العملية الديمقراطية، وأن يؤكد امكانية احتواء الجماعات الإسلامية السياسية داخل العملية الديمقراطية، وأن تتدفق علاقاته بيسر وسهولة مع المجتمع الدولي، وأن يقيم علاقات مميزة مبنية على الثقة مع الدول الكبرى، ورغم نجاح هذا النموذج في تركيا إلا أنه لا يصلح تطبيقة بحذافيره في كثير من الدول الإسلامية[26].
غير أن الشطي يعتبر أن سعي الإسلاميين الأتراك لتحويل تركيا إلى دولة علمانية "طبيعية" يستفز الكثير من الأفراد في الأوساط الإسلامية، ويعدون ذلك تنازلا أو خيانة فالأصل في فكر الإسلاميين أن سعيهم ينصب دائما لتحويل أي دولة علمانية إلى دولة إسلامية[27].

المحور السادس: النموذج المقترح لحكم الإسلاميين
-----------------------------

أقر الشطي في دراسته أن علماء الدين أجمعوا رأيهم بعدم إمكانية تنصيب خليفة للمسلمين عام 1929م، وذلك نتيجة فهم سياسي للواقع الإسلاميين، أدركوا أن الإسلام في ظل الدولة القائمة آنذاك لا يحتاج إلى خلافة بقدر ما يحتاج إلى الاستقلال، فالخلافة لا تقوم في بلدان ترزخ تحت حكم الاستعمار، لذا استسلموا لعمليات التقسيم والتجزئة والأقطار المصطنعة وطبعوا بالآصرة القطرية، فقد كانت قراراتهم الخارجية تخضع لإرادة الدول الكبرى، وقصدوا بالاستقلال أن تكون إرادة المسلمين حرة متساوية مع غيرها من الأمم والأديان، وأن تكون عصمة دمائهم وأموالهم بأيديهم لا بيد خصومهم، فالأمة الإسلامية خاضعة لنظام عالمي تتحكم فيه نفس الدول التي كانت مصنفة بأنها مستعمرة ومحتلة، وهي نفسها التي منحت هذا الاستقلال المنقوص.نفسه

وقد ميز الشطي بين ثلاث اتجاهات بخصوص الذين كان لديهم الوعي الكامل بطبيعة النظام الدولي وحقيقة الاستقلال الممنوح للأقطار الإسلامية:
------------------------

الاتجاه الأول تربوي: مثله سيد قطب الذي دعا إلى الانصراف عن العمل السياسي وأنشطته طالما أن
النظام الدولي لن يتيح إقامة دولة إسلامية مستقلة تتساوى في حقوقها مع الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن الدولي، ودعا إلى إنشاء جيل يتبنى الشرعة الإسلامية( ويرى قطب أن نشوء مثل هذا الجيل وتأثيره على محيطه العام كفيل بأن يمهد الطريق للاستقلال الحقيقي.

الاتجاه الثاني جهادي: ومثله عبد الله عزام، الذي طالب الإسلاميين بصرف جهودهم على جبهات القتال التي يقاوم فيها المسلمون قوات الاحتلال لأراضيهم أو يقاتلون لحفظ كيانهم ضد الإبادة.

الاتجاه الثالث برغماتي: مثله أربكان الذي اعتقد بصعوبة قيام دولة إسلامية مستقلة في ظل النظام الدولي القائم، وانتهى تفكيره إلى التوجه للعمل داخل النظام الدولي ووفق قوانين اللعبة الدولية، من خلال بناء اقتصاد صناعي قوي، شأن ألمانيا ، ورأى أن المرحلة الراهنة تتحمل بناء دولة علمانية للمسلمين ذات اقتصاد صناعي قوي[28].

بناءا على ما سبق اعتبر الشطي أن التفكير بالنموذج الملائم الذي يجب أن يستخدمه الإسلاميون لحكم الدولة الحديثة، يقودنا إلى السؤال التالي: ماذا يحتاج الإسلام على المستوى السياسي في المرحلة الراهنة من التاريخ؟ واعتبر أن الإجابة على هذا السؤال ستساعد في التفكير نحو صناعة هذا النموذج، لهذا قدم الشطي مجموعة من الإجابات، أخذا بعين الاعتبار أن الاستقلال الحقيقي الكامل لم يعد متاحا لأمة من الأمم، أو دولة من الدول بعد التشابك والتداخل في تكوين النظام الدولي الراهن، من هذه الإجابات:
(1) إذا كانت الأسلمة ستتم بالحصول على سلطة سياسية يستفيد منها الإسلام بتطبيق بعض أحكامه من خلال المزاوجة بين الإسلام والدولة الحديثة المعاصرة، فإن ذلك لن يحقق للإسلام نفعا كبيرا حيث ستتحول عملية تطبيق الإسلام إلى عملية انتقائية، مرجعها ما يتلاءم أو يقبله القانون الدولي ونظامه)[29]، ومن جهة أخرى، إذا كانت الأسلمة ستتم وفق العملية الديمقراطية، أي باستخدام الأغلبية في المجالس التشريعية وصناديق الاقتراع، فإن ذلك قد يكون مقبولا طالما تم الالتزام بقواعد اللعبة الديمقراطية، ولكن تطبيق أحكام الشريعة وفق مبدأ تناوب السلطة له عواقب وخيمة على البنية التشريعية والجهاز الإداري للبلاد، فالقانون الذي يصدره الإسلاميون في فترة حصولهم على الأغلبية البرلمانية سيكون عرضة للإلغاء عندما يفقد الإسلاميون هذه الأغلبية، ما لم يتم الأمر بالتوافق السياسي بين معظم الأطراف[30].
(2) إذاكانتالأسلمة ستتم بإعداد الفرد المسلم والبيت المسلم للوصول إلى المجتمع المسلم والدولة المسلمة، فهذا جزء من حاجة الإسلام، فالتربية ونشر الوعي الإسلامي هما حاجة ماسة وضرورية للإسلام في كل عصر وزمان، ولكنهما يواجهان عدة تحديات منها:
§ فيضات القيم والأفكار وأنماط المعيشة المتدفقة من كل صوب.
§ التضييق والملاحقة والسجن وأحكام الإعدام التي تواجهها الجماعات الإسلامية الساعية لإعداد أجيال مجندة للإسلام.
§ مستوى المعيشة المتدني لدى أقطار المسلمين، مما يدفعه للبحث عن لقمة العيش قبل كل شيء،(فما لم تحظ عملية التربية والتوعية بحماية نظام سياسي يتيح الحريات والأمان للجميع، فإن الجهود ستغرق في الطوفان)[31]
(3) إذا كانت الأسلمة ستتم باختيار الجهاد، أي مقاتلة أركان النظام الدولي القائم وزعزعة استقرار الأنظمة المحلية القائمة، فإن ذلك يعد انتحارا جماعيا في وجه اصطفاف عالمي مدجج بأشد الأسلحة فتكا وتدميرا.(طالبان نموذجا)

أما الجواب الذي يقترحه الشطي لأسلمة الدولة الحديثة فيرتكز على ثلاثة أمور:
------------------------------------------------

(1) الاقتصاد القوي الذي يضمن حاجات المواطن الأساسية داخل مدينة عصرية مكتملة البنى والخدمات، لأن الإسلام في حاجة إلى شعوب متحررة من الوهن والفقر والجهل، وهذا لا يحققه إلا اقتصاد قوي من داخل النظام الرأسمالي، لأن التفكير خارجه يفتح أبواب التآمر والتضييق والعزلة وخلق المشاكل[32].
(2) الحكم الرشيد "الحوكمة" الذي يضع نصب عينيه تحقيق العدالة للمواطنين، وينظم العلاقات بين النظام التعليمي ومشاريع التنمية بشكل صحيح، ويدير الدولة وفق معايير الشفافية والنزاهة ويقلص الفساد في أدنى حدوده، فحاجة الإسلام إلى حكم رشيد في دول المسلمين يصب بالدرجة الأولى لصالح الاقتصاد، ولصالح الناس الذين يحتاجون-بجانب المعيشة الكريمة- خدمات عامة تصلهم بيسر وكرامة، فالاقتصاد القوي والحكم الرشيد يصنعان شعبا قويا يدرك معنى الكرامة والعزة، وهو ما يحتاجه الإسلام اليوم.
(3) الديمقراطية التي تحمي الحريات العامة وتوفر الأمن للأفراد وتضمن مبدأ الاختيار الحر بالانتخاب ومبدا تداول السلطة بين الاحزاب السياسية، فقد اكتشف الإسلاميون أن العدو الأول للدعوة الإسلامية هو الأنظمة الشمولية في العموم، وأكثرها قسوة الانقلابات العسكرية، واكتشفوا أن الدعوة الإسلامية تحظى بحرية واسعة وآمان موثوقا في ظل الأنظمة الغربية الديمقراطية، وتبين لهم أن النظام الديمقراطي هو الضمانة الأكثر وثوقا للدعوة الإسلامية، في ظل النظام الدولي المعاصر، لذا فإن سعي الإسلاميين لتثبيت دعائم الديمقراطية، في بلدانهم ليس خدمة للناس فحسب، بل حماية للدعوة الإسلامية كذلك[33].

أما النموذج الذي اقترحه الشطي لحكم الإسلاميين للدولة الحديثة:
-------------------------------------

(1) نمط الدولة: يلتزم الإسلاميون بنمط الدولة الحديثة ، "الدولة الإسلامية" التي لها عضوية بالمؤتمر الإسلامي، وهي دولة نمطية حديثة ذات سيادة، تسودها مظاهر الإسلام وتسود غالبية سكانها ثقافة الإسلام[34].
إن نموذج حكم الإسلاميين بنظام الحكم للدولة المعاصرة يجب إلا يخرج عن طبيعة الدولة المعاصرة، ولا يتجاوز أصلها العلماني فيما يخص المواطنة، ولا يسعى لتغييره بأي حال من الأحوال، ولكنه يجب ألا يقل عن الحد الأدنى المتبع في الدول الإسلامية من التبني الرسمي لثقافة الإسلام بالمجتمع.
(2) نظام الحكم: يلتزم الإسلاميون بنظام الحكم الديمقراطي، ينتخب فيه الشعب ممثليه عن طريق الاقتراع، وتصون فيه الحكومة حقوق المعارضة، والحريات العامة كحرية التعبير وحرية الاعتقاد وحرية الاجتماع وحرية الاجتماع وحرية الصحافة ... تعمل أيضا على تكريس دولة القانون والمؤسسات الدستورية التي تحترم وتضمن حقوق المواطنين والمساواة، وتضمن الحفاظ على مبدأ فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، كما ترسخ مبدأ المرجعية الدستورية لحل الخلافات بين السلطات الثلاث، ويجب ألا يقبل الإسلاميون الوصول إلى سدة الحكم إلا من خلال صناديق الاقتراع[35].
(3) الممارسة السياسية: يعلن الاسلاميون برنامجهم الانتخابي الذين يسعون لتنفيذه في حالة الفوز بالأغلبية، ويتضمن هذا برنامجا زمنيا للنهوض بالاقتصاد الوطني وتنمية الثروة البشرية وتلبية احتياجات المواطنين من خلال مشاريع ومقترحات لمصادر التمويل، وكذا احترام مبدأ المواطنة كإشراك أكفاء من المواطنين من الإناث أو ذوي الديانات والمذاهب والطوائف والأعراق الأخرى في تنفيذ برنامجهم.
ويتعامل الإسلاميون مع مكونات الدولة المتعارضة مع مبادئ الإسلام والشريعة بالقبول والرعاية، لن يغيروا الدولة العلمانية، ولن يغيروا الأنشطة المرتبطة بها، لأنها تنتمي لمنظمة النظام العالمي، وإنما يستطيع الإسلاميون إفساح الطريق لتكوين نماذج لا تتعارض مع مبادئ الإسلام والشريعة في موازاة تلك الأنشطة.مثل أبناك غير ربوية، إظهار عيوب النظام المعرفي الحالي ...
وبالنسبة لبرنامج الأخلاقي الذي يستحوذ على اهتمام الإسلاميين، فعليهم تنفيذه من خلال مؤسسات الدعوة الإسلامية الخاضعة لتنظيمات المجتمع المدني( فالإسلام يحقق مكاسبه بالدعوة والموعظة الحسنة والإقناع، ولا يحتاج اللجوء لتحويل مطالبه إلى تشريعات وقوانين إلا في الحدود الضيقة تسعها الدولة المعاصرة، لأن الأغلبية غير ثابتة على مدار الدورات التشريعية.
(4) فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، تلتزم الدولة في ظل حكم الإسلاميين بالمواثيق والمعاهدات والقوانين الدولية، وتقوية العلاقات مع الدول الإسلامية للتنسيق والتعاون والسعي لنموذج يحاكي تجربة الاتحاد الأوروبي.
§ السعي لتفعيل دور المؤتمر الإسلامي وتطويره لكي يكون مؤثرا في القرار الدولي.
§ الحرص على التزام الدولة في ظل حكم الإسلاميين بمبدأ احترام السيادة لدى الدول الأخرى[36].

خاتمــــة
----------

إن قراءة متأنية لهذا الكتاب تؤكد أن الدكتور إسماعيل الشطي قد وضع أصبعه على جرح عميق في الأمة العربية الإسلامية، وهو تحولها من نظام الخلافة - الذي عانت فيه استبداد الحاكم عندما تحولت هذه الأخيرة إلى ملك عضد- إلى حكم النظام الدولي الذي أسقطها في شرك التبعية الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، خاصة بعد تحويلها إلى دويلات قومية ذات سيادة شكلية، وإخضاعها لقوانين ومعاهدات دولية تضمن للدول الكبرى سيطرتها على العالم، وتحد من حرية هذه الشعوب في اختيار مصيرها، الأمر الذي خلق تحديا كبيرا أمام التيارات الإسلامية التي تعتمد المرجعية الإسلامية، وتستهدف تطبيق الشريعة، فقد أقر الشطي أن هذا المشروع محكوم عليه بالفشل، لأن الدولة الحديثة تخضع لمبادئ وقوانين النظام الدولي، الأمر الذي يصعب معه تحقيق هذه الغاية، خاصة وأن التيارات الإسلامية المعاصرة التي منحت فرصة تولي الحكم في مجموعة من الدول العربية، لا تملك مشروعا قويا يؤسس للنهوض بالشعوب من كبوتها، فيجعل منها قوة اقتصادية قادرة على المنافسة، في ظل النظام الدولي الحديث.
غير أن الشطي كان أكثر تشاؤما فيما يتعلق بإلزامية التبعية للنظام الدولي الجديد، وعدم إمكانية الإستقلال عنه، فعلى الدول العربية الإسلامية اليوم أن تخوض تحدي تحرير اقتصادها وعلومها ومجتمعاتها من هيمنة الغرب، من خلال نقد الذات، ومحاولة بناء اقتصاد قوي ومستقل، وكذا تطوير مجالها العسكري، فالنظام الدولي لم يقبل بإيران كدولة إسلامية، فقط للأسباب التي ذكرها الشطي، ولكن لأنها دولة قوية عسكريا وتهدد مصالحه في منطقة الشرق الأوسط، خاصة إسرائيل، فقد قال الله سبحانه في كتابه العزيز( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم)[37] فالقوة العسكرية لامناص منها لتحقيق الهيبة والأمن للدول، كما أن القوة المعرفية، والقوة الاقتصادية، سلاحين فاعلين للنهوض بالشعوب، سواء كان الحكم بيد الإسلاميين أو غيرهم من التيارات المعارضة.
والجدير بالذكر أن تكتل الدول الاسلامية ووحدتها أمر لا محيد عنه لمواجهة طغيان النظام الدول الحديث الذي يقبض بيد من حديد على رقاب الدول العربية الإسلامية المعاصرة، ويحمي مصالح الدول الكبرى لا غير، أما الدول الضعيفة فلا مكان لها في أجندتهم إلا إذا تعلق الأمر بتهديد مصالحهم ومواردهم التي يستنزفون بها خيرات الشعوب، لهذا نجد أن نظام الخلافة رغم ما اعتلاه من فساد واستبداد في فترات حكمه الطويلة باستثناء حكم الخلافة الراشدة، إلا أنه ظل رمزا لوحدة المسلمين في كل بقاع الأرض، واستمر قوة تهدد الغرب لسنوات طويلة، بل كان الغرب نفسه خاضعا لسلطتها، ونحن اليوم مطالبين بالبحث عن صيغة للتكتل فيما بيننا بشكل يجعل منا قوة يحسب جانبها، فالغرب رغم استقلالية دويلاته إلا أنه يسعى دائما للتكتل عندما تهدد مصالحه، والتاريخ خير شاهد على ذلك.
أما ما عبر عنه الشطي بالحكم الرشيد تحت ظل التيارت الإسلامية التي وصلت إلى الحكم، فهو أمر ملح اليوم، فالشعوب العربية الإسلامية اليوم أصبحت أكثر وعيا بحقوقها، وأصبح من العسير استغفالها أو السيطرة على أفكارها، أو ممارسة الاستبداد ضدها، وما الثورة التي تشهدها الشعوب العربية اليوم إلا خير شاهد على ذلك، فالمطالبة بالعدل والحرية والمساواة أصبح لا غنى عنه اليوم لضمان استقرار الحكم و استقرار أمن الدولة المعاصرة، وهو الأمر الذي قامت من أجله رسالة الإسلام النبيلة.
------------------------------------------------
[1]-اسماعيل الشطي، الإسلاميون وحكم الدولة الحديثة، منشورات ضفاف، دار الأمان، الرباط ، الطبعة الأولى 2013،.



[2]- ص 39-40.

[3]- نفسه ص28

[4]- نفسه ص 40

[5]- ص 43

5- ص 205

[7]- ص 46

[8]- 46-47

[9]- ص 47

[10]- ص 48

[11]- ص 49

[12] - ص13

[13]- ص 59

[14]- ص 60

[15]- ص61

[16]- ص 67

[17]- ص 68

[18]- ص69

[19]- ص 70

[20]- ص 74

[21]- ص 86-87

[22]- ص144

[23]- ص10

[24]- ص23

[25]- ص158



[26]- ص186

[27]-ص187

[28]- ص 199 -201

[29]- ص 202

[30]- ص 203

[31]- ص 204-205

[32]-ص 206

[33]-ص207

[34]- ص 208

[35]- ص 209

[36]- ص 210-211

[37]- سورة الأنفال، الآية 60.
------------------------