المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حقيقة الشرك في توحيد الألوهية


عبدالناصر محمود
10-03-2014, 05:21 AM
حقيقة الشرك في توحيد الألوهية عند الشيخ عبدالرحمن المعلمي
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(سلطان بن عبدالرحمن العميري)
ـــــــــــــــــ

9 / 12 / 1435 هــ
3 / 10 / 2014 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8675.jpg



حقيقة الشرك في توحيد الألوهية عند الشيخ عبد الرحمن المعلمي
---------------------------------

فإن من أشهر العلماء الذين اهتموا بتحرير مفهوم العبادة وتحرير ضابط الإشراك في توحيد الألوهية: العالم المشهور الشيخ عبدالرحمن المعلمي، فقد أفرد في مناقشة هذا الموضوع رسالة طويلة، قال في وصفها: "جمعت رسالة في تحقيق معنى العبادة، ومعنى الإله؛ لينكشف بذلك معنى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله ) ويتضح ما يكون تأليها وعبادة لغير الله وشركا به مما ليس كذلك) (1).

وذكر في أول بحثه في هذا الموضوع أنه بعد تدبر وتأمل في مقالات الناس انكشف أصل الإشكال عنده وتحدد، حيث يقول: "إني تدبرت الخلاف المستطير بين الأمة في القرون المتأخرة في شأن الاستغاثة بالصالحين الموتى، وتعظيم قبورهم ومشاهدهم وتعظيم بعض المشايخ الأحياء، وزعم بعض الأمة في كثير من ذلك أنه شرك، وبعضها أنه بدعة، وبعضهما أنه من الحق، ورأيت كثيرا من الناس قد وقعوا في تعظيم الكواكب و********ات والجن ما يطول شرحه، وبعضه موجود في كتب التنجيم والتعزيم، كشمس المعارف وغيره، وعلمت أن مسلما من المسلمين لا يقدم على ما يعلم أنه شرك، ولا على تكفير ما يعلم أنه غير كافر، ولكنه وقع الاختلاف في حقيقة الشرك، فنظرت في حقيقة الشرك فإذا هو بالاتفاق اتخاذ غير الله –عز وجل- إلها من دونه، أو عبادة غير الله –عز وجل-، فاتجه النظر إلى معنى الإله والعبادة، فإذا فيه اشتباه شديد,... فعلمت أن ذلك الاشتباه هو سبب الخلاف" (2).

وبعد أن حدد موضوع البحث وموطنه ذكر أن تحرير مفهوم العبادة والإله وتحديد ضابط الإشراك في الإلوهية مبني على أصل آخر، وهو تحديد حقيقة الشرك الذي وقعت فيه الأمم السابقة، والوقوف على أحوال أقوام الرسل الذين بعثهم الله تعالى؛ لأن الله سبحانه ينسب إليهم الشرك في عبادته في كل موطن، فمن أراد أن يعرف حقيقة الشرك فعليه بتحرير حقيقة ما وقعت فيه تلك الأمم وحقيقة ما كانت تعتقده في أصنامها.

فبعد أن ذكر المعلمي أن الله حكى عن أمم الأنبياء تأليه غير الله وعبادته قال: "فطريقة البحث أن ننظر فيما كان هؤلاء الأقوام يعتقدون في تلك الأشياء، وما كانوا يعظمونها به، فإذا تبين لنا ذلك علمنا أن ذلك الاعتقاد والتعظيم هو التأليه والعبادة" (3).

وهذه الطريقة هي الطريقة المنهجية الصحيحة في دراسة هذا الموضوع، فإن الوصول إلى حقيقة ما يعتقده المشركون في أصنامهم يكشف به حقيقة الشرك في الألوهية ويكشف به ضابط العبادة التي يعد صرفها لغير الله شركا، وهو في الوقت نفسه يعد دليلا قاطعا بنقض كل من يتبنى قولا آخر يخالف ما دل عليه القرآن من حقيقة اعتقادهم.

ثم طفق المعلمي يستعرض اعتقاد أمم الأنبياء وأطال في هذه القضية كثيرا، ولن نذكر كل ما ذكره وإنما سنقتصر على بعض النماذج التي يتضح بها المقصود.

فمن الأقوام الذين درس اعتقادهم في أصنامهم : قوم نوح عليه السلام، وقال فيهم: "القرآن يدل على أن قوم نوح لم يكونوا ينكرون وجود الله عز وجل ... والحاصل أنهم كانوا يعظمون الأصنام تقربا إلى الله عز وجل لاعتقاد أن الله تعالى أمر بتعظيمها بناء على أنهم رأوا أسلافهم يعظمونها تقربا إلى الله، وزعمهم أن أسلافهم لم يكونوا ليفعلوا ذلك إلا عن بينة، وإما على سبيل الاحترام للأشخاص الذين جعلت الأصنام تماثيل لهم اعتقادا بأن احترام تماثيلهم احترام لهم واحترام يرضيهم فيقربوا المتحرِم إلى الله عز وجل؛ لقربهم منه لما عرفوا به من الصلاح والخير" (4).

ومن الأقوام الذين درس اعتقادهم: قوم هود، فإنه بعد أن ذكر قول الله تعالى عنهم: {قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِين **إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُون} [هود:54] قال معلقا: "ففي هذا أنهم كانوا يعتقدون في آلهتهم القدرة على الضرر ويلحق به النفع، وهو بقرينة ما تقدم – من أنهم كانوا يعبدون الله وأنه لا رب سواه - يدل على أنهم يعتقدون لتلك الأصنام الآلهة قدرة منحها الله عز وجل إياهم، فهي تتصرف فيها بحسب إرادتها كما يتصرف الإنسان بالقدرة التي مُنِحها بحسب إرادته" (5).

وهذا يدل على أن قوم هود كانوا يعتقدون أن أصنامهم كانت خاضعة لقوة الله وقدرته وإرادته وأنها تتصرف بما أعطاها إياها، وليس بشيء من عند أنفسها.

ومن الأقوام الذين درس اعتقادهم: قوم إبراهيم، فإنه قال بعد أن ذكر عنهم أنهم ألهوا الأصنام: "وهل كانوا يعتقدون في ذواتها قدرة على النفع والضر؟!

الظاهر عدم ذلك، فإنه لما سألهم الخليل عليه السلام {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُون **أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّون **قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُون} [الشعراء:74]، وظاهر أنهم لو كانوا يعتقدون أنها تضر وتنفع لما فروا إلى الاعتصام بالتقليد، بل ربما يفهم من تعبيرهم بـ(بل) تسليم أنها لا تسمع ولا تضر ولا تنفع.

ويؤيد ذلك أن إبراهيم عليه السلام لما كسرها وهم غائبون، وأُخبِروا بأنه سمع بذكرها من قبل، لم يستبعدوا قدرته على تكسيرها ....

ويشهد لذلك أيضا أن إبراهيم عليه السلام قال لأبيه: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا} [مريم:42] فلم يجبه أبوه بشيء كأن يقول: بل يغني عني، بل قال: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} [مريم:46]" (6).

واقرار قوم إبراهيم بأن أصنامهم لا تنفع ولا تضر يشمل كل صور النفع والضرر سواء كان استقلاليا أو تفويضيا من الله تعالى، فإنهم لو كانوا يعتقدون أن الله أعطى أصنامهم النفع والضر أو أن لأصنامهم تأثيرا على أمر الله وقدرته أو أن إرادة الله تتقيد بما يأمرون به لذكروا ذلك لإبراهيم ولأجابوا به على اعتراضه، ولهذا توصل المعلمي إلى أن العلة الأساسية لديهم في عبادة الأصنام مجرد كانت التقليد واتباع الهوى وعدم المبالاة، فيقول: "إذا فلماذا كانوا يعبدونها ؟!

يظهر من جوابهم بقولهم: {قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُون} [الشعراء:74] مع ما تقدم من أنهم إنما كانوا يعبدونها محافظة على عادتهم وعادة آبائهم أنفة من أن يتركوا ذلك" (7).

ومن الأقوام الذين درس اعتقادهم: قوم موسى، فإنه بعد أن ذكر طلبهم من موسى أن يجعل لهم إلها كما للمشركين الذين مروا عليهم آلهة قال معلقا: "ولا يخفى أن القوم وإن بلغوا من الجهل أقصى غاياته لم يكونوا ليطلبوا من موسى أن يجعل لهم جمادا من هذه الجمادات يكون هو واجب الوجود أو يكون خالقا رازقا، هذا ما لا سبيل إلى احتماله.

ولو كان هذا الأمر كذلك لجاء في جواب موسى ما يدفع ذلك الظن، بل لا يبعد فيمن يجوز ذلك ألا يكون مكلفا أصلا.

فالظاهر أحد احتمالين:

الأول: أن يكونوا أرادوا التقليد المحض، واستحسنوا تلك الأفعال الظاهرة مع قطع النظر عن المقصود منها وما فائدتها.

والاحتمال الثاني: أن يكونوا أرادوا: اجعل لنا جمادا يكون رمزا لله عز وجل فنعظمه تعظيما لله عز وجل كما يعظم هؤلاء أصنامهم على أنها رموز للروحانيات" (8).

وعلى كلا الاحتمالين فإن في هذه القصة دلالة على أنه لا يشترط في تحقق الشرك في الألوهية الاعتقاد في الأصنام بأن لها تأثيرا على قدرة الله أو أن لشفاعتها أثرا على إرادته وفعله تعالى، أما الاحتمال الأول فظاهر، فهم لم يفعلوها إلا لمجرد التقليد وعدم المبالاة، وليس لاعتقاد آخر، وأما على الاحتمال الثاني فهم لم يعتقدوا أن تلك الأصنام شيء آخر غير الله وإنما هي مجرد زمر لله يتوصلون بتعظيمها إلى تعظيم الله.

ومن الأقوام التي درس اعتقادهم: مشركو العرب، وقد توصل إلى أن أصل شرك العرب هو الغلو في الملائكة وليس في الصالحين، ولكنه ذكر بناء على دلالات القرآن أنهم لم يكونوا يعتقدون فيهم الاستقلال بالتأثير، حيث يقول بعد ذكره لآيات القرآن في وصف دين المشركين: "خلاصة اعتقاد المشركين في الأصنام أنها تماثيل وتذاكر للملائكة، وقد تكون فيها تمثيل أو تذكار لله عز وجل كما تقدم، وأنها أنفسها لا تضر ولا تنفع، وإنما هي ذريعة إلى عبادة من جعلت تمثالا أو تذكارا له" (9).

وقد أكثر الشيخ المعلمي من التنبيه على أن القرآن يدل على أن مشركي العرب لم يكونوا يعتقدون في أصناهم أنها تخلق أو ترزق أو تحيي أو تميت أو تدبر الأمر بأنفسها، وإنما كانوا يعتقدون أنها خاضعة لقدرة الله وإرادته وأن كل ما عندها إنما هو من عطاء الله لها، ويقول: "قد تقدم بيان القرآن بغاية الصراحة أن المشكرين كانوا يعترفون لله عز وجل بالانفراد بالخلق والرزق وتدبير الأمر والقبض على ملكوت كل شيء وأنه يجير ولا يجار عليه، إذا فماذا أبقوا للملائكة ؟! أبقوا لهم الشفاعة فقط .

أخبر الله عز وجل عنهم أنهم يقولون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزُّمَر:3]، وقالوا: {هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ} [يونس:18].

ثم أخذ في إبطال توهم يتوهمه بعض الدارسين فقال: "لعلهم كانوا يعتقدون أن شفاعتهم تنفع وإن لم يرض الله عز وجل؟! كلا، فإنها حينئذ لا تكون شفاعة، بل تكون أمرا وإلزاما، وأيضا فاعترافهم بأنه سبحانه يجير ولا يجار عليه يبطل هذا.

فلعلهم يقولون: إن البارئ عز وجل لا بد أن يقبل إكراما للملائكة؟! وإن كان غير راضٍ؟ كلا، فإنهم يعترفون بأنه تعالى بيده ملكوت كل شيء، ومن بيده ملكوت كل شيء لا يكون محتاجا إلى أحد حتى يقبل شفاعته مكرها" (10).

فأثبت بأن أساس الشرك في طلب الشفاعة من الملائكة ليس راجعا إلى كونهم يعتقدون لهم معنى من معاني الربوبية أو أن لهم سلطانا على الله، أو أن لهم تأثيرا على أمر الله وإرادته "وإنما هو في طمعهم في أن الملائكة يشفعون لمن يعبدهم وأن الشفاعة تنفعهم" (11).

بل نص على أن العرب مع أنهم يعتقدون الشفاعة في أصنامهم إلا أنهم "كانوا مرتابين في ذلك، حتى إذا وقعوا في شدة نسوها وفزعوا إلى دعاء الله وحده"(12)، فلو كانت العرب تعتقد أن أصنامهم تملك قدرة على التأثير في الكون، أو تؤثر على أمر الله وإرادته فيكف يتصور أنهم يغفلون عنها في مثل هذه الحالات العصيبة؟!

ولم يكتف المعلمي بذلك، بل زاد في البيان، فأثبت أن مرجع الإشراك عند العرب ليس في زعمهم أن الملائكة بنات الله تعالى فقط، وإنما في عبادتهم لها وطمعهم في شفاعتها، فقال بعد أن ذكر أن القرآن يحاجّ الكفار كثيرا في شأن العبودية: "ولهذا كان غالب محاجة القرآن لهم إنما هو في عبادة الملائكة – كما يعلم مما تقدم -، ومن هنا يعلم أن شركهم ليس مداره على قولهم: بنات الله، وقولهم: الملائكة إناث، بل شكرهم ثابت ولو لم يقولوا ذلك، ويدل على هذا قوله تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم ** أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِين ** وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُون ** وَقَالُوا لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُون} [الزُّخرُف:17-20]، فوبخهم الله عز وجل على قولهم: إن لله ولدا، ثم على قولهم: إن ذلك الولد إناث، ثم على قولهم: الملائكة إناث، ثم على قولهم: {لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُون} [الزُّخرُف:20]، فدل أن كل أمر من هذه منكر على حدة" (13).

ومن خلال دراسة المعلمي المطولة لاعتقادات أقوام الرسل في أصناهم بناء على ما ذكره القرآن عنهم توصل إلى نتيجة عامة شاملة كررها في عدد من المواضع، يقول في بيانها: "ثبت مما تقدم أن اتخاذ الشيء إلها لا يتوقف على اعتقاد كونه واجب الوجود، ولا اعتقاد كونه مستغنيا عما سواه، ولا كونه مدبرا مستقلا، بل ولا غير مستقل، فإن الذين ألهوا الأصنام لم يعتقدوا لها شيئا من التدبير" (14).

ثم ساق عددا من الآيات التي فيها أن عباد الأصنام لا يعتقدون فيها النفع والضر استقلالا، وقال معقبا وملخصا لرأيه: "والآيات في هذا المعنى كثيرة، وفي أكثرها ما يزيدك بصيرة فيما قدمناه أن عامَّة المشركين لا يعتقدون لشركائهم تدبيرًا مستقلا، ولذلك قامت عليهم الحجة بهذه الآيات. ولكن من الأمم مَنْ يُشْرِكُ ********ين زاعمًا أنه كما أن للبشر قدرة يتصرفون بها على حسب اختيارهم فينفعون ويضرون ويغيثون ويعينون ويقتلون ويستحيون ونحو ذلك مما هو مشاهد، فللروحانيين قدرة يتصرفون بها على حسب اختيارهم وهي أعظم وأكمل من قدرة البشر. قالوا: وكلا القدرتين مخلوقة لله عزَّ وجلَّ وممنوحة منه، وإذا شاء سَلْبَ القدرة من بعض ********ين فَعَلَ، كما إذا شاء سَلْبَ القدرة مِنْ بعض البشر. قالوا: فنحن نؤلِّه ********ين ونعبدهم لينفعونا بهذه القدرة الموهوبة لهم من الله عزَّ وجلَّ، كما أن البشر يعظِّم بعضُهم بعضًا ويخضعُ بعضُهم لبعض رغبةً في منفعة أو خشيةً من مضرَّة مع العلم بأن قدرة البشر موهوبة لهم من الله عزَّ وجلَّ. ومِنْ هؤلاء عامَّةُ وَثَنِيِّي الهند وغيرهم" (15)

ولم يكتف بذلك بل نقل الإجماع على ما قرره من حقيقة الشرك في الألوهية، فقال: "ومَن اعتقد في غيره قدرة على النفع والضر، فإن اعتقد لذلك الغير قدرة مستقلَّة عن قدرة الله تعالى، أي غير مستمدَّة منها، فذلك هو الكفر، سواء اعتقد أن تلك القدرة تستقلُّ بالإيجاد أو تحتاج إلى إعانة قدرة الله تعالى. وهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين" (16).

ولا بد من التنبيه على أن المعلمي لا يقول بأن المشركين كانوا صنفا واحدا في شركهم، وإنما يؤكد كثيرا على أنهم أصناف مختلفة، منهم من يعتقد في أصنامه أنها تتصرف وتؤثر في الكون، ومنهم من لا يعتقد في أصنامه إلا أنها تشفع عند الله، وبين هذين الصنفين أنواع متفاوتة (17).

وعلى هذا فإنه لا ينتقض قول المعلمي بمجرد إثبات أن بعض المشركين سواء كانوا من العرب أو غيرهم كانوا يشركون في الربوبية ويعتقدون أن لأصنامهم تأثيرا في أمر الله وإرادته؛ لأنه لا ينكر ذلك، وإنما ينتقض قوله بإثبات أن كل المشركين كانوا يعتقدون في أصنامهم أنها تؤثر في أمر الله وإرادته.

وفي أثناء بحث المعلمي لحقيقة الشرك الذي وقع فيه مشركو الأمم السابقة وتقريره بأن بعض المشركين لم يكن يعتقد في أصنامه الاستقلال في التأثير أو التأثير على أمر الله وإرادته كان حريصا على نقل مقالات العلماء التي تؤيد قوله، والغريب حقا أنه أكثر من النقل عن أئمة علم الكلام، كالشهرستاني والرازي، مما يدل على أن هذا الفهم ليس خاصا بالمدرسة السلفية فقط، وإنما هو اعتقاد ذكره عدد من علماء الأمة من الطوائف الكلامية وغيرها.

فقد نقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام في كتابه (الإشارة والإيجاز إلى أنواع المجاز) تعليقاً على قوله تعالى: ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين﴾ [الشعراء: 97- 98] ما نصُّه: «وما سَوَّوهم به إلا في العبادة والمحبة دون أوصاف الكمال ونعوت الجلال" (18)

وممن نقل عنه: الجرجاني في شرح المواقف حيث يقول بعد أن ذكر عباد الأوثان: "فإنهم لا يقولون بوجود إلهين واجبي الوجود، ولا يصفون الأوثان بصفات الإلهية، وإن أطلقوا عليها اسم الآلهة، بل اتخذوها على أنها تماثيل الأنبياء أو الزهاد أو الملائكة" (19).

ولم ينس المعلمي أن ينبه على شناعة الخطأ في هذه القضية وعلى آثارها، وتعجب من جهل كثير من طلبة العلم بها، فقال: "ومن العجائب أنك تجد في هذا العصر كثيرًا من طلبة العلم - إن لم أقل مِنَ العلماء - يتوهمون أن المشركين يعتقدون في الأصنام من أشجار وأحجار وغيرها أنها واجبة الوجود قادرة على كلِّ شيء خالقة رازقة مدبِّرة للعالَم، ولقد كَلَّمْتُ بعضهم في شأن الوثنيِّين من أهل الهند وقولهم في الأصنام، فقال: إذا كان هذا قولهم في الأصنام فليسوا بمشركين!! وحجته أنهم لم يخالفوا التوحيد الذي حقَّقه علماء التوحيد، وهكذا غلب الجهلُ بمعنى لا إله إلا الله، والغلطُ فيه وفي حقيقة الشرك الذي بعث الله عزَّ وجلَّ رسله لإبطاله، فإنا لله وإنا إليه راجعون" (20).

وبعد أن انتهى المعلمي من دراسته لاعتقادات المشركين في أصنامهم وتوصل إلى نتيجته تلك شرع في تحرير مفهوم الإله في الشريعة ومفهوم العبادة، فقال: "فيما تقدم عرفنا أن الإله هو: المستحق لأن يخضع له طلبا للنفع الغيبي منه أو ممن يضخع له لأجله استحقاقا ثابتا في نفسه بحيث يستقل العقل بإدراكه، والعبادة هي ذلك الخضوع مع اعتقاد ذلك الاستحقاق.

فالله تبارك وتعالى مستحق لأن يخضع له طلبا للنفع الغيبي استحقاقا ثابتا له في نفسه والمشركون زعموا مثل ذلك في بعض شركائهم، أعني ما يخضعون له طلبا للنفع الغيبي من غيره بسبب خضوعه لأجله في الباقي" (21).

ثم أعاد ذكر مفهوم العبادة الذي توصل إليه من خلال دراسته لاعتقادات المشركين في أصنامهم ومناط حكم الله عليهم بالشرك فقال: "وتحرير العبارة في مفهوم العبادة أن يقال: خضوع اختياري يطلب منه نفع غيبي" (22)، ثم أخذ في شرح محترزات التعريف الذي ذكره وفي الاستدلال عليه.

ويتضح للقارئ من خلال تعريف المعلمي للعبادة بأنه يرى أن الشرك في الألوهية لا يشترط فيه أن يعتقد المشرك في الأصنام أن تكون متصفة بصفة من صفات الربوبية أو أن لها تأثيرا على أمر الله وإرادته، وإنما يكفي أن يطلب منها حصول نفع غيبي فقط.

وفي بيان هذا المعنى يقول المعلمي في آخر رسالته: "والقطع بلا إله إلا الله يستدعي القطع بثلاثة أمور:

الأول: أنه لا مدبِّر في الكون استقلالا إلا الله عزَّ وجلَّ، فمن جوَّز أن يكون في الكون مدبر مستقل قد يعجز الله تعالى عن منعه وقد يستطيع هو منع الله عزَّ وجلَّ عن إنفاذ قضائه، فقد جوَّز أن يكون مع الله إله آخر. وكذلك إذا جوّز أن يكون الله عزَّ وجلَّ فَوَّضَ أمر العالم أجمع، أو أمر العالم الأرضي، أو أمر قُطْر خاص، أو بلد خاص، أو شخص واحد إلى مخلوق، وأذن له أن يصنع به ما أراد على أن يتـخلّى الباري عزَّ وجلَّ عن تدبير ذلك الشخص مثلًا أصلًا. وكذلك إذا جوّز أن يكون مخلوق من الخلق مقبولَ الشفاعة أو الدعاء ألبتة بحيث لا يخالفه الله عزَّ وجلَّ في شيء قطعا"(23).

في هذا الموضع لا بد من التنبيه على أن تخطئة تعريف المعلمي للعبادة وبيان عدم دقته لا يلزم منه تخطئة تحليله لحقيقة الشرك الذي وقع فيه المشركون في الأمم السابقة؛ لأن تعريفه الذي ذكره مستنبط من تحليله لحقيقة شرك الأمم وليس أصلا له، فعلى التسليم بأن تعريف المعلمي للعبادة ليس صحيحا أو لم يتصف بالدقة فهذا لا يسلتزم خطأ الأصل الذي بنى عليه ذلك التعريف؛ لأن الخطأ في الفرع لا يعني الخطأ في الأصل.

فلو قلنا بأنه لم يوفق إلى استخلاص تعريف دقيق للعبادة، فهذا لا يعني أن تصويره لحقيقة شرك الأمم المشركة غير صحيح، ولا يصح أن يكون مستندا للتقليل من أهمية النتائج التحليلية التي توصل إليها في بيان حقيقة شرك الأمم السابقة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) نقله محقق رفع الاشتباه في مقدمة تحقيقه (14) .

([2]) رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله , المعلمي (1/3) .

([3]) المرجع السابق (441) .

([4]) المرجع السابق (444) .

([5]) المرجع السابق (446) .

([6]) المرجع السابق (451) .

([7]) المرجع السابق (452) .

([8]) المرجع السابق (627) .

([9]) المرجع السابق (511) .

([10]) المرجع السابق (518) .

([11]) المرجع السابق (518) , وانظر : المرجع ذاته (724) .

([12]) مجموع رسائل العقيدة – ضمن الأعمال الكاملة – (6/178) .

([13]) المرجع السابق (711) .

([14]) المرجع السابق (346) .

([15]) المرجع السابق (348) .

([16]) تحقيق الكلام في المسائل الثلاث – ضمن أعماله الكاملة – (4/222) .

([17]) انظر : مجموع رسائل العقيدة – ضمن أعماله الكاملة – (6/177) .

([18]) المرجع السابق (346) .

([19]) مجموع رسائل العقيدة (6/172) , وفي هذا الموضع نقل عن الرازي والشهرستاني .

([20]) رفع الاشتباه (341) .

([21]) رفع الاشتباه عن معنى الإله (556) .

([22]) المرجع السابق (733) .

([23]) المرجع السابق (876) .

------------------------------