المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصراط بين الإباضية وأهل السنة


عبدالناصر محمود
10-08-2014, 03:09 PM
الصراط بين الإباضية وأهل السنة*
ـــــــــــــــــ

14 / 12 / 1435 هــ
8 / 10 / 2014 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/3978.jpg

نال مفهوم الصراط كجزء من العقيدة الإسلامية مساحة واسعة من الخلاف بين الإباضية وأهل السنة والجماعة حيث اختلف تعريفهم للصراط عن مفهوم أهل السنة عنه وأنكروا وجوده كجسر على شفير جهنم.

فيقول نور الدين عبد الله بن حميد السالمي صاحب كتاب بهجة الأنوار شرح مشارق العقول ما نصه: " وقولـه الصراط فهو الحق لا *** جسر كما بعضهم تأولا

الضمير في "قوله" عائد إلى الرحمن في آخر قوله "وإنما الميزان في الحسبان" أي الصراط، في قوله تعالى: (أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أم من يمشي سوياً على صراط مستقيم) هو عبارة عن الحق، وفي الآية تمثيل لحالتي العاصي والطائع، وعلى هذا يحمل ما ورد في الأحاديث في بيان الصراط، لأنه إنما هو تمثيل لحالة الحق، وبيان ما فيها من الخطر العظيم، وتمثيل لأحوال سالكيه ما بين موفق ومخذول، وزعم بعض منا وجمهور الأشاعرة أن الصراط إنما هو جسر ممدود على متن جهنم.. إلى آخر ما وصفوه به، وحملوا ما ورد من الأحاديث في بيانه على حقيقتها، وتأولوا بها قوله تعالى: (فاهدوهم إلى صراط الجحيم* وقفوهم إنهم مسئولون), غاية الأمر أن هذه المسألة الظنية، فلا يجب اعتقاد شيء منها، ولا يخطئ القائل فيهما برأيه، والله أعلم" [1].

وتحت عنوان الصراط المستقيم عند أهل الحق والاستقامة /أهل القرآن والسنة ينسب لبدر الدين الخليلي باب الفتوى قوله في الصراط ويسمي الإباضية بأهل الحق والاستقامة ويسوق أدلتهم على ما اعتقدوه, وسنعرض أدلتهم جميعها ثم نعقب بتعقيبات وردود علماء أهل السنة رحمهم الله وجزاكم كل خير على ما قدموا للذب عن دين الله عز وجل, فيقول الخليلي:

"ذهب البعض إلى أن الصراط جسر على متن جهنم أحد من السيف وأدق من الشعر تمر عليه الخلائق يوم القيامة من المؤمنين والمنافقين والمشركين، كل بقدر عمله, وهذا لا يتفق مع كون المؤمنين آمنين من الفزع في ذلك اليوم المهول كما في قوله تعالى: {لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}.

أما أهل الحق والاستقامة فلم يقبلوا بهذا المفهوم المادي للصراط وإنما أولوا لفظة الصراط الواردة في القرآن بما يتناسب مع النص القرآن الواضح الجلي:

أولا: الصراط في المفهوم القرآني هو طريق الحق الذي يسلكه العباد في هذه الحياة الدنيا.

يقول تعالى: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ}الفاتحة:6.

وقال تعالى: {أَفَمَنْ يَّمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَّمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}.

ويقول تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا}

ثانيا: المؤمنون لا يخافون يوم القيامة.

يقول تعالى: {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}النمل: 89.

قال تعالى"لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ"

فالصراط عند أهل الحق والاستقامة هو تعبير مجازي عن الدين الإسلامي الحنيف وشريعة الإسلام الخالدة التي تمثل الطريق المستقيم والسبيل القويم، والمؤمنون آمنون يوم القيامة من الخوف والفزع، ولا يفزعهم شيء يوم القيامة ومرورهم على الصراط لا شك أن فيه فزع لهم بأي شكل من الأشكال، وما الصِّراطُ بجسرٍ مثلَ ما زعموا ... وما الحسابُ بِعدٍّ مثلَ مَن ذَهَلا " [2]

ويرى جمهور الإباضية أن الصراط المستقيم إنما قصد به طريق الإسلام و دين الله القيم, كما لا يرون كذلك غرابة في تعريف الصراط بالجسر, فذكر الجيطالي: "أنه من الممكن عقلا أن يكون الصراط جسرا ممدودا فوق جهنم لأنه ليس فيه ما يحيله و لا في الشرع ما يبطله فإن القادر على أن يطير الطير في الهواء قادر على أن يسير الإنسان على الصراط و الله أعلم بكيفيته" [3] .

منشأ الفكرة وأصل الانحراف

قبل أن نبدأ في سرد معتقد أهل السنة في الصراط يجب وان نقف وقفة مع المعنى المبدئي الذي لابد وان نقف عنده جميعا وهو عدم جواز عرض حديث النبي صلى الله عليه وسلم على العقول , ونتخير ما قاله شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم رحمهما الله:

فقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن أداء الأمانة في الوحي أعظم، والوحي الذي أوجب اللهُ طاعته هو الوحي بحكمه وقسمه، وقد ينكر هؤلاء كثيرًا من السنن؛ طعنًا في العقل لا ردًّا للمنقول، كما ينكر كثيرٌ من أهل البدع السننَ المتواترة عند أهل العلم؛ كالشفاعة والحوض والصراط والقدَر وغير ذلك" [4]

وقال ابن القيم: "وقد كان السلف الطيب يشتد نكيرُهم وغضبهم على من عارض حديثَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برأي، أو قياس، أو استحسان، كائنًا من كان، ويَهجرون فاعل ذلك، ويُنكرون على من يضرب له الأمثال، ولا يسوِّغون غيرَ الانقياد له - صلى الله عليه وسلم - والتسليم والتلقي بالسمع والطاعة، ولا يخطر بقلوبهم التوقفُ في قَبوله حتى يشهد له عمل، أو قياس، أو يوافق قولَ فلان وفلان..." [5]

وقال - رحمه الله – أيضًا: "ومن أحالك على غير "أخبرنا" و"حدثنا" فقد أحالك: إما على خيال صوفي، أو قياس فلسفي، أو رأي نفسي، فليس بعد "القرآن" و"أخبرنا" و"حدثنا" إلا شبهاتُ المتكلمين، وآراءُ المنحرفين، وخيالات المتصوفين، وقياس المتفلسفين، ومَن فارَق الدليل، ضلَّ عن سواء السبيل، ولا دليلَ إلى الله والجنة، سوى الكتاب والسنَّة، وكل طريق لم يصحبْها دليلُ القرآن والسنة فهي من طرق الجحيم، والشيطان الرجيم، والعلم ما قام عليه الدليلُ، والنافع منه: ما جاء به الرسولُ - صلى الله عليه وسلم" [6]

معتقد أهل السنة في الصراط

ونؤمن بالصراط، وهو جسر على جهنم، إذا انتهى الناس بعد مفارقتهم الموقف إلى الظلمة التي دون الصراط، كما قالت عائشة رضي الله عنها: ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال: هم في الظلمة دون الجسر))[7]

وقد بيّن السفاريني رحمه الله تعالى [8]: – موقف الفرق من الصراط، وهل هو صراط مجازي أم حقيقي؟ ثم قرر مذهب أهل الحق الذي دلت عليه النصوص فيه، فقال: اتفقت الكلمة على إثبات الصراط في الجملة، لكن أهل الحق يثبتونه على ظاهره من كونه جسراً ممدوداً على متن جهنم، أحدّ من السيف وأدق من الشعر، وأنكر هذا الظاهر القاضي عبد الجبار المعتزلي، وكثير من أتباعه زعماً منهم أنه لا يمكن عبوره، وإن أمكن ففيه تعذيب، ولا عذاب على المؤمنين والصلحاء يوم القيامة، وإنما المراد طريق الجنة المشار إليه بقوله تعالى: "سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ " [9], وطريق النار المشار إليه بقوله تعالى: "فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ" [10]، ومنهم من حمله على الأدلة الواضحة والمباحات والأعمال الرديئة التي يسأل عنها ويؤاخذ بها، وكل هذا باطل وخرافات لوجوب حمل النصوص على حقائقها، وليس العبور على الصراط بأعجب من المشي على الماء أو الطيران في الهواء، أو الوقوف فيه، وقد أجاب صلى الله عليه وسلم عن سؤال حشر الكافر على وجهه بأن القدرة صالحة لذلك" [11] .

الأحاديث الواردة في الصراط

الأحاديث التي وردت في الصراط وصفته ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم منها على سبيل المثال لا الحصر وهما من الأحاديث المتفق عليها بين البخري ومسلم:

1- أخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((... ثم يُؤتَى بالجسر، فيُجعَل بين ظهريْ جهنم))، قلنا: يا رسولَ الله، وما الجسر؟ قال: ((مدحضة مزِلَّةٌ، عليه خطاطيف وكلاليب وحَسكة مُفَلطحة، لها شوكة عُقَيْفَاءُ تكون بنجد، يقال لها: السعدان، المؤمنُ عليها كالطَّرْف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والرِّكاب، فناجٍ مسَلَّم، وناجٍ مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمرَّ آخرُهم يُسْحَب سحبًا...)) [12] وأخرجه مسلم في "صحيحه" في الإيمان (باب: معرفة طريق الرؤية) [13]

2- حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: ((ويُضرب الصراطُ بين ظهرانَيْ جهنَّم)) [14].

لماذا أنكر الإباضية الصراط ولجئوا لتأويله ؟

الأدلة ثابتة وواضحة والقواعد التي قررها الإباضية أنفسهم لا تجعل الصراط كحالا عقلا ولكنهم أخذوا عقائد المعتزلة المستمدة من أفكار الفلاسفة جملة وتفصيلا ثم حاول الإباضية الترقيع بين الاعتزال ومذهب الفلاسفة فنتج عنه هذا الضلال.

ـــــــ

مراجع التقرير

1- دراسة الأحاديث الواردة في "الصراط" وما جاء في وصفه وموقف المعتزلة والعقلانيين منها (إثبات حقيقة الصراط ورد شبهات من أنكرها) - أبو حميد عبدالملك بن ظافر الماجوني الكوسوفي نشر شبكة الألوكة

2- كناب فرق معاصرة د غالب عواجي

3- الموسوعة العقدية - موقع الدرر السنية

=======

[1] كتاب بهجة الأنوار شرح مشارق العقول في الفصل الثاني " الميزان والصراط " من الباب الرابع "الوعيد والوعيد "

[2] المجلة الإسلامية الثقافية العدد 80

[3] منهج الطالبين و بلاغ الراغبين في أصول العقائد الإسلامية 2/143

[4] الفتاوى (16/463).

[5] إعلام الموقعين (3/464 - 465)

[6] مدارج السالكين (2/468 - 469) بتحقيق محمد حامد الفقي، ط - الثانية: 1393هـ - بيروت.

[7] رواه مسلم (315)

[8] "لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية" (1/190):

[9] [محمد: 5]،

[10] [الصافات:23]

[11] الموسوعة العقدية - الكتاب السادس: الإيمان باليوم الآخر الباب الثالث: القيامة الكبرى - الفصل الرابع عشر: الصراط

[12] صحيح البخاري (7001). وأخرج الحديث بدون هذه الزيادة أيضًا: أبو عوانة في مسنده (320) من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم به، والطيالسي في مسنده (1/289/2179) من طريق أبي داود عن خارجة بن مصعب الضبعي، عن زيد بن أسلم

[13] (3/36 – بشرح النووي). مطولا

[14] أخرجه البخاري (6204) عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن سعيد القطان وعطاء بن يزيد، عن أبي هريرة مرفوعًا وأخرجه مسلم (469) عن زهير بن حرب، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــــ