المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اعترافات علماء الاجتماع


عبدالناصر محمود
10-09-2014, 07:37 AM
اعترافات علماء الاجتماع*
ـــــــــــــ

(د. أحمد إبراهيم خضر)
ــــــــــــ

15 / 12 / 1435 هــ
9 / 10 / 2014 م
ــــــــــــ

https://scontent-b-cdg.xx.fbcdn.net/hphotos-xpf1/v/t1.0-9/10413404_719553544791916_5298017441430762430_n.jpg ?oh=2682474db2568b6436e32294aa03f920&oe=54B8656F

*ـ علم الاجتماع شَعْوَذةُ الأزمنة الحديثة
ــــــــــــــــــــــ


اعترافات علماء الاجتماع
--------------
الحلقة الأولى
-------------


مقـدمة
-------
بسم الله الرحمن الرحيم، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
-----------------------------------------------

هذا الكتاب حَصاد ثلاثين عامًا قضَيْناها بين دِراسة وتدريس علم الاجتِماع، عرفنا وتتَلمَذنا على يد الرَّعيل الأوَّل من رُوَّاد هذا (العلم) في مصر، وعاصَرنا وزامَلنا أكثر من جيلٍ لا زال في الميدان، مارَسنا تدريسَه في عِدَّة جامعات بعِدَّة دُوَلٍ مختلفة، ابتُعِثنا إلى الولايات المتَّحدة أكثر من مرَّة، وهناك عرفنا وتتَلمَذنا وعاصَرنا في مرحلتَيْ ما قبل الدكتوراه وما بعدها أبرز المُتَخصِّصين في الفُرُوع الدقيقة لعلم الاجتماع، وهم يعرفوننا كما يعرفون أبناءَهم، وحاوَلُوا أكثر من مرَّة تسخيرنا لخدمة مصالحهم ذات الصلة الوثيقة بأعمال المخابرات الأمريكيَّة باسم (علم الاجتماع العسكري).

بدَأت رحلتنا مع علم الاجتماع في عام 1962 بجامعة القاهرة، كتَبنا فيها مؤلَّفَيْن في هذا الفرع من فروع علم الاجتماع، وكان حَصاد هذه الرحلة الطويلة مُؤلِمًا وشاقًّا على النفس؛ لقد ضاعت سنو حياتنا في شَعْوَذةٍ أطلق عليها (علمًا)، ليس في حقيقته إلاَّ صياغة دينيَّة لمعتوهٍ فرنسي، ومُلحِد يهودي، وشِرذِمة من الماركسيِّين واللادينين... أرادوا له أنْ يكون دينًا جديدًا، وأرادوا لأنفُسهم أنْ يكونوا أنبياء ورسل هذا الدين الجديد، ورغم ذلك فإنَّه لم يخرج عن كونه مجرَّد كلام عامي، ورطانة غامضة، أمَّا النَّزعة العلميَّة التي يتمسَّك بها فقد كانت نزعةً مزيَّفة باعتراف كِبار المؤرِّخين الألمان.

سطرنا حَصاد هذه التجرِبة بين دفَّتي هذا الكتاب، لكنَّ الرسالة التي نودُّ إبلاغَها أبعد بكثيرٍ من السُّطور التي يحتَوِيها، إنها رسالةٌ تنحَصِر في جملةٍ واحدة هي: "أنَّنا لسنا بحاجةٍ إلى علم اجتماعٍ؛ لا في شكله العام ولا فيما يُسمَّى اليوم (بعلم الاجتماع الإسلامي، أو أسلَمَة وتأصيل علم الاجتماع)".

إنَّ هذا الأخير في تصوُّرنا (ضرب من التَّرَف)، و(نوع من العبث) الذي يضرُّ ولا يَنفَع، الإسلام يُذبَح على يد أبنائه قبلَ أعدائه على امتِداد العالم، ونحن مَشغُولون بقَضايا هدفها الأساس صرْف الأنظار عن ذلك الذي يَجرِي لهذا الدين، وإن ادَّعت أنها تَعمَل من أجله، قَضايا من مهامِّها الأخرى أنْ تضع حاجِزًا يَحُول بيننا وبين أنْ ندرك صَفاء هذه العقيدة ونقاءَها ودورَها الحقيقي في الحياة، حاجزًا يَحُول دون فهمنا الصحيح لهذه العقيدة ويُحوِّلها إلى مُصطَلحات ومسائل لا يَعِيها ولا يهتمُّ بها إلاَّ مَن صاغوها بعد أنْ أُعِيدت صياغة عقولهم في دُوَلِ الغرب، لكنَّها لا تشغل في أدمِغَة الناس - من أبسطهم إلى أعقدهم، ومن جاهلهم إلى عالمهم - حيِّزًا يُذكَر.

الناس يرنون إلى عقيدةٍ صحيحةٍ سهلة مَتِينة تستَنِد رأسًا إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يسمعونها ويتعلَّمون أُسُسَها وقواعِدَها من عُلَماء مُخلِصين، مُتعمِّقين في الكتاب والسنَّة واللغة العربيَّة وأحكام القرآن وتفسيره، وفي أمور الفقه والتشريع، عُلَماء على وعيٍ بحقيقة العلوم الاجتماعيَّة ونشأتها في زمن الفِصام النَّكِد بين العلم والدِّين، ودورها المعد له لتنظيم حياة الناس بدلاً من الدِّين، وليس من عُلَماء لا يفهَمون من عقيدتهم إلاَّ القُشُور، وكل همِّهم التوفيق من قريبٍ أو بعيدٍ بين ما جاء به الأنبياء والرسل وما قاله العُلَماء والفَلاسِفة.

عادَى رجال الاجتماع في بلادنا الدِّين والصَّحوة الإسلاميَّة؛ هذا (سمير أمين) يشنُّ حملةً شَعواء ضد هذه الصحوة، ويَراها صحوة مزعومة لا تستحقُّ تسميتها، ويَراها مَوْجَةً رجعيَّة تنخَرِط في استِمرار تسلُّط ما يسمِّيه بفكر عُصُور الانحِطاط.

وذاك (سمير نعيم) يشنُّ حملتَه ضد شَباب الجماعات الإسلاميَّة، ويَرمِيهم بالتطرُّف والجمود العَقائدي والانغِلاق الفكري، ويَصِفُهم بأنهم مَرضَى عقليُّون لديهم أوهام حيوانيَّة الرجل وشهوانيَّته تجاه المرأة.

وبين (سمير أمين) و(سمير نعيم) تتعدَّد الرُّؤى وتختلف الأطروحات والصَّحوة الإسلاميَّة، ولكنَّها تنطلق وتصبُّ في نفس النَّهر المعادي لهما.

لا نبغي وَراء سُطُور هذا الكِتاب إلاَّ رضا الله - عزَّ وجلَّ - ونسأَلُه - تعالى - أنْ يكون في ميزاننا يوم القيامة، وأنْ يحشرنا في زمرة مَن رضي عنهم ورضوا عنه.

إنَّ خير مَن نهديه هذا الكتاب هم أولئك الذين التقَيْنا بهم في القاهرة والخرطوم وواشنطن وجدة ونوردج (ببريطانيا)، هؤلاء الذين جعَلَهم الله سببًا في إزالة الغشاوة من على أعيُينا، وهؤلاء الذين وضَعُوا أقدامنا على أوَّل الطريق، وهؤلاء الذين ثبتوا أقدامنا على امتِداد هذا الطريق، أدعوه - عزَّ وجلَّ - أنْ يجزيهم عنِّي خير الجزاء.

أمَّا زوجتي فهي أوَّل مَن شجَّعني على الكتاب، وأوَّل مَن شارَكني وحمل معي وهوَّن عليَّ مشاقَّ هذا الطريق، أسأَلُ الله أنْ تُرافِقني في الآخِرة كما رافقَتْني في الدنيا، ونسأَلُه - عزَّ وجلَّ - أنْ تكون أعمالنا جميعًا خالصةً لوجهه الكريم.


الفصل الأول
علم الاجتماع شَعْوَذةُ الأزمنة الحديثة
هناك عدَّة حقائق أقرَّ بها رجال الاجتِماع في بلادنا وفي بلاد الغرب:
الحقيقة الأولى: هي أنَّ علم الاجتِماع هو شعوذة الأزمِنة الحديثة:
أقرَّ بهذه الحقيقة الطاهر لبيب الأستاذ بالجامعة التونسية، في معرض حديثِه عن موقف بعض المجتمعات الغربيَّة من علم الاجتماع، وتخوُّفه من نقْل هذا المفهوم إلينا، ودعا غيره من رجال الاجتماع إلى الحدِّ من الانبِهار الساذج والتوكُّل الكلي على علم الاجتِماع كمواقف تجعَل منه عصا سحريَّة علميَّة.

من المسلَّم به أنَّ علم الاجتماع يُساعِد على بَلوَرة اهتِمامات وقِيَم الطلاب الذين يلتَحِقون بأقسام الاجتماع بتوقُّعات وآمال عريضة، يريدون أنْ يلمسوا قَضايا المجتمع الحقيقيَّة، فيجدون أنَّ المحاضرات والمؤلَّفات والكتب والمداولات والنِّقاشات تنتَمِي إمَّا إلى مجتمعات غربيَّة أو شرقيَّة، وفوق هذا لا يجدون في المقرَّرات الدراسيَّة والأنشطة العلميَّة ما يَروِي غليلَهم، فيُصابون بالإحباط وخَيْبة الأمل، ثم يُفاجَؤون بأنَّ سني أعمارِهم ضاعَتْ في شَعوَذة باعتِراف أساتذتهم وأئمَّة أساتذتهم من عُلَماء الغرب، وممَّا يؤكِّد لهم ذلك أنهم يتخرَّجون فيجدون أنفسهم غير فاهِمين للمجتمع، وعاجِزين عن التعامُل معه في ضوء ما تعلَّموه.

الحقيقة الثانية: هي أنَّ تدريس علم الاجتِماع في بلادنا لا يعدُّ ضرورة من ضرورات المعرفة والواقع، وأنَّه لو أُلغِي هذا الاختصاص من جامعاتنا فإنَّ غيابه لن يكون نقصًا ولا تخلُّفًا معرفيًّا:

أقرَّ بهذه الحقيقة الطاهر لبيب أيضًا، كما أقرَّ بها كذلك سعد الدين إبراهيم الأستاذ بالجامعة الأمريكيَّة بالقاهرة، اعتَرَف سعد الدين إبراهيم بأنَّه لو افترض أن اختَفَى كلُّ عُلَماء الاجتِماع العرب فجأةً، فإنَّه لا شيء يمكن أنْ يحدث للمجتمع سلبًا أو إيجابًا.

أقرَّ هذا الأستاذ أيضًا بأنَّ الرَّغبة (وليس الضرورة) هي مُبرِّر ظهور علم الاجتماع وعلماء الاجتماع، وهي مبرر وجوده ووجودهم، واستِمراره واستمرارهم، أقرَّ كذلك بأنَّ الفهم الذي يُقدِّمه علم الاجتِماع للمجتمع ليس هو العلم الوحيد وإنما هناك أفهامٌ أخرى قديمة وحديثة بمعنى: أنَّ عِلم الاجتماع ليس هو العلم الوحيد الذي يحتَكِر تقديم الفَهْم عن المجتمع.

شارَك محمد الجوهري الأستاذ بجامعة القاهرة سعد الدين إبراهيم في ذلك، وقال: إنَّ علم الاجتماع لا يستَطِيع تقديم صورة كاملة وشاملة عن الإنسان والمجتمع، وإنَّ تصوُّره لهما جزئي ويُمثِّل وجهة نظرٍ واحدة، وأقرَّ غيرهما من رجال الاجتماع أنَّ دور علم الاجتماع في بلادنا هزيلٌ ومنحصرٌ في التَّلقِين والتَّدرِيس خلف أسوار الجامعة، وأنَّه ليس إلاَّ صورة مرتعشة مهزوزة لمنتجٍ مهزوز تَمَّ في مجتمعاتٍ أخرى ولصالح مجتمعات أخرى - ضد مصالحنا بالطبع - غير قادِر على متابعة التغيُّرات التي تحدُث في مجتمعاتنا ذاتها، الناس في بلادنا - بما فيهم الجهات الحكوميَّة والمؤسَّسات الخاصَّة - لا تَضعُ هذا العلم وأهلَه في مكانة رفيعة، ولا تُسنِد إليهم مهامَّ إجراء بحوث أو اقتراح حلول أو المشاركة في اتِّخاذ قرارات، وكيف يسند إليهم ذلك والناس ترى ضَحالة ما يُعالِجونه وسطحيَّة ما يُعالِجونه، إلى درجة أنَّ منهم مَن كان يدرس (القهوة العربيَّة السادة) ووظيفتها الاجتماعيَّة عبر التصوُّرات المنهجيَّة والأُطُر النظريَّة للباحثين الغربيين؟!

يقرُّ رجال الاجتِماع في الغرب بأنَّ علم الاجتِماع ليس صادقًا كميدانٍ للمعرفة، وأنَّ 95% من دراساته ترتَبِط بالأشكال غير المنطقيَّة من السُّلوك، ورغم ذلك فإنَّ هذا لم يمنعهم من وضْع أغلب أحكامهم في إطارٍ منطقي، المفاهيم في علم الاجتماع تُعالَج كحقائق بسيطة دون معنى ثابت وواضح، كلُّ مفهومٍ في علم الاجتماع له العَدِيد من المعاني، الحسَن والقَبِيح ليس بأنماطٍ مختلفةٍ من السُّلوك، وإنما هما دَرجات مختلفة لاسمٍ واحد: الطلاق، الانتحار، السفاح، وأبناء الزنا، كلُّ ذلك مفاهيم ذات ظِلال مختلفةٍ، لها معانٍ واسعة، القبيح في علم الاجتِماع قد يُصبِح حسنًا، والحسَن قد يُصبِح قَبِيحًا، ليس هناك من اتِّجاه اجتِماعي يُمكِن أنْ يستمرَّ في نفس الخطِّ دون نهاية.

حديث رجال الاجتماع عن التنبُّؤ مبالغةٌ غير منطقيَّة، فعُلَماء الغَرْب - أصحاب هذه القضيَّة ذاتها - يعتَرِفون بأنَّه لا يُمكِن التنبُّؤ بالمستقبل في أيِّ زمن، ولا أحد يعرف ما الذي سيَحدُث غدًا، وأفضَل ما في جَعبَة علم الاجتماع لا يستَطِيع أنْ يَضمَن ذلك.

البناء الفكري العام لرجال الاجتماع في بلادنا يتميَّز بالتشتُّت والتشوُّه، يُغيِّرون أفكارهم مع تغيُّر سياسة الدَّولة، ومع انتِقالهم من مجتمعٍ عربي إلى آخَر يَدفَع أكثر، إنهم يَعتَرِفون بأنهم غير قادِرين على تشخيص واقِع مُجتَمعاتهم تَشخِيصًا دقيقًا، إنهم مَشغُولون بانتِماءاتهم الأيديولوجيَّة، يخشون على مستقبلهم المهني، ومهاجمة بعضهم البعض، ينفون عن بعضهم البعض ما يُسمُّونه بالقِيَمِ العلميَّة والأمانة والدقَّة، ويتَّهمون بعضهم بعضًا بالاستِسهال والتمَرْكُز حول الذات، وتجاهُل أعمال الآخَرين، وإعادة إنتاج ما سبَق إنتاجه، والإخلال بما يُسمُّونه بأسس البحث العلمي النظري والمنهجي والميداني واللغوي، والتخلُّف عن مُتابَعة الإنتاج العالمي، كلٌّ منهم يدَّعِي أنَّه بداية العلم الحقيقي وحامِل شُعلَته، يتَّهِمون بعضَهم بالتبعيَّة وهم من ناقِليها... إلخ.

الحقيقة الثالثة: هي أنَّ النزعة العلميَّة في (علم الاجتماع) نزعة مُزيَّفة، وأنَّ الشُّروط العلميَّة التي حدَّدها العُلَماء في أيِّ معرفة لكي تكون علمًا لا تتوافَر في (علم الاجتماع):

إنَّ هذا العِلم مرتبطٌ بأسماء أشخاص مُعيَّنين، هم الذين اخترَعُوا نظريَّاته ومَدارِسه، يرجع إليهم دائمًا وليس إلى علمٍ مُحدَّد، إنَّه ليس بعلمٍ دولي ولا بالمعنى الدقيق لكلمة "علم"، نشأة علم الاجتماع ليسَتْ نشأة علميَّة، وأصحابُه لا يَشعُرون في قَرارَة أنفُسِهم بأنهم عُلَماء، استِخدام (علم) الاجتِماع لمناهج العلوم الطبيعيَّة وللإحصاء وللرياضيَّات لم يُحقِّق له خَصائص العلم، لم يتحقَّق حلمه في التوصُّل إلى القَوانِين التي تَحكُم حركة المجتمع. الأحكام التي توصل إليها احتماليَّة ترجيحيَّة تَعكِس أهواء مُطلِقيها وميولهم ومَصالِحهم.

الحقيقة الرابعة: هي أنَّ علم الاجتماع (علم) عقائديَّة ليس بالمُحايِد، وأنَّه استعماري بطبيعته، وذو صلةٍ بأعمال المُخابَرات، هدفه الأوَّل ضرب الدِّين والعقيدة بصفةٍ عامَّة، والإسلام وشريعته بصفة خاصَّة:

أقرَّ (جاك.بيرك) بأنَّ علم الاجتماع علمٌ استعماري، وأقرَّ رجال الاجتماع في بلادنا بأنَّ علم الاجتماع أعدَّ بحثًا وتدريسًا ليكون عقلُ رجال الاجتِماع العرب تابعًا للعقل السوسيولوجي الغربي، سَواء في منهجيَّة التفكير أو تصوُّر مهامِّ علم الاجتِماع، وأنَّه حينما رحَل الاستِعمار من بلادنا ترَك وراءَه من الترتيبات المؤسسيَّة والفكريَّة ما يُعِيد سَيْطرته وهَيْمنته والتبعيَّة له، وفي المغرب العربي كان علم الاجتماع في خِدمة الاستعمار الفرنسي، وارتَبَط ارتِباطًا مُباشِرًا بأجهزة المخابَرات، تركَّزت أهدافُه منذ نشأته في مُحارَبة الإسلام وشريعته، وتشجيع مَلامِح الحضارة المغربيَّة ما قبل الإسلاميَّة.

أسهَم علمُ الاجتماع في تحقيق الأهداف الفرنسيَّة الرامِيَة إلى تعميق الهوَّة بين العرب والبربر، والعمل على تطوير البربر في اتِّجاه الحضارة المغربيَّة وليس الإسلام، عمل على إعادة تركيب وتنظيم حياة المغرب العربي في ضوء المرئيَّات الاستعماريَّة.

اهتمَّت المُؤسَّسات الأمريكيَّة في بلادنا اهتِمامًا خاصًّا بترجمة مراجع علم الاجتماع الغربي التي تحتَوِي أفكارًا مُضادَّة للدِّين والعقيدة؛ أشرَفتْ مؤسَّسة فرانكلين - على سبيل المثال - على طبْع كتاب (المجتمع) لمؤلِّفيه (ماكيفر وبيج)، لاقَى هذا الكتاب رَواجًا كبيرًا، نظَر هذا الكتاب إلى تفسيرات الدِّين على أنَّها تفسيرات جامِحة لا بُدَّ أنْ ينقيها العلم، دعا إلى دينٍ عالمي من صِفاته أنَّه دينٌ بلا جهاد، ولا يقوم على مبدأ الإيمان أو الكفر، نظَر المؤلِّفان إلى الدين على أنَّه يُفرِّق الشُّعوب ويَقطَع أوصال الشعب الواحد، ويعتبرانه عقيدةً ضيِّقة الأُفُق غير مُتسامِحة لا تستَنِد إلى العقل، يريد المؤلِّفان دينًا بلا سلطة أخلاقيَّة، لا يُحدِّد القواعد الخلقيَّة للناس، لا يمنَع الاحتِكار ولا الربا، يسعيان إلى أخلاق تحرُّريَّة تنبَثِق من ضمير الفرد، روَّج المؤلِّفان للمذهب الإنساني الذي يعني التخلِّي عن أحكام ما فوق الطبيعة المتعلِّقة بالخلق، والجنة، والنار، ويجتَمِع الناس على قَواعِد الأخلاق الاجتماعيَّة وليس على أساس الدِّين والمعتقدات.

الإنسان في علم الاجتِماع هو ناتج الواقع يُحدِّد له مصيره وينشئه ويُحرِّكه كيف يشاء؛ ولهذا فإنَّ عليه أنْ يخضع لقُوَى المجتمع ومعاييره، والإنسان في علم الاجتماع أيضًا هو خالق الواقع كما أنَّه ناتجٌ له في نفس الوقت، المجتمع يَصنَع الإنسان، والإنسان بدَوْرِه يَصنَع المجتمع، دِراسة المجتمع عند بعض العُلَماء تَبدَأ من الفرد وفي داخِل الأفراد وليس في أيِّ نِطاقٍ آخَر يُمكِن العثور على النُّظُم.

المعنى الحقيقي لعلميَّة علم الاجتماع هو عدم إقراره بوجود قوَّة أوجَدت العالم وسيَّرته وتُحرِّكه وفق إرادتها، إنَّه لا يرتَبِط مُطلَقًا بما هو روحي وما هو ديني، الرُّوحي والدِّيني أحد موضوعات دراسته، يتحكَّم هو فيها ولا تتحكَّم هي فيه، إنَّه (علم)؛ ولهذا لا يُؤمِن إلاَّ بالملاحظة والتجرِبة العلميَّة.

مصادر علم الاجتماع الثلاثة هي نفس مصادر الحضارة الغربية: المَنهَل اليوناني الروماني، والمَنهَل اليهودي المسيحي، والبيئة الأوروبيَّة ذاتها.

عُلَماء الاجتماع الغربيُّون كانوا يرَوْن أنَّ الغرب كان يُعبِّر عن نفسه يومًا بالدِّين، أمَّا اليوم فإنَّ الدين عندهم (معتقدات عتيقة)؛ ولهذا استَعان الغرب بالعلوم الاجتماعيَّة كبديلٍ عن هذه المعتقدات العتيقة، وتحوَّل الدِّين عِندَهم إلى موضوعٍ للبحث الاجتماعي والتاريخي، وإلى تُراثٍ يمكن إخضاعه للدراسة، خاضَ علم الاجتماع معركته ضد الدِّين ووصَف عُلَماؤه هذه المعركة بأنها بالغة القَسْوة والضَّراوة، وتصوَّروا أنَّ النصر الحاسم كان حليفهم.

البِناء الحالي لعلم الاجتماع يَرجِع بصورةٍ أو بأُخرَى إلى الأفكار التي صاغَها رُوَّاد مُبكِّرون مثل (باريتو) الإيطالي، و(دوركايم) الفرنسي، و(ماكس فيبر) الألماني، الأوَّل (كاثوليكي)، والثاني (يهودي)، والثالث (بروتستانتي).

كانت لكلِّ واحدٍ منهم الرَّغبة في أنْ يكون عالِمًا، وكانت العلوم تُمثِّل بالنسبة إليهم فكرة النموذج الذي يُهيِّئ التفكير المحدِّد أو التفكير الصحيح، وهم كعُلَماء اجتماع كانوا يرَوْن أنَّ المجتمعات يمكن أنْ تُحافِظ على تماسُكها من خِلال مُعتَقدات مشتركة، إلاَّ أنهم وجَدُوا أنَّ هذه المعتقدات قد اهتزَّت نتيجةَ نموِّ التفكير العلمي خاصَّة في الوقت الذي ظهَر فيه أنَّ هناك تَناقضًا مُتزايِدًا بين الدِّين والعلم لا يمكن حسمُه، اعتَرَف الثلاثة بوجود هذا التناقُض.

انتَمَى (دوركايم) إلى التفكير العلماني، ووجَد أنَّ التفكير الديني لم يعد قادِرًا على مُواجَهة ما أَطلَق عليه: الرُّوح العلميَّة، كما رأى أنَّ أزمة المجتمع الحديث تَكمُن في أنَّه لم يستَطِع استِبدال الأخلاقيَّات القائمة على الدِّين بأخلاقيَّات قائمة على العلم، وكان يرى أنَّ علم الاجتماع يستَطِيع أن يعاون في إقامة هذه الأخلاقيَّات.

أمَّا (باريتو) فقد كان يصرُّ طوال حياته أنْ يكون عالِمًا، وقادَه هذا الإصرار إلى تكرار قوله بأنَّ القَضايا التي يُمكِن التوصُّل إليها عن طريق المَنهَج التجريبي هي وحدها العلميَّة، وكل القَضايا الأخرى - وخاصَّة الأخلاقيَّة والميتافيزيقيَّة - ليس لها أيُّ قيمة علميَّة.

كان (ماكس فيبر) ينتَمِي إلى عائلة دينيَّة، لكنَّه غير مؤمن وإنْ أبدى احتِرامًا عميقًا للعقيدة الدينيَّة، صُنِّفَ (فيبر) من قبل عُلَماء الاجتماع كفيلسوف وجودي.

فرضت مشكلة العلاقة بين العلم والدين نفسَها على الرُّوَّاد الكبار الثلاثة، قال (دوركايم): "إنَّ العلم يستَطِيع أنْ يفهم الدِّين، وأنْ يُفسِّر قيام مُعتَقدات دينيَّة جديدة".

باريتو أجاب على المشكلة بطريقةٍ ساخِرة فقال: "لا تحفل بالدِّين؛ لأنَّ الرواسب لا تتغيَّر، وسوف تَنشَأ معتقدات جديدة دائمًا".

أمَّا (فيبر) فقد كان يرى أنَّ التناقض قائمٌ بين مجتمعٍ يقوم على العقلانيَّة وبين الحاجة إلى الاعتقاد والإيمان، يقول فيبر: "إنَّ الطبيعة كما يُفسِّرها العلم وكما تُعالِجها التكنولوجيا ليس فيها مُتَّسع لسحر الدين وأساطيره القديمة، يجب أنْ ينسحب الإيمان ليعيش في عُزلَة مع الضمير".

وجَّه العُلَماء الثلاثة النَّظَرَ إلى علم الاجتماع كمفهومٍ لعلم الفعل الجمعي، ورأوا أنَّ الإنسان كمخلوقٍ اجتِماعي وديني هو خالق القِيَم والنُّظُمِ، وأنَّ الدِّين لا يمكن أنْ يكون أساسَ النِّظام الاجتماعي مرَّة أخرى.

هذا بالنسبة للروَّاد الكِبار، أمَّا العُلَماء المُعاصِرون فقد سارُوا في نفس منهج هؤلاء الرُّوَّاد، (تالكوت بارسونز) من أبرز عُلَماء الاجتِماع المُعاصِرين الذين أحدَثتْ نظريَّاتهم دَوِيًّا شديدًا في أمريكا وأوروبا على السواء، ولا يخلو كتابٌ في علم الاجتِماع في بلادنا من الإشارة إليه والكتابة عنه، كان (بارسونز) يرفض الدين بعُنف، ويقول (روبرتسون) في مقالته عن تالكوت بارسونز والدين (sociological analy sis، 1982، p.283): "إنَّ حديثنا عن الدِّين يعني: العودة لموضوع رفض بارسونز الإيمان به بثَبات، وأنَّه بالرغم من عدم إيمانه بالدِّين فقد كتَب فيه ما لم يَكتُب أيُّ عالم اجتماعي آخَر، وأسهمَتْ دِراساته عن الدِّين في توجيه الباحثين الآخَرين بدرجةٍ ساعدَتْهم على فهْم الدِّين بالرغم من أنَّه لم يدرسه وُصولاً إلى الحقيقة، وإنما درسه من زاوية علاقته مع المظاهر الأخرى للحياة الإنسانية".

ويقرُّ رجال الاجتماع في بلادنا بأنَّ (ماركس) كان واحدًا من المفكِّرين الكِبار الذين ينسب (بارسونز) إليهم أُطُرَه النظريَّة.

اعتَرَف العُلَماء الغربيُّون بأنَّ إخضاع الدِّين للدِّراسة العلميَّة من شأنه أنْ يحطم الإيمان الديني، ويعني: نهاية الدين؛ لأنَّ الافتراض الأساس الذي قامَتْ عليه قَضايا علم الاجتماع هو: العالم المحسوس، والخبرة الحياتيَّة، والدِّراسات الإنسانيَّة بكاملها تقوم على مبدأ أنَّ حل مشكلات الإنسان تَكمُن في داخِله وفي فَهْمِه لنفسه قبل أنْ تَكمُن في خارجها، ومن ثَمَّ حدَث انفِصال واضِح بين الواقع والقِيَم حتى في البحوث الاجتماعيَّة تحت دَعاوى الموضوعيَّة والدقَّة المنهجيَّة.

قام رجال الاجتماع في بلادنا بنفس ما قام به عُلَماء الغرب، فطبَّقوا الفكر العلمي على قَضايا الإنسان والمجتمع والدِّين، ففَهِمُوا الإسلامَ في ضوء التُّراث الغربي، فخرَجُوا لنا بصياغات غريبة عن الشَّكل الأوَّل للدِّين، وقالوا: إنَّ الدِّين يجب أنْ يبدأ بتجربة حسيَّة، وإنَّه يمكن ردُّه إلى عنصرٍ معروف حولنا، وإنَّ الناس هم الذين يضفون على الظواهر الطبيعيَّة قَداسةً من عندهم حين يُثِير فيهم مَشاعِر غير عاديَّة.

قالوا لنا: إنَّ الدِّين انبِثاقٌ من الواقع بأبعاده السياسيَّة والاقتصاديَّة والتاريخيَّة، اعتبَرُوا (الله) فكرةً وحالةً نفسيَّة، أطلَقُوا نفس المصطلحات الغربيَّة على كلِّ ما يتعلَّق بالدِّين؛ مثل: (المتعالي، وما فوق الطبيعي، والطُّقوس... إلخ).

تحوَّل الإسلام عندهم إلى دينٍ يُكرِّس الطاعة لتقاليد جامِدة، والمؤمن عندهم مُثقَّل بالتقاليد الدينية التي ترسَّخت في عصور التخلُّف.

التفكير الغيبي عندهم تفكيرٌ سلفي رجعي مغرق في مَتاهات الماضي، أطلَقُوا على النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - صفة (الكارزميَّة) - كما أسماها (ماكس فيبر) - بمعنى: أنَّه يملك جملة من القدرات الخارقة للعادة، وأنَّ له موهبة السُّلطة والزعامة والقُدرة على تَحرِيك الأحداث والأفراد في الطريق الذي يُرِيده، وأنَّ المسألة ليسَتْ مسألة وحي من الله بقدر ما هي صِفات خاصَّة له، النبيُّ عندهم يَنشُر دعوتَه نتيجةً لإحساسٍ أو هاجس عميق بمأساة الإنسان والمجتمع في عصره[1].

العلوم الاجتماعيَّة ليست علومًا مُحايِدة، إنها علوم عقائديَّة، لا يُوجَد هناك شيءٌ اسمه علم مُحايِد، وإذا كان يَصدُق ذلك على العلم عامَّة فإنَّه يَصدُق على علم الاجتِماع بدرجةٍ أكبر، أقَرَّ بذلك (عزت حجازي)، وأقرَّ به (غالي شكري)، ونقَلَه (حيدر إبراهيم) عن (إدوارد سعيد) الذي سلَّم بأنَّه ما من أحدٍ ابتَكَر أبدًا طريقةً لفَصْلِ الباحث عن ظروف الحياة وعن حقيقة انشِباكه، واعيًا أو غير واعٍ، في طبقة ومعتقدات ومنزلة اجتماعيَّة.

النظريَّات الغربيَّة - كما يقول (عادل حسين) - نظريَّات عنصريَّة تقوم على الإحساس بالتفوُّق والهيمنة، تبرز سَيْطرة الغرب الأقوى على النِّظام العالمي المُستَنِد إلى تقسيمٍ دولي ينظُر إلى التنظيمات الاجتماعيَّة غير الغربيَّة بأنَّها أدنى، وغير قابلة للتجديد والتطوُّر، وأنَّ على الغرب مهمَّة تاريخيَّة هي: العمل على تحديث العالم وتمدينه.

الحضارة عندهم احتِكارٌ للبِيض الذين هم أرقى الأجناس، الغرب هو الغاية الوحيدة للتقدُّم الإنساني عند (دوركايم)، وتفوُّق الغرب مسلَّمة من مسلَّمات (ماكس فيبر).

صُوِّرت لنا العلومُ الاجتماعيَّة على أنها علوم عالميَّة تقوم على الموضوعيَّة، وتعتمد على قاعدةٍ قويَّة من المعلومات عن سائر المجتمعات البشريَّة، وهذا تصوُّر أو ادِّعاء غير صحيح؛ لأنَّها تعتمد فقط على خبرة المجتمعات الغربيَّة وحدها.

قبلنا النظريَّات الغربيَّة في بلادنا على أساس أنها علم، تعتَمِد على المنهج العلمي الذي يقوم على الاستِقراء والمُلاحَظة، لا على الحدس والميتافيزيقا والقول المأثور، صُوِّرتْ لنا النظريَّات الغربيَّة - كما يقول (جلال أمين) - على أساس أنها تتَجاوَز حدود الزمن والمكان، وواقِع الأمر أنَّها كانت تُنقَل لنا تحت ستار العلم، قِيَم العالم الغربي وأفكاره ليست لصالح العلم وإنما لصالح دُوَلِ الغرب، تخلَّينا عن ديننا وعن عقيدتنا وعن تصوُّراتنا عن الكون والإنسان والحياة، واستبدلنا بها قِيَمَ الغرب وأفكاره وتصوُّراته وأخلاقيَّاته، لنكتَشِف في النهاية أنَّ ما يدعونه بالنظريَّات الغربيَّة لا علاقة له بالعلم.

(الإنسان هو محور الكون)، العمل يجب أنْ يكون منطلقًا من الإنسان وليس من الله، (هذه هي النقطة المركزية في كلِّ النظريَّات الغربيَّة، وهذا في حدِّ ذاته يَتناقَض جذريًّا مع المسلَّمة الأولى في حياتنا وهي: أنَّ الله هو محور الكون)، نقطة الانطلاق تبدأ منه وتنتهي إليه.

الحقيقة الخامسة: أنَّ رجال الاجتماع في بلادنا لا يُنتِجون علمًا حقيقيًّا: وإنما يستَورِدون الأفكارَ ويستَهلِكونها دون تبَصُّر كما يستهلكون قطع غِيار السيارات وأجهزة التكييف:

النظريات التي يدرسونها في قاعات المحاضرات ذات أهميَّة فقط في البلاد التي نشَأت فيها، وليس لها أهميَّة في بلادنا، نُقِلتْ إلينا دون إعمال الفكر في مدى انطِباقها على أوضاعنا، ولم تُفرَض عليها أيُّ تحفُّظات عند تدريسها تعكس نظرة وأيديولوجيَّة وفلسفة مجتمعاتها دون سِواها.

هناك أربع مَراحِل كُبرَى للتطوُّر العالمي الذي طرَأ على علم الاجتماع لا شأن ولا دخل لنا بها:
المرحلة الأولى: بدَأتْ منذ حوالي الربع الأول من القرن التاسع عشر في فرنسا، أهم من أسهَمُوا فيها سان سيمون وكونت.

المرحلة الثانية: هي الماركسيَّة التي تبلورت في حوالي منتصف القرن التاسع عشر، وعبَّرت عن جهد معين للارتقاء بتراث المثاليَّة الألمانيَّة وإدماجه بنماذج أخرى من التراث كالاشتراكيَّة الفرنسية وعلم الاقتصاد.

المرحلة الثالثة: تُمثِّل علم الاجتماع الكلاسيكي الذي تطوَّر قبل الحرب العالميَّة الأولى، وهي مرحلة توفيق وإدماج بين الوضعيَّة والماركسيَّة.

المرحلة الرابعة: هي مرحلة الاتِّجاه الوظيفي البنائي الذي تبلور في الثلاثينيَّات في الولايات المتحدة عن طريق جماعة من الدارسين الشُّبَّان؛ أمثال: بارسونز وكنجزلي دافيز، وغيرهما.

هذا التطوُّر نحن لا شأنَ لنا به، ورغم ذلك فإنَّ مؤلَّفات رجال الاجتِماع في بلادنا تنقل لنا فكر هذه المراحل وتُتَرجِمه لنا، الرَّسائل الجامعيَّة تعجُّ به شكلاً ومضمونًا، ولغةً وطريقةً في التفكير، ولأنَّ بلادنا يتمتَّع فيها الأجنبي بامتيازات لا حدود لها، ترسَّخ في شعورنا احترامٌ مُبالَغ فيه لكلِّ مُنجَزات الأجنبي، فسهل عليه أنْ يَبِيع بِضاعَتَه الفكريَّة كما يَبِيع بضاعته الماديَّة، وصوَّر لنا فكرَه على أنَّه نِتاجٌ إنساني عام أو ثمرة للتقدُّم المادي الذي لا ينتَسِب لحضارةٍ دون أخرى أو ثقافة بعينها، وسهل عليه إخفاء تحيُّزاته وميوله ونزعاته التي طبعت إنتاجه المادي والفكري، في هذا الجو قبلنا كلَّ ما أنتَجَه هذا الفكر الغربي والهزيمة النفسيَّة تملؤ حياتنا - على حَدِّ قول جلال أمين.

سارَ رجال الاجتماع في بلادنا وراء التقسيم المعروف لنظريَّات علم الاجتماع: نظريَّات الصراع، ونظريَّات التوازن، وتبايَنت رُؤَى باحِثِينا بين هذين الاتِّجاهين من النظريَّات.

في القاهرة والرباط وتونس وبغداد ودمشق واليمن ودول الخليج نشاط ملحوظ ومسموع لرجال الاجتماع، الذين يتأَرجَحُون بين هذين الاتِّجاهين، ينقلون هذه الأفكار، ويعرفون أنَّ دورهم هو دور النادل الذي يُقدِّم الطعام دون أنْ تكون له أيَّة مسؤوليَّة في ظهوره، فهم لم يُشارِكوا في صِياغَة هذه النظريَّات التي تبنَّوها ويُردِّدونها بشكلٍ آلي.

يُبرِّرون أخذَهم لهذه النظريَّات بأنَّ الحضارة الإنسانيَّة لا تتوقَّف عن المَسِير، ونحن نُعطِي لها ونأخُذ منها، ونستردُّ بعضًا من وَدِيعتنا، عندها وتحتَ هذا السِّتار شوَّهُوا الحقائق والتاريخ، فقالوا: إنَّنا أخَذنا من الإغريق فأبدَعنا حَضارةً عربيَّة إسلاميَّة زاهِرة، وإنَّه بإمكاننا أنْ نرسم خُطوات الحركة لمستقبَلنا في أيِّ اتِّجاهٍ نَشاء في ضَوْءِ ما نتعلَّمُه منهم.

النتيجة المُحزِنة التي وصَلنا إليها أنَّ كلَّ ما كُتِبَ عن مُجتَمعاتنا العربيَّة والإسلاميَّة انطَلَق من مَفاهِيم غربيَّة، وما كانت الماركسيَّة والدوركايميَّة والفيبريَّة والوظيفيَّة إلاَّ نِتاجًا لتاريخ المجتمعات الغربيَّة، وأصبَح تمركُزنا حولَ هذه المجتمعات واضحًا وبيِّنًا، تحرَّكت بحوثنا الاجتماعيَّة في ضوء هذه النظريَّات، وأضاعَ باحِثونا أوقاتهم وجهودهم في بحوثٍ مُنطَلقها أجنبي، فحصَّلوا الحاصِل وانقَطعتْ أنفاسُهم لإثبات بدَهِيَّات نائية منذ عهدٍ بعيدٍ، ونقَلُوا لمجتمعاتنا استِنتاجات تحقَّقت فِعلاً في مُجتَمعات أخرى وفي ظروفٍ مُتَبايِنة عن ظروفنا.

أقرَّ رِجال الاجتماع في بلادنا بهذه الحقائق الخمس، ولكنَّهم ما زالوا يأملون في أنَّ استِخدام علم الاجتِماع سوف يُمَكِّنهم من تحقيق أهدافٍ وأنماطٍ ثقافيَّة مُعيَّنة، ما زالوا يأملون من علم الاجتماع أنْ يُجِيبَهم عن كلِّ ما يتعلَّق بالعلاقات الاجتماعيَّة، والتنظيم، والتشريع، ومناهج التعليم، وإعادة صِياغة وبِناء العلاقات، والقِيَم، والنَّظرة إلى الحياة، ومواجهة كُلِّ المعوِّقات، والرَّواسِب، والمَشاكِل، وتشكيل وعْي الناس، إلى آخِر هذه القائمة من الأماني التي لم ولن تتحقَّق أبدًا!

العديد من رجال الاجتماع في بلادنا تعلَّموا في الولايات المتَّحدة، وعادوا إلينا بهذه الأماني، ذهَبُوا إليها على أنها البلد المسؤول عن التقدُّم العلمي في كثيرٍ من ميادين العلوم الاجتماعيَّة المطلوب تحقيقها في بلادنا، لننظُر ما يقوله الأمريكيُّون أنفسهم.

يقرُّ الأمريكيون أنَّ الآلاف المؤلَّفة من البحوث الاجتماعيَّة التي أجروها ونشَرُوها لا قِيمةَ لها من وجهة النظر العلميَّة، وأنها لم تُضِفْ جديدًا إلى رصيد المعرفة الإنسانيَّة، إنهم يُنفِقون ملايين الدولارات على البحوث الاجتماعيَّة، ويُشَجِّعون الباحثين الاجتماعيِّين بالمِنَح الضَّخمة، وينتَهِي كُلُّ ذلك إلى رُكامٍ من الحقائق الجزئيَّة التي لا رابط بينها.

يعتَرِف الأمريكيُّون بحِرصِهم على الوضعيَّة المتعصِّبة، وبأنَّهم يفضلون المفاهيم عن القِيَم الدائمة، وأنَّ الكثير من الذي يدرس في علم الاجتماع غير ذي فكر عميق، يقول القليل عن أيِّ شيءٍ يتعرَّض له، وأنَّه أشبَه بِحَوْضِ فقَّاعات كبير مقبول ظاهريًّا، لا يدخُل أيٌّ من موضوعاته تحت إطار التحقيق العلمي المُعتَنَى به، كُتُبُ المداخل في علم الاجتماع تجمع رَطانات عديدة، والقليل منها هو الذي يُعطِي تفسيرات منطقيَّة جادَّة.

يُقِرُّ العُلَماء الأمريكيُّون بأنَّ علم الاجتماع الأمريكي يُعانِي من فقرٍ في استِخدام الحقائق والخِبرات الحياتيَّة، والافتِقار إلى الارتِباط بالأحداث الكُبرَى المهمَّة، وأنَّه يُعبِّر عن خِبرة المجتمعات الأوربيَّة أكثر ممَّا يعبِّر عن خبرة المجتمع الأمريكي نفسه، يَقوم علم الاجتماع الأمريكي على حِسابات رياضيَّة، ويُهمِل التحليل، ويَجمَع الحقائق طِبقًا للمفهوم الشعبي والتفسيرات الشعبيَّة، توسَّع الأمريكيُّون في إعداد عُلَماء اجتِماعٍ، ولم يصاحب ذلك ارتِفاع في المستوى العلمي، هناك أكثر من عشرة آلاف عالم اجتماع أمريكي، لكلٍّ منهم علم الاجتماع الخاص به.

هذه هي اعتِرافات عُلَماء الاجتِماع الأمريكيِّين، فماذا يقول رجالنا الذين تخرَّجوا من تحت أيديهم؟

الماركسيَّة سقطَتْ في مهدها، لكنَّ الماركسيين في بلادنا باقون، وأبلَغ ردٍّ عليهم هو سقوط أيديولوجيَّتهم جِهارًا نَهارًا، ورغم ذلك ما زالت عندهم قَناعة بها، يَرفُضون الدِّين والعقيدة، يَنظُرون إلى العقيدة على أنَّها جامدة سرمديَّة، المتديِّنون عندهم يُخفون رُوحًا عدوانيَّة، ويستَخدِمون قُوى اجتماعيَّة وسياسيَّة يحمون بها مَصالِحهم، يُفرِّقون بين ما يُسمُّونه بالثقافة العربيَّة وبين الثقافة السائدة التي يقصدون بها الإسلام، يؤمنون بالأولى، أمَّا الثانيَّة فهي عندهم دخيلة ومرفوضة، اضطرَّ مجتمعنا إلى قبولها بوعيٍ وبلا وعيٍ، وسَّعوا مفهوم التُّراث حتى لا يُفهَم منه مجرَّد الدين والعقيدة، وليميِّزوا بين ما يُسمُّونه بالأصيل والدَّخيل من التُّراث، رغم أنَّ كلَّ همِّهم هو كسر احتِكار الفكر الغربي وعدم التقيد بمفاتيح التحليل الغَربي، فإنهم يعتَبِرون أنَّ المعركة الحقيقيَّة لهم هي مع الإسلاميِّين التي ستنتَهِي عندهم إمَّا بانتِصارهم أو انتِصار خصومهم.

الماركسيَّة - كما يقول (جرامشي) -: نظريَّة فلسفيَّة عن العالم، تضمُّ العناصر الأساسيَّة الضروريَّة لإقامة تصوُّر كلي وشامِل عن العالم، وهي في نظره فلسفة شاملة ونظريَّة موجهة، وقانون لكلِّ ما يحتاجه المجتمع لكي يُحقِّق تنظيمه المنشود، ورسالتها المقدَّسة إقامة حضارة جديدة.

يُفرِّق الماركسيُّون في بلادنا بين الماركسيَّة وعلم الاجتماع الماركسي، وإنْ كان بعضهم لا يعتَرِف بالأخير، المهمُّ هنا أنْ نبيِّن الآتي:

إنَّ أحدث ممثِّلي مدارس علم الاجتماع مثل: (هايبرماس) و(فيلمر)، قد تخلَّوا عن الماركسيَّة، أمَّا (كورش) الذي كان قد صاغَ المبادئ الأساسيَّة للعلاقة بين الماركسيَّة والنظريَّة الاجتماعيَّة المعاصرة في مقالٍ شهيرٍ له في عام 1937 فقد تخلَّى عن الماركسيَّة في أواخِر حياته، وقال ما نصُّه: "لم يعد من المفيد الآنَ طرح قضيَّة الصدق النظري لكتابات ماركس وإنجلز؛ ذلك أنَّ كلَّ المُحاوَلات التي سعَتْ إلى إعادة صِياغة النظريَّة الماركسيَّة على نحوٍ تتَلاءَم مع أهداف ثورة الطبقة العامِلَة قد باءَتْ بالفشل".

كما اعتَرَف بعضُ الباحِثين الماركسيِّين من رجال الاجتماع في بلادنا بالآتي:
1- أنَّ الفكر الماركسي قد عجز عن مُلاحَقة التغيُّرات المتلاحقة، ومن ثَمَّ فقَدتْ مفاهيمه وتصوُّراته قدرتَها على تفسير المواقف المختلفة.

2- أنَّ السبب في جمود الفكر الماركسي يعود إلى ضِيق نطاقه وجمود مفاهيمه ومقولاته.

ومثال ذلك الآتي:
أولاً: إنَّ علم الاجتماع الماركسي فشل في تفسير التغيُّرات التي طرأت على البناء الاجتماعي في البلاد الرأسماليَّة؛ حيث تطوَّر النظام الرأسمالي في غير الاتِّجاه الذي تنبَّأ به ماركس.

ثانيًا: إنَّ علم الاجتِماع الماركسي قد عجَز عن فهْم التغيُّرات التي حدَثتْ في المجتمعات الاشتراكيَّة ذاتها، والتي يخضَع الاقتِصاد والصناعة فيهما لسَيْطرة الدَّولة، فأدَّى هذا إلى الشكِّ في الأهميَّة التي أعطاها ماركس للملكيَّة الخاصَّة.

ثالثًا: عجز علم الاجتماع الماركسي عن فهْم قضيَّة استغلال الدُّول المتقدِّمة للدُّول المتخلِّفة، فبالرغم من أنَّ شعوب العالم الثالث تمثِّل بروليتاريا عالميَّة، وأنَّ الطبقة العاملة في الدُّول المتقدِّمة تشكِّل طَلِيعة النِّضال عند ماركس - فإنَّ الأخيرة تُشارِك في عمليَّة استِغلال قرينتها في هذه الدُّول المتخلِّفة.

ورغم هذا الفشَل على المستوى النظري والعملي محليًّا ودوليًّا، فما زالوا يَأمُلون في انتِصار شَعوَذتهم.
----------------------------------------------
[1] انظر تفاصيل ذلك في مقالات رجال الاجتماع في بلادنا في كتاب: "الدين والمجتمع العربي"، الذي أصدَرَه مركز دراسات الوحدة العربيَّة في بيروت عام 1990.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{الألوكة}
ـــــــــــ

عبدالناصر محمود
10-09-2014, 07:40 AM
اعترافات علماء الاجتماع في بلادنا
ـــــــــــــــــــ

اعترافات علماء الاجتماع
---------
الحلقة الثانية
-----------
اعترافات علماء الاجتماع في بلادنا[1]
-----------------------

هذه اعتِرافاتٌ لرجال الاجتماع عن حَقِيقة وأَوْضاع علم الاجتماع في بلادنا، كتَبُوها بأقلامِهم، وننقلها عنهم دُونَ إضافةٍ أو نقصٍ.

يقولُ محمد عزت حجازي - الخبير بالمركز القومي للبحوث الاجتماعيَّة والجنائيَّة بالقاهرة -:
1- "إنَّنا لا نُنتِج علمًا حقيقيًّا؛ وإنما نستَورِد ونستَهلِك دون تبصُّر، ونخلط في ذلك بين ما يُمكِن أنْ يفيد وما لا غناء فيه"، صـ15.

2- "يجبُ أنْ نُسلِّم بحقيقةٍ بسيطةٍ ومهمَّة، وهي: أنَّه لا يوجد شيءٌ اسمُه "علمٌ مُحايِد"، وإذا كان هذا يَصدُق على العلم بعامَّة، فإنَّه يَصدُق على علم الاجتماع بدرجةٍ أكبر"، صـ17.

3- "تحوَّلَ مُعظَمُ المشتَغِلين بعلم الاجتماع إلى مفكِّرين بأجرٍ، يبحَثُون ويدرُسون ويكتُبون في حُدود ما يُطلَب منهم، ويُؤجَرون عليه، وتردَّى بعضٌ منهم في الغَفلة دون قَصدٍ، وتَمادَى آخَرُون في السَّير في طريق الانتهازيَّة والوصوليَّة"، صـ18.

4- عن كتابات أصحاب ما يُسمَّى بعلم الاجتماع الإسلامي يقول عزت حجازي:
"ولكن مُعظَم ما يُكتَب في هذا الاتِّجاه تَغلُب عليه الضَّحالة، ويَكشِف عن شيءٍ غير قليلٍ من السَّطحيَّة والغَفلة، ولا يخلو الأمرُ في بعض الأحيان من الانتهازيَّة وتملُّق مشاعر الجماهير، بل المشاركة الواعية في تزييف الوعي".

5- مُعظَمُ ما عرَض له المشتَغِلون بالعِلم والدِّراسة والبحث موضوعاتٌ أو مشكلاتٌ يفتَقِر الكثيرُ منها إلى عُنصر المُعاصَرة؛ أي: إنَّه تقليديٌّ تجاوزَتْه حركة البحث والتفكير، هذا من ناحيةٍ، وهو من ناحيةٍ أخرى بعيدٌ عمَّا هو محوريٌّ في النظام الاجتماعي وحيويٌّ لحياة البشر"، صـ23.

6- بالنسبة لإشكاليَّة المنهج في علم الاجتماع في الوطن العربي، تَكمُن الأزمة في تصوُّرنا لا في نقص علميَّة العلم، وإنما في اختِيار مَداخل منهجيَّة قاصرة، واستعمال أساليب بحثٍ وأدوات جمْع معلومات مَعِيبة بطريقةٍ غير سليمة، وارتكاب أخْطاء كثيرة في مُمارَسة البحث، والتفريط في الوظيفة التنظيريَّة للعلم، هذا فضلاً عن شيءٍ غير قليلٍ ولا هيِّن من سُوء الفَهْمِ والخلط"، صـ25.

7- عن أدوات البحث الاجتماعي المستخدَمة في بلادنا يقول عزت حجازي:
"ومعروفٌ أنَّ تلك الأدوات تخضَعُ للنسبيَّة الحضاريَّة؛ أي: ترتبط قيمتها وجَدواها بالسِّياق الحضاري الذي تُعَدُّ وتُستَعمَل فيه أصلاً، ومن هنا يكونُ استِيرادُها من سِياقٍ حَضاري إلى آخَر، واستعمالُها بدون تعديلات جوهريَّة - أمرًا غير مقبول.

والقول الذي يتردَّد كثيرًا عن (تطويع) أدوات جمْع البيانات وتقنينها ليتوافَرَ فيها الصدق والثَّبات المطلوبُ توافُرُهما في أيَّة أداة مقبولة علميًّا - لا يَتجاوَز حُدودَ الكَلام والنِّيات إلا في حالاتٍ نادرةٍ، ويقتَصِر في الأغلب على بعْض الإجراءات الشكليَّة التي لا تُحقِّق شيئًا مهمًّا، ولا يَفطِن غير القليلين منَّا إلى أنَّ أدوات جمْع المعلومات ليست محايدةً على الإطلاق، وإنما ينطَوِي إعدادها واستِعمالها على أبْعادٍ أيديولوجية مهمَّة ومؤثِّرة، والخطير في الأمْر هو أنَّ مُعظَم عمليَّات البحث والكتابة في علم الاجتماع عندنا تقومُ على أساس تسليم غير صريح بأنَّ كُلاًّ من أطراف عمليَّة جمْع المعلومات (إنسان مجرد) بدون وعي ولا رَغبات، ولا إحباطات ولا تحيُّزات، وما إليها، ممَّا يُؤثِّر في عائد البحث"، صـ27.

8- عن ناتج الجهد في البحوث الاجتماعيَّة يقول عزت حجازي:
"... ولهذا تنتَهِي مُعظَم الدراسات والبحوث الاجتماعيَّة بعددٍ يكونُ هائلاً في بعض الحالات من الجداول، تتوزَّع فيها المعلومات أو المادة الميدانيَّة، ويُعلق عليها بوصفٍ مُوجَز يُلخص ما يتضمَّنه كلُّ جدول، وقد تُضاف فقراتٌ تُشِير إلى الاتِّجاهات العامَّة التي تنطَوِي عليها المادَّة الميدانيَّة، ويأتي ناتج الجُهد هَزِيلاً لا يُضِيف كثيرًا، وقد لا يُضِيف شيئًا إلى ما يَعرِفه الإنسان المثقَّف - بل العادي - عن موضوع البحث"، صـ28.

9- يردُّ عزت حجازي على الادِّعاء بأنَّ مشكلة علم الاجتماع في بلادنا تَرجِع إلى حَداثته، فيقول:
"... ففي رأي مَن يذهَبُون هذا المذهب أنَّه لَمَّا كان علم الاجتماع حديثَ النَّشأة في بلادنا؛ فإنَّه لا يستَطِيع أنْ يُؤدِّي دورًا مهمًّا، وتترتَّب على هذا نتيجةٌ، هي: أنَّ العلم سوف يستَطِيع بمرور الوقت أنْ يتغلَّب على المشكلات التي تعتَرِض مَسِيرته، ويكونُ أكثر كَفاءةً وفاعليَّة، ولكن تطوُّر عِلم الاجتماع في الوطَن العربي على مَدَى أكثر من نِصف قرن، وشواهد أخرى، لا يوحي بأنَّ الوقت هو سرُّ الأزمة"، صـ32.

10- عن رجال الاجتماع في بلادنا يقول عزت حجازي:
الكثيرون منهم يوجدون هنا - في بلادِهم - بأجسامهم، بينما يعيشون هناك - في الخارج - بأفكارهم وفهمهم وتطلُّعاتهم ونظرتهم إلى الحياة وغير ذلك، ولقد بلَغ اعتِماد بعض المشتَغِلين بعِلم الاجتماع في الوطن العربي على علم الاجتماع الأوربي الغربي المثالي - والأمريكي بخاصة - سواء في مرحلة إعدادهم الأكاديمي، أو في مرحلة ممارستهم لنشاطهم في التدريس والبحث والكتابة - حدَّ التوحُّد معه، لا عن تقديرٍٍ موضوعي لقِيمته وإفادةٍ واعية منه؛ وإنما عن شُعورٍ بالنقص حياله"، صـ35.

هذه هي أهمُّ اعتِرافات عزت حجازي عن أوضاع علم الاجتماع ورجاله في بلادنا، وعن البُحوث الاجتماعيَّة فيها، أمَّا عن حقيقة اتِّجاه عزت حجازي، فهو ماركسي التفكير، علماني النَّزعة، يرى أنَّ (العلمانية) هي أيُّ قيمةٍ يجبُ استِيعابها من تراث الحضارة الأوروبيَّة، مُعادٍ للدِّين، يَرفُض أيَّ هجومٍ على النظريَّات الغربيَّة التي يرى أنها قدَّمت أعمق التحليلات عن تخلُّف الوطَن العربي وتبعيَّته، ويرى أيضًا أنَّ مُعظَم النظريَّات الغربيَّة تَحوِي تجارِب ودُروسًا بالغة الثَّراء والفائدة، وأنَّ تراث أوروبا الغربيَّة لا يحقُّ أنْ يكون ملكًا للأوروبيين وحدَهم، وأنَّ العموميَّات التي تجمَعُ بين المجتمعات البشريَّة تسمَحُ لنا باستِخدام مَقُولات وأفكار وأدوات الغرب، (ص38، 41).

لم يقرَّ (حجازي) بأنَّ النظريَّات الغربيَّة التي قدَّمت في نظره أعمقَ التحليلات عن تخلُّف الوطن العربي - لم تُصمَّم في الأصل لتحليل المجتمع العربي ودِراسته بقدْر ما كانت قد وُضِعتْ لتفسير جُمود المجتمع العربي والمجتمعات الشرقيَّة عُمومًا، مُقابِل ديناميَّة المجتمع الغربي وفاعليَّته.

نظَر الغربيُّون إلى مظاهر حَضارتنا على أنها بَقايا أو فَضلات باقية من الماضي، وخاصَّة (القبيلة والدِّين)، ورغم هذا، فإنَّ "حجازي" قد استَلهَم مفاهيم وادِّعاءات هذه النظريَّات وقَبِلَها، رغم قُصورها وأخطائها، (خلدون النقيب صـ220، 221).

أمَّا عن الاتِّجاه الماركسي لعزت حجازي، فيتجلَّى بوضوحٍ في قوله:
"ومطلوبٌ منَّا ثانيًا أنْ نختار مُنطَلقًا أيديولوجيًّا قادرًا على أنْ يُساعِدنا في أداء عملنا بكَفاءة، وفي تصوُّرنا أنَّ الاتِّجاه الصراعي والمادي التاريخي بعامَّة يُلائِمنا أكثر من غيره، لا في صُوَرِه الكلاسيكيَّة، وإنما في صِيَغٍ أو تركيباتٍ جديدة كفُؤة"، صـ42.

ثانيًا: علي الكنز أستاذ علم الاجتماع بجامعة الجزائر:
1- عن تبعيَّة علم الاجتماع في بلادنا لعلم الاجتماع الغربي والماركسي، وعن ترديد النظريَّات الصادرة من الخارج في جامعاتنا بشكلٍ آلي، يقول الكنز:
"إذا أردنا تَقويمَ المُمارَسات السوسيولوجية الحاليَّة في بلادنا، أمكننا وصفها بتبعيَّتها الأساسيَّة للسوسيولوجيا الغربيَّة، يمكن أنْ نؤكِّد هذه الحقيقة دون خوفٍ، وقد انسَحَب هذا الحُكم علينا سابقًا، تأخُذ هذه التبعيَّة أشكالَ التَّكرار والتقليد، سواء أكان هذا التقليد واعيًا أم غير واعٍ؛ ممَّا يُؤدِّي إلى انعِكاس، أو بالأحرى انحِراف قَضايا وإشكاليَّات العالم الغربي داخل البِنَى الثقافيَّة والاجتماعيَّة لعالَمنا... وفيما يتبدَّى تأثير النظريَّات الإنكلوساكسونيَّة في المشرق، نُلاحِظ أنَّ السوسيولوجيا الفرنسيَّة هي التي تُسَيطِر على المغرب، علمًا بأنَّ التقارُب الجغرافي والثقافي للمغرب مع العالم الغربي يُسَهِّلُ له إقامةَ علاقات مباشرة وعميقة مع النظريَّات التي تَتطوَّر هناك وتزدَهِر، ومن ثَمَّ في القاهرة، كما في الرباط، كما في الجزائر وتونس، نظريَّات دخيلة من إنتاجٍ غربي، وغير مُعدَّة لتُلائِم البيئة الاجتماعيَّة المحليَّة، وهكذا نرى نظريات الوظائفيَّة والبنيويَّة ومختلف الماركسيَّات الصادرة عن باريس وموسكو وفرانكفورت، والمنحى الثقافي وعلم الاجتماع البيولوجي وغيرها أيضًا من التيَّارات الفكريَّة التي ظهَرتْ على الأرض الأوربيَّة انطِلاقًا من إشكاليَّات لها خُصوصيَّتها، نرى هذه النظريَّات قد نُقِلت كما هي إلى الجامعات العربيَّة لتردد فيها بشكلٍ آلي، فيبدو كما لو أنَّ الممارسات السوسيولوجية في بلادنا قد اقتَصَر دورُها على أنْ تكون محطَّات وساطة للنظريَّات الغربيَّة؛ أي: أنْ تقوم بالدور السلبي الذي يعودُ للمقلِّد - كما هو حال الأطفال مع الكبار - هذا هو الدور الذي تُقلِّده بلادنا في مَجالات أخرى كمَجالات نقْل التكنولوجيا مثلاً"، صـ100.

2- يعتَرِف الكنز بأنَّ النظريات الغربية لم تعطنا الأدوات اللازمة لمعالجة قَضايا واقِعنا، وبأنَّ البُحوث الاجتماعيَّة في بلادنا عقيمةٌ يُعاد تركيبُها في إشكاليَّات مُصطَنعة لا تُلائِم الواقع، فيقول:
"ويُواجِه عُلَماء الاجتماع في بلادنا المسائل الصَّعبة ذاتها التي يُواجِهها الصناعيُّون في مجالهم، التي تتعلَّق بالتنظيم الاجتماعي للمصنع المستورد، كما تتعلَّق بتأمين صِيانة الآلات، التي يَنشَأ منها حالةٌ من التبعيَّة للمُختصِّين الأجانب، لقد جعلَتْنا إيجابيَّتنا تجاه النظريَّات السوسيولوجية الغربيَّة نُتقِن التعليمَ في هذا المجال، إلاَّ أنها لم تُعطِنا الأدوات اللازمة لِمُعالَجة قَضايا واقعنا الذي يختَلِف في تكوينه، ويزيد تعقيدًا على واقع المجتمعات الغربيَّة؛ لذا تَبقَى الأبحاث المحليَّة - باستِثناء بعضها القليل - عقيمةً؛ إذ تُؤدِّي في أحسن الأحوال إلى تجميع طائفةٍ من المعلومات التجريبيَّة يُعادُ تركيبُها في إشكاليَّات مُصطَنعة لا تُلائِم الواقع، لقد بَرهَنت التجرِبة أنَّه من الصَّعب استِعمال أدوات تحليل مُستَوردة من حَضارةٍ أخرى في بحوثٍ محليَّة"، صـ100.

3- عن عدم ملاءمة النظريَّات الغربيَّة لبيئتنا، وعن خطَأ رِجال الاجتماع في بِلادنا في نقلها إلينا دون النظَر إلى خصوصيَّة هذه النظريَّات، يقول الكنز:
"وبالفعل فإنَّ علاقتنا بالنظريَّات الغربيَّة، كأيَّة علاقة وضعيَّة براجماتيَّة (ذرائعيَّة) لا يمكن أنْ تُؤدِّي إلى النتائج التي توصَّلت إليها النظريَّات الغربيَّة، وهي نتائجُ غيرُ ملائمةٍ لبيئتنا، كونها جُرِّدت من إطارها الاجتماعي والتاريخي وانفَصلت عن مسار تكوينها المعرفي... فكلُّ النظريَّات الغربيَّة قد نتجَتْ عن علاقتها بالعاملَيْن التاليَيْن: خصوصيَّة مجتمعاتها وقضاياها الاجتماعية والتاريخية من ناحية، والحقل المعرفي الذي نَمَتْ بداخله وطوَّرت قَضاياها النظريَّة المحدَّدة.

يكمن خطأ علماء الاجتماع العرب - في نظَرنا - في اعتِقادهم أنَّه من الممكن استيراد نظريَّات الغرب بغَضِّ النظَر عن ارتباطها بهذين العاملين، خطَأٌ فادح يمكن اعتباره (الْتباسًا تاريخيًّا حقيقيًّا) صـ 100-101.

4- عن تطوُّر تاريخ العلوم الاجتماعية المختلف عن تطوُّرها في الغرب، وعن تنظيم جامعاتنا على صُورة النموذج الغربي، وعن انتِهاج رجال الاجتماع في بلادنا نهجَ (نقل المعرفة) التي تحصَّل عليها الغرب في قرنين من الزمان إلى جامعاتنا لردْم الهوَّة بينهم وبين الغرب، وعن تشدُّد رجال الاجتماع العرب في الارتباط بالنظريَّات المنقولة أكثر من أصحابها، يقول الكنز:

"عرَف تاريخ العُلوم الاجتماعيَّة في البُلدان العربيَّة تطوُّرًا مختلفًا كلَّ الاختلاف؛ عملتْ هذه البلدان في حقبةٍ تاريخيَّة لاحِقة، وبعد أنْ حازَتْ على استِقلالها - على تشييد جامعات حديثة نظَّمَتْها على (صورة النموذج الغربي)، ووجد عُلَماء الاجتماع العرب أنفسهم أمام تأخُّر كبير في التحصيل العلمي، فعمدُوا كزُمَلائهم في المجالات العلميَّة الأخرى، إلى انتِهاج طريق (نقل المعرفة)، هذه المعرفة التي حصَّلَها الغرب طوال قرنين من البُحوث، وقد شملت هذه العمليَّة كلَّ البلدان العربيَّة بأشكالٍ وأوتارٍ مختلفة، إلا أنها كلها اتَّصفت بالميزات الثابتة التالية: إنَّ هذا النقل الذي تَمَّ في مناخٍ من الفَوضَى لم (يتمشكل) ضِمنَ تحديدٍ بعيد النظَر في تفسير مختلف النظريَّات، وبناء المفاهيم في ضوء الواقع المحلي... وإذ وجَدُوا أنفسهم أمام مفاهيم ونظريَّات ضعيفة التأثير لكونها مستوردةً ومقطوعةً عن جذورها الاجتماعية والتاريخية، وعن مَسار تكوينها الإبستمولوجي والزمني، لَجَأَ هؤلاء المستوردون إلى تَشوِيه الحقائق أحيانًا لتَطوِيعها وفْق الأفكار المقتبسة، ممَّا أدَّى بهم إلى علاقة دوغماتية (قطعيَّة) بموضوعهم، من هنا وتأكيدًا لمقولة: (ملكي أكثر من الملك) نجد ماركسيِّي القاهرة مثلاً أكثر قطعيَّة من نظرائهم الباريسيِّين، ونجد أتباع النظريَّة الوظائفيَّة في الرباط أكثر تشدُّدًا من صاحِبها في نيويورك"، صـ102.

5- يعترف الكنز بأنَّ ما يدورُ من نِقاشاتٍ في حقل علم الاجتماع في بلادنا هو نِتاجٌ للتَّجارب العمليَّة التي جرت في الغرب، فيقول:
"تُقدِّم معظم النقاشات التي تَدُورُ في الأجواء السوسيولوجيَّة العربيَّة مفاهيمَ ومواضيع نظريَّة، غالبًا ما تكونُ نتاجًا للتجارِب العمليَّة التي جرَتْ في الغرب"، صـ105.

علي الكنز ماركسي التفكير، يفهَمُ الدِّين في ضوء نظريَّة الصِّراع الطبقي، وهو مُعادٍ للدِّين، ينظر إليه على أنَّه انعكاسٌ لبُؤس العالم وشَقائِه، ويعتبر أنَّ الفكر العقلاني هو تعبيرٌ عن حيويَّة الوعي الجماعي الذي يَعكِس تطوُّر العالم وازدِهاره، من أشهر مقولاته المعادية للدِّين:
"علينا تركُ الاعتقاد بالدِّين؛ لأنَّه لم يُبَرهن على أنَّ الدِّين أصبح بمثابة رؤيةٍ للعالم أو كَثافة، فهو وظيفةٌ عكسيَّة للتطوُّر التاريخي والاجتماعي".

(انظر: علي الكنز، "الإسلام والهوية، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1990، صـ91-109).

ثالثًا: سالم ساري، مدرس علم الاجتماع بجامعة الإمارات العربية المتحدة:
1- عن سَيْطَرة المفاهيم الغربيَّة على فِكر رجال الاجتماع في بلادنا، وعن عدَم نَجاحهم في تطوير مفاهيم أصيلة لتحليل واقع مجتمعاتنا، يقولُ سالم ساري:
"يكتب رجال الاجتماع العرب والمفاهيمُ التحليليَّة الغربية تَطغَى على مُحِيطهم الفكري، فلم يُطوِّروا إلاَّ قليلاً من المفاهيم التحليليَّة الأصليَّة التي تساعد على فهْم الواقع الاجتماعي العربي وتتوجَّه إلى تغييره، ولم يظهَرْ لسنواتٍ طويلةٍ في التراث العربي لعلم الاجتماع فيما يتَّصل بالمشكلات الاجتماعيَّة التقليديَّة على الأقل إلاَّ تطابقٌ مع المفاهيم النظريَّة الغربيَّة بِمُسلَّماتها وافتِراضاتها وارتِباطاتها"، صـ187.

2- عن معالجة رجال الاجتماع في بلادنا مشكلات مجتمعاتنا في ضوء المفاهيم الغربيَّة التي تجمَّدت في بلادها، يقول ساري:
"وقد أخَذ الاجتماعيُّون العرب مفهوم (المشكلات الاجتماعية) كما تجمَّد في المجتمعات الغربيَّة الصناعيَّة... فلم تخرُج إشكاليَّات البحوث العربيَّة بذلك عن أنماطٍ سلوكيَّة، وأفعال انحرافيَّة، وقيمٍ باثولوجية، أو ظواهر مشكلة قابلة للملاحظة والقياس كاختلالات فرديَّة، واختلافات ثقافيَّة، أو وصمات اجتماعية"، صـ192.

3- عن عدَم وُضوح الرؤية في النظرية والمنهج عند رجال الاجتماع في بلادنا، يقول ساري:
"إنَّ الاجتماعيين العرب يُعانون من عدم وضوح الرؤية في النظرية وفي البحث المنهجي، فهم يَمِيلون في مُعظَم الأحيان إلى نقْد كلِّ ما يُطرَح في المجتمعات الغربيَّة دون التوصُّل إلى نظريَّةٍ للمجتمع العربي، وإنَّ إشكاليَّات بحوثهم تَكمُن في أنها لا تمتُّ بصلةٍ إلى الواقع المجتمعي العربي"، صـ383.

4- عن نقْد رجال الاجتماع في بلادنا للنظريَّات الغربية مع استمرار الاعتماد عليها اعتمادًا كليًّا، يقول ساري:
"كثيرًا ما يصبُّ رجال الاجتماع العرب نقدَهم على النظريَّات والمفاهيم التحليليَّة الغربيَّة؛ بدعوى أنها نائيةٌ وسحيقة، صُنِعتْ لعالمٍ غير عالمهم، ولا تحمل إلا صلة قليلة فقط لواقعهم الاجتماعي المَرِير، وفي حين لا يمكن الإنكارُ أنَّ المجتمعات العربيَّة - كغيرها من مجتمعات العالم الثالث - تخبر مشكلات ذات تعريفات ومصادر ومصاير مغايرة، فإنَّ رجال الاجتماع العرب لم يُقدِّموا البديلَ الجديَّ، نظريًّا ومنهجيًّا لدراسة حَقائق مشكلاتهم العربيَّة، ومن المفارقات العجيبة أنْ يستمرَّ وعيُ رجال الاجتماع العرب بقُصور هذه النظريَّات الغربيَّة جَنبًا إلى جنب مع استِمرار الاعتماد عليها بصورةٍ كليَّة أحيانًا في بحوثهم ودراساتهم العربيَّة"، صـ45.

5- عن عدَم اكتراث رجال الاجتماع في بلادنا بقِيَمِ وتقاليد مجتمعاتهم، ونَظرتهم لها على أنها عاداتٌ وتقاليد جامدة، وتفسيرهم للمشكلات الاجتماعيَّة في ضوء عَقائِدهم ومَصالِحهم الضيِّقة، يقول ساري:
"وستظلُّ المشكلات الاجتماعيَّة تعني بذلك أحكامًا قيميَّة، وتقويمات فنيَّة يُطلِقها مُعرِّفوها ودارسوها وخُبَراؤها على ما يعتَرِي النِّظام الاجتماعي والسياسي القائم - لا تعكس إلاَّ قيمهم وعقائدهم ومصالحهم الضيِّقة، ما لم يتمَّ الرُّجوع في تعريفها وتحديدها إلى أفراد المجتمع العاديين، الذين لا تُعرَف أيُّ مشكلات مجتمعيَّة فعليَّة إلا بهم، وقد لا يُعنَى كثيرٌ من دارِسي علم الاجتماع بالقِيَم المجتمعيَّة الراسخة، شيئًا أكثر من عادات وتقاليد ونُظُم جامدة، تحجب عنهم رؤية التناقُضات والمتغيِّرات والتحوُّلات التي تقَع داخل مجتمعاتهم"، صـ14.

رابعًا: محمد شقرون الأستاذ بكلية الآداب بالرباط بالمغرب:
يعدُّ (محمد شقرون) مثالاً بارزًا لرجال الاجتماع الذين يُهاجِمون استِخدام المفاهيم الغربيَّة مع استمراريَّة الاعتماد عليها في الوقت نفسه، كما أشرنا إلى ذلك في البند الرابع عند سالم ساري، ويتَّضح ذلك من الفقرة الآتية التي ناقَض فيها شقرون نفسه بعد سطْر واحدٍ ممَّا كتبه! يقول شقرون:
"كما أنَّه لا يصلح كذلك قبول الألفاظ المرجعيَّة للآخَرين التي تُؤدِّي بنا إلى ميدانهم الخاص لكي نَخضَع لِمُنطَلقهم الخصوصي في معركةٍ نكونُ الخاسِرين فيها مسبقًا، يجدر بنا - حسب رأيي - أنْ نتكلَّم فيما يتعلَّق بالمجتمعات العربيَّة عن (الأنوميا) عوض الأزمة"، صـ68.

يُهاجِم محمد شقرون تمسُّك العرب بالحِفاظ على أعراضهم وشرفهم، واهتمامهم بتهذيب أخلاقهم بالتمسُّك بالسلوك القويم حسب التقاليد، ويدعو إلى قَطِيعة الماضي، بل فقدان الذاكرة فيما يتعلَّق به، يُطالِبنا بإعادة النظَر فيما يُسمِّيه بالنظام القديم، وفي كلِّ التصانيف التي يقومُ عليها (صـ70، 71)، وهو رجلٌ ماركسيُّ التفكير، مُعادٍ للدِّين، ينادي بالتصادم معه، والسعي نحو تفكيكه، وجعله موضوعًا للبحث العلمي والتاريخي، (انظر محمد شقرون، الظاهرة الدينية كموضوعٍ للدراسة، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1990 صـ127-136).

خامسًا: غالي شكري، وهو رجلُ اجتماعٍ مصري:
غالي شكري ماركسي التفكير أيضًا، اعتَرَف بأنَّ رجال الاجتماع في بلادنا يستَورِدون العلم الاجتماعي كما يستَورِدون قطع غيارات السيارات، كما يعتَرِف بغِياب الرُّؤية النقديَّة عندهم، وباستخدامهم لأدوات المناهج الغربية التي لا تولد إلا نفس النتائج التي توصَّل إليها الغرب كذلك، أقرَّ غالي شكري بعدم حياديَّة الفكر الاجتماعي، وكشف عن عدَّة نقاطٍ مهمَّة:
الأولى: أنَّ رجال الاجتماع في بلادنا حاوَلُوا فهْم التيَّارات الإسلاميَّة بمنهج غربي فسَد في بلاده أصلاً، وأنَّ هناك العديد من الكتب التي كُتِبت باللغة الفرنسيَّة عن الجماعات الإسلاميَّة المعاصرة في مصر، وأنَّ هذه الكتب سوف تَتحوَّل بالضرورة إلى مَصادِر للباحثين العرب الشباب في بلادهم أو في الغرب.

الثانية: هي أنَّ محاولة التوفيق بين الإسلام والغرب سوف تنتَهِي إلى أنْ يُصبِح الغرب هو المنهجَ، والمجتمعات الإسلاميَّة هي مادَّةَ التحليل.

الثالثة: إنَّ التفاعُل مع الغرب قد أثمر في نظَرِه أينع الثمار، التي يضْرب لها مثالاً بكتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي"، فكشَف بذلك عن أنَّ العداء للإسلام، والسعي نحو فهمه على الطريقة الغربيَّة هو أحد أسباب تمسُّك رجال الاجتماع بالمنهج الغربي.

الرابعة: أنَّ الخبراء الاجتماعيين العرَب يشغَلُون مناصب مرموقة في الهيئات العربيَّة والدوليَّة، ويتقاضون رواتب كبيرة من أجل خِدمة أهداف هذه الهيئات ذات الطابع الأيديولوجي (صـ83-97).

سادسًا: حيدر إبراهيم، المحاضر السابق في قسم الاجتماع بجامعة الإمارات العربية المتحدة:
أكَّد حيدر إبراهيم ما أشرنا إليه سابقًا على النحو التالي:
1- عدم حياديَّة علم الاجتماع، وأنَّ العلوم الاجتماعيَّة علوم عقَدِيَّة، وأنَّ الباحث فيها لا ينفَصِل عن ظُروف حَياته، ومُعتَقداته، وطَبقته، وعضويَّته في المجتمع.

2- أنَّ أصحاب ما يُسمَّى بعلم الاجتماع الإسلامي - باستثناء من لهم قَناعات إسلامية واتِّساق فكري - يجمَعُون ما لا يأتلف، شديدو العموميَّة، يضعون المشروع القديم في أكوابٍ جديدة لا يُغيِّرون المضمون، يستَخدِمون المفاهيم الغربيَّة نفسها بوضع ملصقات جديدة عليها، أو إضافة كلمة "إسلامي" أو "مسلم" لهذه المفاهيم، يتحوَّلون في فترةٍ قصيرة من اتِّجاهات ومدارس متناقضة تمامًا مع هذا الاتجاه الجديد الذي تبنوه، تعجُّ مُؤلَّفاتهم بالأخطاء والمُغالَطات المنهجيَّة التي تَتعارَض مع مَنحاهم الجديد.

يُدافِع حيدر إبراهيم عن اتِّجاهه الماركسي، ويُشِير إلى بِدايات محاولات كسْر احتِكار علم الاجتماع الغربي للمنطقة العربيَّة، هذه المحاولات التي بدَأت بترجمة سمير نعيم وفرج أحمد فرج لكتاب أوسيبوف عام 1970، وتأييد عاطف غيث لهذه المحاولة بكتابته مقدمة الكتاب، التي يرى فيها أنَّ الماديَّة التاريخيَّة هي المنهج الأكثر مُلاءَمةً لفهم واقعنا الاجتماعي، يُشِير حيدر إبراهيم أيضًا إلى ترجمة كتاب نقد علم الاجتماع البورجوازي المعاصر، ثم لكتاب عبدالباسط عبدالمعطي (مطالعات نقدية في الاتجاه السوفياتي في علم الاجتماع عام 1977) صـ107-137.

يفهم حيدر إبراهيم الإسلامَ في ضوء المفاهيم الماركسيَّة، وآراء موللر وسبنسر وكونت ودوركايم وغيرتز وفيرث وورسلي ودومونت وطومسون وثربورن وستارك وجلوك وسبيرو وفوشتوانغ ودكسون والتوسير وماكس فيبر ونيدهام، لكنَّ المهمَّ هنا هو أنَّ حيدر إبراهيم من دُعاة ما يُسمَّى بلاهوت التحرُّر وتناقُض الثورة مع الدِّين، (صـ137، انظر كذلك الأسس الاجتماعية للظاهرة الدينية، الدين في المجتمع العربي صـ33-62).

سابعًا: أحمد مجدي حجازي، أستاذ الاجتماع بجامعة القاهرة:
من دُعاة المادية التاريخيَّة ومنهجها الجدلي، ينظُر إلى الدِّين على أنَّه خُرافة وتزييف، ويدعو إلى ما يُسمِّيه بالرؤية التقدميَّة التي تُحرِّر التراث وتُغَربِله ممَّا يُسمِّيه بالقَداسة والتوثُّن (صـ139-161).

ثامنًا: محمود الذواري، أستاذ الاجتماع بجامعة الملك سعود:
أقرَّ الذواري بطُغيان المدارس السوسيولوجية الغربيَّة على التكوين المعرفي لعُلَماء العرب المحدَثِين، لكنَّ الذي أضافَه الذواري هو إشارته إلى احتِقار رجال الاجتماع في بلادنا لتراثهم العربي، واعتقادهم بعدم تمشِّيه مع الحياة العصريَّة، يقول الذواري:
"لكنَّ أزمة المثقَّفين العرب لا تنتَهِي عند فقر أو عدم وجود أساسٍ لقاعدة تفكيرٍ اجتماعي؛ وإنما تتعدَّاه إلى تركيبتهم النفسيَّة (الشخصيَّة)، فمنهم مَن يميلُ إلى تحقير التراث العربي على العُموم؛ لأنَّه في نظَرِهم بعيدٌ عن أنْ يَتماشَى أو يَتلاءَم مع قَضايا الحياة العصريَّة"، صـ174.

تاسعًا: عبدالباسط عبدالمعطي، أبرز أعضاء حزب التجمُّع الشيوعي المصري، رئيس الجمعية العربية لعلم الاجتماع، وأستاذ الاجتماع بكلية البنات جامعة عين شمس:
اعتَرَفَ عبدالباسط عبدالمعطي بالآتي:
1- فقدان الثقة والفَجوة بين متَّخذي القَرار والمتخصِّصين في علم الاجتماع، وأنَّه قلَّما يُستَدعَي المتخصِّصون في علم الاجتماع للمُشارَكة في تحليل القَضايا التي تُواجِهها المجتمعات، أو حتى في حُدود البحوث التي تُجرِيها مؤسَّسات علميَّة رسميَّة، وأنَّ الإفادة منهم تكون في أضيق نِطاق (صـ201).

2- أنَّ رجال الاجتماع في بلادنا يَدرُسون القَضايا والمشكلات بعد حُدوثها وتضخُّم حجمها، وأنَّ معظم القضايا التي دُرست جزئيَّةٌ ومرتبطة بمشكلاتٍ اجتماعيَّة غير سويَّة (صـ202-203).

3- أنَّ النقل الذي يقومُ به رجالُ الاجتماع في بلادنا للفكر الغربي أو الشرقي - ليس نقلاً أمينًا ولا دقيقًا، وأنَّ النقد الذي ينقلونه ضد هذا الفكر نقلٌ حرفيٌّ؛ ممَّا يُخفِي الضعف المعرفي والفكري للمُشتَغِلين بعلم الاجتماع في بلادنا.

4- أنَّ شروط الإبداع عند رجال الاجتماع في بلادنا غير مُتوافِرة، (صـ206).

5- سَيْطَرَةُ المكتبة الغربيَّة على علم الاجتماع في بلادنا، وخاصَّة الفرنسية والأمريكية والإنجليزية، يقول عبدالمعطي:
"فأكثر من 90% من الترجمات هي عن هذا المصدر".

6- أنَّ المؤسَّسات الأمريكيَّة تقومُ بتدعيم وجود الفكر الغربي، ومنها مؤسسة فرانكلين بصفةٍ خاصةٍ، (صـ365).

7- أنَّ هناك بحوثًا مشتركةً بين جامعاتنا وهَيْئات أجنبيَّة تَتِمُّ لصالح الأمريكيين واليهود، ويُشارك فيها رجال الاجتماع في بلادنا، (صـ367).

يُدافِع عبدالمعطي عن تبعيَّته الشخصيَّة للفكر الماركسي وللنظام الاشتراكي العالمي، بقَناعته الأيديولوجيَّة بهذا الفكر، وبأنَّ أساليب النِّظام الاشتراكي لا تطلب تابعين، وأنَّ هذا النِّظام لم يسعَ إلى فرض التبعيَّة على المشتَغِلين بالعلم (صـ365).

يُحدِّد عبدالمعطي أوجُهَ الشَّبَه بين أصحاب الفكر الماركسي وبين ما يُسمِّيه بالتراثيِّين الجُدُد، ويرى أنَّ هناك أرضيَّة مشتركة بينهما، وأنَّ الصِّراع لن يكونَ إلا بينهما، وأنَّ هذا الصِّراع سيُفضِي إلى: "إمَّا سطوة أحدهما وغَلَبته مع بَقاء الآخَر، وإمَّا الوصول إلى تيَّارٍ نوعي جديد يخرج من صِراعهما"، صـ378.

عاشرًا: المختار الهراس، أستاذ الاجتماع بكلية الآداب بالرباط:
يرى الهراس أنَّ الطروحات الماركسيَّة تتضمَّن مع الإمكانات النظريَّة والمنهجيَّة البديل الأكثر مُلاءمة وقُدرة على الاستجابة لواقِع مجتمعاتنا، (صـ285).

حادي عشر: عبدالصمد الديالمي، أستاذ الاجتماع بفاس بالمغرب:
اعترف الديالمي بما يلي:
1- أنَّ رجوع رجال الاجتماع في بلادنا إلى ابن خلدون ما كان إلا مجرَّد عصًا سحريَّة تُغطِّي - عن طريق الوهم - غِيابَ العرب عن ساحَة عِلم الاجتماع، (صـ287).

2- أنَّ عِلمَ الاجتماع في المغرب كان في خِدمة الاستعمار الفرنسي ومخابراته، وأنَّه كان يَسعَى إلى إعادة تركيب حَياة المجتمع المغربي وتنظيمه، وتعميق الصِّراعات العرقيَّة بين العرب والبربر، والعمل على استِمرار الرَّواسب ما قبل الإسلاميَّة فيها على صعيد المعتقدات والمؤسَّسات والممارَسات، وتصوير الإسلام للبربر بأنَّه قوَّة استعماريَّة تسلَّطَتْ عليهم لتسلب منهم مُمتَلكاتهم وهُويَّتهم على وجْه الخصوص؛ ممَّا يُسهِّل الطريقَ لتنصيرهم؛ بالتأكيد على تجنُّب أسلمتهم وتعريبهم، ثم العمل على تَطوِيرهم نحو الثقافة الأوربيَّة.

3- ساعَد علم الاجتماع على تكوين طبَقة متوسِّطة بفضل التعليم، تتوجَّه إلى الوظائف العصريَّة، وتُدافِع عن قِيَمِ الحداثة في شَكلِها الغربي، وخاصَّة في مَجال اللباس والسُّكنَى وتحرير المرأة.

والديالمي من أتْباع الماديَّة التاريخيَّة ونظريَّة الصِّراع الطبقي، ويرى أنَّ ولادة علم اجتماعٍ مغربي مشروطٌ بإنتاج نظريَّة حول الأشكال المغربيَّة الخصوصيَّة للصِّراع الطبقي، (صـ287-307).

ثاني عشر: الطاهر لبيب، أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسيَّة:
أقرَّ الطاهر لبيب بما يلي:
1- أنَّ تاريخ علم الاجتماع في تونس يَبدَأ بأرسطو، ثم يمرُّ بابن خلدون ومونتسكيو وسان سيمون وروسو وماركس وبرودون ودوركايم ومارسال موسى وماكس فيبر، قبل الوصول إلى أهمِّ مدارس علم الاجتماع المعاصر في أهمِّ البلدان.

2- أنَّ المغرب العربي موضوعٌ مبجَّل لدى بعض علماء الاجتماع الفرنسيين، الذين واكَبُوا نَشأة قسم علماء الاجتماع في تونس.

3- أنَّ المؤلفات في علم الاجتماع في تونس تغلب عليها الثقافة الأوربيَّة - مع الهيمنة الفرنسية - وأنَّ اللغة الفرنسيَّة هي لغة أغلب المراجع.

4- أنَّ سمير أمين هو المرجع الأوَّل في تدريس علم الاجتماع في تونس، وأنَّ ماركس هو الإله الخفيُّ الذي يتغيَّر الموقف منه دون أنْ يُهمِله أو ينفَصِل عنه.

5- أنَّ الواقع المغربي يُفهَم دائمًا عبر قِراءات ماركسيَّة، (صـ309-329).

ثالث عشر: فوزي العربي:
يعتَرِف فوزي العربي بانعِكاس تبعيَّة رجال الاجتماع في بلادنا للفكر الغربي والماركسي على الطلاب، فيقول:
"الوضع الراهن لعلم الاجتماع في البلاد العربيَّة وضعٌ مؤسف إلى حدٍّ كبيرٍ؛ نظَرًا للتحدِّيات التي يُواجِهها، ونظرًا لأنَّ كثيرًا من الأساتذة متأثِّرون غالبًا بالنظريات الغربية والمستوردة والدخيلة على المجتمع العربي، فنجد أنَّ بعضَهُم يناصر في محاضراته ومؤلفاته المدارس الغربية في علم الاجتماع ويُؤيِّدها، ويتعصَّب لها أحيانًا، ويتأثَّرون في ذلك بما كتَبَه علماء الغرب في علم الاجتماع، ونرى البعضَ الآخَر يتمسَّك دائمًا بعِلم الاجتماع الماركسي، ويُؤيِّدون قَضاياهم بأفكارٍ راديكالية لا تمتُّ إلى مجتمعنا العربي الذي نعيشُ فيه بصلةٍ، والنتيجة عكسيَّة سواء من ناحية المسافات، أو من ناحية المناهج أو الموضوعات المطروحة في أقسام الاجتماع في الجامعات العربيَّة تنعَكِس على الطلاب بصفةٍ خاصَّةٍ؛ إذ نجدُ أنَّ الطالب المتخصِّص يتعرَّض لآراء المفكِّرين الغربيين أو الماركسيين، أكثر من تعرُّضه للفكر الاجتماعي عند العرب، وبعبارةٍ أخرى: فإنَّ علماء الاجتماع العرب يُعانُون من التبعيَّة الفكريَّة، ومُتأثِّرون بالنظريَّات المستوردة التي عاصَرُوها في مرحلة التكوين، وما زالوا يُكرِّسون أنفسهم لها"، صـ382.

رابع عشر: عبدالوهاب بوحديبة:
يتحدَّث بوحديبة في نفس القضايا التي تحدَّث عنها فوزي العربي، فيقول:
"لقد تأثَّرنا نحن من الغرب (بالموضات) الباريسيَّة؛ حيث يرتدون الفستان الطويل فنطول، ثم يقصرون فنتبعهم بذلك، يُنادون بالنمط الآسيوي للإنتاج، فنَنساق خمس سنواتٍ نبحَثُ في النمَط الآسيوي للإنتاج، ويقولون: (التبعية)، فندخل في مناقشة قضيَّة التبعيَّة، ثم يقولون: لا تبعية؛ ولكن هناك محاور ومراكز وهوامش، فندخُل في هذه المجادلات"، صـ384.

هذه هي حقيقةُ علمِ الاجتماع في بلادنا، أورَدْناها بأقلام أكثر من أربعة عشر رجلاً منهم:
إنهم يعتَرِفون بتبعيَّة علم الاجتماع في جامعاتنا للفِكر الغربي والماركسي، وبأنَّ رجالَه أكثر تشدُّدًا في تبعيَّتهم لهذا الفكر من أصحابه أنفسهم.

يعترفون بأنَّ علم الاجتماع ليس محايدًا، وبأنهم لا يُنتِجون عِلمًا حقيقيًّا، وإنما يستَورِدون ويستَهلِكون دون تبصُّر.

ناتج بحوثهم هزيلٌ، لا يُضِيف معرفةً إلى المعرفة القائمة عند المثقَّف أو الرجل العادي.

يَعِيشون في بلادنا بأجسامهم، أمَّا عقولهم وفكرهم ففي بلادٍ بعيدةٍ.

مُعظَمهم ماركسيُّون عقلانيُّون علمانيُّون، يتبنون الماديَّة التاريخيَّة والصِّراع الطبقي.

يُهاجِمون وينتَقِدون الفكر الغربي، ويعتَمِدون عليه في الوقت نفسِه، ويرَوْن أنَّه قدَّم أعمق التحليلات عن تخلُّف مجتمعاتنا وأصدقَها، وأنَّ النظريَّات الغربيَّة تَحوِي دُروسًا بالغة الثراء والفائدة.

يسلمون بأنَّ هذه النظريَّات لم تُعطِنا الأدوات اللازمة لِمُعالَجة واقعنا، وأنها تردَّد في جامعاتنا بشكلٍ آلي، وأنَّ جامعاتنا نُظِّمت على النموذج الغربي، وانتَهجَتْ طريق (نقل المعرفة) التي تحصَّل عليها الغرب في قرنَيْن من الزمان.

يُعالِجون مُشكِلاتنا الاجتماعيَّة في ضوء المفاهيم الغربيَّة التي تجمَّدت في بلادها.

ليس عندهم وضوحٌ في الرؤية ولا في البحث المنهجي.

يحتَقِرون تراث أمَّتهم ويَنظُرون إلى عاداتها وتقاليدها على أنها جامدةٌ.

لا تثقُ الدولة فيهم، ولا يُستعان بهم في اتِّخاذ القرارات المتعلِّقة بالقضايا المجتمعيَّة.

يتعاوَنُون مع المؤسسات الأجنبيَّة في تقديم ما تَحتاجُه من معلوماتٍ عن بلادهم.

هذا هو حال علم الاجتماع ورجاله في بلادنا!
-----------------------------------
[1] راجع: "نحو علم اجتماع عربي"، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1986.
---------------------------------------------------

عبدالناصر محمود
10-09-2014, 07:44 AM
علم الاجتماع: صياغة دينية لمعتوه فرنسي
ــــــــــــــــــــــ


اعترافات علماء الاجتماع
--------------------

الحلقة الثالثة
-------------

علم الاجتماع: صياغة دينية لمعتوه فرنسي
------------------------------

أوَّل ما يجبُ الإقرارُ به هو أنَّ علمَ الاجتماع بالمعنى الأكاديمي الحديث الذي يُدرَّس في جامعاتنا - بما فيها الجامعات الإسلاميَّة - هو أوروبي النَّشأة، تأسَّس على يد معتوهٍ فرنسي اسمه "أوجست كونت"، لا ارتباطَ له بالإسلام ولا بابن خلدون، وما يجبُ الإقرار به ثانيًا هو أنَّ أفكار علماء اجتماع الغرب التي تُدرَّس في جامعاتنا - بما فيها الجامعات الإسلاميَّة - لا تنفَصِل مُطلَقًا عن التيَّارات الفكرية والأخلاقية السائدة في بلاد الغرْب، وثالثُ ما يجب الإقرارُ به هو أنَّ الأنشطة الفكرية والنظريَّات الكبرى لعلماء الاجتماع تمَّت في أثناء أزماتٍ سياسية واقتصادية كانت المجتمعات الغربية تمرُّ بها، وكان على علماء الاجتماع أنْ يقدموا لمجتمعاتهم صِياغةً نظرية تُمكِّنهم من تَخطِّي هذه الأزمات.

ويعني هذا جميعُه أنَّنا لا شأنَ لنا في بلادنا بأفكار هذا المعتوه، ولا بالتيَّارات السائدة في العالم الغربي، ولا بأزماته التي مرَّ بها، لكنَّ رجال الاجتماع في بلادنا كانوا أكثر عتاهةً من (كونت)، فقَبِلُوا المقولات التي نشَأت وتطوَّرت في هذه المجتمعات ومع أزَماتها، برغم أنها تقومُ على مُسلَّمات تشكَّلت في ظُروفٍ تختلف تمامًا عن ظُروفنا، ولم يكنْ هناك من مُبرِّرٍ لقبول هذه المقولات واعتبارها مُسلَّمات.

نشَأ علم الاجتماع في مناخٍ وظُروف لا شأنَ ولا دَخْلَ لنا بها؛ دِين وكنيسة تدعو إلى الرهبانية، وتمحق الطاقات التي تُؤدِّي إلى المحافظة على النوع، حياة رجال الكنيسة مليئةٌ بالفواحش والمُنكَرات، استَحوَذَ عليهم الجشَعُ وحبُّ المال، انحطَّت أخلاقهم وأخلاق باباواتهم، يبيعون المناصب والوظائف كالسِّلَع، يُؤجِّرون الجنة ويُصدِرون صُكوك غفران في الوقت الذي كانوا يَأمُرون الناس فيه بالحِرمان باسم الدِّين، كنيسة أدخلت كثيرًا من الخُرافات على الدِّين، مَن لم يؤمن بها يُطرَد من رحمة الربِّ، منَعت الناسَ من البحث في فهْم الكتاب المقدَّس وتفسيره، ادَّعت آراء ونظريَّات جغرافية وتاريخية وطبيعية مليئة بالخُرافات والأخطاء عن الكون والإنسان والحياة، جعلَتْها مُقدَّسة لا تُناقَش ولا تُصحَّح ولا تُجرَّب، يَكفُر مَن لا يؤمن بها، وحينما انفجرت العقلية الأوروبية، وحطَّم العلماء قُيود الكنيسة، وأثبتوا خطأ هذه النظريات - ثارت الكنيسة عليهم، وعاملَتْهم كملحدين وزنادقة، وأنشَأت لهم محاكِم تفتيش عاقَبتْ ثلاثمائة ألف منهم، وأحرقت اثنين وثلاثين ألفًا أحياء، قتلت (برونو)، وأحرقت (جاليليو) وغيرهما من الناس والعلماء [1].

كان منطقيًّا إذًا أنْ يَثُور الناس على الدِّين والكنيسة، وأن يفصلوا بين الدِّين والحياة، وبين الدِّين والعلم، وبين الدِّين والعقل، وكان منطقيًّا أيضًا أن تصبح العقلانية والعلمانية هي دينهم الجديد، وأن يقيموا الحياة والعلم على أساسهما، ولكن ما لنا نحن ومال هذا كله؟! الدِّين والعلم في الإسلام متساندان، والدِّين والعقل في الإسلام مُتَسانِدان، والدِّين والحياة في الإسلام لا ينفَصِلان، لكنَّ الببغاوات في بلادنا راحوا يقلدون الغرب في كلِّ شيء، ويدخلون جُحر كلِّ ضب يدخله؛ ففصَلُوا بين الدِّين والحياة، والدِّين والعلم، والدِّين والعقل، وتكشف لنا الفقرة التالية لرجال الاجتماع في بلادنا قمَّةَ هذا العته الذي وصلوا إليه في تقليد الغرب.

يقول عزت حجازي: "فربط سِيادة الدنيويَّة (العلمانيَّة) بسِيادة مبادئ المنفَعَة واللذة ربطٌ ظالِمٌ، لقد خلَّصت الدنيويَّة الإنسانَ الأوروبي من جبروت كنيسةٍ لا تعرف الرحمة، كانت أداةَ إقطاعٍ في سحْق جُموع الشعب، واضطهاد المعارَضة؛ لهيمنتها بغلظة ووحشية، فالدنيوية في تقديرنا علامةٌ من علامات تقدُّم الإنسان الحقيقي، وإنْ كان في تُراث الحضارة الأوربيَّة الغربيَّة ما يُساعِدنا على الخلاص من التخلُّف والتبعيَّة وتحقيق نهضة، فإنَّه يرتبط بهذه القيمة"[2].

نشَأ علم الاجتماع نتيجةً لتغيُّرات ثوريَّة دِراميَّة عنيفة في البيئة الفكرية والدينية والسياسية والاقتصادية للمجتمع الأوربي في القرنين السادس عشر والسابع عشر، ويعكس مصطلح (الثورة) هنا هذه الطبيعة الدراميَّة للتغيُّرات التي حدثت في أوربا، ويعني أيضًا الطبيعة العنيفة والحاسمة لهذه التغيُّرات، وبالرغم من أنَّ هذه التغيرات قد استغرقت عشرات السنين لكي تُصبِح واقعًا فعليًّا، إلا أنها لم تكنْ تحوُّلات مفاجئة بقدْر ما كانت عمليَّات تطوُّريَّة غيَّرت طبيعة العالم الاجتماعي الأوربي بشدَّة.

ثلاث ثورات كُبرَى نشَأ في ظلِّها علم الاجتماع: ثورة (اقتصادية) قضَتْ على بَقايا نظامٍ اقتصادي قديم، وظهرت فيها الصناعات ذات الحجم الكبير، لكنَّ أهمَّ آثار هذه الثورة سُقوط سُلطة الدِّين واهتزاز بناء الأسرة، وثورة (فكرية) أُطلِق على أصحابها (فلاسفة التنوير)، وهم رجالٌ قدَّسوا العقل، وسحَقُوا الدِّين والأسرة؛ لأنهما غير منطقيَّيْن في نظَرِهم ولا يتَّسِقان مع العقل، لم يَرَ هؤلاء الرجال أنَّ فهْم الإنسان والمجتمع ممكنٌ بالرُّجوع إلى الدِّين؛ وإنما بالرُّجوع إلى نموذج "نيوتن"، أدخَلُوا الإنسان والمجتمع تدريجيًّا في حقْل العلم، وكان ذلك نقطة البدء في الانقطاع عن الدِّين الذي كان يُسَيطِر عليهما، كان جُهْد هؤلاء الرجال منصبًّا على مهاجمة الدِّين، وتحرير الفكر من التأمُّلات الدينيَّة، وإخْضاع هذه التأمُّلات لميدان العقل.

تبنَّى رجال الاجتماع والمثقَّفون من العلمانيين وغيرهم في بلادنا أفكارَ التنوير هذه، وانخدَع السُّذَّج منَّا بالمعنى الظاهر والبرَّاق لكلمة التنوير.

أمَّا الثورة الثالثة، فهي (الثورة السياسية)، ويُقصَد بها هنا الثورة الفرنسية التي لا تزال إلى اليوم تَلقَى احترامًا وتبجيلاً واحتفالاً في عالمنا الإسلامي، فقد أثَّرت تأثيرًا بالغًا على كافَّة عُلَماء الاجتماع، استمدَّت هذه الثورة فِكرَها من فلسفة التنوير، فزَلزلت كيان الأسرة، وضرَبتْ سُلطة الأب على أولاده بعد البُلوغ، وحارَبت الرابطة الأبديَّة للزواج، وعادتْ تماسُكَ الأسرة كما عادَت الدِّين أيضًا، ونادَتْ بإلغائه أو إعادة تنظيمه، وجعلَتْه خاضعًا لسُلطة الدولة لا مهيمنًا عليها.

ونحن في بلادنا لا شأنَ لنا بهذه الثورات، وقد أقرَّ عُلَماء الغرب أنفسُهم بأنَّ الثورة الفرنسيَّة تنتَمِي إلى تاريخٍ خاصٍّ بها، وكانت مسبوقة بإنتاجٍ فلسفي خاص بها، ومرتكزة إلى بناء اجتماعي ليس له أيُّ وجودٍ في العالم الإسلامي، وأقرَّ "برنارد لويس" - أشدُّ المستشرقين دَهاءً في إخفاء حقده على الإسلام - بأنَّه لا يمكن العُثور في اللغة العربية على لفظ مرادف لكلمة ثورة "[3] Revolution".

نشَأ علم الاجتماع بعد أنْ تَمَّ التأليف بين تيَّارين كانا يَسُودان في أوربا؛ هما: التيار العقلاني والتيار التجريبي، وهما تيَّاران يخلعان ثقتهما العظيمة على العقل والملاحظة كوسيلتين لحلِّ مشاكل الإنسان والمجتمع، ويَرَيان أنَّ المجتمَع يخضَعُ لسنن طبيعيَّة وليس لسنن إلهيَّة، وأنَّه يمكن حَلُّ مشكلات المجتمع بالكشف عن هذه القوانين لا بالرُّجوع إلى الله خالق هذه القوانين.

كلُّ فكرة من أفكار علم الاجتماع تَسُود في عالمنا اليوم يمكن ردُّها إلى ثلاثة اتِّجاهات رئيسة تَضرِب بجذُورها في علم الاجتماع؛ الاتجاه الأول هو الاتجاه (الراديكالي)، المتأثِّر بفلسفة التنوير، لم يكن هذا الاتجاه مقبولاً في البداية، لكنَّه فرَض نفسَه اليوم، يُنادِي أصحاب هذا الاتجاه بتغيير النظام القائم بالثورة عليه.

والاتجاه الثاني هو الاتجاه (الليبرالي)، وهو اتِّجاه يَقبَلُ النظام القائم، ولا يرى في الثورة مصدرًا للحريَّة، هذان الاتجاهان علمانيان إلحاديَّان، يقول أولهما: إنَّ إعادة بناء أوربا والإنسانيَّة لا يجبُ أنْ يقوم على الدِّين، ويُنادِي الثاني بتحرير الفكر من الدِّين، ويرى أنَّ التقدُّم لن يتحقَّق إلا إذا تحرَّر عقل الإنسان ورُوحه من الروابط الدينيَّة.

أمَّا الاتجاه الثالث، فهو الاتجاه (المحافظ)، يقفُ على رأسه "أوجست كونت"، الذي أُصِيب بأمراض عضوية واختلالات عقليَّة، وكان مُتزوِّجًا من بَغِيٍّ يتستَّر عليها ويَحمِيها من الشرطة، ثم أحبَّ امرأة سجين فرنسي هامَ بها عِشقًا، وخرج على العالَم بدِين جديد، ونصَّب من نفسه (بابا) هذا الدِّين.

كان أوَّل اسمٍ قرَع رُؤوسَنا بشدَّة ونحن طلاب في أيَّامنا الأولى من علم الاجتماع، هو اسم هذا المعتوه الفرنسي، وكان أوَّل ما تعلَّمناه منه هو قانون المراحل الثلاث، هذا القانون الذي أطاحَ بعقل نجيب محفوظ، فخرَج علينا برواياته التي تُهاجِم الله والدِّين، والأنبياء والرُّسل، وعلماء الدِّين وشُيوخه بصورةٍ رمزيَّة يَصعُب على غير المدقِّق إدراكُها.

الذي كان يريدُ أنْ يقوله لنا "كونت" من هذا القانون هو أنَّ عهد تفسير ما يجري في هذا الكون بالرُّجوع إلى الله وإلى الدِّين - قد ولَّى ومضى، إنَّه عهدٌ يُمثِّل الإنسانية في طُفولتها، إنَّ هذه الإنسانية تقدَّمت الآن وتخلَّت عن مثل هذه التفسيرات، ولم تَعُدْ تؤمن إلا بالعلم.

كان من أخطر الدروس التي تلقَّيناها في صِبانا "انفصال الدِّين عن العلم وتعارُضهما"، علَّمونا أنَّ من الرجعية والتخلُّف أن نُفسِّر الظواهر الطبيعية والاجتماعية تفسيرًا دينيًّا، فلا مجال في دراسة علم الاجتماع لتفسير الأحداث بالرُّجوع إلى الله والملائكة والجن والشياطين، فهذا كلُّه من الغيبيَّات، ومن أمور الميتافيزيقا التي لا يعترف بها العلم؛ لأنها خُرافة في خُرافة.

تعلَّمنا الفلسفة الوضعيَّة التي تحدَّثَ عنها هذا المعتوه، والتي استَغرَق تأليفها اثني عشر عامًا، وكنَّا نتوهَّم أنها مجرَّد تطبيق المبادئ العلمية على دِراسة الظواهر الطبيعيَّة والاجتماعيَّة، ما كُنَّا نَعِي أنها فلسفة إلحاديَّة لا تضع مكانًا لله أو للدِّين في حركة الظواهر، إلا بعد أنْ كشَفَها الشيخ مصطفى صبري - يرحمه الله - [4] كُنَّا نرى أن الدِّين والعلم في الإسلام متساندان، وطالما أنهما فلسفة علميَّة، فهي لا تَتعارَض مع الإسلام، لم نكن وحدنا الذين خُدِعنا بهذه الفلسفة، سبَقنا شيوخ الأزهر الذين كانوا يمتَدِحونها، وعرَفنا من الشيخ مصطفى صبري أنَّ الشيخ فريد وجدي قد وقَع في شِباكها، وعرفنا من أساتذتنا في علم الاجتماع الذين كانوا يكتبون بفخرٍ عنها أنها كانت وراء كتاب علي عبدالرازق "الإسلام وأصول الحكم"، ووراء أفكار طنطاوي جوهري، وأنها أحد أسباب سُقوط الخلافة الإسلامية[5].

عرفنا أنَّ الفلسفة الوضعيَّة تَعنِي: إحلال الروح العلميَّة محلَّ الروح الدينيَّة، وعرفنا أنَّ علم الاجتماع قد حلَّ بهذه الفلسفة مشكلات الأخلاق والدِّين، بنى هذا المعتوه الدِّين والأخلاق على فلسفته الوضعية التي لم يَعُدْ بها حاجة إلى الاعتماد على الدِّين، عرفنا أنَّ الفلسفة الوضعية تفصل الأخلاق عن الدِّين، وأنَّ "كونت" حاول أن يصطنع أخلاقًا وضعية بعيدة كلَّ البعد عن أيِّ فكرة دِينية، وخالية تمامًا من أيِّ مصدر إلهي.

الله عندنا هو محور الكون، ومن الله عرَفنا أصلَ هذا الكون ومصيرَه، وجاء أساتذتنا ليُعلِّمونا ما تعلَّموه من هذا المعتوه من أنَّه يستحيلُ على العقل البشري أنْ يصلَ إلى مفاهيم مُطلَقة، وأنَّه حينما يصلُ إلى المرحلة الوضعيَّة سيُقلِع تمامًا عن البحث في أصل الكون ومصيره، وعن معرفة العلل الباطنة من الظواهر، ليبدأ في الاستخدام العلمي المنظَّم المعتمد على الملاحظة والبَرهَنَة للكشْف عن القوانين التي تحكُم حركة الظواهر.

أدرَكْنا استحالةَ التقاء علم الاجتماع مع الدِّين؛ لأنَّ أساتذتنا علَّمونا أنَّ تأخُّر علم الاجتماع في الظُّهور كعلم وضعي ما كان إلا لأنَّ موضوعاته كانت تخضَعُ للأفكار الدينيَّة.

تعلَّمْنا من هذا المعتوه أنَّ المطلق لا وجودَ له في العالم، وأنَّه ليس إلا فكرة زائفة لا يقبلها علمُه الوضعي المحصور في المعرفة النسبيَّة، فقد كان المطلق الوحيد عنده هو "أنَّ كلَّ شيء نسبي" [6].

تعلَّمْنا من هذا المعتوه أنَّ الدِّين مَرَّ بثلاثة أطوار: بدَأ أولاً بالحالة الوثنيَّة؛ وهي عِبادة الطبيعة والشمس والنجوم، ثم مرَّ بمرحلة تعدُّد الآلهة، ثم انتهى إلى مرحلة التوحيد، عبادة الأصنام والشمس كما تعلَّمناها من "كونت" هي الصورة الأولى لفجر الدِّين، وأنَّ مرحلة تعدُّد الآلهة كانت مرحلة اضمحلال وتقَهقُر للفكر الديني، وأنَّ التوحيد هو السبب في ازدياد هذا الاضمحلال والتقهقُر في الفكر الديني.

علَّمَنا هذا المعتوه أنَّ مهمَّة علم الاجتماع هي أنْ يكشف عن سلسلة التحوُّلات المتتابعة للعنصر الإنساني، الذي بدأ من مستوى لا يَرقَى عن مجتمعات (القِرَدة العُليا)، وتحوَّل تدريجيًّا إلى حيث يجد الأوربيون المتحضِّرون أنفسهم اليوم.

الأديان عند هذا المعتوه وُلِدت من الخُزَعبِلات القديمة، ورأى أنَّ الدِّين يجب أنْ يبقى شكلاً، لكنَّ محتواه لا بُدَّ أنْ يتغيَّر؛ ولهذا انشغل في أواخر حَياته بصياغة دِين عالمي بلا إلهٍ، أبقى فيه على الطُّقوس، وبدلاً من أنْ يتَّجه الناس إلى إلهٍ غير مرئي، فإنهم يتَّجِهون إلى الإنسانيَّة لعبادتها.

اختَرَع هذا المعتوه دِينًا جديدًا أسماه (دِين الإنسانيَّة)، وهو دِين تثليثي كالنصرانية؛ أقانيمه: الموجود الأعظم: وهو الإنسان، والوثَن الأعظم: وهو الأرض، والمحيط الأعظم: وهو الفضاء الخارجي المحيط بالأرض، الوثَن الأعظم ضحَّى بنفسه فعرَّضَها للتقلُّب والمذلَّة ليكون منشئًا للموجود الأعظم، فنحن مَدِينون له بالعبادة شكرًا، لكنَّ ممثِّل الكمال الأعلى - وهو الإنسان - هو الأحق لأنْ يُتَّخذ معبودًا، والإنسان عند هذا المعتوه هو أفضل من الله، وأجدر بالعبادة؛ لكونه مستفيدًا من محبتنا، ومحتاجًا إلى خدمتنا، ولأنَّه لا يحثُّنا بالمكافأة على أفعالنا، والمرأة هي أجدَرُ بالعبادة؛ لأنها محلٌّ لتحقيق أماني الصداقة والعشق، جعل لها هذا المعتوه أربعة وثمانين عيدًا نحتفل بها، وتسعة مَراسِم تقديس في السنة[7].

كان هذا الدِّين الشاذُّ لهذا الفرنسي المعتوه ثمرةَ حُبِّه لزَوجة السجين، أحبَّ كونت (كلوتيلد دي فو)، أشعَلَ حبُّه لها قلبَه، وأثَّر في أفكاره ولون فلسفته، وانتهى من هذا الحب إلى القول: إنَّ العالم لا يمكن خلاصه وانتشاله إلا بدِين جديد يغذي في قلوب الناس محبَّة الغير الواهنة، ويُقوِّيها بتمجيد الإنسانية واتِّخاذها دينًا جديدًا وموضوعًا للعبادة، قال "كونت" في إحدى رسائله إلى محبوبته (دي فو): "لقد بدَأت الوضعيَّة الدينيَّة فعلاً في لقائنا الأول يوم الجمعة 16 مايو عام 1845"[8].

أمضى "كونت" أيَّام كُهولته في ابتكار نِظامٍ مُعقَّد من الطُّقوس والصلوات لهذا الدِّين الجديد، واقترح تقويمًا جديدًا استبدل فيه بأسماء الآلهة الوثنية وقدِّيسي العصور الوسطى أبطال الرُّقِيِّ والتقدُّم الإنساني [9].

وبلغت قمَّة شُذوذ هذا المعتوه حينما عيَّن نفسَه البابا الجديد للإنسانيَّة، ودعا المسلمين إلى التخلِّي عن دِينهم ودُخول هذا الدِّين الجديد [10].

نما "كونت" في مونبلييه في أسرةٍ تقليديَّة كاثوليكيَّة، فقَدَ الإيمان وهو في السادسة عشرة من عمره، وتحوَّل إلى شابٍّ مُتحرِّر يقرأ لـ(فولتير)، ثم سعى إلى إبعاد الله باسم الدِّين، وكان يقول: إنَّه مستعدٌّ لتقدير (الله) تاريخيًّا؛ شرط الانتهاء منه ومن ذكره نهائيًّا [11].

وقبل أنْ تنتَهِي قصَّتنا مع هذا الصنَم الذي أقامَه لنا أساتذتنا، أقاموا لنا صَنَمًا آخَر كان تلميذًا نجيبًا لكونت، إنَّه (إميل دوركايم) الذي كنَّا نقرأ في صدر ما ندرسه من مُقرَّرات إهداءات أساتذتنا مُؤلَّفاتهم لرُوحِه، لم يكن دوركايم معتوهًا كأستاذه، وإنما كان يهوديًّا خبيثًا سليلاً لأسرةٍ من الأحبار اليهود، تعلَّم العبريَّة، درَس التوراة و"بروتوكولات حُكماء صِهيَوْن"، أراد له أبوه أنْ يكون رجلَ دِين كما أراد هو ذلك لنفسه، لم يحدثنا أحدٌ عن خلفيَّته وانعكاسات يهوديَّته على فكره إلا حينما قرأنا عن مُخطَّطات اليهود وسَيْطرتهم الفعليَّة على العالم، عرفنا فيما بعدُ أنَّ نسبة علماء الاجتماع اليهود في الولايات المتحدة إلى أعدادهم تزيدُ ستَّ مرَّات، وعرفنا أنَّ اليهود يهتمُّون اهتمامًا غير عادي بعلم الاجتماع، وأنهم عاقدون العزمَ على تفادي نشر القيم، وأنهم يجدُون في إجراءات العلوم الاجتماعية الملاذَ في ذلك.

قرأنا ما كتَبَه "دور كايم" عن الدِّين والأخلاق، لكنَّ أساتذتنا لم يكونوا يعلمون أنَّه ينفذ تعليمات البروتوكول السابع اليهودي، الذي يدعو على زرع الألغام لتهديم الأديان، واستبدال مفاهيم رياضيَّة ماديَّة بمفاهيم الناس عن الله والرُّوح، كلُّ ما أعمى أبصارنا وأبصار أساتذتنا هو أنَّ "دوركايم" عالِم فَذٌّ أرْسى دعائم هذا العلم، وأوَّل مَن حدَّد خصائص الظاهرة الاجتماعية، وأبرز المنهج العلمي في دِراستها.

كان أساتذتنا يَهِيمون إعجابًا بدوركايم، وكانت رسائل الماجستير والدكتوراه تعرض وتشرح وتُفسِّر بإعجابٍ شديد آراءه وأفكاره.

أجرى هذا اليهودي دِراسةً عن الدِّين في عشيرة أستراليَّة بدائيَّة، وخرج من دراسته هذه بنتائج قال: إنها نظرية صالحة للتطبيق على مختلف (المجتمعات) وفي مختلف (الأزمنة)، كانت هذه العشيرة التي درسها "دوركايم" تعبُد (التوتم)، والتوتم هذا هو اسمٌ أو رمزٌ أو شعارُ العشيرة، وعلم يُعبِّر عن شخصيَّتها ويميِّزها عن غيرها، ويعتبر أفراد العشيرة أنفسهم مرتبطين بفضل هذا التوتم برباط قرابة قوي لا يقوم على صِلات الدم أو المصاهرة، وإنما يقومُ على اشتراكهم في اسمٍ واحد، هذا الاسم الذي تحمله العشيرة هو اسم نوع مُعيَّن من النبات أو الحيوان أو الجماد، تعتقد أنَّ لها أوثق الصلات به، هذا النوع النباتي أو الحيواني هو التوتم، وهو ليس حيوانًا بالذات كالسلحفاة أو الكنجارو، وإنما هو معنى كلي يُمثِّلهما على وجه العُموم، ويرمز التوتم إلى قوَّة غيبيَّة، وهو صورة أو وجود مقدَّس، الإله التوتمي هو القوة الغيبية، والتوتم هو الصورة المادية لهذا الإله.

الذي تعلَّمناه من أساتذتنا - وهم يشرَحُون لنا هذه النظرية المدمِّرة للدِّين - هو أنَّ (التوتمية) هي الصورة الأولى للحياة الدينيَّة، وهي أقدم أشكال الدِّين، وأنها مظهر شامل يُفسِّر وجود الله والنفس والعالم من وجهة النظر الاجتماعيَّة، تعلَّمنا أولاً أنَّ (الألوهية) ترجع إلى أصل توتمي، تعلَّمنا ثانيًا أنَّ (الألوهية) ما هي إلا (فكرة)، وأنَّ هذه الفكرة ليست عنصرًا مميزًا للحياة الدينيَّة، وأنَّ الدِّين لم يبدأ (بالإله)، ثم تعلَّمنا ثالثًا أنَّ الألوهية كفكرةٍ متغيِّرةٌ من حيث الزمان والمكان، وأنَّ (فكرة) الله في ذاتها في حاجة إلى شروط الثبات والمعقولية، تعلمنا رابعًا أنَّ الله والمجتمع هما شيء واحد، وأنَّ الله هو المجتمع، وأنَّ المجتمع هو الكائن المطلق، هو الله الذي يتجلَّى في روح الجماعة؛ لأنَّه قوة متسامية، وقيمة متعالية، تحقق غايات إنسانيَّة، ومُثُلاً جمعيَّة، وتعلَّمنا خامسًا أنَّ حقائق الدِّين تصدر من المجتمع على اعتبار أنها مسائل اجتماعيَّة.

تعلَّمنا بصفةٍ عامة أنَّ المجتمع هو الذي يفرز الدِّين، وأن الدِّين ليس نسقًا من الأفكار المتعلِّقة بموضوع محدَّد، وأنه لا شيء اسمه السموُّ والخلود والقَداسة، كلُّ ذلك أفكار وردت إلينا من العالم الاجتماعي.

دعا هذا اليهودي - مثلما دعا إليه أستاذُه المعتوه - إلى قِيام دِين وضعي علماني، وكان يطمح في مجتمع علماني يُسَيطِر عليه ما يشبه الحماسة الدينية، الدِّين الحي عند هذا اليهودي هو الذي ينبثق من الحياة نفسها وليس بما يُسمِّيه بالماضي الميت.

وعند أوَّل فرصة أُتِيحت أمام هذا اليهودي لوضْع أفكاره موضع التطبيق، أسهم في إصدار أوَّل قانون فرنسي في عام 1882 يحظر إمداد الأطفال في التعليم الأولي بتعليم دِيني من سنِّ السادسة إلى الثالثة عشرة، وطبق ذلك في المدارس الفرنسيَّة بالفعل.

وبعد أنْ قضى هذا اليهودي على كلِّ تفكير صحيح في عقولنا عن الدِّين، جاء ليُدمِّر الأخلاق وكلَّ تفكير صحيح في عقولنا عنها، قال دوركايم: "إنَّ علينا أنْ نصنع أخلاقًا لأنفسنا... إنَّه لكي نستطيع إصدار حكم سليم على الأخلاق ونعطيها حقَّها الواجب من الفهْم، فعلينا أنْ ننطَلِق من مُعطَيات الحاضر... إنَّ الحل الأخلاقي للمشكلة الاجتماعية إنما يكون من خِلال التربية العلمانية، ولكي تمارس هذه التربية دورها بكفاءةٍ وفاعليَّةٍ لا بُدَّ من وجودٍ قوي ومتعالٍ مثل (الله)، وهو المجتمع... إلخ".

ولم يُخفِ دوركايم أبدًا تعلُّقه بالعلمانية، التي رأى فيها ضَمانًا للترابط الاجتماعي، وشكلاً من أشكال الاحترام المتبادَل.

سار هذا اليهودي متَّسقًا مع المبادئ الماسونية وأفكار "سان سيمون"، فقال: "إنَّ الإصلاح الأخلاقي في المجتمع لا يتمُّ إلا بالإلغاء التدريجي لنظام الميراث" [12].

وراحَ رُوَّاد علم الاجتماع في بلادنا بلا فهم ولا بصيرة يترجمون إلى العربية ما كتبه هذا اليهودي عن (التربية الخلقية)، بلا أدنى كلمة اعتراضٍ، ولا حتى مجرَّد تعليق، ركَّز دوركايم في هذا الكتاب على سحب الأخلاق من القاعدة الأساسيَّة التي ترتكز عليها، وهي الدين، ترجم هذا الكتاب (السيد بدوي)، وراجعه (علي عبدالواحد وافي)، الذي أدخَلَ علم الاجتماع إلى واحدةٍ من أهم جامعاتنا الإسلامية، ولم ينبس ولو بكلمة تحذيرٍ واحدة تتعلَّق بخطورة هذا الكتاب.

ويمكن حصْر أهم الأفكار الخَطِرَة في هذا الكتاب على النحو التالي:
أولاً: تعليم تلاميذ المدارس أنَّ الأخلاق لا تعتمد على الدِّين، وإنما على العقل؛ حتى يتمَّ تخليصهما ممَّا يسمِّيه بالتحجُّر والثبات:
يقول دوركايم: "لقد استقرَّ عزمنا على أن تكون التربية الخلقية التي نُلقِّنها لأبنائنا في المدارس ذات صبغة دنيويَّة محضة، ونعني بذلك التربية التي لا تستند إلى المبادئ التي تقومُ عليها الدِّيانات المنزلة، وإنما ترتكز فقط على أفكار ومبادئ يُبرِّرها العقل وحدَه؛ أي: إنها في كلمة واحدة: تربية عقلية خالصة.

الواقع أنَّ بناء الأخلاق على أساسٍ عقلي يخلِّصها من التحجُّر والثبات الذي تتعرَّض له منطقيًّا إذا استندت إلى أساس دِيني".

ثانيًا: بعد أنْ يتمَّ فصل الأخلاق عن الدِّين، ويتمَّ تجريد المبادئ الدينية من طبيعتها وتسند إلى العقل - يتمُّ البحث عن وسيلة لإشعار الأطفال بعدم صحة الرموز الدينية، وبعدم الرُّجوع إلى الدِّين:
يقول دوركايم: "ويجب ألا ننسى أنَّه بالأمس فقط كان الدِّين والأخلاق يرتكزان على دعامة واحدة؛ إذ إنَّ "الإله" - وهو محور الحياة الدينيَّة - كان أيضًا الضمان الأعلى للنظام الخلقي، يجب ألا نكتفي بما نقوم به من فصلٍ ظاهري بين الدِّين والأخلاق، بل يجب أنْ نذهب بعيدًا وأن نقصد رأسًا إلى لب المبادئ الدينية؛ لكي نبحث بين ثناياها عن الحقائق الأخلاقية المخبَّأة؛ لكي نعرف كنهها بلغة العقل، وخُلاصة القول: إنه يجب علينا الكشف عن الرموز العقلية لهذه الأفكار الدينيَّة التي ظلَّت لفترةٍ طويلة تجرُّ في ركابها أهمَّ الأفكار الخلقية، حين نشرع في إنشاء تربية أخلاقيَّة غير قائمة على الدِّين، فلا يكفي أنْ نحذف؛ بل يجب أنْ نبدِّل، يجب أنْ نكشف عن هذه القوى الأخلاقية التي لم يستَطِع الناس حتى الآن تصويرها إلا في صورة رموز دينيَّة، يجب أنْ ننزع عنها هذه الرموز ونبرزها في حقيقتها العقلية العارية - إنْ صحَّ التعبير - وأن نجدَ الوسيلة لإشعار الطفل بحقيقتها دون الرجوع إلى أي وسيط ديني".

ثالثًا: التأكيد في النظام التعليمي - بعد إعادة صهره - على الاستعاضة عن الوحي بالعقل:
يقول دوركايم: "يجب علينا أنْ نصهر نظامَنا التعليمي في بوتقة حتى نستخلص منه شيئًا جديدًا، ويجب أنْ نستعيض عن مصدر الوحي القديم الذي لم يَعُدْ يبعث في القلوب إلا صدًى ضعيفًا خافتًا بمصدرٍ آخَر".

رابعًا: اعتبار المجتمع هو غاية السلوك الأخلاقي بدَلاً من "الله":
يقول دوركايم: "المجتمع هو غاية السلوك الأخلاقي، وما دُمنا قد حرمنا على أنفسنا الاستعانة بالأفكار الدِّينية، فلن نجد كائنًا معنويًّا واحدًا يَسمُو على الأفراد ويمكن ملاحظته تجريبيًّا سوى ذلك الذي يكون الأفراد عند اجتماعهم، وأعني به المجتمع، إنَّ الكائن الذي توجه الأخلاق إرادتنا نحوه، وتجعل منه هدفًا أسمى للسلوك لن يتعدَّى واحدًا من اثنين: إمَّا الكائن الإلهي، وإمَّا الكائن الاجتماعي، أمَّا الفرض الأول، فنستبعده على أساس أنَّه بعيد عن متناول العلم، فلم يبقَ إلا الثاني، وهو يَفِي بكلِّ حاجاتنا، ويحقق كل أمانينا؛ إذًا فما من شيء يصلح هدفًا للنشاط الأخلاقي سوى المجتمع، هو النموذج، وهو المصدر لكلِّ سلطة أخلاقية"[13].

تأليه المجتمع وإحلاله مكان "الله" هو الغاية التي سعى إليها هذا اليهودي، الواجب الخلقي يَصدُر من المجتمع، الكائن الأخلاقي الأعظم هو المجتمع، السلطة الأخلاقية العظمى تصدر من المجتمع، الخير الأسمى لسائر الناس هو المجتمع، المثل الأخلاقي الأعلى هو المجتمع، غاية الغايات هو المجتمع، المشرِّع الوحيد للقيم هو المجتمع، إنه خالقها وحافظها والحارس الأمين لكلِّ خيراتنا وفضائلنا، وهكذا تعلَّمنا من أساتذتنا، عبدالعزيز عزت يُهدِي مؤلفه عن الفلسفة وعلم الاجتماع إلى روح دوركايم، ويُصدِر كتابًا خاصًّا عن "الأخلاق" يُلخِّص لنا فيه الأفكار التي تعلمها من هذا اليهودي، ومن عبدالعزيز عزت وغيره من أساتذة الاجتماع المحدثين أيضًا تعلَّمنا أخطر مبدأ تعرَّضنا له، وهو أنَّ "الأخلاق نسبية وليست مطلقة، وهي وضعيَّة أيضًا، وتعلَّمنا تبعًا لذلك أنَّ ما هو أخلاقي وفاضل في مجتمعٍ ما، قد لا يكون كذلك في مجتمعٍ آخَر، وأنَّ الأخلاق تختلف باختلاف الزمان والمكان".

نجَح اليهود في تدمير الأخلاق غير القائمة على الدِّين، وأسند إلى دوركايم أوَّل منصب أكاديمي في فرنسا؛ لنجاحه في تطوير أخلاق علمانيَّة على مستوى التعليم الفرنسي، كان مدير التعليم العالي الفرنسي على إدراك كامل باهتمامات دوركايم وسعيه نحو الأخلاق العلمانية؛ فقدَّم له منحة إلى ألمانيا في عام 1887، وعيَّنَه في جامعة بوردو ليقوم بتدريس العلوم الاجتماعية وعلم أصول التدريس [14].

أصمَّ أساتذتُنا آذانَنا بكتاب دوركايم عن "تقسيم العمل الاجتماعي"، ولو كنَّا قرأنا مقدمته بإمعانٍ؛ لفهمنا خطورة هذا المؤلَّف على ديننا وعقيدتنا؛ لتأكيده على انفصال الدِّين عن العلم.

يقول دوركايم في مقدمة هذا المؤلَّف: "يُعتَبَر هذا الكتاب محاولة مثمرة لمعالجة حقائق الحياة الأخلاقية طبقًا لمناهج العلم الوضعي"[15].

كان التأمُّل في حقائق الحياة مرفوضًا عند دوركايم؛ لأنَّ العلم - والعلم فقط - هو الذي سيساعدنا على تكييف أنفسنا للواقع، وعلى تحديد ما هو مثالي، وعلى معالجة المشكلات، وبلغت به الثقة في العلم إلى درجة أنه ادَّعى أن العلم قادر على ألا يقف صامتًا حتى أمام الأسئلة المتعلقة بالمسائل المطلقة.

أعمى هذا اليهوديُّ أبصارَ أساتذتنا عن إدراك أي شيء غير مقولاته، لم تمتدَّ عيونهم إلى أبعد من أقدامهم وهم في أوربا، فلم يعرفوا أنْ "هنري بونكاريه" رفَض الأخلاق العلميَّة، وقال: إنها لم تكن ولن تكون، لم يعرفوا تلازُم الدِّين والأخلاق عند "فيخته" وقوله: "إنَّ الدِّين من غير أخلاق عبث، والأخلاق من غير دين عبث"، ولم يعرفوا أنَّ "كانت" لم يرَ ضمانًا للأخلاق يوثق به غير الدين، هذا إذا افترضنا أنَّ الإسلام قد مات في قلوبهم وليس لهم إلا الغرب قبلة يعترفون بها.

جُحر الضب الذي دخَل فيه أساتذتُنا أظلَمَ عليهم، فلم يُدرِكوا معنى أنَّ تلاميذ دوركايم من الفرنسيين - وعلى رأسهم "جاستون ريتشارد" - قد جهروا بإلحاده، وأنَّ من المربِّين الفرنسيين أنفسهم مَن صرخوا مُعلِنين خطورة هذا اليهودي؛ هذا "جان إيزوليه" يقول: "إن تأثُّر علم الاجتماع الذي يدرس في مائتي معهد للمعلِّمين في فرنسا بآراء السيد دوركايم وحدَه، من أعظم الأخطار القومية التي تُهدِّد البلاد"[16].

لم ينمَحِ من ذاكرتنا ما علَّمَه لنا أساتذتنا من أنَّ الدِّين ظاهرة اجتماعيَّة، وأنَّه نشَأ اجتماعيًّا، ولم يدرس لنا ذلك في الجامعات فقط، بل كان يدرس في المدارس الثانوية أيضًا[17].

وراح الجيل الجديد من الأساتذة ينقلون فكْر دوركايم هذا من مصر إلى العالم العربي كلِّه، إلى أنْ وصَل إلى الجامعات والمدارس في مدن الجزيرة العربيَّة نفسها، الرَّعِيل الأوَّل من أساتذة الاجتماع في بلادنا هم من تلاميذ المدرسة الفرنسيَّة هذه، هضَمُوا واستوعَبُوا تمامًا فكْر كونت ودوركايم وعلَّموه لنا.

يقول الدكتور محمد الجوهري - أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة -: "دخَل علم الاجتماع إلى مصر من الباب الفرنسي في وقتٍ مبكِّر تحسدنا عليه الكثير من الدول النامية"[18].

وتَصِفُ الدكتورة علياء شُكري - أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس - عُنفَ تأثير المدرسة الفرنسية وفِكر دوركايم على جيلها وجيل أساتذتها، فتقول: "إنَّ المدرسة الفرنسية هي من بين كافَّة المدارس الاجتماعية التي طبعت تقاليد علم الاجتماع في مصر بطابعها، ففي فرنسا ومن فرنسا أُلقِيت أوَّل دروس علم الاجتماع على الطلاب المصريين أساتذتنا الأوائل؛ سواء مَن ذهب بنفسه يدرس هناك، أو مَن تلقى مبادئ هذا العلم وقضاياه ومشكلاته على يد أساتذة فرنسيين في السنوات الأولى من علم الاجتماع بالجامعة المصرية (جامعة القاهرة حاليًّا)، لقد تلقَّينا ونحن طلاب بقسم الاجتماع بجامعة القاهرة دُروسًا عميقة في علم الاجتماع الفرنسي وفي دقائق علماء الاجتماع الفرنسيين، لم يكن يَخطُر ببالنا يومًا أنَّ إميل دوركايم قد أخطأ في رأيٍ من آرائه، أو قصَّر في دِراسة موضوعٍ من الموضوعات التي تناولها، أو أنَّ البحوث الحديثة قد تجاوزَتْه وتجاوزَتْ مدرسته في بعض النواحي".

وفي فقرةٍ أخرى لا تدعُ مجالاً للشك عن الدور الخطير الذي لعبَتْه المدرسة الفرنسية في السيطرة على عُقول الجيل الثاني من رُوَّاد علم الاجتماع في بلادنا، تقول علياء شكري: "إنَّ الفكر السوسيولوجي في فرنسا فكرٌ أمين على تراث علم الاجتماع، وإنَّ على كلِّ مَن يتناول علم الاجتماع الفرنسي المعاصر أنْ ينطلق من مدرسة "دوركايم"، إنَّ علم الاجتماع الحديث يَدِين بنشأته بشكلٍ مباشر إلى إنجازات المدرسة الفرنسيَّة الحديثة المعاصرة، وإنَّه لا يتصوَّر أنْ يشرع الدارس في دُخول هذا العلم دون أنْ ينهل من تراث هذا الفكر الكلاسيكي الرِّيادي الذي عبَّد الطريق أمام أجيالنا المعاصرة".

وفي مقدمة كتابها عن علم الاجتماع الفرنسي المعاصر، كتبت علياء شكري ما لا يحتاج منَّا إلى أيِّ إضافة أو تعليق، تقول: "... وإنما نحن نُقدِّم على صفحات هذا الكتاب باللغة العربية - فيما أعلم - معالجةً شاملةً، وإن تكن غير كاملة لفكر بعض علماء الاجتماع من المفكِّرين الاجتماعيين الفرنسيين، وعلى رأسهم أستاذي الراحل "جورج جيرفتش"، و"كلود ليفي ستروس"، فالواقع أنَّ معظم الكتابات العربيَّة عن علم الاجتماع قد غمطت هذين العالمين حقَّيهما من المعالجة المفصَّلة، ومع إدراكنا لما ينطوي عليه فكر هذين "العملاقين" من "غموض وصعوبة" على التناوُل، إلا أنَّ اقتحام المغامرة وبذل هذا الجهد الشاق رسالة أحسست أنَّ واجبي الأول أنْ أتصدَّى لها، خاصَّة في دراسةٍ كهذه كرَّسْتُها لعلم الاجتماع الفرنسي، وهما بلا جدال في جيل ما بعد دوركايم أبرز وجهين على ساحة علم الاجتماع الفرنسي"[19].

ظلَّ تأثير المدرسة الفرنسية قائمًا على أساتذة الاجتماع حتى أواخِر السبعينيَّات على مختلف الجامعات المصرية، باستثناء جامعة عين شمس التي يسَيطِر على أساتذتها في علم الاجتماع الفكر الماركسي اللاديني، وأسهَمَ الأساتذة الأجانب بدورٍ كبير في تدعيم تراث دوركايم في مصر، ومنهم عالم الأنثروبولوجيا المعروف "رادكليف براون".

آتَتْ جهود المدرسة الفرنسيَّة في ضرْب الإسلام ثمارها على يد أحمد الخشاب - أستاذ الاجتماع الأسبق بجامعة القاهرة - نظَر الخشاب إلى العقيدة على أنها أهمُّ عائقٍ في صِياغة نظريَّة عربيَّة، وأسماها بالأيديولوجيَّة الغيبيَّة، التي تُعتَبر إطارًا مرجعيًّا لتفسيراتٍ تبريريَّة لعقليَّة تسلُّطيَّة رجعيَّة[20].

هذه كانت أولى الثمار؛ ظهور جيلٍ من أساتذة الاجتماع العرب العقلانيين، الذين يرَوْن أنَّ التصوُّر الديني لم يعد الإطار المرجعي الأساس للفكر، وأنَّ التصوُّر العقلاني للعالم يُخلِيه من كلِّ ما هو مقدَّس، ويجعله يتكوَّن من عناصر قابلة للتركيب والاستعمال.

ومن المعروف أنَّ التراث العقلاني يرتَبِط بظُهور الفكر العلماني والتشكيكي في كلٍّ من فرنسا وإنجلترا في القرن التاسع عشر، وأنَّ العقلانية تتناوَل الدِّين تناولاً علمانيًّا بحتًا، وتخضع كلَّ ما هو دِيني ورُوحي وغيبي لأدوات تحليل عقلانيَّة، تنفي من المبدأ التصوُّرات الغيبيَّة.

لم ينجَحْ فكْر دوركايم في ضرب مفهوم الدِّين عند أساتذة الاجتماع في بلادنا فحسب؛ وإنما شوه هذا المفهوم عندهم أيضًا، فحتى هؤلاء الذين رفضوا اعتبار الدِّين ظاهرة اجتماعيَّة، أطاحُوا بشعائر الدِّين بعيدًا، وقبلوا اعتبار الألوهيَّة "فكرة"، واعتبروا الدِّين تجربةً يُعانِيها الصوفي، وأنَّ الله لا يتَّصل إلا بالإنسان الفرد، ولا ينكشف إلا في عُزلة ميتافيزيقية أو خلوة روحيَّة بعيدًا عن المجتمع، حاوَل هؤلاء الهروبَ من دوركايم، فوقعوا أسرى لأفكار الفيلسوف الوجودي "كيركجورد"[21].

الذي أردنا أنْ نقوله هنا أنَّ تأثير المدرسة الفرنسيَّة لم يقفْ عند حدود روَّاد علم الاجتماع الأوائل في بلادنا، إنما امتدَّ إلى الأجيال العديدة التي تلَتْهم حتى أواخر السبعينيَّات من هذا القرن.

انشغَلَ الجيل الأول بنقل الفكر الأوربي - وخاصَّة الفرنسي منه - إلى المكتبة العربية، تأثَّروا جميعًا بالمدرسة الفرنسية والفكر الدوركايمي، وحينما قرؤوا "مقدمة ابن خلدون" صبوها في إطارٍ دوركايمي، وعكست كتبهم برمَّتها هذا التأثير الفرنسي، علي عبدالواحد وافي واحدٌ من أتباع مدرسة دوركايم، تتلمذ على يد "فوكونيه" تلميذ دوركايم، لم يَتجاوَز وافي ولم يخرج عن الدائرة الدوركايمية، عبدالعزيز عزت لم يكن أقلَّ حماسًا من وافي في خُضوعه لفكر دوركايم، السيد بدوي هو الذي ترجم "التربية الخلقية" لدوركايم إلى العربية، كما ترجم للعديد من مُفكِّري هذه المدرسة، ولا يخرج عن ذلك أيضًا مصطفى الخشاب، وحسن سعفان، وغيرهما من الروَّاد الأوائل.

هاجَم الجيل الحالي من رجال الاجتماع في بلادنا الروَّاد الأوائل، واتَّهموهم بالتخلُّف، وبأنهم لم يكونوا قادِرين على مواكبة التطوُّرات الحديثة، سواء على المستوى العالمي، أو على مستوى استيعاب الواقع المحلي وتغيُّراته، وصَفُوا عهدهم بأنَّه حالِك السَّواد.

يقول محمد الجوهري مُشِيرًا إلى عهد هؤلاء الروَّاد: "... ولكنَّ الليل لا يمكن أنْ يكون حالكًا دونما نهاية، ولا بُدَّ أن تقشع بعضَ ظلمات الليل خُيوطٌ ولو واهية من ضوء الفجر"[22].

ولم يكن ضوء الفجر هذا إلا ظلمات وليلاً أشد حُلكة وظلمة من ذلك الذي أغرقنا فيه الروَّاد الأوائل.

لكنَّ أبرز ما كشف عنه محمد الجوهري هو أنَّ هذه الظلمة وهذا الليل الحالك السَّواد قد غَزَا جامعاتنا الإسلامية بلا استثناء، بما فيها ما يُسمِّيه بالجامعات الدينية[23].

دخَل هذا الظلام الحالك إلى جامعة الأزهر، تسلَّل إلى كلية اللغة العربية، ووقعت في هدوءٍ أكبرُ كارثة أكاديميَّة لم يفطن أحدٌ إلى حجم خُطورتها حتى الآن، عندما اقتحم علم الاجتماع كثيرًا من شُعَبِ كلية أصول الدِّين، وبالذات شعبة العقيدة، وامتدَّ أخطبوطه إلى كلية الشريعة وكلية البنات بجامعة الأزهر، أيضًا لتمتَزِج العقيدة العقلية اليقينية المقطوع تمامًا بأنها من الله - عزَّ وجلَّ - بنظريَّات ظنيَّة تُمثِّل انعكاسات للواقع الشخصي لمنظِّريها، ويختلط ما جاء به الأنبياء والرسل بما قاله العلماء والفلاسفة، ويذهب نَقاء هذا الدِّين وصَفاؤه مع ترَّهات علماء الاجتماع، كما ذهَب مع الطهطاوي من قبلُ.

الدكتور علي عبدالواحد وافي التلميذ المخلص الوَفِيُّ للمدرسة الفرنسية في علم الاجتماع يَصِفُ "دوركايم" بأنَّه "الشيخ العلاَّمة" لهذه المدرسة، ويصف هذه المدرسة بأنها صبَّت علم الاجتماع في أسس قوميَّة وسليمة، وأنها قدَّمت مؤلفات قيمة، وأنَّ العلم بفضلها خطَا خطوات حثيثة نحو الكمال، ويصف أعضاء هذه المدرسة - وعلى رأسها أستاذه فوكونيه - بأنهم نابهون[24].

بهذه الخلفيَّة أدخَلَ وافي علمَ الاجتماع إلى واحدةٍ من جامعاتنا الإسلامية البارزة بعد أنْ خَبَتْ شعلة الأزهر، ووضَع بنفسه منهجه وخطَّته، وألقى فيه محاضرات عامَّة وخاصَّة، ولم ينسَ بالطبع الإشارة إلى أنَّ هذا العلم سيدرس من منطلق إسلامي، وفي ضوء تعاليم الإسلام وما يُقرِّره من أحكام.

وفي جامعة إسلامية أخرى - زُرتها بنفسي - وهالني ما رأيتُه من اختلاطٍ في فُصول الدراسة بين الطلبة والطالبات، ومن صورةٍ لفتاةٍ محجبة ترتدي البنطلون في سِباقٍ للجري منشورة في قلب تقويم الجامعة، والأخطر من هذا وذاك أنَّ الجامعة هناك دمجت بين العلوم الاجتماعية والعلوم الشرعيَّة في قسمٍ واحد، ويتخصَّص الطالب في واحدةٍ من هذه العلوم بعد قضاء عامين تقريبًا في دراسته لكليهما، كما هالَنِي أنْ وجدتُ أنَّ أكثر من ثمانين بالمائة من مُقرَّرات علم الاجتماع لا تختلف عن مَثِيلاتها، ليس في أيِّ جامعة أخرى علمانيَّة، بل في أيِّ جامعةٍ غربيَّة كذلك، وفي جامعةٍ إسلاميَّة ثالثة انتُدِبتُ إليها مرارًا لم يختلف وضْع المقرَّرات في علم الاجتماع عمَّا أشرنا إليه في سابقتها، وعاصَرتُ فترةً تظاهرت فيها الطالبات من أجْل الاختلاط.

وعن حقيقة هذا الذي تُحاوِل جامعاتنا ربطَه بالإسلام، يقرُّ علماء الاجتماع في الغرب بأنَّ دراسة علم الاجتماع لا تهزُّ المعتقد الديني فقط، بل إنها تقتله كذلك.

يعترف بنتون جونسون باهتزاز الأساس الفكري للعلاقة بين الدِّين وعلم الاجتماع منذ لحظة تأسيس العلم[25].

ويعترف "روبرت بيلا" بأنَّ محاضراته عن الدِّين أدَّت إلى أزمات حادَّة في الإيمان بين طلابه، وأصرَّ "بيتر بيرجر" على ضرورة أنْ يكون منطلق علم الاجتماع هو الإلحاد المنهجي، ويجب أنْ يبدأ العلماء عملَهم انطلاقًا من الإنسان لا الله، وبضرورةٍ أنْ يعترف عُلَماء الأديان بالنتائج الإلحاديَّة التي وصلت إليها العلوم الاجتماعية، إنَّ عليهم أنْ يُكيِّفوا أديانهم مع الفكر الحديث [26]، علمًا بأنَّ لـ"بيرجر" هذا أنصارًا حتى في جامعاتنا الإسلامية، وهناك مَن هو على وشْك ترجمة أعماله إلى العربيَّة.

وتكشف البحوث الأمريكية أنَّ الشباب الذي لا يرفض الدِّين ولا القيم التقليدية، يُحجِم عن دراسة علم الاجتماع؛ لأنَّه يرى فيه تهديدًا للأمن النفسي الذي يمنحه له الدِّين [27].

كما تَكشِف هذه البحوث أيضًا أنَّ علماء الاجتماع الذين لا يَزال للدِّين صَدًى في نفوسهم، كما عبروا عن ذلك في توجُّهاتهم النظريَّة، لم يروا أنَّ المستقبل الكامل للدِّين، وظلَّ (الله) ابتسامة باهتة في أعمال الكثيرين منهم.

يرى مُؤرِّخو علم الاجتماع أنَّ القرن التاسع عشر كان قرن التخلُّص من الله أو التفكير فيه ولكن بصورةٍ مختلفة، كما يرون أيضًا أنَّ الله قد اختفى وإنْ كان قد نظم العالم قبل اختفائه، وأنَّ علم الاجتماع قد ظهَر في هذه الظروف محددًا أهدافه في فهْم أبنية المجتمعات الجديدة، وما إذا كان من الممكن أنْ يعيش الإنسان بدون إله.

ومنذ بُزوغ الخيوط الأولى لعلم الاجتماع أُعِدَّ له أنْ يحل محلَّ الدِّين، وليكون دينًا جديدًا، وأُعِدَّ لعلماء الاجتماع أن يكونوا رُسُلَ هذا الدِّين الجديد وأنبياءه، هذا ما قاله تلامذة "سان سيمون" الثلاثة، وهم "بازار" و"أنفانتان" و"كونت" في محاضراتهم التي ألقوها في باريس [28].

وقد حمل الأمريكيُّون لواء هذه الدعوة من الفرنسيين؛ يقول الباحثون الأمريكيون: "إنَّ مُعظَم القضايا التي تدخُل في ميدان علم الاجتماع لها ما يُناظِرها في الدِّين، وإنَّ المسألة ليست مسألةَ تشابُهٍ في القضايا فحسب، بل تشابهًا في الأدوار التي يضطلع بها علماء الدِّين وتلك التي يضطلع بها العلماء الاجتماعيون".

ويقولون أيضًا: "ليس هناك مَن يُنكِر أنَّ العالم الاجتماعي يُمارِس نفس الدور أو الوظيفة الاجتماعيَّة التي يقوم بها رجل الدِّين الذي يقرأ المستقبل في أحشاء الثور، وإنْ كان العالم الاجتماعي يقرؤه من الرسم البياني أو من تقريرٍ ما من الكمبيوتر".

وقالوا ثالثًا: بصراحةٍ واضحةٍ: "إنه يمكن النظر إلى علم الاجتماع على أنَّه أحد الضرورات البديلة للأديان التقليديَّة، إنَّ أحد الطرق التي يمكن التصرُّف بها بعد اختفاء الله هو خلق آلهة أخرى، وتطوير وسائل جديدة للخَلاص ولإنقاذ البشريَّة، ووضع تصوُّر جديد لبناء مملكة الإنسان التي ستحلُّ محلَّ مملكة الله التي اختفَتْ، ومن هنا ظهَر علم الاجتماع كدِيانة علمانيَّة جديدة".

وقالوا رابعًا: "إنَّ المعرفة فقط هي التي توصل إلى إدراك الحقيقة، وهي أساس إنقاذ الإنسان وخَلاصه، ولهذا رفَض علم الاجتماع الإيمان بالدِّين منذ نشأته".

نفذ الأمريكيون وَصايا هذا المعتوه الفرنسي وزميليه، وشكَّل علماء الاجتماع هناك جماعة دينيَّة، ولكن هل نجحوا في ذلك؟

ليقرأ رجال الاجتماع في بلادنا هذه الحقيقةَ الْمُرَّة التي انتهى إليها علم الاجتماع في الولايات المتحدة، عبْر تعليق العلماء الأمريكيين الذين يُتابِعون حركة علم الاجتماع كدِينٍ جديد، يقول هؤلاء العلماء: "لقد كان لعلماء الاجتماع كطائفة تلبس ثوب الدِّين نظرةٌ منحرفة للعالم، كانوا يعتقدون أنها صحيحة، وحاوَلُوا إقناع الآخَرين بصِدقها، واقع الأمر أنهم لم يُحقِّقوا أيَّ نجاحٍ في هذا الإقناع خارج قاعات الدرس، وكانوا يُغَطُّون فشلَهم المستمرَّ بمحاولات تنظيم أنفسهم، وعرض المكتسبات التي حقَّقَتْها جماعتهم في نشْر عقيدتها، كما كتبوا العديد من المقالات عن مُغامَراتهم الناجحة في هداية الوثنيين، وبذَلُوا جُهودًا في توثيق ما يقولون بعقْد محاضرات ومؤتمرات وندوات ولقاءات سنويَّة لإقناع أنفُسِهم بذلك، ومع بداية الستينيَّات صدَّق علماء الاجتماع الأساطير التي نسجوها حول أنفسهم مع تزايُد فُرَصِ العمل أمامهم، ومع توافُر ميزانيَّات للبحوث، وفتح أقسام جديدة لعلم الاجتماع، لم يكن النجاح الذي حقَّقوه إلا انعكاسًا لفشلٍ حقيقي؛ ولهذا كان لا بُدَّ لهم من البحث عن كبش فداء يلقون اللوم عليه، يجعلونه مَرَّةً في فساد مُؤسَّساتهم وجمعياتهم، وأخرى في فساد التوجيه النظري، وثالثة في فساد الجامعات نفسها، صاغوا كلَّ ذلك فيما أسموه بأزمة علم الاجتماع، التي لم تكن في حقيقتها سوى مرحلة انتقالية نحو معتقدات جديدة بدلاً من المعتقدات الخاصة بدِينهم الجديد" [29].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] قطب، سيد، المستقبل لهذا الدين، دار الشروق. القاهرة 1983 م، ص33 - 46.
[2] حجازي، محمد عزت، الأزمة الراهنة لعلم الاجتماع في الوطن العربي، نحو علم اجتماع عربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1986م، ص38.
[3] بادي، برتران، أثر الثورة الفرنسية في العالم الإسلامي، المجلة الدولية للعلوم الاجتماعية، باريس، 1989م، عدد 119 ص1.
[4] صبري، مصطفى، موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين، دار إحياء التراث العربي، بيروت الجزء الأول ص148-149.
[5] عيسى، محمد طلعت، أتباع سان سيمون وفلسفتهم الاجتماعية وتطبيقها في مصر، رسالة دكتوراه قُدِّمت لجامعة القاهرة، 1957 م، ص113.
[6] De Cappens, Peter Roche ,ideal Man in classical sociology, The pensylvania state uni press, 1976,pp.12-46.
[7] تابع: مصطفى صبري، ص148.
[8] لاكروا، جان، أوجست كونت؛ ترجمة: منى النجار الرافعي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ص89-90.
[9] Normano.J.F., Saint simon. And American social Forces oct.,1932,pp.8-14.
[10] تابع: طلعت عيسى، ص29.
[11] تابع: لاكروا، ص94.
[12] تابع De Cappens والتفصيلات الدقيقة عن دوركايم ص47 وما بعدها.
[13] بدوي، السيد، التربية الأخلاقية؛ لإميل دوركايم، راجع ترجمة علي عبدالواحد وافي، مكتبة مصر القاهرة، ص4 وما بعدها.
[14] clark T.Emile Durkkheim And the institutionalizaion of sociology in the French University System. Archieves d europeam de Sociologie.9.1. 1965 pp.37-17.
[15] Durkheim,Emile Divisim of habor in society,n.y.,1933,pp.32-35.
[16] علياء شكري، علم الاجتماع الفرنسي المعاصر، دار الكتاب للتوزيع، القاهرة 1979 ص36.
[17] من الكتب المدرسية التي يدرس فيها لطلبة الثانويات منذ زمن بعيد أنَّ الدين ظاهرة اجتماعية، كتاب مصطفى فهمي وآخرين، مبادئ علم الاجتماع، مكتبة النهضة المصرية القاهرة، الطبعة الأولى، القاهرة 1954، وغيره كثير.
[18] الجوهري، محمد، الكتاب السنوي لعلم الاجتماع، العدد الأول، دار المعارف - القاهرة ص7.
[19] علياء شكري، مرجع سابق، المقدمة.
[20] الخشاب، أحمد، الاجتماع التربوي والإرشاد الاجتماعي، القاهرة، ص495-496، وانظُر أيضًا مُؤلَّفه: في تاريخ التفكير الاجتماعي، ص8-13، (الدكتور أحمد الخشاب من أتباع المدرسة الإنجليزية أصلاً).
[21] إسماعيل، قباري أحمد، علم الاجتماع والفلسفة، دار المعرفة الجامعية الجزء الثالث ص155-158.
[22] الجوهري، مرجع سابق، ص8.
[23] تابع ص11.
[24] علي عبدالواحد وافي، علم الاجتماع، القاهرة 1966 الطبعة الثانية ص127-128.
[25] Johnson Benton, social Theory and the Religious Truth,Sociological Analysis 1977V.38,41,pp.368-388.
[26] Baum, symphony Commonal 1980,9, p.263.
[27] Glen, D.N. and Weiner, D. some trends in social origins of American sociologist,4,1969 p.300.
[28] Penguin books1975,p.69.Gouldner A.for sociology
[29] انظر مقالتنا: أزمة علم الاجتماع، مجلة المجتمع الكويتية، عدد 862-12 أبريل 1988 ص38-39.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
10-09-2014, 07:46 AM
مؤشرات الارتباط بين الماسونية وعلم الاجتماع
ـــــــــــــــــــــــ


اعترافات علماء الاجتماع
-----------------
الحلقة الرابعة
------------

مؤشرات الارتباط بين الماسونية وعلم الاجتماع
------------------------------------

أخيرًا، سلَّم أحدُ رجال الاجتماع في بلادنا واعتَرَف بأنَّ الشُّكوك تحيطُ بنشأة علم الاجتماع؛ شكوكٌ تتعلَّق باختِيار اسمه ومَجالاته، ومَناهِجه وإجْراءاته، ولماذا تفجَّرَ التبشيرُ بهذا العِلم الجديد في الرُّبع الأوَّل من القَرن الماضي بالذات؟ هل لإقناع الناس بضَرُورة وُجودِه ومشروعيَّته، أم لأنَّ هُناك أهدافًا حقيقيَّة كانت تعمَل من وَراء سِتار؟ يَكفِينا هذا الاعتراف كنُقطةِ بِدايةٍ، وإن توَقف صاحبه عند هذا الحدِّ في كتابه الذي كرَّسَه لخِدمة توجُّهاته الماركسيَّة[1].

واقع الأمر أنَّ تأسيس عِلم الاجتماع - ذلك الذي يُدرَّس في كلِّ جامعاتنا، بما فيها الجامعات الإسلاميَّة - يرتَبِط ارتِباطًا وثيقًا باسم الفيلسوف الفرنسي (أوجست كونت)، وقليلاً ما يُشار إلى هذا الدور المهمِّ الذي لَعِبَه أستاذُه (سان سيمون) في تأسيس هذا العلم، إنَّ (سان سيمون) هذا هو مِفتاحُنا في بَيان مُؤشِّرات العلاقة بين الماسونيَّة وتأسيس علم الاجتماع.

الماسونيَّة في حقيقتها حركةٌ تنظيميَّة ذات طابع عالمي، ولكنَّها ذات هدفٍ يهودي على وجه التحديد تكرِّس كلَّ صور العصر وأدواته للحِفاظ على الإنسان اليهودي، وتُمكِّنه من السَّيْطرة على مَسار المجتمعات الإنسانيَّة، وتوجيه خُطاها بالتحرُّر من كلِّ ضَوابط الإيمان بالله، وهي أيضًا حركةٌ سياسيَّة تعمَل على تَقوِيض أركان كُلِّ سُلطة، دينيَّةً كانت أم مدنيَّةً، وهي في أصلها مؤسَّسة يهوديَّة في تاريخها ودَرجاتها وتعاليمها وكلمات السر فيها؛ أي: إنها يهوديَّة من الألف إلى الياء، وكل ماسوني ما هو إلا تجسيدٌ للعامل اليهودي، وهي في مُعتَقداتها ومُثُلِها ولُغتها وتنظيمها تُعبِّر عن الرُّوح اليهوديَّة، وتَتطلَّع إلى الآمال التي تَتطلَّع إليها إسرائيل وتدعَمُها، وخاصَّة ما يتعلَّق منها بالقدس[2].

أمَّا (سان سيمون)، فهو مفكِّر فرنسيٌّ، وُلِدَ في باريس في 17 أكتوبر 1760 م، كان منذ طُفولته ميَّالاً إلى التحرُّر من الدين ومن سُلطة الأسرة، ألحَقَه والدُه بدير (سان لازار) فترةً من الوقت، لكنَّه كان يُفضِّل السجن عن الالتزام بتعاليم الدِّين، عاش (سان سيمون) في الحي المعروف (رويال بالاس بباريس)، وهو الحي الذي كان يجمع في ذلك الوقت وزارةَ المالية والبورصةَ وبيوتَ اللعب والدعارة، كلاًّ في آنٍ واحد، عاشَر (سان سيمون) امرأةً اسمها (جولي جوليان) عشر سنوات، ثم بعَث بها إلى أحد أصدقائه بعد أنْ وجَدَها عِبئًا عليه، حاوَل الانتِحار فأطلق الرصاص على نفسه، ولم يمتْ؛ لكنَّه فقَد عينَه اليمنى، كانت تصرُّفاته مثيرةً للشك، وباعثةً على الريبة، كان لا يتَّخذ مذهبًا واحدًا في تفكيره، بل يعلن للناس مذهبًا، ويبطن آخَر يسرُّه إلى أصدقائه وخاصَّته، صادر البوليس كتاباته ومخطوطاته، واتَّهمه بالتضليل وهدم المبادئ الدينيَّة[3]، وهو عين ما تسعى إليه الماسونيَّة.

تعرَّف (أوجست كونت) على (سان سيمون) في عام 1817م بعد أنْ بلغ الأخير الستين من عمره، أعجب سان بكونت وجعَلَه سكرتيرًا له مدَّة ست سنوات، وكان من أقرب المقرَّبين إليه، تأثَّر كونت بسان سيمون تأثُّرًا كبيرًا، واستَقَى منه العديدَ من الأفكار المدمِّرة للدِّين؛ كفكرة الإنسانيَّة العالميَّة، وقانون المراحل الثلاث، والفلسفة الوضعيَّة، كان كونت يقول عن أستاذه سان سيمون: إنَّه "إنسان أصيل وطريف، وإنَّه يحمل له صداقة أبديَّة، ويُكنُّ له الحبَّ كوالده"، وما أنْ توتَّرت العلاقة بينهما لم يعدْ كونت يتحدَّث إلا عن "التأثير المشؤوم لصداقته المنحوسة مع أحد المشعوذين المختلِّين الذين التَقَى بهم في المرحلة الأولى من شبابه!"[4] ويقصد به سان سيمون.

وفي حين يرى البعض أنْ سان سيمون وأوجست كونت هما المؤسِّسان الرسميَّان لعلم الاجتماع الغربي، فإنَّ البعض الآخَر ينسب لـ(سان سيمون) وحدَه فضْل إقامة دَعائِم علم الاجتماع الحديث، وعلى رأس هذا البعضِ الفيلسوفُ الفرنسي الماسوني الشهير (برودون)، وهو أحدُ تلامذة سان سيمون، وأحدُ أبرز دُعاة الاشتراكيَّة، لم يكنْ برودون يُخفِي احتِقاره لكونت، وكان يرى أنَّ نظريَّات كونت ليست إلاَّ تكرارًا لنظريَّات سان سيمون[5].

ويرى رجال الاجتماع العرب أنَّ سان سيمون هو مؤسِّس علم الاجتماع الحديث في أوروبا، وأنَّ أهميَّته تَكمُن في أنَّه هو المفكِّر الوحيد الذي استَطاع أنْ يُؤثِّر على كلِّ اتِّجاهات علم الاجتماع المحافظة منها والراديكالية[6]، وهنا تُوضَع علامة استفهام كبرى!

حقيقة الأمر أنَّ الماركسيَّة (سلاح الجناح الراديكالي في علم الاجتماع)، وعلم الاجتماع المحافظ (ممثَّلاً في أوجست كونت) - نبعَا من مصدرٍ واحد، هو علم الاجتماع الغربي، وقد حدَّد (جولدنر) العلاقةَ بين علم الاجتماع والماركسيَّة من ناحية، وسان سيمون من ناحية أخرى، بقوله: إنَّ التصوُّرات السوسيولوجية التي قدَّمها كلٌّ من ماركس وكونت تجدُ جذورها العميقة في فِكر سان سيمون، وقد تحرَّك نصفُ علم الاجتماع المتمثِّل في الماركسية نحو الشرق بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، حتى أصبَحَ العلم الاجتماعي الرسمي في الاتِّحاد السوفياتي، أمَّا النصف الثاني من علم الاجتماع المتمثِّل في علم الاجتماع الأكاديمي، فقد تحرَّك نحو الغرب وشكَّل جُزءًا مهمًّا من الثقافة الأمريكيَّة[7] والماركسيَّة، كما جاء في بَيان المشرق الفرنسي الماسوني الأعظم لعام 1904 بـ(وليدة الماسونيَّة)، وكان مُؤسِّساها (كارل ماركس وفريدريك إنجلز) من ماسونيي الدرجة الحادية والثلاثين، ومن مُؤسِّسي المحفل الإنجليزي، وكانا من الذين أداروا الماسونيَّة السريَّة، وصدَر بفضلهما البَيان الشيوعي المشهور.

وكان النورانيون الماسون قد دعوا في مؤتمرهم في عام 1829م بنيويورك إلى ضمِّ الحركات الفوضويَّة في روسيا وأوربا الوسطى والمجتمعات الإلحاديَّة في أوربا إلى بعضها البعض، وجعلها في منظمة عالمية يُطلَق عليها الشيوعيَّة، وكلف ماركس وإنجلز بِمُقتَضى ذلك بوضْع المبادئ والنظريَّات التي من شأنها تنفيذ المشروع، وتَمَّ إمدادهما بالمال، فكتَبَا في حيِّ سوهو بلندن كتابهما: "رأس المال والبيان الشيوعي".

هذا، وتدلُّ كافَّة الأبحاث السياسيَّة ودراسة التاريخ التحليلي للظواهر الاجتماعيَّة والسياسيَّة على أنَّ الشيوعيَّة ما هي إلا شكلٌ من أشكال العمل الماسوني اليهودي السري الموجَّه[8].

لم يكن كارل ماركس يُكِنُّ أيَّ احترامٍ لأوجست كونت، وكان يعتَبِره مُهرِّجًا سياسيًّا، وعالمًا ضعيفًا[9].

تصدَّى ماركس للدِّفاع عن سان سيمون، وخاصَّة في كتابه "الاقتصاد السياسي والفلسفة"، وهناك عبارات بأكملها استمدَّها ماركس من سان سيمون، وعلى الأخص المتعلقة منها بفكرة علوم الإنسان، والأهم من كلِّ هذا وذاك هو أنَّ كثيرًا من الفقرات التي تضمَّنها المنشور أو البيان الشيوعي الذي أصدره ماركس وإنجلز وردت بصياغات مختلفة في أوَّل استعراض شامل قدَّمه (بازار) أحد تلامذة سان سيمون لمذهبه، وكان (بازار) هو أوَّل مَن استخدم عبارة (استغلال الإنسان لأخيه الإنسان)، وهو التعبير الذي استخدمه من بعده ماركس وأتباعه من الشيوعيين[10].

أمَّا دور كايم عالم الاجتماع الفرنسي اليهودي المعروف، الذي كان يُهدِي روَّاد علم الاجتماع في بلادنا كتبهم إلى روحه، وتعدَّدت الرسائل العلميَّة لطلابنا إعجابًا به وهيامًا به، فقد أكَّد في كتابه عن (الاشتراكيَّة): أنَّه "يجب أنْ ننسب إلى سان سيمون وحدَه الشرف الذي يُنسَب إلى أوجست كونت بأنَّه أنشَأ علمًا جديدًا، هو علم الاجتماع".

ويُضِيف دور كايم أنَّ سان سيمون لم يرسم فقط خطَّة هذا العلم الجديد؛ بل إنَّه حاوَل أنْ ينفذها، ويقول أيضًا بأنَّ جميع الأفكار التي تسود عالمنا اليوم تجد جذورها عند سان سيمون، ويؤكِّد (ماكسيم لروا) أنَّ سان سيمون وليس أوجست كونت هو الذي أنشأ علم الاجتماع، ويعتبر (لروا) أنَّ سان سيمون هو الأستاذ المشترك لكلٍّ من ماركس وبرودون ودور كايم، وأنَّه هو الذي مهد الطريق إلى الاشتراكيَّة.

مهَّد سان سيمون لأفكار ماركس، وأكَّد عالِم الاجتماع (جورج جيرفيتش) في محاضراته بالسوربون عن كارل ماركس وسان سيمون أنَّ ماركس قد تأثَّر بآراء سان سيمون التي عرفها أتْباعه عام 1829 - 1830، كان ماركس صديقًا للشاعر الألماني (هن)، وكان (هن) يتردَّد على صديقه ماركس كثيرًا، وكان يرشده وصديقه الشخصي في العاصمة الفرنسيَّة التي قَدِمَ إليها قبل ماركس، وهو الذي عرَّفه بأتباع سان سيمون وجعَلَه على صلةٍ وثيقة بهم[11].

ويكفي القارئ أنْ يعلم أنَّ هؤلاء الأتْباع الذين كان ماركس على صلةٍ وثيقة بهم قد رحَلُوا إلى مصر خصيصى لضرب الإسلام بأفكار سان سيمون، تمكنوا من احتلال أعلى المناصب، التي كان منها قيادة حرس محمد علي، ونذكِّر القارئ هنا مرَّة أخرى بمقولة ماركس التي امتدح فيها محمد علي لضربه الإسلام قائلاً: "إنَّ محمد علي هو الشخص الوحيد القادر على إحلال رأس حقيقي محلَّ عمامة المراسم"[12].

كان سان سيمون قد التَقَى - كما يقول المؤرخ (ألبير ماتييه) - في عام 1791 بالزعيم الشيوعي (بابيف)، وأصبح سان سيمون بعد هذا اللقاء واحدًا من كِبار الأثرياء بعد أنْ تعدَّدت أسفاره.

هذا، ويمكن بوضوح شديد تلمُّس أفكار كارل ماركس عن الطبقات والصِّراع الطبقي، وتضامُن الطبقة العاملة (البروليتاريا) في فكْر سان سيمون، كان الأخير يرى أنَّ طبقة الصنَّاع يجب أنْ تشغل الصفَّ الأول؛ لأنها أكثر الطبقات أهميَّة؛ لأنَّ الغالبيَّة العُظمَى من المُواطِنين في أيِّ مجتمع ينضَوُون بالضرورة تحت طبقة الصنَّاع، ولكنَّ أفراد هذه الطبقة يفتَقِرون إلى الإحساس بروح التضامُن الطبقي الذي يجمع شملهم، وأنَّه لا بُدَّ من تضافُر الصنَّاع للقَضاء على الطبقة غير المنتجة[13].

هذه المبادئ الاشتراكيَّة - كما تكشف واحدةٌ من المجلات الألمانيَّة الماسونيَّة الصادرة في عام 1894 - كانت خيرَ عضدٍ للماسونيَّة، فناصرَتْها تمامًا، كما جاء في البروتوكول الثالث من بروتوكولات اليهود:
"إنَّنا نقصد أنْ نَظهَر كما لو كنَّا المحرِّرين للعمَّال، جِئنا لنُحرِّرهم من هذا الظُّلم، حينما ننصَحُهم بأنْ يلتَحِقوا بطبقات جيوشنا من الاشتراكيين والفوضويين والشيوعيين، ونحن على الدَّوام نتبنَّى الشيوعيَّة ونحتضنها، متظاهرين بأنَّنا نُساعِدُ العمال طوعًا لمبدأ الأخوَّة والمصلحة العامَّة للإنسانيَّة، وهذا ما تُبشِّر به الماسونيَّة الاجتماعيَّة"[14].

ومن أبرز المبادئ الاشتراكيَّة التي دعا إليها سان سيمون "إلغاء حقِّ الوراثة وإلغاء الملكيَّة الفرديَّة"، تصوَّر سان سيمون أنَّ فَساد المجتمعات ناتجٌ عن وجود الملكيَّة الفرديَّة، ورأى أيضًا أنَّ حقَّ الوراثة يُفسِد العلاقات الاجتماعيَّة[15].

وعن علاقة إلغاء حقِّ الملكيَّة والوراثة بالماسونيَّة هناك مشروع (آدم وايز هوايت) - أستاذ اللاهوت والقانون الديني بجامعة (أنغولد شتات) - الذي اعتَنَق اليهوديَّة، واستَأجَرَه اليهود في عام 1770 لإعادة تنظيم البروتوكولات اليهوديَّة القديمة في ثوبٍ جديدٍ، أنهى (هوايت) مشروعَه في عام 1776، وكان أهم ما تضمَّنته بنود المشروع: إلغاء الإرث، وإلغاء الملكيَّة الخاصَّة، إلى جانب إلغاء الأديان بالطبع[16].

وكما كانت الماسونيَّة وسان سيمون وَراء المبادئ الاشتراكيَّة والنظام الشيوعي، كانا أيضًا وَراء الرأسماليَّة ووَراء العُلوم الاجتماعيَّة، والفلسفة، والاقتصاد، والدِّين، والسياسة، والتاريخ، والتقنية، والصناعة، والحرب الأمريكيَّة، وإنشاء الممرَّات حول العالم، وصِياغة مواثيق عُصبة الأمم لخِدمة الأهداف الماسونيَّة.

يقول جي نورمانو - الأستاذ بجامعة هارفارد - في مقالةٍ يصفُ فيها عالميَّة وإسهامات سان سيمون: "كلُّ العلوم الاجتماعيَّة خصَّبَتْها كتابات سان سيمون، الاشتراكيَّة من صُنع سان سيمون، وهو في نفس الوقت بنى الرأسماليَّة التي تُعَدُّ إحدى الإنجازات التي كان يحلم بها والتي تُميِّز عالمنا اليوم، أثر سان سيمون في الفلسفة والاقتصاد، وفي التاريخ والدِّين والسياسة، هو المؤسِّس الأوَّل لعلم الاجتماع، وهو الذي صاغَ مسوَّدة عُصبة الأمم في عام 1814، وهو فوق كلِّ ذلك قائدٌ للنُّخبة الجديدة من السياسيين والصحفيين ورجال التقنية والصناعة، وهو المتحدِّث الرسمي باسم الجيل الذي يحمل روح التحديث الثائرة، شارَك في الحرب الأمريكيَّة في عام 1779، سافَر إلى المكسيك ليعرض على حاكِمها مَشرُوعًا لإنشاء ممرٍّ يُوصل المحيط بالبحر"[17].

من أين لرجلٍ بمفرده كلُّ هذه القدرات التي تحدَّث عنها نورمانو في مقالته التي كتَبَها دِفاعًا عن سان سيمون وأتباعه؟ سرعان ما تنكَشِف الحقيقة حينما يظهَر ارتباط سان سيمون برجال المال والبنوك اليهود في أوروبا وأمريكا، وعلى رأسهم (روتشيلد).

لَمَع اسم (روتشيلد الأول) - الذي عاش من عام 1743 إلى عام 1812م - في ميادين الصيرفة والمراباة وسائر المعاملات الماليَّة، فوجَّه الحاخامات اليهود أنظارهم لاستِخدامه واستخدام أسرته في تنفيذ مُخطَّطاتهم العالمية الكبرى، ونبَغ في هذا المجال أحدُ أبنائه (ناتان روتشيلد)، فحمل مع أبيه ومن بعده بالاشتراك مع جماعةٍ من رِجال المال اليهود من المُرابين العالميين تنفيذ مخطَّطات الحاخامات اليهود، وكان (روتشيلد الأول) قد دعا اثني عشر يهوديًّا من أرباب المال العالميين إلى (فرانكفورت)، وكان إذ ذاك في الثلاثين من عمره، وعقد المجتمِعون مؤتمرًا لتأسيس احتكارٍ عالمي يَسُوقون فيه أموال العالم إلى سُلطانهم؛ لتَسخِيرها في تحقيق الأهداف اليهوديَّة العالميَّة[18].

أُعجِب (روتشيلد) بأفكار (سان سيمون)، وتُشِير المذكِّرات المعاصرة إلى تَعاطُف (آل روتشيلد) اليهود مع أتْباع سيمون وأفكارهم، تلك التي حمَلُوها معهم إلى مصر وحاوَلُوا تطبيقها، هناك أيضًا علاقة سيمون مع رجل البنوك اليهودي (أوليند رودريج)، الذي أخَذ على عاتِقِه مهمَّة نشْر أفكاره وتحمل تكاليف ذلك.

يُضاف إلى ذلك أنَّ أخلص تلاميذ سان سيمون - وهو (إنفانتان)، قائد حملة الأتباع إلى مصر - كان ابنًا لأحد رجال البنوك، وكان (سان سيمون) على علاقةٍ وثيقة (بفرنسيسكو كابرس) مؤسس بنك (سانت تشارلز) بإسبانيا، الذي عرض بالاشتراك معه على الحكومة الإسبانية مشروع قناة (إنبار تيرو).

وكما كان الشيوعيُّون وراء سان سيمون وهو يتحدَّث عن تضامُن الطبقة العاملة والصِّراع الطبقي وإلغاء الملكيَّة الفرديَّة وحق الإرث - كان الرأسماليون وراءه أيضًا، كان رجال الأعمال من أكبَرِ المدافعين عنه وهو يتحدَّث عن ضرورة سَيْطرتهم على الثروات العامَّة، والانفِراد بحكم البلاد، وضرورة أنْ يعهد إليهم بإدارة الثروات العامَّة؛ لأنهم - في نظره - هم الذين يستطيعون تحقيق رغبات الرأي العام[19].

وبذلك تمكَّن اليهود من إحكام سَيْطرتهم المالية على العالم بمختلف نُظُمِه التي كانوا وراءها، سواء أكانت اشتراكيَّة أم رأسماليَّة.

إنَّ وقفةً دقيقة عند الكلمات التي أشرنا إليها لنورمانو عن سان سيمون، وارتباطات الأخير برجال البنوك والمال اليهود، وخاصَّة (آل روتشيلد)، وكذلك عند مقولة (دور كايم): "إنَّ جميع الأفكار التي تَسُودُ عالمنا اليوم تجدُ جذورها عند سان سيمون" - لَتَكشِفُ بوضوحٍ أنَّ عِلم الاجتماع لم يكنْ إلاَّ اختراعًا ماسونيًّا يهوديًّا، رُوعِي فيه أنْ يحتوي ويشتَمِل على مختلف التيَّارات الفكريَّة التي تُوجِّه حركة المجتمع، سواء أكانت محافظة أو ثوريَّة، بحيث لا تَخرُج عن الأُطُر التي حُدِّدتْ لها، لكن هذه التيَّارات مهما اختلفَتْ، فإنها تتَّفِق على شيءٍ واحد، وهو (ضرب الدِّين).

يضرب الاتِّجاه المحافظ الدِّين بدعوى الإيمان بالقيم الإيجابية للجوانب غير العقلانيَّة من السلوك؛ كالتقاليد والخيال والمشاعر والدِّين، مع القول باستحالة إقامة ما يُسمُّونه بالعقائد الدينيَّة التقليديَّة بشَكلِها القديم، ثم العمل على إيجاد مجموعةٍ من المعتقدات والقِيَم التي تَظهَر في دِيانةٍ وضعيَّة علميَّة يلتفُّ الناس حولها، لكنَّها ليس لها ارتباطٌ بإلهٍ أو جنَّة أو نار، ويضرب الاتجاه الثوري الدِّين ضربًا مباشرًا بنَقدِه العنيف للدِّين، ورفضه ما يسمِّيه بالعقليَّة اللاهوتيَّة الغيبيَّة.

وتُعتَبر الثورة الفرنسيَّة أحد أوجُهِ الارتِباط بين سان سيمون والماسونيَّة، مهَّدت الماسونيَّة للثورة الفرنسيَّة كما جاء في مجلَّتها آكاسيا الصادرة في عام 1903، ولعبت الماسونيَّة - كما جاء في محفل إنكرس الأكبر الماسوني عام 1923 - أهم الأدوار في إشْعال الثورة الفرنسيَّة، وقال الماسون فيها: "يجب أنْ نكون على أُهبَة الاستعداد للقِيام بأيِّ ثورةٍ منتظرة في المستقبل"[20].

عاصَر سان سيمون هذه الثورة وعايَش أحداثها، وتكشف سجلات الثورة المدوَّنة أنه أصبح في فترات لاحقةٍ أكثر ولاءً وحماسًا لها، وشارَك في بعض إجراءاتها، بل إنَّه مُنِحَ في عام 1793 شهادة المواطن الصالح مرَّتين، وشارَك أيضًا في خريف العام نفسه كعضوٍ فعَّال في الحلقات الثوريَّة المتطرِّفة في باريس[21].

أمَّا أبرز صُوَرِ العلاقة بين سان سيمون والماسونيَّة، فهي (فكرة الإنسانية) التي تُعتَبر المحور الأساس الذي تدورُ في فلكه نظريَّات علم الاجتماع[22].

يقول (هاوكنز) في "موسوعة الدِّين والأخلاق": "إنَّه يمكن أنْ ننظُر إلى الماسونيَّة على أنها دِين من صُنع الإنسان"[23].

أمَّا جيمس كارتر، فيقول: "إنَّ الماسونيَّة تُحاوِل أنْ تنمِّي دينًا جديدًا يتَّفق عليه كل الناس"[24].

وفكرة الإنسانيَّة العالميَّة هذه فكرةٌ ماسونيَّة تهدف إلى أنْ تحلَّ عبادة الإنسانيَّة محلَّ العبادة بدلاً من الله، وقد جاء في مضابط الشرق الأعظم الماسوني عام 1913 قولهم: "وسوف نتَّخذ الإنسانية غايةً من دون الله"[25]، وجاء أيضًا في كتاب "معنى الماسونيَّة" قول (ولمشهرست): "لا يَزال المعبد غير مكتمل الآن ولم ينتهِ بعد، إنَّه هذا الكيان الجمعي من الإنسانيَّة نفسها، ونحن نعرف كيف نُكمِله"[26].

والمذهب الإنساني أو النَّزعة الإنسانيَّة كما يَراه عالِمَا الاجتماع (ماكيفر وبيج) مذهب يَنزِع إلى التخلِّي عن أحكام ما فوق الطبيعة المتعلقة بالخلق والجنَّة والنار، وما تنطَوِي عليه النَّفس من خطيئة، وما أشبَهَ ذلك... ثم يعمل جاهدًا على أنْ يجمع الناس على أساسٍ من قواعد الأخلاق الاجتماعيَّة، لا على أساس المذهب الديني، أو الجماعات الدينيَّة، أو المعتقدات بوجهٍ عام[27].

والنَّزعة الإنسانيَّة طريقةٌ للتفكير تؤكِّد على أهميَّة الإنسان في طبيعته ومكانه في العالَم، وتجعَل من الإنسان وليس الله محورَ الكون؛ ولهذا فإنَّ الإنسانيَّة في جملتها وتفصيلها ثورة ضد الدِّين الذي لا تؤمن به ولا بالتدخُّل الإلهي، وترفض الله والغيبيَّات، وليس فيها مكانٌ لما هو مقدَّس أو مُوحًى به، وترى أنَّ مستقبل الحياة على الأرض يقَع على أكتاف الإنسان وحده؛ ولذا فهي تُركِّز على الحياة الدنيا دون الآخرة.

هذا، وقد أعادَ أصحاب النَّزعة الإنسانيَّة في العصر الحديث تعريف (الدين والله) بصورةٍ تؤدِّي إلى الاستِغناء عنهما بطريقةٍ مُستترةٍ غير مباشرة، لا بطريقةٍ صريحة مكشوفة.

(الله) عند البعض منهم: هو المُثُل الإنسانيَّة العليا والمبادئ الاجتماعية وحدَها، وعند البعض الثاني: هو الذات الشاملة في كلٍّ منَّا، وعند البعض الثالث: هو التفاعُل المتبادَل بين الأفراد، ومن ثَمَّ تبتَعِد هذه التعريفات عن المفهوم الحقيقي للألوهيَّة، وتقطع الصلة تمامًا بينها وبين مفهوم (الله) المألوف عند الناس.

أمَّا (الدِّين)، فهو عند أصحاب النَّزعة الإنسانية: اتِّجاه أو موقف وليس بمضمون، فالشيوعيَّة والإلحاد تدخُل بذلك ضمن الأديان، ويرى (لامونت) أنَّ أيَّ دعوة منظمة تنظيمًا اجتماعيًّا تنجَح في كسْب وَلاء الناس وعواطفهم هي دِين، وعلى هذا الأساس تكون: كرة القدم، ونقابات العمال، والإجراءات السياسيَّة، والجيوش، والجمعيات الأدبيَّة، من ضروب النشاط الدِّيني[28].

وتقول النشرة الماسونيَّة في 15 ديسمبر 1866: "علينا نحن الماسون أنْ نتحرَّر من كلِّ اعتقاد بوجود الله".

وجاء في نشرة 1922 القول: "ستقوم الماسونيَّة مقام الدِّين، والمحافل مقام المعابد".

وجاء في نشرة الشرق الأعظم في فرنسا في يوليو 1856: "نحن الماسون لا يُمكِننا أنْ نتوقَّف عن الحرب بيننا وبين الأديان؛ لأنَّه لا مَناصَ من ظفرها أو ظفرنا، ولا بُدَّ من موتها أو موتنا، ولن نَرتاح إلا بعد إقفال جميع المعابد"[29].

أمَّا (سان سيمون)، فقد أوضَحنا أنَّه كان منذ طُفولته ميَّالاً إلى التحرُّر من شؤون الدِّين، وكان يرى أنَّ الدِّين ما هو إلا اختراعٌ قامت به الإنسانيَّة، والعلم عنده هو الذي يجبُ أنْ يكون دِيانةَ المستقبل، يقول سان سيمون في أحد كتاباته: "بالنسبة لكم أيها السادة الذين تعلَمون جيدًا كم باتَت العقائد القديمة خاليةً من القوَّة والحياة، باتَ لا مفرَّ من أنْ تَشعُروا بقوَّة الحاجة إلى عقيدةٍ عامَّة جديدة تنتَمِي إلى الحالة الراهنة للحضارة والمعارف".

وقال أيضًا في موضعٍ آخَر: "إنَّ الدِّين يُصابُ بالشيخوخة مثْل المؤسسات الأخرى، وهو مثْل المؤسسات الأخرى بحاجةٍ إلى أنْ يتجدَّد بعد فترةٍ من الزمن"[30].

ويظهر اتِّجاه سان سيمون المادي الإلحادي على النحو التالي:
1- يرى سان سيمون أنَّ الإنسان هو الذي اختَرَع الله مَدفوعًا بدوافع ماديَّة، وبعد أنْ تَمَّ له ذلك الاختراع اعتَقَد في أهميَّة نفسه، ويذهَبُ سان سيمون إلى أبعد من ذلك فيقول: "إنَّ فكرة الله[31] في الحقيقة فكرةٌ ماديَّة، وهي نتيجةٌ لدورة السائل العصبي في المخ".

2- اقتَرَح سان سيمون تكوينَ جمعيَّة من واحدٍ وعشرين عُضوًا لتمثيل الإرادة الإلهيَّة في هذا الكون.
ويقول سان سيمون: إنَّ الله يُحدِّثه ويُوحِي إليه بفكرة الديانة الجديدة - ديانة نيوتن - ويقول له: "إنَّ مجلس نيوتن سوف يُمثِّلني على الأرض"، فيقسم الإنسانيَّة إلى أربعة أقسام: (الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية)، وسوف يكون لكلِّ قسمٍ من هذه الأقسام مجلس على غِرار المجلس الرئيس، وسوف يرتَبِط كلُّ فرعٍ في العالم - مهما كان مَوطِنه - بأحدِ هذه الأقسام (الأوربية الغربية بالطبع)، وبالمجلس الرئيس، ومجلس القسم الذي يتبعه، وينتخب النساء في هذه المجالس على قدَم المساواة مع الرجال[32].

ومن المُضحِكات المُبكِيات أنْ يَعرِض رجال الاجتماع في بلادنا على طلابهم آراء سان سيمون بإدارة شؤون الإنسانيَّة وفقًا للجنسيَّات السالفة الذكر، بطريقةٍ تعكس مدى ضَحالة ونضب العقيدة فيهم، بالإضافة إلى السطحيَّة الشديدة في الفَهم.

هذا محمد الغريب عبدالكريم - أستاذ ورئيس قسمي الاجتماع وعلم النفس بجامعة أسيوط بمصر - بدلاً من أنْ يشرَحَ لطلاَّبه ما وَراء أفكار سان سيمون، نجدُه يحتجُّ على سان سيمون؛ لأنَّه تجاهَل أقدم شعوب الأرض، مثل: الشعب المصري، والهندي، والصيني... التي كانت يجب أنْ تُمثَّل في مجلس نيوتن الذي يُمثِّل الإرادة الإلهيَّة لإدارة شؤون الإنسانيَّة[33].

3- كتَب سان سيمون مشروعَ تأسيس موسوعة يدخل تحتها كل ما هو ليس (بدِيني)، وقال في هذا المشروع: "إنَّني أعتقدُ في الله الذي خلَق العالم وأخضَعَه لقانون الجاذبيَّة"، هذا (الإله) الذي يعتَقِد فيه سان سيمون ليس سوى مصطلح جديد للطبيعة في صُورتها المثاليَّة، أو كما يُعبِّر عنه بأنَّه: "النظام العظيم للأشياء"، وقد حدَّد رجال الاجتماع العرب (الله) عند سان سيمون بأنَّه إلهٌ مجرَّد لا شخصي، خالدٌ في الطبيعي، ومذهبه النهائي شكلٌ من أشكال وحدة الوجود.

وعن اتِّساق مفهوم سان سيمون عن الله مع مفهوم الماسونيَّة، يقول تلميذه الفيلسوف الاشتراكي الماسوني (برودون): "ليست الماسونيَّة سوى نكران جوهر الدين، وإنْ قال الماسون بوجود الله أرادوا به الطبيعة وقواها الماديَّة، أو جعَلُوا الإنسان والله كشيءٍ واحد"أو أو جعلوا الإنسان والله ككشئ واحد، ونتيجةً لهذا الإلحاد البيِّن؛ فقد صُودِرت مخطوطات مشروع إنشاء الموسوعة الجديدة، واتُّهِم سان سيمون بالتضليل وهدْم المبادئ الدِّينيَّة.

4- ارتَبَط هدْم سان سيمون للدِّين بهدْم الأخلاق القائمة على الدِّين، ودعا إلى أخلاق دنيويَّة تقومُ على العمل والتعامُل بمنأى عن كلِّ نزعةٍ روحيَّة أو سماويَّة؛ بمعنى: إعادة بناء الأخلاق على أسسٍ جديدة، يتمُّ عبرها الانتقالُ من الأخلاق السماويَّة إلى الأخلاق الأرضيَّة التي تَتلاءَم في تصوُّره مع التطوُّر الفكري والعلمي المعاصر، ويقرُّ رجال الاجتماع العرب بأنَّ الأخلاق عند سان سيمون مسألة دنيويَّة علمانيَّة أساسًا لا غاية لها فيما وَراء القضايا الزمنيَّة، وهدفها تحقيقُ أقصى قدرٍ من السعادة في الحياة.

5- بعد أنْ قضى سان سيمون على الدِّين والأخلاق القائمة عليه، أبرَزَ دور (الفن)، هذا السلاح الماسوني المهم، وقال: إنَّ الفن سيُسهِم في صِياغة الأخلاق القائمة في المجتمع، وسيُشكِّل المعتقدات والآراء والمشاعر.

أمَّا الموسيقا، فهي عند سان سيمون وسيلةٌ من وسائل التثقيف الخلفي، وقد حدَّد (ولمشهرست) في كتابه "معنى الماسونيَّة" علاقتها بالموسيقا قائلاً: "إنَّ الموسيقا ليست هي هذا النوع الوسيلي أو الذي يُعبَّر عنه بالصوت، إنها التطبيق الحيُّ لفلسفتنا، إنها توافق الحياة الإنسانيَّة بانسجامٍ مع الله، حتى تُصبِح الروح الشخصيَّة متَّحدة مع الله"[34].

6- أسَّس سان سيمون مذهب (الوضعية)، هذا المذهب الذي انخدَع به عُلَماء الأزهر في بلادنا، وكان أحد المَعاوِل المهمَّة التي قَضَتْ على دولة الخلافة الإسلاميَّة، يُمثِّل هذا المذهب مدرسةً قائمة بذاتها في علم الاجتماع.

وقد كان مذهبًا معروفًا في القرن السابع عشر والثامن عشر، ولكنَّه لم يكن معروفًا بهذا الاسم، يعني المذهبُ الوضعي عند سان سيمون تطبيقَ المبادئ العلميَّة على جميع الظواهر الطبيعية والإنسانية، وفهمها في ضوء هذه المبادئ مجرَّدةً من (الدين) تمامًا.

كان سان سيمون مقتنعًا بأنَّ المعرفة الأساسيَّة قد تطوَّرت عبر ثلاث مراحل، هي: المرحلة (اللاهوتية أو الدينية)؛ بمعنى: تفسير الظواهر تفسيرًا دينيًّا؛ أي: الرجوع إلى تحديد علَّة الظواهر إلى الإله، ثم تأتي المرحلة (الميتافيزيقية)؛ أي: ما وراء الطبيعة؛ وهي تمثِّل تطوُّرًا بسيطًا عن الحالة الأولى؛ كالاعتقاد في أنَّ النجوم تسيرُ في دَوائر؛ لأنَّ الدوائر هي أكمَلُ الأشياء، أو تفسير النموِّ في النبات بنِسبته إلى قُوَى الإنبات، وأخيرًا المرحلة (الوضعيَّة) التي تُفسِّر الظواهر بنسبتها إلى القوانين التي تحكُمُها، والأسباب المباشرة التي تُؤثِّر فيها، والاعتماد على الملاحظة والتجريب.

ووفقًا لهذا القانون أطاحَ سان سيمون بالدِّين بعيدًا، واعتبَرَه مرحلةً مضتْ تُعبِّر عن طُفولة الإنسانيَّة، ونظَر إلى العلم كإطارٍ محقَّق وصادق من المعتقدات الراسخة التي تَحلُّ محلَّ الدين، وأنَّه هو الذي سيُقدِّم بدلاً من الدِّين النَّظرةَ المترابطة والشاملة للكون بما فيه الوجود الإنساني على أساسٍ وضعيٍّ، وليس على أساسٍ ديني؛ ذلك لأنَّ المعرفة الإنسانية قد تجاوَزت مرحلةَ التفكير الديني والميتافيزيقي، وستحلُّ طبقة العُلَماء محلَّ ما يسمُّونه برجال الدِّين، وبهذا يكون العلم قد ورِث الدِّينَ إلى الأبد، وسيَفقد ما يسمَّى برجال الدِّين وذوي الخلفيَّات الدينيَّة تفوُّقَهم الثقافي، ويصبحون غير قادِرين على مُنافَسة المثقَّفين الثوريين العقلانيين الصاعِدين، الذين سيَقُودون المجتمعَ ويَهدِمون المجتمع القديم القائم على الدِّين[35].

العلوم الوضعيَّة عند سان سيمون سوف تتصدَّى لما يُسمِّيه بالنُّفوذ الرجعي للأديان، وهي التي سوف تُوفِّر الوسائل الضروريَّة التي تُساعِد على معرفة الطبيعة وإخضاعها.

الدِّين والتفكير العيني عند سان سيمون معرفة مزيَّفة تجبر العقولَ على طاعةٍ عَمياء؛ لهذا فإنَّ التربية الوضعيَّة عنده سوف تُوفِّر معرفة عقلانيَّة يمكن الهيمنة عليها، وربَط سان سيمون بين تقدُّم المعرفة الوضعية وتضاؤل استشارة مَن يسمِّيهم برجال الدِّين في أمور الدنيا، وبذلك يصبح الاتِّصال بالعلماء بطريق مباشر وغير مباشر هو الصورة الوحيدة للإدراك العلمي السليم.

يقرُّ رجال الاجتماع في بلادنا بتأثير هذه الفلسفة الوضعيَّة على بلادنا الإسلاميَّة؛ يقول طلعت عيسى: "هذا الاتِّجاه الفكري الذي نشَأ في فرنسا، وجَد طريقَه إلى الذيوع والنجاح في الشرق مهْد الفلسفات العريقة والفلسفة الإسلاميَّة التي تَقُوم على التوحيد".

والغريب في الأمر أنَّ هذه الفلسفة لم تَلقَ نجاحًا في فرنسا، بل لقيت نجاحًا في بلادنا، وبُنِي على دَعائِمها صرح دول وإمبراطوريَّات في الشرق الإسلامي، كما يقول طلعت عيسى.

أمَّا عن دور الفلسفة الوضعيَّة - أو الفلسفة الإثباتيَّة الإلحاديَّة كما يُسمِّيها الشيخ مصطفى صبري - في القضاء على دولة الخلافة الإسلامية، فيتحدَّث عنها رجال الاجتماع في بلادنا على النحو التالي:
"كانت فكرة الفصْل بين السلطتين الروحيَّة والزمنيَّة هي الدعامة التي تغلغلت على أطرافها الفلسفة الوضعيَّة في الشرق... استولى الخليفة العثماني على مقاليد الأمور باسم الدِّين، وكان بذلك يجمَعُ بين السُّلطتين الروحيَّة والزمنيَّة في الوقت نفسه، فكان حال العالم الإسلامي أشبه بأوربا في العصور الوسطى، وبالملك الذي يستمدُّ سلطته من الله رأسًا لا من الشعب؛ ولهذا وَجدت فكرةُ الفَصل بين السُّلطتين الزمنيَّة والروحيَّة طريقَها إلى قُلوب المسلمين، وكانت الشَّرارة الأولى التي سبَّبت فيما بعدُ إلغاء الخلافة وقِيام الثورة التركية في عام 1908".

كان هذا هو الدور غير المباشر للماسونيَّة في القَضاء على دولة الخلافة الإسلامية عبر الفلسفة الوضعيَّة في علم الاجتماع، أمَّا عن دور الماسونيَّة المباشر في القَضاء على الخلافة، فيَحكِيه السلطان عبدالحميد بنفسه قائلاً:
"إنَّني لم أتخلَّ عن الخلافة الإسلاميَّة لسببٍ ما، سوى بسبب المُضايَقة من رُؤَساء جمعيَّة الاتحاد المعروفة باسم (جون ترك) وتهديدهم، اضطرِرتُ وأُجبِرت على ترك الخلافة، إنَّ هؤلاء الاتِّحاديين قد أصرُّوا وأصرُّوا عليَّ بأنْ أُصادِق على تأسيس وطنٍ قومي لليهود في فلسطين، ورغم إصرارهم فلم أقبَل بصورةٍ قطعيَّة هذا التكليف، وأخيرًا وعَدُوا بتقديم 150 مليون ليرة إنجليزية ذهبًا، فرفضتُ هذا التكليف بصورةٍ قاطعة أيضًا"[36].

وجمعية الاتِّحاد والترقي هذه التي يتحدَّث عنها السلطان عبدالحميد، تأسَّست في بادئ الأمر في باريس على يد جماعةٍ من الشبان الأتراك، الذين تشبَّعوا بالأفكار الفرنسيَّة، وأمعَنُوا في دراسة الثورة الفرنسيَّة، كانت المحافل الماسونيَّة - وعلى الأخص المحفل الإيطالي في يلانيك - تُرحِّب بأعمال هذه الجمعيَّة، وتنتَصِر لها، وكانت جلساتها تُعقَد في غُرَفِ المحافل الماسونيَّة التي يستَحِيل على الجواسيس أنْ يصلوا إليها مهما بذلوا من جهد، وكان الكثيرون من أعضاء هذه المحافل مندَمِجين في جمعيَّة الاتحاد والترقِّي، وكان أعضاء هذه الجمعية ينتَفِعون بالأساليب الماسونيَّة في الاتِّصال بإسطنبول؛ بل في التقرُّب من القصر ذاته، وأخذت هذه الجمعية تعقد الجلسات السرية وتهيِّئ للثورة ضد الخلافة، وظلَّت كذلك حتى عام 1908؛ حيث قامت بالانقلاب واستولتْ على الحكم.

خلاصة ما سبق:
-----------
أنَّ الفيلسوف الفرنسي (سان سيمون) - ذلك الذي استندَتْ إليه مختلف اتِّجاهات علم الاجتماع - كان مرتبطًا برجال المال والمرابين اليهود، كان الغرب يَراه نبيَّ الرأسمالية، في نفس الوقت الذي كانت فقراتٌ كثيرةٌ من البَيان الشيوعي الذي أصدَرَه ماركس وإنجلز مستمدَّة من سان سيمون، دعا سان سيمون إلى إلغاء حق الملكيَّة، وحق الوراثة، وهي نفس بنود المشروع الماسوني الذي صاغَه آدم هوايت، مهَّدت الماسونيَّة وأشعلت الثورة الفرنسيَّة التي عايَشَها وعاصَرها سان سيمون، وكان أكثر الناس ولاءً وحماسًا لها، دعت الماسونيَّة إلى أنْ تحلَّ عِبادة الإنسانيَّة محلَّ عبادة الله، فكرَّس سان سيمون فِكرَه للدعوة إلى الإنسانيَّة، قضَت الماسونيَّة على الأخلاق بعد أنْ قضتْ على الدِّين، وركَّزت على الفن والموسيقا، فدعا سان سيمون إلى نزْع الدِّين من الأخلاق، ثم أعاد بناءَها على الفن والموسيقا، أسس سان سيمون مذهب (الوضعيَّة) الذي كان أحد مَعاوِل هدم الخلافة الإسلاميَّة، وهو نفس ما سعَتْ إليه الماسونيَّة التي كانت وَراء جمعية الاتِّحاد والترقِّي إلى أنْ سقطت الخلافة.
--------------------------------------------------------
[1] محمود عودة، تاريخ علم الاجتماع، الجزء الأول، دار النهضة العربية، بيروت ص7.
[2] صابر طعيمة، الماسونية ذلك العالم المجهول، دار الجيل بيروت، 1986 ص11 ،12 ،121 ،141، 143، وانظر أيضًا:
E.l.Hawekins, free masonery in encyclopedia of religion and ethics,vol vi N,Y,1967.P.120.
[3] محمد طلعت عيسى، أتباع سان سيمون وفلسفتهم الاجتماعية وتطبيقها في مصر، رسائل جامعية، مطبوعات جامعة القاهرة، 1957 ص 31 ،33، 37، 41، وانظر أيضًا: بيار أنسار، سان سيمون؛ ترجمة: إبراهيم العريس، المؤسسة العربية للطباعة والنشر، 1979 ص8.
[4] جان لاكرو، أوجست كونت؛ ترجمة: منى النجار، بيروت 1977، ص20-21.
[5] يرفض برودون الأخْذ بالأديان، ويُؤكِّد أن الإنسان وُلِد ليعيش دون الاعتقاد في ديانة ما، تابع: طلعت عيسى ص10، 25.
[6] تابع: محمود عودة ص42.
[7] السيد الحسيني، نحو نظرية اجتماعية نقدية، دار النهضة العربية، بيروت 1985، ص172.
[8] تابع: صابر طعيمة ص399، 426.
[9] تابع: السيد الحسيني ص61.
[10] تابع: طلعت عيسى ص10، انظر أيضًا: هاينزموس، الفكر الاجتماعي؛ ترجمة: السيد الحسيني وجهينة سلطان، ص28.
[11] تابع: طلعت عيسى ص11، 56، 81.
[12] ز.أ.ليفين، الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث؛ ترجمة: بشير السباعي، ابن خلدون، بيروت، الطبعة الأولى 1978 ص26.
[13] تابع: طلعت عيسى ص39.
[14] تابع: طعيمة ص428-429.
[15]تابع: طلعت عيسى ص94-95.
[16] تابع: طعيمة ص424-425.
[17] J.F.Normano,Saint Aimon And America,Social Forces,oct.1932 PP.8-14.
[18] تابع: طعيمة ص421-424.
[19] تابع: Normano P.9.
[20] انظر: طعيمة ص428، وأيضًا: جواد رفعت اتلخانة، أسرار الماسونية؛ ترجمة: نور الدين الواعظ وسليمان القابلي، مدرسة دار العلوم، قطر ص28.
[21] تابع: محمود عودة ص46.
[22] من أبرَزِ المؤسَّسات الدوليَّة المتغلغِلة في عالَمنا الإسلامي الداعية للنَّزعة الإنسانيَّة (منظمة اليونسكو)، جاء في البيان المشترك لمجموعة الخبراء العشرة المجتمِعين بدعوة من اليونسكو ما نصُّه: "وهذا المجتمع يجبُ أنْ يَأخُذ صورة نزعة إنسانيَّة جديدة، يتحقَّق فيها الشُّمول بالاعتِراف بقِيَمٍ مشتركة تحت شعار تنوُّع الثقافات... إنَّ منظمةً دوليَّة مثل منظمة اليونسكو قادرةٌ على أنْ تدعو جميع قُوَى التربية والعلم والثقافة إلى تكوين نزعةٍ إنسانيَّةٍ كهذه... إنَّ قيام تفاهُم دولي ونزعة إنسانيَّة جديدة هو من جهةٍ ضروريٌّ لنَجاح العلاقات السياسيَّة، كما أنَّ هذا التفاهُم وهذه النَّزعة الإنسانيَّة الجديدة هما من جِهة أخرى عُنصران مهمَّان في مُواصَلة السعي إلى المعرفة"، انظر: أصالة الثقافات ودورها في التفاهم الدولي؛ ترجمة: حافظ الجمالي، دار الفكر العربي، القاهرة 1963 ص426.
ويقول (رينيه ماهو) - المدير العام الفرنسي الأسبق لليونسكو، والذي رافَقَها منذ عام 1946 -: "لقد خطَّط اليونسكو أنْ يُحقِّق هدفًا سياسيًّا مقصودًا، إنها لا تعمَل لمجرَّد تطوير التربية والعلم والثقافة بحدِّ ذاتها... إنَّ منظمة اليونسكو قد مكَّنت رجال يومنا ونساءه من أنْ يظهروا الأمل بصورةٍ كافية إيمانهم بأنَّ الإنسانيَّة واحدة"، ويقول في موضعٍ آخَر: "اليونسكو هي عن قصدٍ منظمة (علمانيَّة) تمامًا، ليس فقط في تركيبها، وإنما أيضًا بمجرَّد مفهومها؛ ولهذا فإنَّ علاقتها بالسلطات الدِّينية علاقة (شك وتحفُّظ)، إلاَّ أنَّه من المُلاحَظ أنَّ هذه العلاقة تتحوَّل مع الصليبيَّة إلى علاقة فهْم متبادَل؛ (بحجة) مساعدة الدول النامية.
وتجمع اليونسكو والصليبية - باعتراف (رينيه ماهو) نفسه - وحدة غرض تحت ادِّعاء (مصير الإنسان على الأرض)"؛ انظر: عزيز الحاج، اليونسكو، 1975 ص129.
ويذكر جَواد اتلخانة أنَّ مُدِيري شُعبة التعليم والثقافة في اليونسكو من اليهود مثل (سومرفيلد) و(جي إيزنهارد)، ويُدِير شُعبة الثقافة العالميَّة اليهوديُّ (ويلكسر)، والاستعلامات اليهودي (كايلن)، والميزانيَّة اليهودي (ويتز)، والهويَّة اليهودي (سبيكي)، والسياحة اليهودي (إيرامسكي)، والتعيين اليهودي (ويرسل)، انظر: جواد اتلخانة، مرجع سابق ص50، انظر كذلك: مفتريات اليونسكو على الإسلام؛ لمحمد عبدالله السمان.
[23] تابع: Hawkins P.120
[24] James Carter, free masonery, in the world book encyclopedia, vol3, childercraft int.inc.P.208
[25] تابع: طعيمة ص415.
[26] W.L.Wilmahurst,The meaning Of Masonery,Bell publishing.Com.N.Y.1980.P.71
[27] ر.م. ماكيفر، تشارلز بيج، المجتمع؛ ترجمة: علي عيسى، مؤسسة فرانكلين، مكتبة النهضة المصرية، الجزء الأول ص343-344.
[28] هنتر، ميد، الفلسفة، أنواعها ومشكلاتها؛ ترجمة: فؤاد زكريا، القاهرة ص395 وما بعدها.
[29] تابع: طعيمة ص139-140.
[30] تابع: بيار انسار ص128.
[31] يعتقد الكثيرون - ولا سيما في العالم الغربي - بالله ويؤمنون به، لكنَّ اعتقادهم وإيمانهم مبنيٌّ على أنَّ الله (فكرة) وليس بحقيقة، ويرى هؤلاء أنَّ الإيمان بوجود إلهٍ إيمانٌ بوجود فكرة الإلهيَّة، وهي فكرةٌ يقولون: إنها جميلة؛ لأنَّه ما دام الإنسان يتخيَّلها ويعتَقِد فيها، فهو يبتَعِد عن الشرِّ ويقترب من الخير؛ لهذا يَسهُل أنْ يجرَّ هؤلاء الناس إلى الإلحاد والارتداد عن الإيمان بمجرَّد أنْ يبدأ العقل في التفكير في لمس وُجود هذه الفِكرة، فإذا لم يلمس وجودها كَفَرَ بالله وألْحَدَ، والإيمان بالله كفكرةٍ وليس كحقيقة يستَتْبع أنْ يكون الخير والشر فكرةً أيضًا وليس بحقيقةٍ، وقد سار بعض رجال الاجتماع في بلادنا على هذا المنوال فنظَرُوا إلى (الدِّين) على أنَّه ظاهرةٌ، وإلى (الله) على أنَّه فكرة، والصواب أنَّ الله حقيقةٌ وليس بفكرة، وله وجودٌ ملموس ومحسوس، وإنْ كان يستحيل إدراك ذاته.
[32] تابع: طلعت عيسى ص36، 44-45.
[33] محمد الغريب عبدالكريم، نظرية علم الاجتماع المعاصر، المكتب الجامعي الحديث ص72.
[34] تابع Wilmshurst 189.
[35] يقوم المثقفون في عالمنا الإسلامي اليوم بنفس الدور الذي ألقاه على عاتقهم سان سيمون، وما درجات الماجستير والدكتوراه إلاَّ أساليبٌ مرسومةٌ ومخطَّطة ليستَمِع الناس إلى ما يقوله أصحابها، وما يُفتُون به، فيحلُّون بذلك محلَّ علماء الدِّين، ولكن على أساسٍ وضعي، وليس على أساس الكتاب والسنَّة، وهذا هو عين ما حدَث حينما تَمَّ القضاء على المحاكم الشرعية والقُضاة الشرعيين بإحلال رجال القانون والمحاكم المدنيَّة محلهم، انظر أيضًا: طلعت عيسى ص43، 48-53.


[36] انظر: انسار بيار ص 65، وطلعت عيسى ص 113، 114، 126 وطعيمة ص436.

-----------------------------------------------

عبدالناصر محمود
10-09-2014, 07:49 AM
أين يلتقي الطهطاوي بعلم الاجتماع ؟
ــــــــــــــــــ

اعترافات علماء الاجتماع
----------------

الحلقة الخامسة
------------

أين يلتقي الطهطاوي بعلم الاجتماع ؟
-----------------------

لا تَزالُ تحمِل شَوارِع أهمِّ المدُن في بلادنا - حتى جزيرتنا العربيَّة - اسم (رفاعة رافع الطهطاوي)، وما زالَ الكثيرون يَنظُرون إليه على أنَّه عالِمٌ أزهريٌّ متميِّز لَعِبَ دورًا بارزًا في خِدمة الإسلام وتَنوِير المسلمين!

إنَّ الأمر يَحتاجُ إلى بَيانِ هذا الدَّور المتميِّز الذي لَعِبَه الطهطاويُّ في ضرْب الإسلام وخلْع المسلمين من جُذور عقيدتهم، وإلقائهم في أحْضان الحضارة الأوربيَّة.

في الفترة التي خُطِّط فيها للقَضاء على الخِلافة الإسلاميَّة، كان محمد علي واليًا على مصر، كان محمد علي شخصًا سيِّئ السُّمعة، معروفًا بالقَسوة وغلظ الكبد، محبًّا للعظَمَة إلى حَدِّ الجنون، احتضنَتْه فرنسا احتِضانًا كاملاً؛ لينفذ لها كلَّ مخططاتها، أنشأَتْ له جيشًا مُدرَّبًا ومجهَّزًا بأحدث الأسلحة، وبنَتْ له أسطولاً بحريًّا، كما بَنَتْ له القناطر الخيريَّة لتنظيم عمليَّة الريِّ في مصر؛ لتعهد إليه بدورٍ خطيرٍ، أدَّاه بنَجاحٍ، وهو أنْ يَأخُذ لمصر مظاهر الحضارة الأوربيَّة؛ أي: الطريقة الغربيَّة في الحياة، وبمعنى أكثر تحديدًا: أنْ ينقل مصر من المرتكز الإسلامي إلى شيءٍ آخَر يُؤدِّي بها إلى الخروج من حيِّز الإسلام كليةً[1]، هذا الخروجُ من الإسلام اعتَبَره العلمانيُّون في بِلادنا مَكسَبًا وإنجازًا مُهِمًّا حقَّقه محمد علي لمصر، وتصوَّروا - ببلاهةٍ أو بقصدٍ - أنَّ القَضاء على محمد علي وتصفيته ودُخول الاستعمار إلى بلادنا؛ إنما كان لحِرماننا من مَكاسِب وإنجازات الحضارة الغربيَّة، وما تحمِلُه من أفكارٍ ونظريَّات ورُؤى ومفاهيم جديدة تُخالِف هذه الظُّلمة الدَّهماء الكامنة في مُتون المتأخِّرين المسلمين وشروحهم، بما فيها من تعقيدٍ وغُموض وإسفاف - على حَدِّ قولهم[2].

أسَّس له الفرنسيُّون تسعةً وعشرين مصنعًا في عام 1837.

أقنَعَه (لاميير) بإنشاء مدرسةٍ للهندسة العسكريَّة.
وفَّر له (تورنيه) وسائل النقل بالسِّكك الحديديَّة.
ساعَدَه (دي شارم) في بِناء الطُّرُق والجُسُور.
بحَث له (ليفيفر) عن المعادن وأقنَعَه باستِغلال الثروة المعدنيَّة إلى أقصى حدٍّ.
شرع له (لامي) في تنفيذ نفَق شبرا.
اهتمَّ (جافاري) و(جوندريه) بالصناعات الكيماويَّة.
أقامَ له (بوسكو) مزرعةً نموذجيَّة بشبرا تُرشِد الفلاحين إلى أنسَبِ طُرُقِ الزراعة.

عدل له (أوليفيه) أساليب الري التي كانتْ سائدةً في مصر منذ أقدم العُصور، وساعَدَه في إقامة المشاريع الكُبرَى على النيل.

أمَّا (روجيه)، فقد أقامَ له أوَّل نواةٍ لفرقةٍ موسيقيَّة كاملة العدَّة في مدرسة المدفعيَّة بطرة، فجِيء له بمجموعةٍ من الفنَّانين الممتازِين الفرنسيِّين مثل (ماشرو) و(آشار) و(ألريك)، الذين سجَّلوا له لوحات واقعيَّة تُعبِّر عن المذهب السائد في الفنِّ آنَذاك.

وفَّر الفرنسيُّون لمحمد علي معاهد الثقافة الفنيَّة للتوجيه والإعداد الفني الحر، الذي يجعَلُ من الفنان سيِّدَ نفسِه، يستَخدِم ملكاته وتصوُّراته وخَياله إلى أبعَدِ حَدٍّ ممكن غير مُقيَّد لا بمنهج ولا بتقاليد ولا دِين، قالوا له: إنَّ هذه المعاهد الفنيَّة هي سبيلُ نشْر الأخلاق العالية، وإنَّ الفنَّان ما هو إلا رسولٌ من رُسُلِ الإنسانيَّة، وهادٍ إلى الأخلاق الاجتماعيَّة الواجب توافُرها في المجتمع الحديث، أعَدُّوا له تمثالاً له ولابنه إبراهيم، ملَّكهم محمد علي مُقدَّرات مصر كلها، عيَّن محمد علي الفنان (ألريك) الذي أعدَّ له تمثاله بمدرسة الرسم بالجيزة.

أمَّا (لاربان)، فقد تولَّى قيادةَ مدرسة الهندسة العسكريَّة.
عين (دي بلفون) كبيرَ مهندسي مصلحة الطُّرُق والكَبارِي.
تولَّى (برون) إدارة مدرسة الطب.
أدار (ربرينو) مدرسة المدفعيَّة بطرة ثمانية عشر عامًا.
ورأس (دي شارم) مصلحة الطُّرق والكَبارِي... إلخ.

تزعَّم هؤلاء جميعًا (بارتلمي بروسير أنفانتان) الذي اشتَهَر (بالأب أنفانتان)، اشتَرَك (أنفانتان) في بناء القناطر الخيريَّة لمحمد علي، ومات له في هذه العمليَّة اثنا عشر رجلاً من رجاله بالطاعون، لكنَّه اعتَرَف في أحد رسائله بأنَّه لم يأتِ إلى مصر من أجل هذا الهدف.

كان مجموع رجال أنفانتان خمسةً وخمسين رجلاً، أتوا إلى مصر على ظهْر سفينتين، غادَرت الأولى ميناء مارسيليا الفرنسي في 18 مارس 1833 متَّجِهة إلى الإسكندريَّة بقيادة (بارو) و(فيلسيان دافيد)، وغادَرت الثانية الميناء الفرنسي نفسه في 23 سبتمبر من العام نفسه بقيادة (أنفانتان) نفسه، وما أنْ صَعَدَ (أنفانتان) على ظهْر السفينة حتى حيَّاه رِجالُه بنشيدٍ أطلَقُوا عليه (تحيَّة الأب)، سهر الرجال ليلتهم الأولى يُنشِدون أناشيد أسموها (الأناشيد السان سيمونيَّة)، قضت السفينة في عرض البحر تسعة عشر يومًا، وما أن اقتربت من ميناء الإسكندريَّة حتى رفَعُوا على ساريتها شعار (سان سيمون).

كان هؤلاء الرجال رجالَ فكرٍ وأدبٍ وسياسةٍ، وفن وموسيقا ورسم، وطب وهندسة، وزراعة وتجارة وصناعة، كان منهم كيميائيون وضبَّاط بحريَّة ورُؤَساء تحرير ومُحرِّرو صحف تصدُر في لندن وباريس، كان منهم أيضًا مستشرقون ودبلوماسيُّون ممَّن خدَمُوا في آسيا الصُّغرى وتركيا بالذات لفترةٍ طويلةٍ[3].

مَن هم هؤلاء الرجال؟ ولماذا جاؤوا إلى مصر؟ وما علاقتهم بالطهطاوي وعلم الاجتماع؟
هؤلاء الرجال هم أتْباع المفكِّر الفرنسي (سان سيمون) مؤسِّس علم الاجتماع وأستاذ (أوجست كونت)، أمَّا لماذا جاؤوا إلى مصر؟ فقد جاؤوا لضرْب الإسلام عن طريق تَلقِيح أفكاره بأفكار سان سيمون، ولهدف آخَر أكثر تحديدًا أسموه (تغيير نظرة الشرق المُحافِظ إلى المرأة)، وهي الأهداف نفسها التي سعَى إليها الطهطاوي وكرَّس لها حياتَه وجُهدَه وفكرَه، كما أنها هي الأهداف عينها التي قامَ بها علم الاجتماع في الماضي، ويستمرُّ في السَّير عليها اليوم في كلِّ جامعاتنا، بما فيها الجامعات الإسلاميَّة.

كان (رفاعة الطهطاوي) حلقةَ الوصل بين مصر والعالم الغربي من جهةٍ، وعلم الاجتماع من جهةٍ أخرى، ممثَّلاً في (أوجست كونت) وأتْباع (سان سيمون)؛ ولهذا فإنَّ الذين أرَّخوا لعِلم الاجتماع في مصر أوضَحُوا أنَّ الأفكار التي حملَها (الطهطاوي) تحدَّت الأفكار القديمة، وأعدَّت لمرحلة الانقطاع عن الماضي (أي: الإسلام)[4].

حينما نفَّذ (محمد علي) والي مصر سياسة التغريب ابتَعَث طلابًا شبَّانًا إلى فرنسا، وجعَل الطهطاوي معلمهم الديني، اتَّصل الطهطاوي أثناء بعثته إلى فرنسا (1826-1831) بأوجست كونت وتتبَّع أبحاثه، كما اتَّصل في نفْس الوقت بالفيلسوف الإنجليزي المُعاصِر لهما (جون ستيوارت ميل)، كانتْ شخصيَّته (الطهطاوي) محلَّ إعجاب (أوجست كونت)، وموضع تعليق الفيلسوفين الفرنسي والإنجليزي في الرسائل المتبادَلة بينهما[5].

اتَّصل (الطهطاوي) بأتباع (سان سيمون) في باريس، ثم قابَلهُم في القاهرة حينما جاؤوا إلى مصر داعِين إلى مذهَبِهم، ونقَل عنهم الكثيرَ من الآراء والأفكار والنظريَّات الاجتماعيَّة التي أسهَمتْ في فَساد إسلام المصريِّين، والمرأة المسلمة بصفة خاصَّة.

كان الطهطاوي - كما يقول الأستاذ (محمد قطب) - واحدًا من الأئمَّة العِظام يوم ذهَب إلى فرنسا، وعاد إلى مصر واحدًا من أئمَّة التغريب، ورسم نُقطة بداية تسرُّب الخطِّ العلماني إلى مصر والعالم الإسلامي، استقبَلَه أهلُه بالفرح يومَ عادَ من فرنسا بعد غيبة سِنين، فأشاحَ عنهم في ازدِراءٍ، ووسمَهُم بأنهم فلاَّحون لا يستحقُّون شرف استِقباله[6].

لكنَّ السؤال المهمَّ هنا هو: مَن هم أتْباع (سان سيمون) هؤلاء؟ وأين يلتَقِي بهم (الطهطاوي)؟
إنهم (ماسونيون) مثل أستاذهم، ويلتَقِي معهم الطهطاوي في نقطة تحقيق أهداف الماسونيَّة في القَضاء على الإسلام، وتدمير الخِلافة الإسلاميَّة، وتغريب المسلمين، سَواء أكان يَدرِي أو لا يدري أنهم ماسونيُّون.

في التاسع عشر من مايو 1825 مات (سان سيمون)، وقد أحاطَ به جمعٌ من أتْباعه المُخلِصين الذين آلوا على أنفُسِهم حمْل رسالة أستاذِهم من بَعدِه، من بين هؤلاء الأتْباع رجلُ المال اليهودي (أوليند رودريج)، والدكتور (بيلي)، والمشرع (دي فرجييه).

انضمَّ إليهم (أنفانتان) في اليوم التالي للوَفاة، قادَ أنفانتان الحركةَ الفكريَّة لمدرسة سان سيمون زُهاء ربع قرْن من الزَّمان، كرَّس هؤلاء الأتباع جُهدَهم ووقتَهم ومالَهم لإحياء دَعوة سان سيمون وتطبيقها في مصر، وكما ذكَرنا في فَصْلٍ سابقٍ فإنَّ (كارل ماركس) كان قد اتَّصَلَ بهؤلاء الأتْباع عن طريق الشاعر الألماني (هن)، وكان على صلةٍ وثيقةٍ بهم.

وذكَرنا أيضًا أنَّ (ماركس) امتَدَح (محمد علي)؛ لأنَّه الوحيد الذي استَطاع - في نظَرِه - أنْ يُطِيح بما أسماه (عمامة المراسم)، وأنْ يضَع بدلها رأسًا حقيقيَّة، إشارةً إلى ضَربِه للإسلام واستِبداله به الأفكار اللاإسلاميَّة[7].

تخرَّج العديدُ من هؤلاء الأتباع من مدرسة الهندسة العسكريَّة في باريس، لماذا مدرسة الهندسة العسكريَّة بالذات التي تجمَّع بها الأتباع، وكانت من أهمِّ عوامل نجاح دعوتهم؟ ولماذا قال (أنفانتان) عنها: "يجبُ أنْ تُصبِح مدرسة الهندسة العسكريَّة المجرَى الذي تَسِيرُ فيه أفكارُنا لتَشِيع في المجتمع الخارجي"؟ ولماذا أرسَلَ محمد علي مُبتعَثيه - وعلى رأسِهم الطهطاويُّ - إلى هذه المدرسة بالذات؟

علامات استفهام كثيرة تحتاج إلى مزيدٍ من البحث، أمَّا الشيء الواضح هنا، فهو أنَّ هذه المدرسة تمثِّل مَعقِلاً ماسونيًّا قويًّا التَقَى فيه الطهطاويُّ بأتْباع سان سيمون.

قبل أنْ يرحَلَ (الأتْباع) إلى مصر أسَّسوا لأنفُسِهم في باريس معبدًا خاصًّا أسموه (كنيسة شارع مونسيني)، اختارَ (الأتباع) كلاًّ من (بازار) و(أنفانتان) آباء لهذه الكنيسة، كما أسَّسوا أيضًا بعضًا من الأديِرَة الصغيرة، أعدَّ الأتْباع في هذا المَعبَد العُدَّة لدعوتهم الجديدة، وصاغُوا لها حِكَمَها وأناشيدَها، سنَقِفُ هنا عند أحد هذه الأناشيد، واسمه (نشيد افتتاح المعبد)، الذي تكشف كلماته عن المرامي اليهوديَّة لتدمير الدِّين عامَّة، والإسلام خاصَّة، يقول النشيد:
"إنَّ بابل الشرق القديمة وأهرامات مصر وكنائس آبائنا، كلها بجانب المعبد المارد تظهَرُ كالأقزام، وبجانب عظمته كالمتسوِّلين العُراة".

يُفسِّر طلعت عيسى هذه الكلمات فيقول: "يهدف أتْباع سان سيمون إلى تكوين وحدةٍ تشمَلُ الإنسانيَّة جَمعاء دُون اعتِبارٍ لاختلافٍ ديني أو عُنصري، فالدِّيانات القديمة التي قامَتْ في بابل ومصر وكنائس الآباء والأجداد، كلُّها تَتضاءَل أمام الوحدة الأصيلة التي سيُحقِّقها قيامُ المعبد الجديد، الذي تكون فضيلته الأساسية العملَ والإنتاج، معبد دعامته أخلاق دنيويَّة صناعيَّة بعيدة كلَّ البُعد عن النَّزعات الميتافيزيقيَّة أو التيولوجيَّة (الدينيَّة) التي تَسُودُ عصرَ ما قبل التصنيع".

ومن الجدير بالذِّكر أنَّ رئيس الحكومة ووزير الحربيَّة في فرنسا كان قد أصدَرَ أوامرَه بمنْع هذا النشيد ولو بالقوَّة.

حاوَل الأتْباع الدعوة إلى مذهبهم، وتعبئة الرأي العام الفرنسي للسفر إلى مصر في المدن الفرنسيَّة؛ مثل: ست، ومونبلييه، وليون وغيرها.

أدرك الفرنسيُّون الطابعَ الإلحاديَّ للدعوة، فواجَهُوهم بالاستِنكار والإهانة، والضرب والقذف بالحجارة، وحاوَلُوا إلقاءَ الأتْباع في نهر الرون، رفَع النساء والأطفال في وُجوههم شعارات: عاشَ الدِّين، عاشَ الصليب، ليسقُط الأنبياء المزيَّفون الأفَّاكون السياسيُّون ورِفاق المرأة، طالَبت الجماهيرُ بقطْع رقابهم، تصدَّى لهم الجيش والبوليس الفرنسي، وعمل على الإسراع برحيلهم إلى مصر التي أسماها (بلاد الخازوق)، وألقي القبض عليهم وقُدِّموا إلى محكمة السين بتُهمة تشويه القِيَم الأخلاقيَّة، وتمخَّضت المحاكمة عن سجن (أنفانتان) في عام 1832.

كان (أنفانتان) وفيًّا متحمِّسًا في تنفيذ مبادئ أستاذه (سان سيمون) رسول الإنسانيَّة - كما كان يُسمِّيه - وكان يعتَقِد أنَّ الله أرسَلَه لإنقاذ البشريَّة كما فعل من قبلُ عيسى ومحمد والأنبياء أجمعون، وذلك كما جاء في رسالته إلى أحد تلامذته.

بدأ (أنفانتان) في سجن (سان بلاجي) يُخطِّط للسفر إلى مصر؛ لتطبيق أفكار (سان سيمون) التي صبَغَها هو وأتباعه بصفة الحتميَّة، واعتبَرُوها لازمة التحقيق، كتب (أنفانتان) في مذكِّراته الخاصَّة عن مصر: "غادَرت سجني في الغرب، وسأضَعُ نفسي في خِدمتك".

لماذا كان يَسعَى الأتْباع إلى الرحيل إلى الشرق وإلى مصر؟ لنقف قليلاً عند كلمة "الرحيل إلى الشرق وإلى مصر"، ولنَرَ جذور ارتباطاتها بالماسونيَّة.

جاء في الرسائل التي أرسَلَها أنفانتان إلى رجاله:
"الشرق، تلك الكلمة الساحرة المليئة بالضِّياء والغُموض، الشرق الغامض غموض الصحراء، يمكنك أنْ تبشِّر الشرقَ بمقدمي، وأنْ تعتبرَه الوطن الذي نرنو إليه.. الشرق معناه مصر الساحرة، أرض فرعون وموسى وأرض النيل".

وعن ارتباط الشرق ومصر بالماسونيَّة، رجَعنا إلى مجموعة المحاضرات التي أُلقِيتْ وكُتِبتْ إلى أعضاء المحفل الإنجليزي الماسوني الأعظم، والتي ضُمَّت في كتابٍ يحمل اسم (معنى الماسونية) ألَّفه (ولمشهرست) الذي يُوصَف بأنَّه مؤرخٌ متميِّزٌ عالِمٌ بالدِّيانات، خدَم الماسونيَّة اثنين وثلاثين عامًا.

يقول (ولمشهرست): "إنَّ الأسئلة التي يطرَحُها كلُّ مَن يَدخُل المحفل الماسوني: مَن أنا؟ من أين أتَيْتُ؟ وأين سأذهب؟ تجيب عليها الماسونيَّة إجابات مشرقة ونورانيَّة: إنَّنا أتينا من الشرق الغامض، المصدر الأبدي للضِّياء والحياة... وفي الدرجات العُليا من الماسونيَّة من المفروض على الماسوني أنْ يوسع معرفته، وأنْ يتحقَّق من أنَّ المصدر الأساسي للحياة ليس في الغرب وليس في هذا العالم، إنَّه في الشرق الذي أتَيْنا منه أصلاً، إنَّ كلَّ الحياة الإنسانيَّة نشَأت في هذا الشرق الغامض وانتَقلتْ معنا، إنَّ الغرب يجبُ أنْ يعود مرَّة أخرى إلى مصدره، إنَّ الماسونية ما هي إلاَّ سلسلة من التمثيليَّات الدراميَّة التي تهدف إلى إعداد هؤلاء الذين يُعنَون باكتِشاف فَحواها، مُستَفِيدين من التلميحات التي تُطلِقها في شكلٍ مجازي، وبالأمثلة التي تُقدِّمها، والتوجيهات التي تُعزز بمقتضاها عودتنا إلى الشرق... نحن نعرف كيف أنَّ الطموحين للحكمة الغامضة زاروا مصر"[8].

إنَّ تفسير كلِّ ما سبق، وقراءة الوثائق الخاصَّة بمجيء الأتْباع إلى مصر، والتي ظلَّت محبوسةً وسريَّةً في وزارتي الحربيَّة والخارجيَّة الفرنسيتين - لا تكشف إلاَّ عن هدفٍ بعيدٍ، هو التمهيد لقِيام الدولة اليهوديَّة في الشرق، وتحقيق الأحلام اليهوديَّة في التوسُّع من النيل إلى الفرات، والتي لا تقومُ إلا بضرب الإسلام وتغريب المسلمين.

صحيحٌ أنَّ هذا الهدف لم يَظهَر بوضوحٍ في هذه الوثائق، وإنما يُفهَم عبر التلميحات التي جاءَتْ عبرها، كانت كلمات (أنفانتان) وتصرُّفاته لا تخلو من المجازات والغُموض؛ مثل قوله لأحد رجاله: "نعم، إنَّني جئتُ إلى مصر لأقومَ بتوصيل البحرين بعضهما ببعض، وأنت قد جئت لنفس المهمة أيضًا، ولكنِّي جئتُ إلى مصر لأقوم كذلك بشقِّ قناة بنما".

ويفسر ذلك قول (ولمشهرست): "إنَّ تعاليمنا محجوبة الهدف، وتأتي في صورة مَجازات واستعارات رمزيَّة، إنَّ الأسرار العميقة للماسونيَّة لا تطفو على سطح الشعائر ذاتها، وهي مثل الأسرار العميقة للحياة: محجوبة بشدة، ومخبَّأة بإحكامٍ".

أقرَّ رجال الاجتماع في بلادنا أنَّ مجيء الأتباع إلى الشرق كان يحمل وراءه غايات وأهدافًا سياسية واقتصادية واجتماعية، وأنَّه كان استكمالاً لِحَملة بونابرت على مصر.

جاء في خِطاب أحد الأتباع إلى (أنفانتان) إشارة صريحة لذلك، يقول فيها: إنهم "أمام حملة مسيحيَّة جديدة، بدأتها فرنسا الجمهوريَّة في عام 1799، وأُعِيدت هذه الحملة عن ضميرٍ مخلصٍ لذات الغاية في عام 1833".

كانت الحملة الأولى صليبية عسكرية، أمَّا الحملة الثانية، فهي حملة يهودية ماسونية تحت مسمَّى (المسيحيَّة الجديدة).

هذه المسيحيَّة الجديدة كما جاءت في كتابات (سان سيمون) في 1825 هي (الشيوعيَّة)، التي تقومُ في صورة مبادئ لأخلاقٍ اجتماعيَّة ذات مظهر مسيحي تكونُ لصالح الطبقة العاملة، ولا مكان فيها لما يُسَمُّونه بالعبادات والطقوس، وليس فيها إلهٌ، ولا جنَّة ولا نارٌ، ولا تهديد ولا وعيد.

هذا، وقد عبَّر (أنفانتان) عن ذات الهدف في رسالته إلى تلميذه (بارو) مُشِيدًا بالدور الذي أسهَمَ فيه محمد علي لإنجاز هذا الهدف، فقال: "لقد حطَّم النيل جسوره، واندَفَع إلى مسافاتٍ تجاوزَتْ بكثيرٍ ما وصَل إليه سيره يومًا ما، حاملاً المبادئ التي أثارَها نابليون على ضفافه، والتي أضفَى عليها محمد علي الخصوبة...".

ورغم الدِّفاع المستميت من جانب رجال الاجتماع في بلادنا عن سان سيمون وأتْباعه، فإنَّ الوثائق أجبرَتْهم على الاعتراف بأنَّ للحَملة غايات دينيَّة أو سياسيَّة خفيَّة.

يقول طلعت عيسى مُعلِّقًا على خِطاب لاميير لأنفانتان: "كيف يربط لاميير بين الحملتين؟ كيف يعتبر أنَّ رحيل أتباع سان سيمون إلى مصر هو حملة مسيحيَّة جديدة؟ هل كانت وَراء أهداف المدرسة السان سيمونية غايات دينيَّة أو سياسيَّة خفيَّة؟ وما معنى خِطاب أنفانتان إلى بارو قبل سفَرِه إلى مصر يُوصِيه قائلاً: "عليك أنْ تطلع وتكون على علمٍ تامٍّ بجميع الأعياد الإسلاميَّة وبتقاويم المسلمين الدالة على هذه الأعياد، وعليك أنْ تبحث عن كلِّ ما يقرب الصلات الشرقية والغربية المحمدية والمسيحية"؟

قلنا: إنَّ الطهطاوي ابتُعِث إلى مدرسة الهندسة العسكريَّة بباريس، وهي المدرسة التي تخرَّج فيها (أتباع سان سيمون)، والتي وصَفناها بأنها معقل ماسوني مهم، في هذه المدرسة تمَّت إعادة تشكيل هويَّة (الطهطاوي)؛ ليُشارِك الأتباع في ضرب الإسلام وتغريب المسلمين.

الإسلام عند الأتْباع مجموعة نُظُمٍ بالية لا بُدَّ أنْ تُوجَّه إليها الضربات، ولا بُدَّ من إعداد وتعبئة الرجال الذين يتَّجِهون من الغرب إلى الشرق لأداء هذه المهمَّة، ولم يكن (الطهطاوي) إلاَّ واحدًا من هؤلاء الرجال المتحمِّسين المستعدِّين للقِيام بهذا العمل، والمتشرِّبين لما عند الغرب تشرُّبًا تامًّا، هذا ما تكشفه رسالة (هنري فورتيل) إلى (أرليه ديفور)، التي يقولُ له فيها: "صديقي، ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ أهمَّ عملٍ لنا في فرنسا سوف يقوم على إعداد الرجال المتحمِّسين للتدفُّق من الغرب إلى الشرق... يحملون الضربات القاضية للنُّظُمِ البالية، وهم في غَمرة الحماس الذي يُصاحِب إنشادهم للمارسلييز".

حدَّدت الوثائق الفرنسيَّة السبيلَ الذي اتَّبعه الأتباع في ضرْب الإسلام وتغريب المسلمين، وهو السبيل نفسه الذي سلَكَه (الطهطاوي)، تقول الوثائق: إن الأتباع "كانوا يهدفون إلى تلقيح الأفكار القديمة التي تسودُ الشرق بأفكارٍ جديدة ظهرت في الغرب وتأكَّد نجاحُها، أو بمعنى آخَر: كانوا يهدفون إلى تغيير الأساليب القديمة التي عفا عليها الفكر والزمن بأساليب حديثة، وتحويل العادات العتيقة إلى عاداتٍ تُلائِم مُقتَضَى الزمان والمكان".

سار (الطهطاوي) على هذا النهج نفسه؛ فحقَّق نجاحًا أذهَلَ أعداء الإسلام بمختلف ميولهم واتِّجاهاتهم؛ هذا "ز. ليفين" يقول في مُؤلَّفه الذي يَحمِل طابعًا ماركسيًّا: "لم يكن هناك بُدٌّ من توضيح المفاهيم الجديدة للقارئ بالمزاوجة بينها وبين الأفكار المألوفة، وكان على الطهطاوي أنْ يُعبِّر عن الأفكار الجديدة في صِيغة قديمة، فهو في سِياق دفاعه عنها يُورِد عشرات من الاستِشهادات من القُرآن والأحاديث النبويَّة وأمثلة من التاريخ العربي، ويَسُوق المقارنات في مُصطَلحات إسلاميَّة، ويُورِد آراء لأعلام عرب تتَّفق مع ما يذهَبُ إليه، وإنَّ الدقَّة التي يفعل بها الطهطاوي ذلك لَتشهَدُ بشكلٍ غير مُباشِرٍ على فهْمه العميق لغَرابة الأفكار والمفاهيم الجديدة بالنسبة لِمُواطِنيه.. وهو لا يجدُ فرقًا كبيرًا بين مبادئ القانون الطبَعِيِّ والشريعة، ويُحاوِل التدليل على أنَّ الأشكال الأوربيَّة للنِّظام الاجتماعي معروفة للمسلمين منذ زمنٍ بعيد، ولا تَعارُض بينها وبين الإسلام، لقد كان نشاط الطهطاوي أوَّل مساهمة كبرى في الدعوة لآراء المنورين الفرنسيين الاجتماعية-السياسية بين العرب"[9].

هذا المسلك الذي سلَكَه (الطهطاوي) هو المسلك نفسه الذي يَسلُكه اليوم مَن يُحاوِلون تأصيلَ علم الاجتماع أو علم النفس في بلادنا، فيُلبِسونهما رداءً إسلاميًّا، مُتَجاهِلين أنَّ الإسلام والكفر لا يلتَقِيان.

انطَلَق الأتْباع والطهطاوي من مدرسة الهندسة العسكريَّة لإنجاز هدفٍ أكثر تحديدًا، وهو إفسادُ المرأة المسلمة، كان الأتْباع يسعَوْن إلى تغيير نظرة الشرق المحافظ إلى المرأة.

وكانوا وهم يتجوَّلون في المدن الفرنسيَّة يرفعون شعار أنهم ذاهبون للبحث عن المرأة في مصر، ورغم أنَّ رجال الاجتماع في بلادنا يقولون: إنَّ البحث عن المرأة رمزٌ حركي (للجمهوريَّة)، فلا فرقَ يبدو عندنا؛ لأنَّ (الجمهوريَّة) كانت تعني (الشيوعيَّة) كما تقول وثائق الشرطة الفرنسيَّة عن الأتْباع، كان الأتْباع يسعَوْن إلى تغيير نظْرة الشرق المُحافِظ لتتَّسق مع نفْس نظرة كلٍّ من الأستاذ والأب للمرأة، كان (أستاذُهم) سان سيمون منغمسًا في الحب المفتوح دون أنْ يُبشر به، كما تقول موسوعة العلوم الاجتماعيَّة[10]، أمَّا (الأب) أنفانتان، فقد كان من أنصار الحب المفتوح مثل أستاذه.

وتشهَدُ الموسوعة الأمريكيَّة[11] بأنَّ لأنفانتان نظرةً متطرِّفة عن الزواج، الذي رأى فيه ضرورة أنْ يكون مرنًا مطَّاطًا يُوافِق الأمزجة الخاصَّة لأطرافه، أمَّا موسوعة تشامبرز، فقد شهدت أنَّ (أنفانتان) قسَّم الزواج إلى نوعين: أولهما: دائم بحيث يَتناسَب مع الأمزجة المستقرَّة، والثاني: مُتغيِّر ووقتي يُلائِم الأمزجة الحيَّة والمتقلِّبة[12].

وكما أكَّدت الموسوعة الأمريكيَّة اعتِقال الحكومة الفرنسيَّة لأنفانتان وإيداعه السجن بسبب أفكاره التدميريَّة، فإنَّ الموسوعة البريطانيَّة حدَّدت أنَّ اعتقاله كان بسبب قِيادته لجماعةٍ سريَّة محظورة، وبسبب تشجيعه لِمُمارَسات مضادَّة للأخلاق العامة[13].

أمَّا (الطهطاوي)، فقد دعا إلى تحرير المرأة؛ أي: سُفورها، وإلى اختلاطها بالرجال، بل إنَّه أزالَ عن الرقص المختلط وصمةَ الدنس، فقال: إنَّه حركات رياضيَّة مُوقَّعة على أنغام الموسيقا، ولا ينبغي النظَر إليه على أنَّه عمل مذموم.

امتدحت المشتغلات بعِلم الاجتماع في بلادنا أفكار وآراء (الطهطاوي)، وقلن: إنَّ قيمة وأهميَّة الأفكار التي نادَى بها المجدِّدون الإسلاميُّون تنبع من قُدرتها على التحريض على التمرُّد، والثورة على الأوضاع القائمة التي تميَّزت بالتخلُّف والجمود، وسفَّهن ممَّا أسمينَه بالخِطاب السلفي الرجعي، الذي ارتَبَط بحسن البنا وحسن الهضيبي وسيد قطب، كما امتَدَحنَ أفكار (قاسم أمين) التي جاءت امتدادًا لأفكار (الطهطاوي)، وركَّزن بصفةٍ خاصَّة على قول الأوَّل بأنَّ الحِجاب يخلُّ بنظام الجسد، ويُضعِف الأعصاب، وأنَّه أثرٌ من آثار الاستبداد الذي كبَّل الحياةَ السياسيَّة المصريَّة، وأنَّه فُرِضَ على المرأة لإعلان ملكية الرجل لها واستئثاره بها.

جاءَت الصَّحوة الإسلاميَّة لتَضرِب هي بدَوْرِها أماني وأحلام المُشتَغِلات بعلم الاجتماع في إفساد المرأة المسلمة في الصميم، ها هي (ليلى عبدالوهاب) - أستاذة الاجتماع في مصر - بعد أنِ امتَدحَتْ آراء الطهطاوي، تشهَدُ بنفسها على بُذور انطِفاء جَذوتها، ممثَّلة في انتِشار الحِجاب بين أعدادٍ كبيرةٍ من النِّساء من مختلف الطبقات والشرائح الاجتماعيَّة، وفي الريف والحضر، سجَّلت بنفسها إيمان النساء بأنَّ المرأة إذا خرَجتْ سافرةً استَشرَفها الشيطان، وسطَّرت بنفسها الآيات الدالَّة الداعية إلى الحِجاب في سورتي الأحزاب والنور، وسجَّلت نظرة النساء إلى قاسم أمين وهدى شعراوي على أنهما صنمان، وأنهما يُمثِّلان النقطة السوداء في تاريخ المرأة، وشهدت أيضًا رفْض النساء لِحُكمِ المرأة ورئاستها للدولة وللوزارة؛ استِنادًا إلى قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما أفلَحَ قومٌ ولَّوا أمرَهم امرأة))[14].

أردنا أنْ نقول هنا: إنَّ الأفكار التي حملها الطهطاوي والاتِّصال بالغرب قد مهَّدا لتأسيس عِلم الاجتماع في مصر، أثبتنا هنا الارتباط بين الأهداف الماسونية وأهداف أتْباع سان سيمون الذين التَقَى بهم الطهطاوي في مدرسة الهندسة العسكريَّة بباريس، ونفذ معهم ما سعَوْا إليه من ضربٍ للإسلام وتغريبٍ للمسلمين، وإفسادٍ للمرأة المسلمة؛ عن طريق تَلقِيح أفكار الإسلام بأفكار سان سيمون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ليلى عبدالوهاب، تأثير التيارات الدينية في الوعي الاجتماعي للمرأة المصرية، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1990، ص281-295.
[2] معن زيادة، معالم على طريق تحديث الفكر العربي، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة، الكويت، 1987، ص174.
[3] انظر تفصيلاً لكلِّ ما جاء في هذه المقالة عن أتْباع سان سيمون في: محمد طلعت عيسى، أتباع سان سيمون: فلسفتهم الاجتماعية وتطبيقها في مصر، رسائل جامعية، مطبوعات جامعة القاهرة، 1957، انظر أيضًا: الوثائق المهمَّة التي جاءت في الرسالة والتي استندنا إليها هنا ص172حتى 283.
[4] انظر الفصل الخاص (هل تحتاج بلادنا إلى علماء اجتماع؟).
[5] مصطفى فهمي وآخرون، مبادئ علم الاجتماع، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الأولى 1954، ص (و، ز).
[6] تابع: طلعت عيسى ص77، 81.
[7] ز.ا. ليفين، الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث، ترجمة: بشير السباعي، دار ابن خلدون بيروت، 1978، ص26.
[8] W.l.WILMSHURST. The Meaning Of Masonary,Bell publishino Co.,N.y., 1980، P.29,30,48,50,178,179.
[9] تابع: ليفين ص36.
[10] Martin U.Martel, Saint Simon,The Encyclopedian Of Social Sciences,The Fress.U.S.A,v.13.Pp.593-44.
[11] Corporation,U.S.A ,V.10.P.333 The encyclopedia Americana,
[12] Chambers Encyclopedia,London,1973,v.8.P.172-173.
[13] The New Encyclopedia Britannica,E.B.inc.,London,1973-74V.3 P844.
[14] محمد قطب، واقعنا المعاصر، مؤسسة المدينة، جدة، 1989 ص205-210.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
10-09-2014, 07:52 AM
الهدف ليس علم الاجتماع فحسب !
ـــــــــــــــــ



اعترافات علماء الاجتماع
----------------

الحلقة السادسة
------------

الهدف ليس علم الاجتماع فحسب
---------------------

أتْباع سان سيمون - مؤسِّس علم الاجتماع وأستاذ أوجست كونت الذي تلتَقِي عنده مختلف تيَّارات واتِّجاهات علم الاجتماع؛ المحافِظة منها والراديكاليَّة - جاؤوا إلى مصر؛ لتَطبِيق أفكار أُستاذهم، وتمكَّنوا من السَّيْطرة على محمد علي وعلى مُقدَّرات الإنتاج في مصر، وتَكشِف لنا الوثائقُ التي كانت حبيسةً في وزارتي الخارجيَّة والحربيَّة الفرنسيَّتين، وفي مدرسة الهندسة العسكريَّة ومكتبة الترسانة بباريس - أنَّ القضيَّة لم تكنْ قضيَّة (علم اجتماع) فقط، بل إنها أبعد من ذلك بكثيرٍ.

جاءَ أتْباع سان سيمون إلى مصر يَحمِلون معهم مشروعًا لشَقِّ قناة السويس ومشروعًا آخَر لتصنيع مصر[1]، كيف يكون ذلك لخير المسلمين في مصر والله - تعالى - قد حدَّد بوضوحٍ أنهم لا يَرجُون فينا إلاًّ ولا ذمَّة؟!

قال الأتْباع في البداية: إنَّ مشروع شقِّ قناة السويس عملٌ تستَلزِمه (الديانة) السان سيمونيَّة، هدفُه تحقيق الإرادة الإلهيَّة التي حملها (رسول الإنسانيَّة) سان سيمون، ولَمَّا شعروا بافتِضاح أمْرهم عدَّلوا الهدف فقالوا: إنَّه عملٌ صناعي من الطراز الأوَّل، سيؤدِّي تحقيقُه إلى رَخاء وسعادة الإنسانيَّة، قالوا: إنَّه أخطر مشروع عملي في القرن التاسع عشر، وإنَّه يُسجِّل في مصر دليلاً على حُبِّ أتْباع سان سيمون لها بتقديم هذا العمل الإنساني العظيم، أعلَنَ (أنفانتان) - زعيم الأتْباع وأخلص تلامذة سان سيمون - "أنَّ اليوم الذي ستُشَقُّ فيه قَناةُ السويس هو يوم النصر والوحدة بين الشرق والغرب... إنَّ مشروعنا ليس نظريًّا، لكنَّه يتطلَّب منَّا العرق والجُهد".

لَم يكن شقُّ قناة السويس مشروعًا أُقِيمَ حبًّا في مصر وأهلها، ولم يكن هدفه تحقيق فكرة الإنسانيَّة العالميَّة كما يَزعُمون رغمَ أنها فكرةٌ ماسونيَّة الأصل.

تقول الوثائق الفرنسيَّة: إنَّه في 13 يناير 1834 قدَّم (مينو) القنصل العام لفرنسا في مصر الذي كان (ديلسبس) نائبَه في ذلك الوقت - أنفانتان والمهندس فورتل إلى محمد علي والي مصر، حاوَل فورتل إقناعَ محمد علي بشقِّ القَناة، لكنَّ الأخيرَ كان مشغولاً بفكرة إقامة القناطر (التي شارَك فيها الأتْباع) لتنظيم فيضان النيل، وكان يعلَمُ أنَّ مشروع حفْر القناة يتطلَّب قُرُوضًا من الدول الأجنبيَّة.

استعانََ أتْباع سان سيمون بالقُوَى العالميَّة وبالمموِّلين والدبلوماسيين لتنفيذ فكرة شقِّ القناة، تكوَّنت في 27 نوفمبر 1846 جمعيَّة لدِراسة المشروع بها خُبَراء من ألمانيا والنمسا وإنجلترا، كان مقرُّ الجمعيَّة هو دار أنفانتان في باريس، وبدئ في الإجراءات التحضيريَّة لتنفيذ المشروع، كتَب أنفانتان إلى البارون النمساوي (دي بروك) الذي كان يُمثِّل بلادَه لدى حُكومة تركيا يَرجُوه أنْ يُوضِّح للحكومة الروسيَّة المصلحة التي ستَعودُ عليها لو تَدخَّلتْ في هذا المشروع الذي سيُؤدِّي إلى تسوية (مسألة الشرق) على أُسُسٍ وأهدافٍ جديدة.

يقول (طلعت عيسى): إنَّ (ديلسبس) سرَق المشروع من أتْباع سان سيمون وأنكَرَ عليهم دورهم، إلى درجة أنَّه لم يتدخَّل أحدٌ منهم في العقد التأسيسي للمشروع؛ مستندًا إلى حِماية الإمبراطور نابليون الثالث في مُواجَهة الخليفة العثماني.

لا شكَّ أنَّ هناك عَلامات استفهام لا بُدَّ وأنْ تُطرَح: ما هي علاقة أتْباع سان سيمون بالقُوَى العالميَّة وبالمموِّلين والدبلوماسيِّين الذين تدخَّلوا لتنفيذ المشروع؟ ولماذا يُحدِّد الأتْباع أنَّ هذا المشروع سيُعِيد تسوية مسألة الشرق على أُسُسٍ وأهدافٍ جديدة؟ وما ارتِباط مسألة الشرق بالإنسانيَّة العالميَّة التي تتحقَّق عندهم بوَصْل القارَّات ببعضها عن طريق الممرَّات المائية؛ حتى تنتَقِل الثقافات وتتقارَب الميول وتتناسَق الاتِّجاهات على أساسٍ علمي سليم - كما يدَّعون؟

لنأتِ إلى الأهداف القريبة من مشروع شقِّ القناة، يكشف (نورمانو) عن هذه الأهداف فيقول على لسان أنفانتان: "إنَّ مسألة شقِّ قناة السويس ليست مسألةً نظريَّةً أو مسألة سياسيَّة، إنها مسألة تجاريَّة".

تقول الوثائق: إنَّ (رودريج) ذلك الذي كان على رُفات سان سيمون عند وَفاته، هو من كبار رجال المال اليهود، وكان أنفانتان نفسه ابنًا لأحد رجال البنوك أيضًا، أستاذهم سان سيمون ارتَبَط (بفرانسيسكو كابرس) مُؤسِّس بنك سان تشارلز في إسبانيا، وهذا يعني ارتباط سان سيمون وأتْباعه بالدوائر البنكيَّة اليهوديَّة ورجال المال اليهود، وخاصَّة (آل روتشيلد) كما أوضَحنا فيما سبق.

هذا، ويُؤكِّد (نورمانو) أنَّ سان سيمون كان قد طوَّر بِناءً متدرجًا للنظام الصناعي، واعتَبَر أنَّ رجُل البنك هو الموجِّه القومي للإنتاج، وأنَّ سياسة الإقراض (الديون) هي المميِّز للتنظيم الاجتماعي الجدي، وأنَّ البنك هو القوَّة الضابطة المحرِّكة لهذه العمليَّة.

كان مبدأ الإقراض أو سياسة إغراق العالَم في الدَّين هو المشكلة البنكيَّة التي اعتبَرَها (نورمانو) أعظمَ إنجازات السان سيمونيين، وهو الطريق الذي سلَكَه رجال البنوك للسَّيْطَرة على الحياة المُعاصِرة، كما كان التدخُّل في مشروعات شقِّ القنوات المائيَّة وبناء السكك الحديديَّة وسيلةً لضَمان سَيْطرة رأس المال اليهودي على العالم، عبَّر (نورمانو) عن ذلك بقوله: "إنَّ الطرق الحديديَّة والقنوات والبنوك هي محور الأمل في العصر الذهبي الجديد"[2].

هذا هو عين ما حدَث في مصر؛ توالَت القُروض التي اقترضَتْها مصر بين أعوام 1864 - 1875 حتى بلغَتْ نحو خمسة وتسعين مليونًا من الجنيهات، جاءَتْ بعثة كييف عام 1875 لفحْص ماليَّة مصر، واقترحتْ لضرورة إصلاحها إنشاء مصلحةٍ للرقابة على ماليَّتها، وأنْ يخضع الخديوي لمشورتها، أُنشِئ صندوق الدَّين عام 1886 لتسلم المبالغ المخصَّصة للديون من المصالح المحليَّة، فكانت حكومة أجنبيَّة داخل الحكومة المصريَّة، وتولَّى الرقابة على الماليَّة المصريَّة مُراقبان: أحدهما: إنجليزي لمراقبة الإيرادات، والآخَر: فرنسي لمراقبة المصروفات، ثم تطوَّرت الرقابة إلى وزارة مختلطة يَرأَس الماليَّة فيها إنجليزيٌّ، ويَرأَس الأشغال فيها فرنسيٌّ، وهكذا إلى أنِ احتُلَّت مصر عن طريق القُروض.

من هنا يمكن بسُهولةٍ اكتشافُ أهداف أتْباع سان سيمون من مشروع شَقِّ قناة السويس: عملٌ يهوديٌّ تجاريٌّ، أولاً: أغرق مصر في الديون، وأدَّى إلى احتلالها ثانيًا، ومهَّد ثالثًا لتأسيس دولة إسرائيل لتكون القناة في خِدمتها وخِدمة إسرائيل الكُبرى فيما بعدُ.

الهدف الأول والثاني اعتَرَف بهما (نورمانو) في مقالته عن (السان سيمونيين وأمريكا)، أمَّا الهدف الثالث فيَكشِفه (أنفانتان) نفسه، جاء في الوثائق الفرنسيَّة على لسان (أنفانتان) في خِطابه إلى فورتل: "نعم، إنَّني جئتُ إلى مصر لأقومَ بتَوصِيل البحرين بعضهما ببعض، وأنت قد جِئتَ للقِيام بنفْس المهمَّة أيضًا، ولكنَّني جئتُ إلى مصر لأقومَ كذلك بشقِّ قَناة بنما".

ليست هناك قَناة بنما في مصر، ولكنَّه تعبيرٌ مجازي غامضٌ استعمَلَه أنفانتان كعَهدِه دائمًا، إلاَّ أنَّه يُمكِن كشْف معنى هذا التعبير المجازي الغامض بالرجوع إلى قول (ولمشهرست) في كتابه "معنى الماسونية" الذي جاء فيه: "إنَّ النظام الماسوني استمرَّ كما نعرف عبر القنوات التي أشارَ إليها العهد القديم".

ثم إلى قول (أنفانتان) في موضعٍ آخَر من رسائله: "... يتعيَّن علينا أنْ نُنشِئ ما بين مصر التاريخيَّة وبلاد يهوذا القديمة إحدى الطرق التي توصل أوربا بالهند والصين".

هذا هو سندنا في الكشف عن الهدف الثالث للأتْباع من مشروع حفْر قناة السويس.

كما يشهَدُ التاريخ الحديث والمعاصر أنَّه ما تحقَّق للمسلمين إلا سَيْطرة اسميَّة على القناة، أمَّا السَّيْطرة الفعليَّة فكانت لليهود؛ يفتحونها متى يريدون، ويغلقونها متى يريدون، وتمرُّ سفنهم فيها بالطريقة التي يُرِيدونها، وقد ظهَر التحدِّي اليهودي الصليبي سافِرًا في أزمة احتِلال الكويت الأخيرة، ليشهد أنَّ المعركة بيننا وبينهم ما كانت - ولا تزال - إلاَّ معركة إسلام وكفر؛ إذ نشَرت الصُّحف الأمريكية والبريطانية صورتين لحاملة الطائرات الأمريكيَّة (ساراتوجا) وهي تعبُر القناة خلْف أحَد المساجد الكبرى في مدينة السويس، وقد أبرزت الصورتان المسجد بمآذنه وقبَّته، وكتب تحتهما: "حاملة الطائرات الأمريكية ساراتوجا تعبُر البحر الأحمر وراء أحَد المساجد في مدينة السويس متَّجِهة جنوبًا إلى الخليج"[3].

هذا عن مشروع شَقِّ قَناة السويس، نأتي إلى مشروع التصنيع الذي حمَلَه الأتْباع معهم إلى مصر كمبدأٍ من مبادئ أستاذهم (سان سيمون)، قال الأتْباع: إنَّ التصنيع ليس غايةً في ذاته، وإنما هو وسيلةٌ لغايةٍ أسمى وهي: الوصول بالمجتمع إلى حالةٍ مِن الاستِقرار السياسي والاجتماعي، قالوا: إنَّ تحقيق العَدالة الاجتماعيَّة يستَلزِم تصنيع المجتمع، حتى يتحرَّر الأفراد من حالة الرقِّ والاستعمار التي يَعِيشون فيها، وحتى يحكُموا أنفسَهم بأنفُسِهم، قالوا: إنَّ التصنيع هو أهمُّ وسائل القَضاء على البطالة وعدَم الإنتاج والكسل واللصوصيَّة وضعف النفس، وإنَّه في داخل الصناعة نفسها تُوجَد القُوَى الحقيقيَّة في المجتمع التي تعمَلُ على حِفظِه وصِيانته، أسَّس الأتْباع في مصر تسعةً وعشرين مصنعًا، واهتمُّوا بالنَّقل والسكك الحديديَّة وبالبحث عن المعادن والصِّناعات الكيماويَّة، وفي مقابل ذلك وضَعُوا مُقدَّرات الإنتاج في مصر في يدهم تمامًا، كيف يكونُ ذلك لخير المسلمين في مصر والله - تعالى - قد حدَّد بوضوحٍ أنهم لا يَرجُون فينا إلاًّ ولا ذمَّة؟!

لنَعُدْ إلى تحليل نورمانو عن السان سيمونيين: عرَضنا فيما سبَق لمقولة نورمانو من أنَّ "الطُّرق الحديديَّة والقنوات والبنوك هي مُكوِّنات الأمل في العصر الذهبي"، قال سان سيمون عن هذا العصر الذهبي: إنَّه يُؤسَّس على (القُوَى الصناعيَّة الجديدة)، وقال أيضًا: "إنَّ الموت الحقيقي للنِّظام القديم وبِناء الحريَّة الحقيقيَّة من نتائج الصناعة"؛ لهذا يستَلزِم الأمر ضَرُورة الوقوف على ما يقصده سان سيمون بالنِّظام القديم حتى نفهَمَ أهداف أتْباعه من تَصنِيع مصر.

يستَخدِم عُلَماء الاجتماع مصطلح (النظام القديم) لا للإشارة إلى مرحلةٍ تاريخيَّةٍ مُعيَّنة مرَّ بها المجتمع الأوروبي فحسب، بل للإشارة أيضًا إلى نِظام ما قبل الصناعة (بصفة عامَّة) كنظامٍ (غير مرغوبٍ فيه)، وغالبًا ما يُراد به أيُّ نظام (بربري) و(غير متحضِّر) يرتبط (بدِين أو عقيدة).

الصناعة عند الأتْباع لا (الدِّين) هي التي توصل الناس إلى السعادة؛ لأنَّ العلوم الوضعيَّة قد تغلَّبت على (الدِّين والعُلوم الروحيَّة)، وقدَّمت إليهم معرفةً غايتُها الوحيدة تحقيق السعادة الإنسانيَّة وهي الصناعة.

لا أحد يُنكِر أنَّه بدُون الصناعة لن يتقدَّم العالم الإسلامي، ولا أحدَ يجهل أنَّ الغرب يَحُول بيننا وبين أنْ نكون قوَّة صناعيَّة حتى تظلَّ بلادنا سُوقًا استهلاكيَّة لهم، بل إنهم صدَّروا إلينا كتبًا في الاقتصاد خُصِّصت لإقْناعنا بأنَّ أمامَنا مراحل عديدة حتى نتقدَّم صناعيًّا، إنَّهم قد يَسمَحُون لنا بالتصنيع التافِه، لكنَّهم لن يسمحوا لنا (بصناعة الآلات) التي تُوجَد منها باقي الصناعات وباقي المصانع، غالبيَّة شبابنا المُبتَعَثين إلى دول الغرب خاصَّة مُنغَمِسون في دِراسة العُلوم الإنسانيَّة؛ ليُشكِّلوا هم بما درَسُوه عقَبةً أُخرى أمام تقدُّمنا الصناعي، فيَعُودون ويَقُولون لنا: إنَّه لا بُدَّ من أنْ يسبق هذا التقدُّمَ التخلِّي عن عاداتنا وتقاليدنا ومُثُلِنا، وبصفةٍ عامَّة التخلِّي عن عقيدتنا.

تُدرِك الماسونية تمامًا أنَّ القبض على زِمام الصناعة مع التمسُّك بالإسلام سيُؤدِّي بالمسلمين إلى قيادة العالَم؛ ولهذا حرص الماسون على الفَصْلِ بين الدِّين والصناعة، وربْط الأخيرة بالفنِّ والموسيقا، صوَّر سان سيمون للعالم أنَّ الدِّين والصناعة لا يَلتَقِيان، وأنَّ السَّيْطرة الكاملة لا بُدَّ وأنْ تكون لرجال الصناعة على حِساب ما يُسمِّيهم برجال الدِّين، أعلن سان سيمون صَراحةً أنَّ العِلم قد ورث الدِّين إلى الأبد، ورأى أنَّ رجال العلم والصناعة هم الذين يجبُ أنْ يحكُموا؛ لأنهم أكثر إحاطةً ومعرفةً بقوانين الكون، وما عليهم إلاَّ إملاء الأوامر فقط، المجتمع الصناعي عند سان سيمون لن يقومَ على ما يُسمِّيه بالدِّين التقليدي، وإنما على دِينٍ من اختِراعه هو، وإلهٍ من اختراعه هو، وليست الصناعة إلا وسيلةً للقَضاء على ما يُسمِّيه بالنِّظام القديم وما يقومُ عليه من دِينٍ وأخلاقٍ.

هذه هي مَبادئ أُستاذهم عن الصناعة التي جاؤوا ليطبِّقوها في مصر.

ما أنْ جاء الأتْباع إلى مصر حتى وزَّعوا العمل بينهم بطريقةٍ مكَّنتْهم من السَّيْطرة على وسائل الإنتاج والمَرافِق المهمَّة، أقاموا المزارع النموذجيَّة، وعدَّلوا من أساليب الري؛ لأنَّ (محمد علي) كان هو المالك الوحيد للأرض، يستغلُّها وكأنها مزرعة خاصَّة به.

اتَّسق هذا مع مبدأ الأتْباع القائل بأنَّ السَّير بالمجتمع نحو التصنيع لن يتحقَّق إلاَّ إذا أشرَفَ الحاكم على الزراعة إشرافًا تامًّا، ومن هذه الخطوة بدَأ الأتْباع في تطبيق المبادئ الشيوعيَّة في مصر التي تقومُ على إلغاء الملكيَّة الفرديَّة في ضوء ما يسمُّونه بمبدأ عدم استِغلال الإنسان لأخيه الإنسان، ثم إلغاء الملكيَّة الوراثيَّة التي تُؤدِّي عندهم إلى استِغلال الطبقة العاملة، وكذلك لإقرار نوعٍ من النظام ترثُ فيه الدولة لا الأسرة، مع إلغاء قانون العَرض والطَّلب، وإلغاء البيع والشراء؛ لأنهما في نظَرِهم طريقتان فاسدتان في توزيع الإنتاج.

ربَط الأتْباع بين الصناعة والفن والموسيقا؛ فأسَّسوا أوَّل نواة لفرقةٍ موسيقيَّة كاملة العدَّة في مدرسة المدفعيَّة بطره، واهتمُّوا بالفنون الجميلة والتصوير والرسم والنحت كجزءٍ من رسالتهم في قِيادة المجتمع، أعدُّوا تمثالاً لمحمد علي ولابنه إبراهيم - كما أشرنا من قبل - ضخَّموا من دور الفن وقالوا: إنَّ الفن كهنوت - أو دِين - له قدسيَّته، والفنان عابدٌ في مِحراب فنِّه، ورسولٌ من رُسُلِ الإنسانيَّة، وهادٍ إلى الأَخْلاق الاجتماعيَّة.

السؤال هنا: هل أدَّى تصنيع مصر إلى تحقيق العَدالة الاجتماعيَّة التي كان يتشدَّق بها الأتْباع؟ لنترُك هنا رجال الاجتماع أنفُسَهم يتحدَّثون عن الوَبال الذي أُصِيبت به مصرُ بسبب مشروع التصنيع الذي جاءَ به الأتْباع؛ عملاً بفلسفة أستاذهم سان سيمون.

يقول طلعت عيسى مُعلِّقًا على ما تَحقَّق فعلاً لمصر على يد أتْباع سان سيمون:
1- يجزم التاريخ الحديث بأنَّ الفلاح المصري قد هبَط إلى مَرتَبة العامل الأجير، ولم يَعُدْ يرى نفسَه مُرتَبِطًا بالأرض برِباط المصلحة الذاتيَّة؛ فقلَّ اهتمامه سواء في انتِقاء البذور أو إعداد الأرض أو العناية بالمحصول.

2- لَم تتحقَّق العدالة الاجتماعيَّة التي رفَع الأتْباع شعارها، بل تأكَّدت سياسة الاحتكار، وأجبَرت الحكومة الفلاحين على بَيْعِ حاصلات أراضيهم على أساس السعر الذي تُحدِّده لهذه المحاصيل، وهذا ينطَوِي على الظُّلم والإرهاق، وفيه مُصادرةٌ لحقِّ الملكيَّة وحِرمان المالك من الاستِمتاع بحقِّه، ومن الانتفاع من تَزاحُم التجار الذي يَنجُم عنه مُضاعَفة الثمرة للبائع، إنَّ هذا العمل يَقتُل كلَّ نشاطٍ فردي، ويَقبِض أيدي الناس، ويَضرِب عليهم حِجابًا من الفقر والجُمُود.

3- إنَّ الحكم العنيف المُتَناهِي في القَسْوة الناشئ عن تحوُّل الدولة إلى مالكٍ لكافَّة وسائل الإنتاج قد أدَّى إلى تَراخِي الأيدي العاملة وهُبوط النَّزعة الابتكاريَّة لديها.

4- كان أتْباع سان سيمون يأخُذون بفِكرة الحريَّة الاقتصاديَّة؛ أي: تطبيق مبدأ (دعْه يعمل - دعْه يمرُّ) بأوسع مَعانِيه في مختلف نواحي الاقتصاد المصري؛ ولهذا نشطت تجارة مصر الخارجيَّة، ولكنَّها لم تكنْ لصالح المواطنين، وإنما كانت متَّجهةً لتنفيذ سياسة ثابتة يرسمها الحاكم يُؤكِّد بها نِظام الاحتِكار في الميدان التجاري، وأصبحت الدولةُ هي التاجر الوحيد والمُصدِّر الوحيد والمستورد الوحيد.

5- كانتْ أفكار السان سيمونيين من أهمِّ العوامل التي قَضَتْ على طوائف كثيرة من التجار نتيجةً لاحتكار محمد علي للتجارة، كما هبَطتْ بالقدرات الصناعيَّة الضروريَّة، وصرفت الاهتمامَ عن الإنتاج الزراعي لعدم تمكُّن الفلاح من توريث الأرض التي يزرَعُها لأعقابه.

6- أصبح مبدأ (عدم استغلال الإنسان لأخيه الإنسان وتعاوُن الجميع في سبيل استغلال الإنسان لِمَظاهِر الطبيعة) على حِساب العمَّال والفلاحين والمواطنين الذين يكسبون قُوتَهم بسَواعِدهم، وأصبح الحاكم هو المُنتِج الوحيد والصانع الوحيد والمالك الوحيد.

7- لم يُؤدِّ التصنيع إلى سعادة مصر - كما ادَّعى الأتْباع - بل كان من العوامل التي قَضَتْ على الابتكار الصناعي، وبدَّل القُوَى الإنتاجيَّة العاملة إلى مجرَّد أداةٍ في يد المنتج، وجرَّد أعمال الإنسان من صِفات الرُّقيِّ، وهبَط بمستواها، وهدَم قوَّة الوحدة الإنتاجيَّة، وأشاع الانحِلال الاجتماعي والتناحُر بين الطبقات.

8 - كانت سياسة التصنيع قائمةً على أساس إلغاء الملكيَّة الفرديَّة، وإلغاء حق الوراثة؛ ممَّا أعاق تكوين المُثُلِ العليا في المجتمع المصري؛ إذ وضعت نظامها على قاعدةٍ تُؤثِّر في شخصيَّة الفرد وفي حَوافِز العمل لدَيْه، إنها زوَّدت الإنسان الطالح اجتماعيًّا بعُدَّةٍ سياسيَّة يستَخدِمها في سُبُلٍ تضرُّ بالصالح العام؛ إذ يستطيع أنْ يُوجد بها نُظُمًا تُعَدُّ من أخطَرِ ما اختَرعَتْه المدنيَّة من أسلحة الهدْم والتقويض.

هذه هي خُلاصة نتائج تطبيق الأفكار الشيوعيَّة في مصر التي جاء بها الأتْباع التِزامًا بمبادئ أُستاذِهم سان سيمون عن التصنيع، وهذه هي عَدالتهم الاجتماعيَّة والاستقرار السياسي والاجتماعي الذي يتحدَّثون عنه.

لكنَّ الأتْباع ما جاؤوا لضرْب مصر اقتصاديًّا واجتماعيًّا تحت سِتار التصنيع فحسب، وإنما جاؤوا - وتحت نفس ستار التصنيع - لإزاحة الشريعة الإسلاميَّة وإحلال التشريعات الفرنسيَّة مكانها، وهو أحد الأهداف التي جاء نابليون إلى مصر لتحقيقها، واعتَرَف الأتْباع بذلك في قولهم: إنَّ حملتهم هي إعادةٌ لحملة نابليون (عن ضميرٍ مُخلِص لذات الغاية).

يقول الأتْباع بصراحةٍ ووضوح: "إنَّ التنظيم القضائي نفسه يُصبِح غيرَ ذي موضوعٍ في مجتمعٍ صناعي متكامل"، ويقولون أيضًا: "إنَّ المصدرَ الأصيل لكلِّ الفضائل الإنسانيَّة هو العمل، وإنَّ هناك أُناسًا يحصلون على مَزايا دون تحمُّلِ أيِّ نوعٍ من المخاطر"؛ ولهذا فإنَّ المدرسة السان سيمونية تهدف إلى (استقرار التشريعات) التي تكفل القضاء على هذه المزايا.

لكنَّ هذه المهمَّة عُهِدت هذه المرَّة إلى الرجل الذي أعادَ الأتْباع صِياغة عقله في مدرسة الهندسة العسكريَّة إلى (رفاعة الطهطاوي).

بدأ الطهطاوي هذه المهمَّة على مراحل:
الأولى: محاولة التوفيق بين (شرعة الفرنسيين الوضعيَّة) والشريعة الإسلاميَّة.
الثانية: حض الناس على القبول بما أخَذ به الأوربيُّون من قوانين وضعيَّة؛ لما فيها من (فائدة)، وعلى أساس أنَّ دستور الفرنسيين جديرٌ بالاقتباس، رغم أنَّه نتاجٌ إنساني مَصادِره إنسانيَّة لا شرعيَّة، يقول الطهطاوي في ذلك: "فلنذكُره لك وإنْ كان غالب ما فيه ليس في كتاب الله - تعالى - ولا في سنَّة رسوله"[4].

بدَأ الطهطاويُّ التنفيذَ الفعليَّ لمهمَّة إزاحة الشريعة، وكان سلاحُه في ذلك (مدرسة الألسن) التي أسَّسها وأشرَفَ عليها، ويحدِّثنا عُلَماء الغرب عن الكيفيَّة التي أدَّى بها الطهطاوي هذه المهمَّة، يقول بي.جي.فاتكيوس P.I.Vatikiotis أستاذ علم السياسة في الشرقَيْن الأدنى والأوسط في كتابه "التاريخ الحديث لمصر" - وهو أحد كتب سلسلة الدراسات الآسيوية والإفريقية في التاريخ الحديث التي أشرَفَ عليها المستشرِق اليهودي (بيرنارد لويس) -: "لقد كان الطهطاوي أوَّل مصري قدَّم بطريقةٍ منظَّمة وذكيَّة المبادئ العامَّة للمُؤسَّسات السياسيَّة الأوربيَّة، قدَّم الطهطاوي أفكارَ عصرِ التنوير والثورة الفرنسيَّة، وهما عِماد هذه المؤسَّسات، كان الطهطاويُّ معجبًا بعقلانيَّة التنوير الأوربي؛ ولهذا فقد فتَح الطريق لتابِعِيه للهُجُوم المكثَّف على ما هو تقليديٌّ في مصر".

"أدخَلَ الطهطاويُّ إلى قُرَّائه المصريين وهو يَصِفُ الدستور الفرنسي والمؤسَّسات السياسيَّة الفرنسيَّة فكرة (السلطة العلمانيَّة) ومفهوم القانون الوضعي المشتق من مصادر أخرى غير (المصادر الإلهيَّة)".

"تَرجَم الطهطاوي من القانون المدني الفرنسي الوثيقة الدستوريَّة (الشرطة) - كما أسماها - وهي عبارةٌ عن دِراسات قانونيَّة وتشريعات علمانيَّة كانت ذات أهميَّة كبيرة في عهد إسماعيل، الذي كان قوَّامًا إلى الأخْذ بالمجموعات القانونيَّة الأوربيَّة.

عُرِفَ الطهطاوي بإدارته لمدرسة الألسُن في مراحلها المتميِّزة من تاريخها 1835-1849، 1864-1868، 1868-1871، خرَّجت هذه المدرسة ودرَّبت المترجِمين والمشرِّعين والإداريين، وترجم ما مجموعُه ألفَا عملٍ من الأعمال الأوربيَّة إلى اللغة العربيَّة".

"كان لمدرسة الألسُن تأثيرها العظيم في ظُهور أوَّل مُحامِين ومُشرِّعين في مصر، كان أبرز المهامِّ التي خصَّصَها الخديوي إسماعيل لهذه المدرسة هو ترجمة مجموعة القوانين الأوروبيَّة؛ مثل: قانون نابليون... تخرَّج في هذه المدرسة (قدري باشا) الذي كان أعظم إنجازاته أنَّه نسَّق الشريعة الإسلاميَّة لتكون على (نمط المجموعات القانونيَّة الأوربيَّة) في ثلاثة مجلدات... هناك صالح مجدي باشا وعثمان جلال، وهما ممَّن شارَكُوا في ترجمة القانون النابليوني، ورأسوا المحاكم المختلطة التي ترجموا قوانينَها إلى العربيَّة"[5].

الذي يَبقَى لدينا الآن: ما هو موقفُ رجال الاجتماع في بلادنا من سان سيمون وأتْباعِه والأفكارِ التي حمَلُوها معهم وطبَّقوها في مصر؟

يَعرِف رجال الاجتماع في بلادنا من الذين تابَعُوا الحركة السان سيمونيَّة الفسادَ العقديَّ عند سان سيمون وأتْباعه، يعرفون رأيَ سان سيمون بأنَّ الله فكرةٌ ماديَّة ناتجة عن دورة السائل العصبي في المخ، وأنَّ الدِّين اختراعٌ قامَتْ به الإنسانيَّة، وأنَّ العِلم يجبُ أنْ يكون دِيانةَ المستقبَل، يعرفون أنَّ الأخلاق عن سان سيمون أرضيَّة لا سماويَّة.

يعرفون حقيقة الأفكار الشيوعيَّة وما جنَتْه مصرُ من مآسٍ نتيجةً لتَطبِيقها، إنهم يَعرِفون كلَّ ذلك لكنَّ الخواء العَقدي عندهم وشدَّة تعلُّقهم بالغرب أدَّى بهم إلى الآتي:
1- وصَفُوا أفكارَ سان سيمون بأنَّها ذات عُمقٍ وأصالةٍ، برَّرُوا غُموضَها بأنَّه غموضٌ مقصود، فسَّروا تناقُضَها بأنَّه أمرٌ تقتَضِيه الظُّروف السياسيَّة السائدة في عصره، عدوا سان سيمون (مُبدِعًا لا نظيرَ له)، و(رسولاً للإنسانيَّة) يفتح الآفاقَ لمذهبٍ جديدٍ وفلسفةٍ جديدةٍ، قالوا: إنَّ الأساس الاجتماعي يقوم على دَعائمَ أصيلةٍ لا تَزال باقيةً على مرِّ العصور".

"وصَفُوا الأتْباعَ بأنهم (ذوو جُرأة وإخْلاص)، وتأسَّفوا على المجتمع الذي يعيشُ بلا غايةٍ سامية؛ كتلك التي يسعَى وراءها أتْباع سان سيمون".

2- لا يَعرِف رجال الاجتماع في بلادنا من الإسلام إلاَّ اسمَه؛ ولهذا كشَف اعتِراضهم على الدِّيانة السان سيمونية عن سطحيَّة وجَهالة كاملة عن الدِّين وعن الإسلام، أوقعَهُم فيها علمُ الاجتماع نفسُه، فدافَعُوا عن الدِّين من منظور علم الاجتماع فانتقَلُوا من إلحادٍ إلى إلحادٍ، قالوا: إنَّ الدِّين ظاهرةٌ اجتماعيَّة؛ أي: إنَّه من صُنع الناس، قالوا: إنَّ الأدْيان التي تقومُ على التوحيد في الأمم الحديثة ما كانت كذلك إلا لأنَّ القوانين الاجتماعيَّة وطبيعة الحياة فيها تُساعِد على الاعتقاد في قوَّة واحدة علويَّة مستقرَّة لهذا الكون.

قال رجال الاجتماع في بلادنا ما نصُّه: "إنما طبائع الأشياء والقوانين الاجتماعيَّة التي تسيرُ المجتمعات الإنسانية هي التي تعمَلُ من تِلقاء نفسها على إيجاد الدِّين بالشكل الذي يتَّفق مع طبيعة كلِّ مجتمع".

3- رفَع رجال الاجتماع في بلادنا عن الأتْباع الاتِّهام الذي وجَّهه الغربيُّون أنفُسهم إليهم بأنهم شيوعيُّون، قالوا: إنَّ دعوتهم إلى القَضاء على حقِّ الملكيَّة وحق الوراثة ليست بشيوعيَّة، في الوقت الذي اعترَفُوا فيه بأنَّ أفكار سان سيمون مهَّدَتْ لأفكار (ماركس).

قالوا: إنَّ اشتراكيَّتهم ليسَتْ كاشتراكيَّة ماركس، وإنَّ مفهوم الطبقة العاملة عندهم ليس هو المفهوم عينه عند ماركس.

4- انطَلَى عليهم الادِّعاء بأنَّ ديلسبس سرَق مشروع شقِّ القناة من أنفانتان رغم أنهم سجَّلوا شُكر ومُبارَكة الأخير لما قام به الأوَّل، اعترَفُوا بأنَّ القَناة شُقَّتْ بأعمال السخرة والتعذيب وبعرَق وبدِماء آلاف المصريِّين، لكنَّ جَهلَهم جعلَهُم ينسبون هذا إلى ديلسبس، فقالوا: إنَّ "مشروع ديلسبس ما هو إلاَّ صورة سوداء في تاريخ الإنسانيَّة وتاريخ فرنسا خاصَّة، ولا يتَّفق مع فكرة الإنسانيَّة العالميَّة، ولا مبادئ مدرسة سان سيمون"، في الوقت الذي خلَعُوا على أفكار أنفانتان صفة النَّبالة والسُّمو.

الذي أردنا أنْ نكشِفَه هنا هو الدَّور المهم الذي لَعِبَه أتْباع سان سيمون - مُؤسِّس علم الاجتماع وأستاذ أوجست كونت - في ضرب الإسلام وتغريب المسلمين، وإفساد المرأة المسلمة، وتدمير مصر اقتصاديًّا واجتماعيًّا، وتطبيق الأفكار الشيوعيَّة بها، وسَيْطرتهم على مُقدَّرات مصر وعلى حاكِمها، ثم إغراقها في الديون تمهيدًا لاحتلالها وتأسيس دولة إسرائيل، وشق قناة السويس على دِماء وجُثَثِ المصريين لتكون في خِدمة إسرائيل الكُبرَى.

إنَّ هذا كلَّه لَيَشهَدُ - مِصداقًا لما قالَه (الشهيد سيد قطب) - بأنَّ المعركة بيننا وبينهم هي معركة عقيدة مهما رُفِعت في ميدانها من شعارات ورِوايات مزيَّفة تُخالِف ذلك، وأنَّنا نُواجِه أعداء يتربَّصون بنا، ولا يَقعُدون عن الفتك بنا بلا شفقة ولا رحمة إلا إذا عجزُوا عن ذلك، وإنَّ وراء هذه العداء تاريخًا طويلاً يشهَدُ بأنَّ هذا هو الخطُّ الأصيل الذي لا يَنحَرِف إلاَّ لطارئٍ ثم يعودُ فيأخذ طريقَه المرسوم، وإنَّ حقيقة الاعتداء فيهم أصيلةٌ تبدأ من نُقطة كُرههم (للإيمان) بِذاته وصُدودهم عنه، وتنتَهِي بالوقوف في وجْه هذا (الإيمان) والتربُّص به.

يقول الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ * اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: 8 - 9].

هذا هو السبب الأصيل للحِقد الدَّفِين علينا والانطِلاق في التنكيل بنا، إنَّه الفُسوق عن دِين الله والخروج عن هُداه، إنهم يُضمِرون الحقدَ لكلِّ مؤمن، ويتبعون هذا المنكر مع كلِّ مسلم، ويُوجِّهون حِقدَهم وانتِقامهم لهذه الصفة التي نحنُ عليها: (الإسلام).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] راجع كلَّ ما كُتِب في هذه المقالة عن سان سيمون في المرجعين الآتيين للدكتور محمد طلعت عيسى: أتباع سان سيمون وفلسفتهم الاجتماعية وتطبيقها في مصر، رسالة دكتوراه، مطبوعات جامعة القاهرة 1957، وسان سيمون، دار المعارف مصر.
[2] راجع كل ما أشرنا إليه هنا عن نورمانو في المقالة الآتية:
J.F.Normano. Saint Simon and America,Social,forces,oct.,1932.PP.8-14.
W.L.wilmshurst.The meaning of Masontery,bell publishing co.,N.Y.,1960.P.179.
[3] نُشِرت الصورتان في صحيفتي Financial Times اللندنية الصادرة 21 أغسطس 1990 وU.S.A to-day الأمريكية في 23 أغسطس 1990.
[4] معن زيادة، معالم على طريق تحديث الفكر العربي، عالم المعرفة العدد 115 يوليو 1987، الكويت ص189-191.
[5] P.j.Vatikiotis.The Modern History Of Egypt,Weidenfeld and Nicolson,London,1969.PP.115-123.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
10-09-2014, 07:56 AM
علم الاجتماع: غبش في التصور وتشوش في النظرية
ـــــــــــــــــــــــــ



اعترافات علماء الاجتماع
----------------

الحلقة السابعة
------------

علم الاجتماع: غبش في التصور وتشوش في النظرية
------------------------------

أولاً: غبش في التصوُّر:
------------

أوَّل ما تعلَّمناه حينما كُنَّا طلاَّبًا بقسم الاجتماع بجامعة القاهرة هو أنَّ هناك نظامًا كامنًا في الطبيعة، وأنَّ علم الاجتماع يَسعَى إلى اكتِشاف ووصْف وتفسير النظام الذي يُميِّز الحياة الاجتماعيَّة للإنسان، تعلَّمنا من أساتِذتنا أنَّ الأحداث تَتِمُّ في شكلٍ مُتَتابع مُنتَظِم؛ حيث يُمكِن صِياغة أحكامٍ قابلة للتَّجرِيب حول علاقة حادثةٍ بأخرى عند نُقطةٍ مُعيَّنة من الزمن وتحت ظروفٍ مُحدَّدة، تعلَّمنا من أساتِذَتنا أنَّ الناس في حَياتهم اليوميَّة يَقُومون بملايين الأفعال الاجتماعيَّة وهم يَتفاعَلون مع بَعضِهم البعض، وأنَّ هذا الكمَّ الهائل من الأفعال لا يُؤدِّي إلى الفَوضَى والاضطراب؛ بل يُؤدِّي إلى ظُهور ضَرْبٍ من النِّظام يَتمكَّن الفرد بِمُقتَضاه من أنْ يحقِّق أهدافه دُون أنْ يَتداخَل أو يَتضارَب مع أهداف الآخَرين، علَّمَنا أساتِذتُنا أنَّ مهمَّة علم الاجتماع تنحَصِر في الوُقوف على كيفيَّة حُدوث ذلك، وكيف أنَّ التنسيق بين الأفعال المتنوِّعة الصادرة من الأفراد يُؤدِّي إلى تدفُّق الحياة الاجتماعيَّة واستِمرارها، وكيف يمكن التخلُّص من حالة الاضطراب والصِّراع الناتجة عن مُحاوَلة تحقيق بعض الناس أهدافهم على حِساب الآخَرين.

تعلَّمنا من أساتذتنا أنَّه ليس من شأن علم الاجتماع أنْ يضع برنامجًا لرفاهية الناس، وأنَّه ليس نظريةً للإصلاح الاجتماعي، وأنَّه ليس قانونًا للأخلاق، إنَّه - فقط - منهجٌ متخصِّص ووجهة نظَر مشابهة لتلك التي للعلوم الطبيعيَّة، إنَّه يُحلِّل الظواهر التي تَنشَأ نتيجةً لحياة البشر ويُفسِّرها، وإنَّه لا يضَع أحكامًا قيميَّة، ولا يضَع مستويات للسلوك الإنساني، إنَّه لا يَستَحسِن ولا يُدِين سياسة معيَّنة أو برنامجًا خاصًّا، ولكنَّه يصف ببساطةٍ العلاقةَ بين العلَّة والمعلول ويُحلِّلها، إنَّه يبحث فيما هو كائنٌ، ويترك ما يجب أنْ يكون لِمَن يهتمُّون بالجانب الأخلاقي والمشكلات الاجتماعيَّة.

انجذَبْنا إلى بريق علم الاجتماع - كغيرنا من طلاَّب علم الاجتماع في العالم - على أمَل أنْ يُساعِدنا هذا العلمُ على فهْم أسباب فَوضَى الحياة الاجتماعيَّة المُعاصِرة، وعلى أمَل أنْ نجدَ فيه حُلولاً للمشكلات الاجتماعيَّة التي يُعانِي منها المجتمع، والآن وبعد ثلاثين سنة أكمَلناها في دِراسة وتَدرِيس علم الاجتماع اكتَشَفنا أنَّ كلَّ ذلك كان سَرابًا في سراب.

لم يستطع علم الاجتماع أنْ يُحقِّق أمانينا منذ كنَّا طلابًا وحتى الآن؛ لا في فهْم أسباب فوضى الحياة الاجتماعية، ولا في تقديم ولو حلاًّ واحدًا لمشكلةٍ واحدةٍ يُعانِي منها مجتمعنا.

اكتشَفْنا أنَّ العلوم الاجتماعيَّة برُمَّتها ما هي إلا علومٌ أوربيَّة الصُّنع، وأنها عجزت - في بلادها - عن إثارة القَضايا المتَّصلة بصَمِيم وُجود الإنسان، اكتشفنا أنَّ ما درَسْناه لم يكنْ أكثر من مجرَّد أفكار فلسفيَّة، وقيم ومواقف أخلاقيَّة، تخصُّ مجتمعات وثَقافات تختَلِف عنَّا، لقَّنَها لنا أساتذتنا تحت سِتار العِلم وباسم المنهج العلمي، كنَّا ندرس نظريَّات لم تكن منفصلةً - أبدًا - عن التحيُّزات العنصريَّة والفرديَّة لأصحابها، وباسم الالتزام بالمنهج العلمي كان علينا أنْ نَقبَل هذه النظريَّات كمُسلَّمات، لم تكن أبدًا خاضعةً لتمحيصٍ علمي، بل كانت مُستَمدَّة في معظمها من الحدْس والتخمين والانعِكاسات الشخصيَّة لواقع مُنظِّريها، أساتذتنا حوَّلونا إلى أجيالٍ ذليلة تابعة تافهة، فسكرت أبصارنا، وبلغت بنا السطحيَّة والغَفلة إلى أنْ نقول: إنَّ تراث الغرب ليس ملكًا للغرب وحدَه، إنما هو تراث الإنسانيَّة، ومن حقِّنا أنْ نأخُذ منه كما سبَق أنْ أسهَمْنا في بنائه.

كانت على قُلوبنا وعلى سَمعنا وعلى أبصارنا غِشاوة، فقلنا: إنَّ هناك عُموميَّات تجمَعُ بين المجتمعات البشريَّة تسمح لنا باستخدام مَقُولات وأفكار وأدوات ظهَرتْ في غير مجتمعاتنا وغير ثقافتنا، إلى أنِ اكتَشَفنا بعد حينٍ أنَّ العُلوم الاجتماعيَّة علومٌ عقديَّة تحمل فِكرًا مُعيَّنًا، وأيديولوجيَّة خاصَّة تُعادِينا أو تَزدَرِينا في أحسن الأحوال، وتُحرِّضنا على احتِقار ثَقافتنا، وترغمنا على الاعتِقاد بأنَّنا أدنى، تقول لنا: إنَّهم هم الكعبة وهم النموذج الوحيد للتقدُّم، وما علينا إلاَّ أن نتبعهم طواعيةً واختيارًا، وإلا فستظهر لعلومهم الاجتماعيَّة أنيابها الحادَّة، فهي علومٌ لا يعرف الجهلاء منَّا أنها محميَّة بقوَّةٍ مسلَّحةٍ.

اكتشفنا أنَّ الحياة الاجتماعيَّة شيءٌ عادي، سهلة بسيطة، يمكن التعبير عنها بلُغةٍ يسيرةٍ يفهَمُها كلُّ الناس، لكنَّنا كُنَّا أسرى لما تعلَّمناه من أساتذتنا الذين عقَّدوا لنا هذه الحياة، حينما جعَلُوا من دِراسة المجتمع تكنيكًا فنيًّا مُعقَّدًا له قواعد صارمة، ويتطلَّب التمكُّن منه مرحلةً من الإعداد الطويل، والتدريب المتواصِل، تعلَّمنا هذا التكنيك، والتَزَمنا بالقواعد الصارمة، وانتهَيْنا من الإعداد والتدريب، وفُوجِئنا بأنَّ رجل الشارع لم يستطع أنْ يتعرَّف على نفسه وسط تعقيداتنا، ولطمنا بقوله إنَّه أقدر من عالِم الاجتماع على فهْم المجتمع وفهْم الناس، وأنَّ مقولاتنا مقولاتٌ من الدرجة الثانية، تُمثِّل ما كوَّنَه الناس العاديون عبر حياتهم اليوميَّة، وأنَّ المعرفة التي نُقدِّمها ليست اكتشافًا جديدًا، وإنما هي تأكيدٌ أو إعادة صِياغة لما هو قائمٌ في: حياة الناس، وحديثهم، ولغتهم، وخِبرتهم، وعملهم... وأنَّ ما نقوم به ليس إلاَّ تنظيمًا أو إعادة صِياغة للمفاهيم الموجودة فعلاً بين الناس.

كنَّا نعتقد أنَّنا سنصبح كعلماء الفيزياء والكيمياء والأحياء، الذين أنفَقُوا الشطر الأعظم من حياتهم قبل أنْ يصبحوا حجَّةً في تخصُّصاتهم، وسنصبح يومًا ما حجةً في شؤون المجتمع، لكنْ (ول ديورانت) صاحب "قصة الفلسفة" الشهير صفَعَنا بقوله: "كلُّ صبي حلاَّق أو بقَّال يعتَبِر نفسه حجَّة ومرجعًا يعرف كلَّ حَلٍّ لكلِّ مطلب وكل حاجة في هذا العالم".

كبار عُلَماء ومُؤرِّخي العالم؛ بل أساطين علم الاجتماع ذاته لم يُقِيموا لنا وزنًا ولا احترامًا، وجعلونا موضع سُخريتهم ونِكاتهم، هذا يقول: "إنَّ علم الاجتماع هو العلم الذي يأخُذ ما يفهمه كلُّ واحد منَّا، ويصوغُه في عباراتٍ لا يفهمها أيُّ أحد منَّا"، وذاك يقول: "إنَّ عُلَماء الاجتماع لا يفعَلُون أكثر من التعبير عن كلِّ ما هو واضح بطريقةٍ مُعقَّدة وغامضة"، وثالث يقول: "إنَّ علم الاجتماع علم نفاية"، ورابع يقول: "إنَّه علم طفيلي"، وخامس يقول: "إنَّ لبعض الفنَّانين والأدباء والصحفيين حسًّا ووعيًا فكريًّا لا يوجد عند عُلَماء الاجتماع المتخصِّصين"، وسادس يقول: "إنَّ لصحيفة واحدة أو لعمودٍ واحد فيها يحظى بدرجةٍ من الشعبيَّة أو لبرنامج في الراديو أو التليفزيون - جاذبيةً وتأثيرًا واسعًا يَفُوق تأثير عُلَماء الاجتماع ولو مجتمعين".

وثامن يسخَر من الغموض والتعقيد اللغوي في مؤلَّفات علم الاجتماع؛ فيشير إلى كتابٍ يتكوَّن من خمسمائة وخمسٍ وخمسين صفحة أُعِيدت ترجمته إلى مائة وخمسين صفحة؛ ليَسهُل قِراءته، وظلَّ رغم ذلك محافظًا على غُموضه، ووَصَفَه عالِمُ اجتماع شهير بأنَّه عبارةٌ عن مجموعةٍ فارغة من الألفاظ ذات الرَّطانة الكاذبة.

درسنا عشرات المفاهيم في عِلم الاجتماع، ثم اكتَشَفنا أنها جزءٌ يسيرٌ من ترسانة ضَخمة من المصطلحات الغامضة التي لا تفيد في أيِّ تحليل، واكتَشَفنا أيضًا أنَّ المعرفة المستخرَجة من هذه المفاهيم إذا جُرِّدت من أغطيتها الفنية وطبقاتها اللفظيَّة التي تحتَمِي بها لا تختَلِف كثيرًا عن المعرفة اليوميَّة لعامَّة الناس، لقد نجح علماء الاجتماع في اختراع مفاهيم تَزخَر بها مؤلفات العلم، ورغم ذلك فإنَّ هذه المفاهيم لم تُسهِم في تقديم صورةٍ حقيقيَّة للمجتمع الإنساني.

بعد رحلةٍ طويلة جدًّا مع علم الاجتماع، اكتشفنا أنَّه لا يُمثِّل وحدة فكرية متجانسة، ليس هناك نموذج نظري واحد تحقَّقت له الهيمنة الكاملة، فعلى امتداد تاريخ العلم تنشأ نظريَّات وأفكار، ثم يأتي ما يُخالِفها، فيُعاد النظر فيها ويؤلف غيرها... وهكذا.

نظريَّات العلم تعرَّضت لانتقاداتٍ شديدة وعديدة، البحوث الاجتماعيَّة تعرَّضت لمراجعةٍ شاملة، اتجاهات هنا وهناك تُعِيد النظر في كلِّ المسلَّمات النظرية والمنهجية للعلم.

منذ أنْ ظهَر علم الاجتماع إلى حيِّز الوجود وهناك اختلافات جوهريَّة بين عُلَمائه حول: طبيعته ومناهجه وأهدافه القُصوَى، كما أنَّ تتبُّع تاريخ هذا العلم يبيِّن أنَّ عُلَماءه قد أخفَقُوا في الوصول إلى اتِّفاق عام حول قَضاياه، ولا تزال هناك تَناقُضات فكرية، وتصوُّرات متباينة فيما بينهم لم تُؤدِّ بهم إلى إجماعٍ حول تفسير الواقع الاجتماعي والإطار الثقافي لأيِّ مجتمعٍ من المجتمعات.

الظُّروف التي كتب فيها كِبار عُلَماء الاجتماع، والوقت الذي كتبوا فيه كلَّ ذلك - لم يَعُدْ قائمًا، الحلول التي قدَّموها لا تصلح للأفراد الذين يَعِيشون في عالم اليوم والأحداث التي تُحِيط بهم.

لم يستطع علم الاجتماع أنْ يُقدِّم لنا صورةً كاملة وشاملة للإنسان والمجتمع، لم يُقدِّم لنا إلا وجهة نظر مُعيَّنة - من بين وجهات نظَر عديدة - وهي وجهة نظَر محدودة ومُحدَّدة، المشتَغِلون بعلم الاجتماع يُدرِكون دائمًا نسبيَّة وقُصور آرائهم، ونسبيَّة التساؤلات التي يطرحونها، ويُدرِكون أيضًا قُصور الإجابات التي يعتقدون أنهم انتهوا إليها.

التنظير الذي قام ويقوم به عُلَماء الاجتماع ما هو إلا ضربٌ من التَّرَفِ، المفكِّرون الذين يَصُوغون نظريَّاتهم عن المجتمع الإنساني يتبنَّون مواقف تتَّصل اتِّصالاً مباشرًا بمصالحهم، عالِم الاجتماع اليوم لا يُعتَبر رجلاً عامًّا أو رجلاً لكلِّ المجتمع؛ لأنَّ حياته لا تتَّسِق مع ما يكتب وما يعتقد، إنَّه لا يطرح موضوعات جديدة، ويردُّ المشكلات دائمًا إلى مسائل شخصيَّة، ويغرقنا في ضربٍ من التأمُّل الاستبطاني أو الرومانسيَّة.

عُلَماء الاجتماع صِنفان: مُنظِّرون خياليُّون يعيشون في بُروجٍ عاجية، لا يَعرِفون شيئًا عن العالم المحيط بهم، بعيدون عن الواقع الحقيقي للمجتمع، وجامعو بيانات ينفذون بحوثًا لحِساب الآخَرين نظير مقابل مادي، لا يلتزمون بأيِّ قيمةٍ حتى القِيَم التي يتذرَّعون بها، وكل عُلَماء الاجتماع يعملون داخل نسيجٍ اجتماعي مُفتَّت كانوا هم أحدَ عمد تخريبه، وجامعات مشلولة لم تستطع أنْ تخرج عن الدور المرسوم لها.

علم الاجتماع كفرعٍ أو تخصُّص علمي - كما يعتَقِد أصحابُه - ليس إلاَّ مجموعة من المشكلات المتراصَّة جنبًا إلى جنبٍ دون وُجود علاقة عميقة تربط بينها.

النتائج التي يمكن استخلاصها من بحوث علم الاجتماع ليست إلا مجموعة من التعميمات التي يُسمُّونها (بالتعميمات الأمبريقية)، ويقصدون بها ما يستَنتِجه الباحث من فحْصه للعلاقة بين متغير وأكثر، القوانين التي وعَدُونا بها منذ الربع الأول من القرن التاسع عشر لا أثَر لها، الإنجازات التي تحقَّقت عبر تاريخ العلم كله وصلتْ إلى طريقٍ مسدود، وإذا سلَّمنا بأنَّ الهدف الأسمى لأيِّ علمٍ من العلوم هو الحدُّ من مخاطر المستقبل والتنبُّؤ بمشكلاته، فإنَّ هذا الهدف لم يتحقَّق حتى الآن.

ولهذا كلِّه لا نستغرب اليوم حينما يقول علماء الاجتماع: "إنَّه يجب علينا التخلِّي عن الفكرة الذاهبة إلى أنَّ الطبيعة الإنسانيَّة تنتَظِم في شكل عُلوم فرعيَّة تعكسها أقسام الجامعات المختلفة".

طالِبُ الدراسات العليا المتميِّز القارئ المتابع للجديد في علم الاجتماع، هو الذي يَقضِي ليله ونهاره بين أدوار ورفوف كتب ودوريات علم الاجتماع قديمها وحديثها بمكتبة الجامعات الأمريكية بالقاهرة، ولا سبيل له غيرها؛ فمكتبات جامعاتنا المحليَّة أقرب إلى المكتبات العامَّة عنها كمكتبات جامعيَّة، حينما ابتُعِثنا إلى الولايات المتحدة سَواء على نفقة الدولة أو سافرنا إليها على نفقتنا الخاصَّة، كنَّا نشعر بسعادة غامرة ونحن نجمع الجديد في علم الاجتماع من مكتبات جامعات: جورج واشنطن، وجورج تاون، وهاوارد، والجامعة الأمريكية بواشنطن، وجامعة شيكاغو، والمكتبات المحلية في فيرفاكس وهويلنج وألكساندريا، كانت سعادتنا لا حدَّ لها ونحن نلتقي وجهًا لوجه ونحاور مَن كنَّا نقرأ عنهم في الكتب؛ أمثال: موريس جانوفتر، ودافيد سيجال، ومادي سيجال، وجون بلير، وتوماس كورتلس، ونانس جولدمان...

• ثم اكتشفنا بعد أنْ شابت خُصَيلات شعرنا ونحن نلهث وراء كلِّ كلمة ينطقون بها: أنَّنا لم نكتب منهم شيئًا له قيمة، بل كنَّا نُقدِّم لهم من قلب تخصُّصاتهم الفرعيَّة ومن نفس مكتباتهم التي لا تبعد كثيرًا عن حجرات مكاتبهم - ما لم يسمَعُوا عنه من قبلُ.

• اكتشفنا أنَّ في الولايات المتَّحدة عشرة آلاف عالِم اجتماع أمريكي لكلِّ منهم علمُ اجتماع خاصٌّ به، وبعيدًا عن أنَّنا كنَّا ننقل إلى بلادنا فكرًا لا يخصُّها، اكتشفنا أنَّ علم الاجتماع الأمريكي نفسه ما هو إلاَّ مزيجٌ غريبٌ من عناصر متفرِّقة متباعدة، تُعبِّر عن خبرة المجتمعات الأوربيَّة أكثر ممَّا تُعبِّر عن خبرة المجتمع الأمريكي ذاته، الدوريات الأمريكية التي كنَّا نفخر ونحن نُتابِع أحدثَ ما كُتِبَ فيها تركِّز تركيزًا مُبالَغًا فيه على قَضايا محدودة، لا تُشكِّل في مجموعها إطارًا فكريًّا يُمكننا الاعتمادُ عليه في فهْم المجتمع.

• اكتشفنا أنَّ أوَّل مَن تقلَّد السُّلطة بالولايات المتحدة ربوبيُّون، يؤمنون بالله بغير اعتقادٍ بدِين مُنزَّل، ويقوم مذهبهم على الإيمان بدينٍ طبيعي مبنيٍّ على العقل لا الوحي، وينكر تدخُّل الخالق في نواميس الكون، تقوم قيمهم على أساس أنَّ ما هو طيِّب في هذا الكون يأتي من آراء الناس العاديين وليس من دِين، هؤلاء الناس هم الذين أسَّسوا المدارس والجامعات وطبعوا الكتب لتعليم الأمريكيين، وهم الذين نجري وراءهم لننقل إلى بلادنا أفكارهم ومنظوراتهم.

ولهذا؛ لا نتعجَّب إذا اكتشفنا أنَّ كتب مداخل علم الاجتماع تحتَوِي على رطانات عديدة، القليل منها يُعطِي تفسيرًا منطقيًّا جادًّا للقضية التي يتناوَلُها، وحتى هذا التفسير وهذا التناول مُتعدِّد الألوان أكثر منه تفسيرًا تحليليًّا، ولا نتعجَّب أيضًا من هذا الكساد الأكاديمي الملحوظ الذي ظهر بانخِفاض أعداد الطلاب المسجلين في أقسام الاجتماع بالجامعات الأمريكيَّة.

ونسجِّل هنا بعضًا من اعتِرافات علماء الاجتماع الأمريكيين في اجتماعهم السنوي الثالث والأربعين، الذي عقَدُوه في عام 1979، وحضَرَه (موريس جانوفتز، وآرلين كابلاند، ونوربرت ويكي، وروبرت ليك).

جاء في اعترافات العلماء الأمريكيين ما نصه:
"يجب أنْ نُسلِّم بأنَّ هناك توسُّعًا كبيرًا في أعداد علماء الاجتماع، صاحَبَه زيادة في أعداد المجلات العلميَّة، لكن لم يصاحبْه ارتفاع في المستوى العلمي، بل على العكس، نحن نسلِّم تمامًا بأنَّنا أنتجْنا قدرًا ضخمًا من البحوث والتحليلات قليلة الجودة، كما أنَّ جهود الاعتماد على المناهج الكميَّة البحتة في إيجاد نظرية قد فشلت...

نحن لدينا الآن عَناوين وقَضايا ذات انتشار واسع، لكنَّها تخدم المصالح الشخصيَّة والمفاهيم الذاتيَّة لأصحابها، وتُغذِّي تطوُّر شبكات المصالح المشتركة، ولا يعني هذا الانتشار وجود أدوات نظرية ومنهجية قويَّة قادرة على فهْم المجتمع؛ ولهذا فإنها ليست مُؤثِّرة، إنَّ نظريَّاتنا ومناهجنا طورت بسرعة مصايد للرطانة وقصر النظر، إنَّ صورتنا الحاليَّة أمام الناس تعكس ذلك، من الصعب أنْ تجد إشارة إلى علم الاجتماع في وسائل الإعلام العامَّة؛ بسبب ما لدَيْنا من غُموضٍ لا يمكن فهمُه، ومن الصَّعب أيضًا أنْ تجد مُشرِّعين أو رجال أعمال أو إدارة أو صانعي سياسة يعتقدون أنَّ علم الاجتماع بإمكانه أنْ يجيب على الأسئلة التي يحتاجون إلى إجاباتٍ عليها".

ورغم هذا الاعتراف الصريح من كبار علماء الاجتماع في أمريكا، فإنَّ عشرات من مبعوثينا يذهبون إليهم كلَّ عام ليأخُذوا عنهم هذه الرطانة، وقصر النظر، والأدوات النظريَّة، والمنهجيَّة غير المؤثِّرة وغير القادرة على فهْم مجتمعاتهم ذاتها، ونحن لا نكسب منهم شيئًا، وإنما هم الذين يكسبون منَّا كلَّ شيء، البحوث الميدانيَّة التي يُجرِيها المبتَعَثون على قُرانا ومدننا، وعاداتنا وتقاليدنا، وثقافتنا بوجه عام، هي شرط متطلَّب ليمنحهم الأمريكيون الدرجة العلمية، وهي التي تصبح تحت تصرُّف صانعي السياسة عند الحاجة إليها؛ أي: إنَّنا بأموالنا وبأيدينا نُوفِّر لهم ما تحتاجه مخابراتهم من معلوماتٍ عن البنية الاجتماعية والتركيبة الثقافية لبلادنا، بدءًا بالعاصمة، وانتهاءً بأبعد قرية عنها.

ثانيًا: تشوُّشٌ في النظريَّة:
حينما بدَأنا نخطو الخطوات الأولى في مرحلة الدراسات العليا، كانت هُناك مقولاتٌ تعلَّمناها وقرأناها واستَوْعبناها، وكان علينا أنْ نسيرَ على هديِها في طريقنا الطويل نحو الماجستير والدكتوراه.

قرَأنا لعالِمٍ اجتماعي أمريكي: "إنَّ النظريَّة بالنسبة لعلماء الاجتماع كالدِّين بالنسبة للجمهور"، ثم تعلَّمنا أنَّ على علم الاجتماع أنْ يتَّجِه نحو صِياغة نظرية قادِرة على توليد حُلول اجتماعيَّة للمشكلات الإنسانيَّة.

علَّمَنا أساتذتنا أنَّ حلَّ مشاكل المجتمع غير ممكنٍ إلا في حالة واحدة؛ وهي: أنْ يستند الحل دائمًا إلى أطارٍ دقيقٍ من المفاهيم العلميَّة ذات الاتجاه النظري الواضح، قالوا لنا: إنَّ النظرية هي التي تحدُّ الحدود، وتُقِيم الفواصل، وتُعطِي للبيانات معنًى، قالوا لنا: إنَّ البحث دُون سند من نظرية أو اتجاه ليس إلا نوعًا من العبَث؛ لأنَّ النظريَّة تُمكِّن الباحث من فهْم المجتمع في صُورته الكلية، وتُعطِيه إطارًا للبحث في مناطق محدودة متَّسقة مع الصورة التي استَمدَّها من النظريَّة، وإنَّ البحث إذا لم يجرِ في إطارٍ فكري محدَّد فإنَّه سيكونُ محاولة عقيمة لا تتقدَّم خطوة في فهْم المجتمع.

علَّمَنا أساتذتُنا أنَّ النظريَّة يجب أنْ تتوافر فيها عدَّة شروط؛ منها: استنادُ قَضاياها إلى أفكارٍ محدَّدة، واتِّساق هذه القضايا الواحدة مع الأخرى بحيث يمكن أن تُستَقرأ منها تعميمات، وأنْ تكون هذه القضايا منتجة؛ حيث تقود إلى مزيدٍ من الملاحظات التي توسع نِطاق المعرفة.

بمثْل هذا المنظور البرَّاق انطلَقْنا سعيًا وراء النظرية المنشودة في بحوثنا، ولَمَّا كان في قُلوبنا بَقايا من عقيدة؛ فكَّرنا في ربْط بُحوثنا بهذه العقيدة، لكنَّ أساتذتنا قطعوا علينا حتى مجرَّد التفكير في وُلوج هذا الطريق، فقالوا لنا: إنَّ هناك فَرْقًا بين النظرية والنظر؛ النظريَّة في علم الاجتماع ليست (بنظر)؛ بمعني: أنها يجب ألاَّ ترتبط بأنساقٍ أو مذاهب محدَّدة من الفكر والدِّين، والعقيدة عند عُلَماء الاجتماع هي شيءٌ من هذا القَبِيل.

أمَّا النظريَّة عندهم، فإنها تُستَمدُّ أصلاً من نتائج دِراسةٍ أُجرِيتْ في الواقع الاجتماعي في مواقف متعدِّدة، أمَّا إذا استندَتْ إلى دِين أو عقيدة، فهي في نظَر أساتذتنا تصوُّرية وغير واقعيَّة، وأكَّدوا علينا بضرورة رفض ما أسموه بالأيديولوجيَّة الغيبيَّة التي لا تخرج - في نظرهم - عن إطارٍ مرجعي لتفسيراتٍ تبريريَّة لعقليَّة تسلُّطيَّة رجعيَّة يجبُ الإطاحة بها؛ لأنها أوَّل العثرات التي تقفُ في وجه النظرية المنشودة.

طرَحنا الدِّين والعقيدة جانبًا وبدَأنا البحثَ عن هذه النظرية وقَضاياها ومفاهيمها؛ فإذا بنا أمامَ بناءٍ هَشٍّ مهلهل صُوِّر لنا على أنَّه علم، كان أوَّل ما اصطدمنا به أنَّنا وجدنا علم الاجتماع يتحدَّث بحرارةٍ عن النظرية، وعن فائدة النظرية، ولَمَّا سعينا لنعرف ما المقصود بالنظرية واجهَتْنا تعريفاتٌ متضاربة وغامضة في أحسن الأحوال.

كان من الصعب علينا أنْ نجد اتِّفاقًا بين علماء الاجتماع على نظرية واحدة، أو على تفسيراتٍ محدَّدة لما يتحدَّثون عنه، لقد كانوا مختلفين على أوَّل مفهومٍ يجب أنْ يتَّفقوا عليه، وهو: (مفهوم المجتمع)، لم نجد بناء فكريًّا متماسكًا يمكن أنْ نضع إصبعنا عليه، ومنذ أعوامنا الأولى في طريقنا في هذا العِلم نجدُ مَن يُشبِّه لنا المجتمع بالكائن الحي، وآخَر يُصوِّره لنا على أنَّه آلة تدُور بفعل مجموعةٍ من الطاقات المتحرِّكة، وكأنَّنا نتعامَل مع الميكانيكا، وثالث يُصوِّر لنا الحياة الاجتماعية في ضوء العوامل الاقتصادية، ورابع يُفسِّرها في ضوء العوامل النفسيَّة، وخامس يتحدَّث عن العوامل الجغرافية، وسادسٌ له الغلبة على الساحة فيُصوِّرها لنا على أنها قصص من قصص الصراع يتغلَّب فيها فريقٌ على آخَر، ويتبادَلان الهزيمة والانتصار في دورةٍ محدَّدة من الزمان، تتعاقَب فيها سلسلةٌ متَّصلة من الحلقات... وهكذا، ومعظم مَن كتبوا في علم الاجتماع كانوا قد فشلوا في تخصُّصاتهم الأصلية، فدخَلُوا ميدانهم الجديد بتصوُّراتهم القديمة.

يعجُّ العلم الآن بالتصوُّرات المتناقضة؛ هذا من مدرسة شيكاغو، وذاك من مدرسة فرانكفورت، هذا ماركسي أصولي، وذاك ماركسي جديد، هذا ظاهراتي، وذاك إثنوميثودولوجي، وهكذا... هناك حشْد هائل من الآراء والنظريَّات في علم الاجتماع، هذه الآراء والنظريَّات ليست مختلفةً فقط، ولكنها متضاربة ومتصارعة أيضًا، القَضايا التي تبحثُ فيها هذه النظريَّات غير متجانسة، المفاهيم التي هي المادة الأوَّليَّة في بناء أيِّ نظريةٍ ليس هناك اتِّفاق عليها، كلُّ نظرية تضمُّ اتِّجاهات فرعيَّة، وكلُّ اتجاه فرعي يحشد مفاهيم ومصطلحات مختلفة لشيءٍ واحد أو متَّفقة لأشياء مختلفة، وهي في جميعها تختلف اختلافًا كبيرًا على المناهج المناسبة التي يمكن استخدامها في الحصول على المعرفة الواقعيَّة أو تنظيمها.

وكما تعلَّمنا من أساتذتنا علَّمْنا طلابَنا أنَّ أيَّ باحث في علم الاجتماع لا غنى له عن نظريةٍ توجِّهه في جمع الوقائع المختلفة للظاهرة التي يدرسها، والتي يريد أنْ يختبر صدقها، وفي اختياره للمناهج والأدوات التي يستخدمها، وأنَّه إذا لم يفعلْ ذلك فإنَّه سوف يتخبَّط في جمْع معلوماته، وستكون نتائجه غيرَ مترابطة؛ ولهذا سيعجز في النهاية عن أنْ يضفي عليها معنى ويُفسِّرها.

يبحث الطالب عن النظريَّة المنشودة فإذا به أمام كمٍّ كبير من النظريَّات؛ فيقع في حيرةٍ أي النظريَّات سيختار؟ وعلى أيِّ أساس ستكون مفاضلته بين النظريَّات؟ وهنا سيقع ضحيَّةً للتوجُّه الفكري لأستاذه، وسيكتشف الطالب - كما اكتشفنا من قبلُ - أنَّه ليست هناك نظرية واحدة متفق عليها، بل إنَّه ليس هناك مسمَّيات تكون أساسًا لهذا التصنيف، وفوق ذلك كلِّه سيجد اختلافًا في التفسيرات التي يتناوَلون بها ما يختلفون عليه.

وإذا كان الطالب يبحَثُ في ميدان الجريمة واجهَتْه نظريَّاتٌ تقول له: إنَّ الجريمة مرتبطةٌ بالبناء الطبقي للمجتمع، وأخرى تقول: إنها نتاجُ عوامل سيكولوجية وإيكولوجية، واليوم يربطونه بتقليعةٍ جديدة هي علم الضحايا، إذا كان يبحث في ميدان التفكُّك الاجتماعي وجد أمامه نظريَّة تفسِّره في ضوء الانحراف عن المعايير الاجتماعية، وأخرى تفسِّره في ضوء نظريَّات الصحَّة العقليَّة، وإذا كان يبحث في آثار التليفزيون على المجتمع واجهتْه نظريَّات تقول له: إنَّ مشاهدة التليفزيون تُؤدِّي إلى مزيدٍ من العزلة بين الناس والانفصال عن المعايير الاجتماعية، وأخرى تُؤكِّد له الدور الإيجابي الذي يلعَبُه التليفزيون في عمليَّة التنشئة الاجتماعيَّة، وإذا ذهب يدرس في مَجال الأسرة وجَد نظريَّات تؤكِّد له أنها في انهيارٍ مستمر، ثم وجد أخرى تؤكِّد له صلابتها وأهميَّتها، فماذا يفعل الطالب إذًا؟

• لقد اكتشفنا أنَّ الصياغات النظريَّة مكرَّرة وسطحيَّة، تطرَح قضايا هي في الواقع رَداءات جديدة لأفكارٍ قديمة، يُوهمنا عُلَماء الاجتماع بأنَّ نظريةً ما قد استقرَّت، وهي في داخلها مليئةٌ بالتناقضات والزيف والمصطلحات أو المقولات المأخوذة من أُطُرٍ مرجعيَّة شديدةِ التبايُن.

• اكتشفنا أنَّ نظريَّات علم الاجتماع نظريَّات لا تدعمها الحقائق، وأنها لا تخرج عن كونها تأمُّلات فكرية لا ترقى إلى مستوى أنْ تكون نظريَّات لعلم، رغم مُرور ما يقرب من قرنٍ ونصف القرن على اكتساب دراسة المجتمع عنوان العلم، كلُّ نظرية تحمل اسم شخص أو تُعبِّر عن فكر جماعةٍ تُفسِّر المجتمع في ضوء رؤيتها الخاصَّة، وجميعهم لا يملكون حتى التحقُّق من صدق ما يقولونه.

النظرية في علم الاجتماع ليست مسألة عقلٍ أو منطقٍ، إنها تعكس أصلاً افتراضات وعواطف، والاستجابة لهذه النظريَّات تتضمَّن عواطف أولئك الذين يقرَؤُونها أو يكتبونها، إنهم يُفسِّرون ما يرَوْنه من خلال ما يقرُّون (هم) أنَّه واقعي أو حقيقي.

النظريَّة الاجتماعيَّة تضرب بجذورها في مشاعر وأحاسيس المنظر، وتقوم أساسًا على رؤية متحيِّزة تعكس الافتراضات التي تَشرَّبها المنظر من ثقافته التي تربَّى عليها، وكلُّ صانعِ نظريَّةٍ يُقدِّم وجهة نظره عن الواقع الاجتماعي من واقع الفكر الذي يتبنَّاه.

إنَّ عالِم الاجتماع مثله مثل أيِّ شخصٍ آخَر تترسَّب في كيانه مجموعةٌ من الأحكام والافتراضات، وليس هناك ما يَقِيه من التأثُّر بها؛ فهو إنسانٌ يعيشُ في ثقافة معيَّنة، شأنه شأن غيره، ولا بُدَّ أنْ تدفَعَه الثقافة بطابعها وتُلقِي بظلالها على تفكيره وآرائه.

لقد تبيَّن لنا أنَّ نظريَّات علم الاجتماع ليست لها قوَّة توجيهيَّة، وغير قادرة على فهْم المشكلات الواقعيَّة، لا تستطيع تحديد مشكلة بطريقة منظَّمة، ولا توجه جهدًا لحلِّ مشكلة، أصحابها يُقدِّمون أُطُرًا فكرية بالغة التجريد، انشغلوا بالمعاني التركيبيَّة والمفاهيم الجافَّة التي تتميَّز بالتعقيد النظري واللغوي لما هو سهل وواضح.

إنها نظريَّات لا تتمتَّع بالكفاءات التي تجعلها قادرةً على الإحاطة بكلِّ جوانب واقع المجتمع وصفًا وتفسيرًا، إنها نظريَّات ضيِّقة النِّطاق، غير قادرة على استيعاب مختلف أنماط المجتمعات والثقافات، يَغِيبُ عن أصحابها الإحساسُ الأصيلُ بالمشكلات الاجتماعيَّة، إنها نظريَّات ذات عموميَّة شديدة لا ينزل رِجالها إلى مستوى الواقع، تستفيض في التصنيفات بصورة كبيرة، بحيث لا توسع فهمنا ولا تجعل خِبرتنا أكثر عُمقًا، وفوق هذا كلِّه هي نظريَّات نشَأَت وتطوَّرت في مجتمعات تُغايِر طبيعتها طبيعة مجتمعنا، الحديثة منها ترتبط أيضًا بالتحوُّلات التي حدثت في المجتمعات التي نشَأَت فيها، ورغم ذلك فإنها عنصريَّة تعبِّر عن خبرة المجتمعات الغربية وحدَها، تنظُر إلى ثقافة المجتمع الغربي على أنها قمَّة الثقافات الراقية، ونحن بالنسبة إليها ثقافات متخلِّفة.

والأهم من هذا وذلك أنَّ المحور الذي تنطلق منه هذه النظريَّات والذي يترُك بصماته على كلِّ فرعيَّاتها هو اعتبارها أنَّ الإنسان محوَرُ الكون، وأنَّه ليس لله ولا للدِّين أيُّ شأن في توجيه وحركة هذا الكون، يمتدُّ هذا الأصل الفاسد إلى كلِّ جزئيَّةٍ من جزئيَّات هذه النظريَّات.

وننقل هنا بعض الفقرات التي تتضمَّن اعتراف عُلَماء الاجتماع بفشل هذه النظريَّات:
"لا الماركسية ولا البنيوية ولا الدوركايمية ولا الغيبرية تتمتَّع الآن بسُمعة طيِّبة، إنَّ الأحلام العريضة التي فتحتها أمامنا لم تتحقَّق إلا جزئيًّا وبصفةٍ هشَّة، أضفْ إلى ذلك أنَّ المجتمعات تطوَّرت في اتِّجاهاتٍ متبايِنة عن العُقود السابقة، إنْ لم تكنْ مناقضةً لها تمامَ التناقُض، إنَّه لم يبقَ أحدٌ ينتظر من كُبرَى النظريَّات أنْ تُسهِم بصفةٍ إيجابيَّة في القفز بالبحوث الاجتماعيَّة".

"إذا كانت الوضعيَّة الكلاسيكيَّة قد بَدَتْ غير ملائمة تمامًا لفهْم الواقع الأوروبي خِلال القرن التاسع عشر، فإنَّ الوضعيَّة المحدَثة ما لبثَتْ أنْ أعلَنتْ إفلاسَها بسبب مبالغتها في تبنِّي نموذج العلم الطبيعي، واعتِمادها على تصوُّرات نظريَّة لا تُسهِم في فهْم حركة المجتمع بقدر ما تسعى إلى تجميده والتعبير عنه في شكْل صِياغات رياضيَّة خالية من نبْض الحياة الإنسانيَّة، وإذا كانت الوضعيَّة المحدَثة قد لقيَتْ مصيرها المحتوم، فإنَّ النَّزعة الوظيفيَّة ما لبثت أنْ تعرَّضتْ لضرباتٍ قاصمة".

"قَضايا الوظيفيَّة قَضايا باطلةٌ، لا تدعمها إلاَّ براهين بدائيَّة للغاية، إنها لا تقلُّ إلحادًا عن النظرية الماركسية... ولم تُوفَّق في تقديم تحليلات مُقنِعة، وبخاصَّة خارج منطقة الحضارة الأوربيَّة".

"الظاهراتيَّة والتفاعليَّة الرمزيَّة والبنائيَّة الوظيفيَّة هي عبارةٌ عن تقاليع تستخدم مفهومات مجرَّدة بالغة التعقيد، تستعصي على الفهْم، وتُظهِر المتحدِّث بمظهر العالم الفذِّ المتمكِّن، وتخفي حقيقة تعالمه، علاوةً على أنها عديمة الصلة بالواقع المعاش".

"أجهَدَ المنظِّرون الاجتماعيُّون أنفسَهم في محاربة بعضهم بعضًا، سقطت الوظيفيَّة ولم نعدْ نحن بحاجةٍ إليها الآن، وبسُقوطها فقَدَ علماء الاجتماع وحدتهم ومبرِّر وجودهم، عارضتْ نظريَّات الصِّراع الوظيفيَّة، لكنها لم تستَطِع أنْ تحتلَّ عرشها أوتوماتيكيًّا، وكما حدَث في الفصْل الأخير من تراجيديا شكسبير قتل كل بطلٍ الآخَر، ولم يعدْ لدينا الآن نظرية باقية".

"إنَّ هناك انحسارًا أكاديميًّا أدَّى إلى ضعفنا، وجعَل كلَّ شيء ينحدر إلى الأسوأ، إنَّه من الصعب علينا أن نعمل في بيئة مُشوَّهة ومعادية، إنَّ المزاج المعرفي الآن قد أنتج نماذج تفسيريَّة متعدِّدة متصارعة عن الكائن البشري".

ويعتَرِف العلماء الاجتماعيون بعدَّة حقائق مهمَّة عن العلوم والنظريَّات الاجتماعية، نوردها هنا على النحو التالي:
الأولى: أنَّ الحقل المعرفي الذي تطوَّرت فيه نظريَّات علم الاجتماع حقلٌ راعَى ما يسمَّى بقواعد اللعبة المشتركة والمقبولة ضمنيًّا من الجميع، والتي أوجدت حيِّزًا مكانيًّا مُشترَكًا لجميع الفرقاء.

الثانية: وننقلها هنا على لسان علماء الاجتماع الأمريكيين:
"تنطلق النظريَّات والنماذج والمنظورات الخاصَّة بعلم الاجتماع من داخل الأبنية العامَّة للمجتمعات الرأسماليَّة... وعلماء الاجتماع في هذه الأبنية يعيشون أصلاً في (سوق أكاديمي) يشتدُّ فيه الصراع على الهيبة والعُمَلاء والمستَمِعين، ولا بُدَّ في هذه السوق من الابتكار والاختراع لضَمان السوق والعملاء، ومن ثَمَّ لن يبقى في هذه السوق أصحاب النظريَّات والآراء القديمة؛ فالسوق لا يعيش بأفكار الأمس، بل بالأفكار الجديدة التي تُعطِي الهيبة، وتفتح مجالات ومؤتمرات ومراكز بحث وأقسام جديدة، إنَّ هذه الأفكار والآراء والنماذج الجديدة ليست بحثًا نبيلاً عن الحقيقة، إنها بحثٌ عن الهيبة والوظيفة والعُمَلاء".

الثالثة: أنَّ الشك في قيمة وجَدوَى العلوم الاجتماعية قد زاد في السنوات الأخيرة، وأنَّ المشتغِلين بهذه العلوم لم تكن لهم القُدرة على متابعة الأحداث المهمَّة، لا في مجتمعاتهم ولا عبر العالم، كما أنَّ قلَّة العائد الملموس من هذه العلوم لم يُمكِّن أصحابَها من تدعيم مركزهم أو إقناع حُكوماتهم بجدوى بحوثهم التي يشوبُها الجدل والافتراضات والتعميمات الفضفاضة التي لا تستند إلى أساسٍ مَتِين من الواقع، وقد أدَّى الشكُّ في هذه العلوم إلى زيادة حدَّة السخرية والتهكُّم اللاذع عليها باتِّهام العلماء الاجتماعيين بأنهم يقضون ربع قرنٍ من حياتهم للبرهنة على حقائق يعرفها الناس من أجْل إعطائها الصبغة العلميَّة.

الرابعة: أنَّ العلوم الاجتماعية ليست علومًا عالميَّة، ولا يمكن القول بأنَّ نتائجها ذات مصداقيَّة عالميَّة؛ لأنها لم تُجرَ إلا على الغرب الحديث، كما أنها لا تستند إلى قاعدةٍ كافية من المعلومات عن سائر المجتمعات البشريَّة؛ ولهذا فإنَّ نظريَّاتها لا تنطبق إلا على مجتمعات الغرب فقط.

الخامسة: أنَّ قادة الفِكر الغربي في العلوم الاجتماعية انطلقوا من مبدأ تفوُّق واستعلاء الغرب على العالم، وكان مفهوم التفوُّق الغربي مسلَّمة أساسيَّة عندهم، والذين حاوَلوا منهم إنصاف الإسلام مثل (رودنسون)، كان يستهدف القول للمسلمين بأنَّ الإسلام إنْ كان صالحًا للماضي فهو غير صالحٍ الآن.

السادسة: أنَّ العلوم الاجتماعية الغربية ارتبطت ارتباطًا مباشرًا بالدولة ومُخطَّطاتها؛ ولهذا فإنَّ النظريَّات الغربية سارت وفْق مخطط السيطرة الغربية على النظام العالمي، وعلى أساس مسلَّمة تفوُّق الغرب، وأنَّ الحضارة الغربية هي الغاية الوحيدة للتقدُّم العالمي المنشود؛ ولهذا لا بُدَّ من سِيادة أفكاره، ومشروعيَّة سَيْطرته على العالم.

السابعة: أنَّ الكثير من الدراسات الاجتماعية يتمُّ بتوجيهٍ من إدارات المخابرات في الدول المختلفة، ولا سيَّما المخابرات الأمريكيَّة التي تُسخِّر أعدادًا من المتخصِّصين للقيام بدِراسات معيَّنة ليس في أمريكا وحدَها بل في العالم كله؛ بغرض التنبُّؤ والتكهُّن، ثم التحكُّم والتوجيه والإدارة بما يتَّفق مع المصالح العسكريَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة الغربيَّة.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: حلقات من كتاب (اعترافات علماء الاجتماع، عقم النظرية وقصور المنهج في علم الاجتماع).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ

عبدالناصر محمود
10-09-2014, 07:58 AM
علم الاجتماع: نزعة علمية مزيفة
ــــــــــــــــ


اعترافات علماء الاجتماع
------------------

الحلقة الثامنة
------------

علم الاجتماع: نزعة علمية مزيفة
------------------------------

كان أكبر وهْم غرقنا فيه منذُ اللحظات الأولى التي درسنا فيها علمَ الاجتماع وحتى الآن هو: (النظرة إلى علم الاجتماع على أنَّه علم)، ولو كان أساتذتنا حدَّدُوا لنا أنهم يقصدون بعِلميَّة (علم الاجتماع) أنَّه علمٌ بالمعنى الواسع للكلمة؛ أي: (المعرفة) - لخفَّت حدَّة المشكلة نوعًا ما، لكنَّهم أكَّدوا لنا أنَّه علمٌ بمعنى أنَّه منهج متخصِّص ووجهة نظر مشابهة لتلك التي للعلوم الطبيعيَّة، وأنَّه وإنْ نشأ في أحضان الفلسفة فإنَّه الآن قد تحرَّر منها.

والآن بعد مُضِيِّ أكثر من قرن ونصف القرن من الزمان على نشأة علم الاجتماع، ما زالت دراسة الظواهر الاجتماعيَّة تتخبَّط بين الفلسفة ومحاولة إخضاع هذه الظواهر لنفس مناهج العلوم الطبيعيَّة، تطبيق مناهج العلوم الطبيعيَّة على دراسة الظواهر الاجتماعيَّة يتعثَّر بشدَّة، وانحسرت النظرة إلى علم الاجتماع كعلمٍ طبيعي، وفي نفس الوقت لم تسقط النظرة الفلسفية في تفسير ظواهر الاجتماع، ويتعايَشُ الاتجاهان مع بعضهما، والذي خرجنا به بعد أنْ أدركنا هذا التخبُّط هو أنَّ النزعة العلميَّة (لعلم الاجتماع) إنما هي نزعةٌ مُزيَّفة على حدِّ قول المؤرِّخ الشهير (ديلثي)، الشروط التي حدَّدَها العلماء لاعتبار أيِّ معرفة علمًا لم تتحقَّق في علم الاجتماع، ما زالت مادَّة علم الاجتماع كما يقول (إيوبانك) مرتبطةً بأسماء أشخاص معيَّنين، هم الذين اخترعوا نظريَّاته ومدارسه الفكريَّة المختلفة، ليس لدَيْنا هذا الكيان الكبير من الحقائق المقبولة بصفةٍ عامَّة التي يمكن النظر إليها على أنها أحكامٌ نهائيَّة، نحن نرجع إلى رجال مُعيَّنين وليس إلى علمٍ محدَّد، هؤلاء الرجال هم الذين يتحدَّثون باسم علم الاجتماع أو علماء الاجتماع ككل، إنَّ علم الاجتماع كما يقول (كوليمان) ليس بعلمٍ دولي وليس بعلم لا بالمعنى القديم ولا الدقيق للكلمة.

ولا يزال هناك في جامعاتنا حتى الآن مَن ينكر إمكانيَّة وجود علم لدراسة المجتمع.

وتُعتَبر دراسة المجتمع في كثيرٍ من جامعات العالم من الدراسات الأدبيَّة أو الفنيَّة، وليست من الدراسات العلميَّة، أقسام علم الاجتماع مُلحَقة بكليَّات الآداب والفنون، وهناك من الكليات مَن لا يفرد قسمًا خاصًّا لدراسة المجتمع، بل يضمُّها داخل أقسام الفلسفة أو غيرها من فروع المعرفة، وحين يُذكَر العلم فنادرًا ما يَطرَأ على أذهان الناس، حتى أكثرهم معرفة وعلمًا، ومَن هم على مستوى المسؤولية - أنَّ دراسة المجتمع تدخُل في نِطاقه، وحينما تنشأ مجالس مُتخصِّصة لرعاية ضروب المعرفة المختلفة، تستبعد معرفة المجتمع من قائمة المعرفة العلميَّة بطريقة آليَّة، وتُضاف إلى المعرفة الفنيَّة والأدبيَّة، وما زال هناك من المثقَّفين من يرى أنَّ فهم المجتمع مسألة لا تتطلَّب أكثر من مجرَّد عمليَّة تأمُّل لما يدور حولهم، وقراءة لما يكتب في الصحف والمجلات، وأنَّ الأمر لا يحتاج تخصُّصًا وتأهُّلاً كالذي يتطلَّبه فهم التفاعُلات الكيميائيَّة أو الظواهر البيولوجيَّة.

الذي لا جِدال فيه هو أنَّ نشأة علم الاجتماع لم تكن نشأةً علميَّة، وأنَّ علماء الاجتماع الأوائل كانوا يلبسون ثوب الفلاسفة الأخلاقيين، وما كُتِبَ لأفكارهم البَقاء إلا لأنَّه نُظِرَ إليها على أنها فكر يحلُّ المشاكل.

لم تكن الأفكار والمفاهيم التي صاغَها كبار علماء الاجتماع الأوائل نتيجةَ تحليلٍ علمي كما نفهمه هذه الأيَّام، كان هؤلاء الكبار يعتمدون على الحدس والتخمين العميقين، كانوا يستجيبون لما يدورُ حولهم كما يستجيب الفنان.

إنَّ الكثير من الأفكار التي كتبوا عنها كانت تدورُ في وجدانهم وعقولهم قبل أنْ يكتبوا عنها، وربما استمدُّوها من مُفكِّرين سابقين، أو كانت محصلة خِبرة شخصيَّة أو مشاعر تملَّكتهم كالإحساس بالوحدة والهامشية.

والذي لا جِدال فيه أيضًا هو أنَّ العلماء الاجتماعيين لا يَشعُرون في أعماقهم بأنهم علماء، أو أنهم ينتمون إلى فئة العلماء بالمعنى الدقيق للكلمة، لكنَّهم يصرُّون مع ذلك على أنهم علماء وخبراء في شُؤون المجتمع، يكتبون ويتحدَّثون عنه بلا تردُّد، ومنذ أن وُجِدَ علم الاجتماع كنسقٍ معرفي جديد ومحاولات المشتغِلين به لم تتوقَّف في السعي نحو إثبات أنَّه علم وأنهم علماء؛ ولهذا يبذلون جُهُودًا مستميتة في أنْ يكونوا أكثر صوريَّة وأكثر رياضيَّة، يستخدمون الأدوات ويُحسِنون في أدائها لوظيفتها، يحرصون على استِبدال الكيفيَّات (أي: الصفات التي لا تُقاس بكميَّات عدديَّة) بكميَّات وأرقام؛ لأنَّ الرياضة هي لغة العلم الآن؛ ومن ثَمَّ يُؤكِّدون أهميَّة المنهج العلمي في دراستهم.

شبحان دائمان كانا ماثِلَيْن أمامَ العلماء الاجتماعيين؛ أولهما: الشك الذي يُساوِر الناس في العلوم الاجتماعية وحظها القليل في خدمة البشرية، والثاني: هذه الهيبة العالية التي يتمتَّع بها علماء الطبيعة ودورهم في تدعيم الحضارة الصناعيَّة وخِدمة البشريَّة، وما يرتَبِط بها من ارتفاع مُستويات المعيشة، هذان الشبحان كانا وراء حمَّى اعتقاد العلماء الاجتماعيين بأنَّ الدراسة لا تُعتَبر علميَّة إلا إذا استُخدِمت فيها المناهج التجريبيَّة، وأنه لا بُدَّ من تحويل الموضوعات الاجتماعيَّة إلى كميَّات عدديَّة وعلاقات رياضيَّة.

كان نموذج العلم الطبيعي أمَلاً عزيزَ المنال يُحاوِل علماء الاجتماع الاقترابَ منه، النتائج الباهرة التي وصَلتْ إليها العلوم الطبيعيَّة في القُرون الثلاثة الأولى أوهمَتْهم بأنَّه من الممكن إعادة بناء الفكر وصِياغته على أساسٍ من العلم التجريبي، وأنَّ طريقة هذا العلم يمكن أنْ تمتدَّ إلى الناس والمجتمع، اعتَقَد العلماء الاجتماعيُّون أنَّ المناهج التي أثبتَتْ نجاحها في العلوم الطبيعيَّة هي المناهج التي تُناسِبُ دراسة الظواهر الاجتماعيَّة، فأصبح همُّهم الأوَّل هو التحكُّم التجريبي في شؤون المجتمع، ومنْح علم الاجتماع معايير العلم الطبيعي من ملاحظات موضوعيَّة، وأدوات منهجيَّة دقيقة، وفروض تُوجِّه البحث... إلخ.

أقنع العلماء الاجتماعيون أنفسهم بوحدة العلوم ووحدة مناهجها، وانطلاقًا من هذه المسلَّمة المخادعة اعتبروا أنَّ النظرية الطبيعية هي المثال الذي يجب أنْ يحتَذِيَه العالم الاجتماعي عند بِنائه لنظريَّاته الاجتماعيَّة، ومن ثَمَّ فإنَّ منهج العلم الطبيعي هو المنهج الوحيد الذي يتعيَّن عليه أنْ يتبعه، وهو المثل الأعلى لعلم الاجتماع، صدَّق الببغائيُّون في بلادنا هذه الخديعة، فهلوسوا قائلين: إنَّ منهج العلوم الطبيعيَّة هو أعظم مكتسبات الحضارة الأوربيَّة منذ عصر النهضة على الإطلاق، وأنَّه نموذجٌ لكلِّ فكر يريد أنْ يصبح علمًا؛ لأنَّه بفضل هذا المنهج استطاعت العقلية الأوروبية القضاءَ على الكثير من النظريات الذاتية الأسطورية الميتافيزيقية اللاهوتية، وأنَّه شرط اليقين والضامن للموضوعيَّة والكفيل بتقدُّم العلم، ظنَّ العلماء الاجتماعيون أنَّ دراسة الظواهر الاجتماعية يمكن أنْ تقوم على الملاحظة والاستنتاج واستقراء الحقائق مع صِياغة النتائج في كميَّات عدديَّة، أو رموز رياضيَّة، ورسوم بيانيَّة، وقوانين إحصائيَّة.

غالَى العلماء الاجتماعيون فيما اعتقدوا به؛ فعلَّمونا أنَّ أيَّ فهْم حقيقي للمجتمع الإنساني لا بُدَّ أنْ يتمَّ باتِّباع المنهج العلمي، وأن أيَّ محاولة للتحكُّم في ظواهر المجتمع وحل مشكلاته لا بُدَّ أنْ تقوم على منهج مبنيٍّ على الأسس العلميَّة لطبيعة هذه الظواهر، وأنَّ كلَّ فعل أو فكرة لا تخضع لمنهج التجريب هي غير علميَّة على الإطلاق.

كانت أوَّل كارثة أصابَتْنا من وراء هذه المسلَّمة الخادعة هو اعتِقادنا في صحَّة قولهم: إنَّ المعرفة في علم الاجتماع يجب أنْ تكون نتيجةً للانطِباعات الحسيَّة وما يترتَّب عليها، وإنَّ حقيقة الشيء تتوقَّف على إمكان حدوثه كليًّا أو جزئيًّا على هيئة مجموعةٍ من الانطباعات الحسيَّة، وإذا استطعنا - كما يقول كارل بيرسون - أنْ نقيم نظامًا على أساس هذه الانطباعات أمكننا أن نسنَّ قانونًا.

كنَّا نُصدِّق هذا الزيف ولم نكن نعلم وقتَها أنَّ الهدف من كلِّ هذه (العلميَّة) المُغالَى فيها هو ألا نحاول التفكير في رد حركة الظواهر والعلاقات والتفاعلات الاجتماعية إلى إلهٍ أو دين أو عقيدة، فالدِّين والعلم عند علماء الغرب ورجال الاجتماع في بلادنا منفصلان، والاستناد إلى الدِّين - كما علَّمَنا أحمد الخشاب - استنادٌ إلى عقليَّة غيبيَّة، رجعيَّة تسلطيَّة، والوصول إلى نظرية اجتماعية عربية يتطلَّب أوَّل ما يتطلب الإطاحة بهذه العقلية وهذه العقيدة.

اكتشفنا أنَّ إصرار العلوم الاجتماعيَّة وعلم الاجتماع على أنْ تُطلِق على نفسها صفة العلم، وأن تتشبَّه بالعلم، ليس القصد منه دراسة الظواهر الاجتماعية دراسة موضوعية منزَّهة عن الميول والأهواء والتحيِّزات، وإنما المقصود به التمسَّك الشديد بتطبيق أساليب وطرق البحث المتَّبَعة في العلوم الرياضيَّة.

• غابَ عنَّا أنَّ الجماعة الاجتماعيَّة ليست كالمجموعة الشمسيَّة، وأنَّ الناس ليسوا كالمواد الأرضية والأجرام السماوية من حيث: تكويناتها، وحركاتها، والتغيُّرات التي تطرأ عليها.

• غابَ عنَّا أنَّ الإنسان ليس وحدةً مُتكرِّرةً، وليس كقطعةٍ من الحديد لا عقل له ولا إرادة، محكوم بقوانين ونظريَّات واحدة، لا تتبدَّل ولا تتغيَّر، ولا يختلف ظاهره عن باطنه، ونسينا أنَّه كائن حي، له إرادة، وخواطر، وظاهر، وباطن، ورغبات متجدِّدة، دائمة التغيير والتأثير والتأثُّر بالعلاقات مع الآخَرين.

• غابَ عنَّا أنَّ التعامُل مع الظواهر الاجتماعية كأشياء هو عين طريقة تعامُل اليهود مع الأُمَميِّين، ومبدعها يهودي معروف، سليل أسرةٍ من الأحبار اليهود الذين يتعامَلُون مع غير اليهود كأنهم ذرَّات أو ذباب فاكهة، ونسينا أنَّنا نتعامَل مع بشرٍ نتحاور معهم ونتعاطَف، ونُشارِكهم، ويشاركوننا وجدانيًّا، وأنَّنا نتعامَل مع: حياة، وسلوك، وأفكار، وقِيَم.

• غابَ عنَّا أنَّ هناك فارقًا بين ظواهر يمكن تفسيرها من خارجها، وبشرًا لا يمكن فهْم قَضاياهم إلا من داخِلهم، وأنَّ هناك فارقًا بين ظواهر تربطها علاقات علميَّة آليَّة وبشرًا يخضعون لقيم ويرتبطون بأهداف.

• غابَ عنَّا أنَّ هناك فارقًا بين ظواهر يمكننا التحكُّم فيها من الألف إلى الياء، ونضعها تحت تصرفنا في أيِّ وقت نريد، وفي أيِّ مكان نريد، ووفق أيِّ هدف نسعى إليه، نُعدِّل فيها ونُبدِّل كما نرى، وبين بشرٍ لا نستطيع التعامُل معهم كما نتعامَل مع قطرات الماء، أو قطع الأحجار، أو ثاني أكسيد الكربون.

تصرَّفنا مع الناس والمجتمع كعلماء فيزياء أو كيمياء - بغضِّ النظر عن رأي هؤلاء العلماء فينا - واقتنعنا أنَّ الفارق بين علومهم وعلمنا هو فارقٌ في الدرجة، وانطلقنا نُفسِّر العلاقات بين البشر تفسيرًا كميًّا مُصاغًا في لغةٍ رياضيَّة لا يفهمها إلا نحن، على أمَل أنْ نخدع الآخَرين بأننا علماء، نتعامل مع الناس بلا هوى، وبلا تحيُّزات، وبلا ميول، وبلا مصالح، وأنَّه لا شيء يمكن أنْ يتلف نِزاعاتنا ويحملنا على التأثُّر بعوامل ذاتيَّة.

أخضعنا الناس للتجربة، وتجاهَلْنا أنَّ في ذلك انتهاكًا لحرماتهم، واعتداءً على حريَّتهم باسم العلم والمنهج العلمي، تعلَّمنا من أساتذتنا وعلَّمنا طلابنا خُرافة المجموعة التجريبيَّة والمجموعة الضابطة، وأنَّه بإمكانهم عزْل الظواهر الاجتماعيَّة صناعيًّا والتحكُّم فيها؛ حتى يتوصَّلوا إلى تحقيق الظروف المتماثلة، علَّمنا طلابَنا أنْ يقسموا مبحوثيهم إلى مجموعتين؛ إحداهما تجريبية والأخرى ضابطة، متشابهتان في كلِّ الظروف، يعرضون إحداهما لإجراءات التجريب والأخرى لا يعرضونها، ثم يقارنون ويلاحظون ويحاولون الوصول إلى حُكمٍ استقرائي بأنَّ الأثَر الواضح الحدوث بعد التجريب يُعزَى إلى العامل المستدخَل في عمليَّة التجريب، لم نكن نعرف أنَّ هذا المنهج عديم النفع بين البشر؛ لأنَّه ما دامت الظروف المتماثلة لا تتحقَّق إلا في حُدود مدَّة تاريخيَّة واحدة، فإنَّ عزل الظواهر الاجتماعيَّة صناعيًّا من شأنه أنْ يستبعد عوامل قد تكون لها أهميَّة كبيرة، وأنَّ مرور زمن معيَّن يُعَدُّ كافيًا لإدخال عوامل لا تجعل من السبب التجريبي العامل الأساس في التغيُّر الحادث في الظاهرة المدروسة، وباسم التجريب والمنهج العلمي راح العلماء الاجتماعيون يعبَثُون بالقِيَم، وأقاموا في الغرب تجارب جريئة قاسوا فيها الاستجابات في أثناء العملية الجنسيَّة على أشخاصٍ متطوعين من كلا الجنسَيْن، يقومون من تلقاء أنفسهم بممارسة العمليَّة الجنسيَّة تحت عيون الملاحظين وعدسات التصوير، واعتبروا أنَّ ذلك فتحًا جديدًا في الدراسات التجريبيَّة بين البشر، ولَمَّا ثار المحافظون على هذا العبث أجرى العلماء الاجتماعيُّون تجاربهم سرًّا، وراحت مراكز البحوث في بلادنا تحذو حذوَهم وتحاول خوض هذه التجارب على رجالنا ونسائنا.

كان جون ستيوارت مل من أشدِّ العلماء تعصُّبًا للمنهج التجريبي، ولكنَّه اضطرَّ بعد إعمال فكر واجتهاد كبير إلى الاعتراف بالإخفاق في البحث عن الحقيقة الاجتماعيَّة، وإلى الاعتراف بأنَّه من غير الممكن في الميادين الاجتماعيَّة حدوث ظرفين متعادلين تمامًا ومتكافئين من جميع النواحي إلا ناحية واحدة، وأنَّ ذلك لا يحدث ألبتَّة: لا طبيعيًّا، ولا تلقائيًّا، ولا افتعالاً، يُدبِّره ويصطنعه أيُّ باحث مهما كانت قدرته.

أمَّا الادِّعاء بأنَّ تطبيق مناهج العلوم الطبيعيَّة على الإنسان والمجتمع سوف يُحقِّق الموضوعيَّة، فهذا من قَبِيل التضليل.

الموضوعيَّة في العلوم الطبيعيَّة تُعالَج في ضوء هويَّتها الخاصَّة كمادَّةٍ للبحث وطرق أو مناهج للدراسة، أمَّا الموضوعيَّة في شُؤون الإنسان والمجتمع فهي موضوعيَّة نسبيَّة ناتجة عن نسبيَّة الرُّؤَى المختلفة للمُشتَغِلين بالعلوم الاجتماعيَّة.

ورغم اعتراف علماء الغرب بأنَّ العيوب التي يعاني منها علم الاجتماع حتى اليوم إنما ترجع إلى تقليده الأعمى للعلم الطبيعي، بحيث أصبحت النتيجة مُحزِنة، وأصبح حال علم الاجتماع يُرثَى له بسبب الإصرار على هذا التقليد، فما زال في بلادنا مَن يصرُّ على إخضاع ما هو غير علمي لشروط الفرض العلمي الذي يَقبَل التحقُّق من صحَّته، وما زال يطمع في الوصول إلى نموذجٍ اجتماعي علمي على غِرار الصورة الفيزيائيَّة للعالم، وبعضهم يستشهد بنجاح الغرب في الوصول إلى وحدات تحليليَّة وتركيبيَّة لصور اجتماعيَّة مختلفة كمصطلح (الكارزما) أو (الصفوة) أو (الطبقة)، ونسي هؤلاء أنَّ البشريَّة تعرف هذه الحقائق منذ زمن بعيد، وأنَّ ما قام به علماء الغرب لا يتعدَّى مرحلة الوصف العام، ولم ينجحوا حتى الآن في إقامة نماذج اجتماعية تُشبِه في دلالتها وانتظامها نماذج العلوم الطبيعيَّة.

أمَّا استخدام علم الاجتماع للإحصاء والرياضيَّات، واستعانته بالآلات الضابطة والتجارب المعمليَّة، فلم يُحقِّق له خصائص العلم؛ لأنَّه وإنْ كان بالإمكان التثبُّت من وُجود الظواهر التي يدرسها بالرجوع إلى الواقع، فإنَّ هذه الظواهر لا يطَّرد وقوعُها بغير استثناء؛ لأنها لا تجري على غِرار واحد دومًا، ويتدخَّل في سير مجراها عقل أو ضمير أو إرادة، فإذا تغيَّر مجرى الظاهرة استحالَ إخضاعُها لقانون علمي دقيق.

لقد اعترف علماء الاجتماع بأنَّ استِخدام الإحصاء في علم الاجتماع كان السبب في ضَحالة أغلب النتائج التي توصَّلوا إليها، وسطحيَّتها، وتفاهتها، وزيفها، وجدبها، أدَّى استخدام الإحصاء - كما يقول علماء الغرب - إلى تَتْفيه البشر والمجتمع، وتَتْفيه عقول علماء الاجتماع أيضًا، وفوق هذا كله لم يمكنهم من فهم الظواهر الاجتماعيَّة أو فهم علاقاتها السببيَّة، يقول (زيمرمان): "إنَّ لدينا عددًا كبيرًا من الأشخاص الذين يستَطِيعون القيامَ بحِساب معاملات الارتباط، لكنَّه لم يخبرنا أحدٌ ماذا تعني هذه المعاملات بالنسبة للتحليل السببي، إنَّه ما دامت العلوم الاجتماعيَّة قد أغرقت نفسها في مجرَّد جمع الحقائق وعلاجها الإحصائي، فإنها تتَّجِه إلى أنْ تكون مذهبًا تؤمن به طائفة مختارة من العلماء الاجتماعيين، هم الذين يستَطِيعون قراءة البحوث وفهمها؛ ومن ثَمَّ لا تصبح لهذه البحوث قيمةٌ في التوجُّه الاجتماعي".

هاجَم (سوروكن) الأسلوب الإحصائي، وقال: إنَّ هذا الأسلوب يجعل بإمكان أيِّ شخص أنْ يصبح باحثًا اجتماعيًّا؛ فهذا لن يكلفه سوى أنْ يأخذ عددًا من الأوراق ويملؤها بكلِّ أنواع الأسئلة، ثم يرسلها بالبريد ويتسلَّم الإجابات فيُصنِّفها ويُبوِّبها بآلة تبويب في عدَّة جداول، ثم يحسب آليًّا: النسب المئوية، ومعاملات الارتباط، والانحرافات المعيارية، والأخطاء الاحتمالية، ثم يقوم بكتابة تقريرٍ يملؤه بهذه الأعداد الضخمة والمؤثِّرة من الجداول والصيغ والمؤثرات وما إلى ذلك، حتى يتأكَّد القرَّاء أنَّه بحث موضوعي وكامل ودقيق، لأنَّ صاحبه اتَّبع طقوس البحث الكمي المعاصر في علم الاجتماع.

النظريَّات التي استعانَتْ بالرياضيات كانت عرضًا من الأعراض البارزة لما يسمَّى بهوس الاستخدام الكمي في العلوم الاجتماعية، وفي جملتها - كما يقول علماء الاجتماع - لم تضفْ إلى معلوماتنا أي جديد، ولم تفعل سوى أنها أعادت صياغة جهلنا.

النظريات الاجتماعية ذاتها مُعقَّدة وغامضة، ولا يمكن استخدام الرياضيَّات إلا إذا أصبحت النظرية ذاتها أكثر تعقيدًا بحيث يَصعُب رؤية كلِّ ضمنيَّاتها، فما الذي نتوقَّعه إذًا إلا المزيد من الغموض واللبس والإبهام!

إنَّ استخدام الرياضيات في العلوم الاجتماعيَّة إمَّا أنْ ينتهي إلى عبارات رياضية لا تمسُّ إلا قدرًا يسيرًا من المشكلات الحقيقيَّة التي كان عليها أنْ تعالجها، أو أنْ تتمخَّض عن صِيَغٍ تافهة لا تُؤدِّي إلى أكثر ممَّا يمكن أنْ تؤدِّيه العبارات اللفظيَّة.

هذا، وقد اعترف العلماء الاجتماعيُّون بأنَّ استخدام الرياضيات في العلوم الاجتماعية قد كانت نتيجته: فقرًا في المنطق، وغُموضًا في الأفكار، وادِّعاء كاذبًا بالأصالة، يحاول صاحبه أنْ يخفيه ويخفي هذه العُيوب جميعًا بكساءٍ من أرقام، وعبارات غامضة تَعكِس خواءً في العلم أكثر ممَّا تعكس ثراءً فيه.

ومنذ نشأة علم الاجتماع وإلى اليوم وعُلَماؤه يتحدثون عن إمكانيَّة التوصُّل إلى القوانين التي تحكُم المجتمع البشري، أين هذه القوانين؟ ثلاثون عامًا ونحن نبحث عنها بلا جَدوَى، كلُّ ما دَرْسناه وندرسه لطلابنا ليس إلا مجرَّد أحكام عامَّة جاءتْ بعد جهود ضائعة وغير مثمرة، أحكامًا لا تخلو من العيوب والنقص، ليس في جملتها إلا أقوالاً بدهيَّة صِيغَتْ في كلمات طنَّانة غامضة جوفاء.

كنَّا نعتقد أنَّ هناك هدفًا نبيلاً من السعي المُتَواصِل لعلماء الاجتماع وإصرارهم على التوصُّل لهذه القوانين، ثم اكتشفنا أنَّ الهدف ليس السعي لاكتشاف سنن الله الاجتماعيَّة، وإنما هو تحويل المجتمع إلى آلةٍ كبيرة محكومة الحركة مضبوطة الأزرار، ثم فرض قواعد وقوالب مُعيَّنة على حركته الاجتماعيَّة، إنها قواعد اللعبة الاجتماعيَّة في منطقة محدَّدة وزمان محدَّد، لكنَّهم على أيَّة حال فشلوا في التوصُّل إلى هذه القوانين، وفشلوا في التنبُّؤ والتحكُّم في حركة المجتمع.

أحكامهم التي توصَّلوا إليها ليست دقيقةً ولا مضبوطة، احتماليَّة ترجيحيَّة تَعكِس أصحابها وتحيُّزاتهم وميولهم ومصالحهم، أحكامهم مرهونةٌ بالمدارس الفكريَّة التي ينتَمُون إليها، تفتقد إلى أوَّل شرطٍ من شُروط القانون، وهو العموميَّة التي لا تجعل صِدقَه مرهونًا بزمان أو مكان أو ظروف معيَّنة، أحكامهم لا دقَّة فيها ولا ضبط، تَكثُر فيها الحالات الاستثنائيَّة، والاستثناء ممتنعٌ في القانون العلمي، والشاهد السلبي الواحد يُرجِّح مِئات الشواهد الإيجابيَّة، الاستثناءات في العلوم الاجتماعيَّة أكثر من أنْ تُحصَى، ومن الضلال أنْ يُقال أنَّ الشاذ في علم الاجتماع لا يهدم القانون، فالحياة الاجتماعية مليئةٌ بالتعقيدات الهائلة التي تتدخَّل فيها الإرادة البشريَّة وتُغيِّرها وتُعدِّلها؛ ممَّا يتعذَّر معه إخضاعُها لقانونٍ علمي ثابت.

إنَّ واقع العلوم الاجتماعيَّة لَيَشهدُ أنَّ فكرة القانون لا يمكن أنْ تكون مساويةً لمعناها في العلوم الطبيعيَّة، إنَّ استقراء الماضي ليس أساسًا كافيًا لاستخلاص قانونٍ إذا أُرِيد الاحتفاظ بكلمة (القانون) بمعناها العلمي المعروف، وما اكتشفته العلوم الاجتماعيَّة ليس بقوانين؟ لأنَّنا عاجزون دومًا عن معرفة ما إذا كانت هذه القوانين صادقةً في الماضي، فليس لدينا من الوثائق ما يُثبِت ذلك، ولا نعرف أيضًا ما إذا كانت ستَصدُق في المستقبل أو لا.

إنَّ أهمَّ ما يُميِّز القانون العلمي هو استقلاله عن الإرادة الإنسانية وحدوثه سواء شاء الإنسان أو لم يشأ، فهل هناك حقًّا إلى جانب إرادة الإنسان عاملٌ خفيٌّ يوجه الحوادث في اتجاه معيَّن، أم أنَّ الإرادة الإنسانيَّة هي التي تقوم بذلك فعلاً؟ إذا صحَّ أنَّ إرادة الإنسان هي التي تقوم بذلك، وهي العامل الوحيد المتحكِّم في توجيه دفَّة الأمور، فما قيمة الإشارة إلى القانون؟ أليس في وسع إرادة الإنسان أنْ تكسر هذا القانون وتُوجِّهه متى شاءت وجهةً أخرى؟

إنَّ تعقيد الحياة الاجتماعيَّة الهائل لا يسمح لنا باكتشاف القوانين التي تحكمها، طالما أنَّ مُنطَلقاتنا لا تعترف بغير إرادة الإنسان في حركة المجتمع، فإذا كنَّا لم نستَطِع اكتشافها فمن العبث أنْ ندَّعي بأنها موجودةٌ ما لم نُغيِّر هذه المنطلقات.

أمَّا الادِّعاء بأنَّ علم الاجتماع ما زال في مهده، وأنَّه سيُحقِّق إمكانيَّة الوصول إلى هذه القوانين بعد أنْ ينضج، فإنَّه ادِّعاء ساذج؛ لأنَّ الزعم بعدم النُّضج هذا قد استمرَّ لفترةٍ طويلة من الزمان دون أنْ تظهر على العلم أيُّ علامة من علامات النمو.

وهناك من علماء الاجتماع مَن يقرُّ بأنَّ علم الاجتماع لم يتوصَّل إلى قوانين، وإنما توصَّل إلى ما أسموه (بالتعميمات الأمبريقيَّة) التي يتمُّ التوصُّل إليها عند فحص العلاقة بين متغيِّرين، هذه التعميمات لا يمكن الأخْذ بها، وهي غير ذات نفْع في علم الاجتماع؛ لأنَّه لا يوجد في المجتمع اطِّراد طويل الأمَد يَصلُح أنْ يكون أساسًا للتعميمات بعيدة المدى - بغضِّ النظر عن الاضطرار في الأمور التافهة - إنَّ افتراض صدق التعميمات في علم الاجتماع أمرٌ كاذب ومُضلِّل إلى حدٍّ كبير؛ لأنَّه ينكر أنْ يطرأ على المجتمع أيُّ تغيُّر أو تطوُّر، ويُنكِر أيضًا أنْ يكون للتطوُّرات الاجتماعيَّة - إنْ وُجِدت - أيُّ أثَر في الأمور المنتظِمة الأساسيَّة في الحياة الاجتماعيَّة.

إنَّ كثيرًا من التعميمات التي أطلقها علماء الاجتماع ليست إلا أقوالاً بدهيَّة لا تَرقَى إلى مستوى القوانين، ولا تلبثْ عموميَّتها أنْ تنهار أمام الفحص الدقيق، كما أنَّ كلَّ التعميمات التي توصَّلَ إليها علماء الاجتماع مبهمة غامضة فضفاضة، وعلى فرض صِدقها فإنها ليست سوى مجرَّد تكرار لمعانٍ جزئيَّة، وإبرازٍ لأشياء عادية مألوفة في صورة أخرى، تأخُذ شكلاً استدلاليًّا تافهًا وساذجًا.

وإذا اعتقد علماء الاجتماع أنَّه باستِطاعتهم الوصول عن طريق تحليلهم للحياة الاجتماعيَّة إلى اكتشاف السبب في وقوع حادثٍ معيَّن على نحوٍ معيَّن، وإلى إدراك هذا السبب وكيفيَّة وُقوعِه، بحيث يقولون: إنهم توصَّلوا إلى فَهْمٍ واضح لعِلَلِه ونتائجه؛ أي: القُوَى التي سبَّبَتْه، وآثاره التي لحقَتْ بغيره من الحَوادِث، فإنهم رغم ذلك لا يستطيعون الادِّعاء بأنهم توصَّلوا إلى قانونٍ يصلح لوصف مثل هذه العلاقات بوجْه عام؛ لأنَّه قد لا يوجد من المواقف الاجتماعيَّة ما يصحُّ تفسيره بتلك القوى المعيَّنة التي اكتشفوها غير الموقف الوحيد المعيَّن الذي وُفِّقوا إلى تفسيره، وقد تكون هذه القوى فريدةً في نوعها؛ بمعنى: أنها لا تظهر إلا مرَّة واحدة، ولن تعود إلى الظهور مرَّة أخرى.

وباختصار: إنَّه لا يمكن التوصُّل في علم الاجتماع والعلوم الاجتماعيَّة إلى نسقٍ نظري متَّسق ونهائي، كذلك القائم في العلوم الطبيعيَّة، رغم اهتزاز هذه القاعدة فيها الآن.

تعلَّمنا وعلَّمنا طلابنا أنَّ علم الاجتماع نسق نظري؛ بمعنى: أنَّ غايته تفسير الحوادث والتنبُّؤ بها بواسطة النظريَّات أو القوانين الكليَّة التي يُحاوِل اكتشافها، لكنَّنا تيقنَّا الآن أنَّ علم الاجتماع لن يصل مطلقًا إلى دقَّة التنبُّؤات الفلكيَّة مثلاً؛ لاستِحالة فكرة التقويم الدقيق للأحداث الاجتماعيَّة.

إنَّ فكرة التقويم الدقيق المفصَّل للأحداث الاجتماعيَّة فكرةٌ متناقضة، والتنبُّؤات الاجتماعيَّة الدقيقة مستحيلةٌ بسبب تعقُّد الأبنية الاجتماعيَّة، وتبادُل التأثير والتأثُّر بين التنبُّؤات والأحداث المتنبَّأ بها، ويمكن بالمنطق وحدَه إثباتُ ذلك، لو أمكن عملُ تقييمٍ للحوادث الاجتماعيَّة واطَّلَع الناس على هذا التقييم؛ لأنَّه لن يكون سِرًّا مكتومًا لمدَّة طويلة، وبقدرة أيِّ إنسان أنْ يكتشفه، لكان في ذلك - بدون شك - مَن يحاولون القيامَ بأعمالٍ من شأنها أنْ تفسد التنبُّؤات، فإذا تنبَّأ أحدٌ بأنَّ سعر الأسهُم سيرتفع على مَدَى ثلاثة أيَّام ثم يهبط بعدَها، فمن الواضح أنَّ كلَّ مَن له صلةٌ بالسوق سوف يبيع أسهمه في اليوم الثالث، ويتسبَّب ذلك في هبوط الأسعار ويكذب التنبُّؤ.

التنبُّؤ حادثٌ اجتماعي قد يتأثَّر بغيره من الحوادث ويُؤثِّر فيها، ومن بين هذه الحوادث الحادث المتنبَّأ به، قد يُساعِد التنبُّؤ بالإسراع في وُقوع هذا الحادث، وقد يُؤثِّر فيه على نحوٍ آخَر، بل قد يُؤدِّي إلى إحداث الحادث الذي تَمَّ التنبُّؤ به؛ بمعنى: أنَّ الحادث ما كان ليقع أصلاً لو لم يحدث التنبُّؤ، إنَّ العالم الاجتماعي قد يتنبأ مثلاً بأمرٍ ما وهو مدركٌ في الوقت نفسه أنَّ تنبُّؤه هذه سوف يكون سببًا في وقوعه، وقد ينفي وقوع حادثٍ ما في المستقبل فيمنع ذلك من حُدوثه، وإذا كان العالم الاجتماعي قد قال الحقَّ في الحالتين فلا يعني هذا أنَّه لم يخرج عن الموضوعيَّة؛ لأنَّه حين تنبَّأ (وجاء المستقبل مؤيِّدًا له) قد يكون عمل على الاتجاه بالحوادث في الوجهة التي يُفضِّلها شخصيًّا.

هذا، وقد اصطُلِح على تسمية الاتجاه الذي يقوم على: التجربة، أو الملاحظة، أو التجريب والاعتماد على: الخبرة الحسيَّة، والرياضيات، والإحصاء، واستِنتاج العلاقة بين مُتغيِّر وآخَر عند دراسة أجزاء من الواقع الاجتماعي (بالاتجاه الأمبريقي)، يجمع الباحثون المعلومات عنه من خلال إجراء مُقابَلات مع عددٍ من الأفراد يُختارون عبر عيِّنةٍ ما، ثم تُصنَّف إجاباتهم وتُنسَّق وتُرتَّب وتُحوَّل إلى بطاقاتٍ مثقوبة، ثم تُترجَم النتائج ترجمةً إحصائيَّة يُعبَّر عنها بنسب مئويَّة بهدف الوصول إلى نظريَّة تُركِّز على تَراكُم النتائج المُستَنبَطة من الدراسة الواقعيَّة لموضوعاتٍ مختارة.

دخَلَ هذا الاتجاه إلى بلادنا مع غُروب دور أساتذة الاجتماع التابِعين للمدرسة الإنجليزية والفرنسية، وظهور هذا الجيل التابع للمدرسة الأمريكيَّة ونزعتها الأمبريقية، وهكذا سارَت الدراسات العُليَا في بلادنا على نفس المنوال الذي تسير عليه في الولايات المتحدة؛ حيث يُسَيطِر الأساتذة سَيْطرةً كاملة على الطلاب الذين يُلقِّنونهم بأنَّ الأصالة هي صياغة مشكلة أو القدرة على اكتشاف جانبٍ منها، وأنَّ الكفاءة هي جمْع أكبر قدرٍ من المعلومات الجديدة والموثَّقة حول هذه المشكلة، ويُنبِّه على الباحث بأنْ يبذل مجهودًا مرضيًا في فحص الأدلَّة واستكمال البحث، والحصول على معرفة منظَّمة بالمشكلة والقضايا والمناقشات التي تدورُ حولها.

خُدِعنا بهذه الاتِّجاه الأمبريقي، وقالوا لنا: إنَّه أفضل الطرق الموافقة لرُوح العصر التي يمكن الحصول بها على نتائج واقعيَّة مستقلَّة عن أيِّ اتجاه مُعارِض لدِينٍ أو عقيدة، ثم اكتشفنا أنَّ هذه الأمبريقيَّة تستَنِد إلى ما يَسُود العلوم الاجتماعيَّة بوجْهٍ عام من اتِّجاه علماني، ومن اهتِمام بمسائل علمانيَّة، ولأنَّ الأمبريقيَّة تعتمد فقط على الأساليب الفنيَّة، فإنها ترفُض أيِّ فكر، وتبدأ من الواقع وتنتهي إلى الواقع، وترى بصراحةٍ (أنَّ كلَّ ما لا يخضع للتجريب فهو باطل).

سدَّ (لندبرج) - عالم الاجتماع المعروف الذي لُقِّب بنبيِّ العهد الجديد - الطريقَ أمام إنقاذ البشريَّة إلا من طريق تطبيق العلم الطبيعي ومناهجه على محاولات فهْم المجتمع، وكان من أشدِّ المتطرِّفين في هذا الاتجاه، وكان يخاطب الشاكِّين وغير المتحمِّسين لوُعُود العلوم الاجتماعية بقوله: "إنَّنا إذا لم نؤمن بالعلوم الاجتماعية فبمَن نؤمن؟".

إلا أنَّ علماء الغرب أنفسهم هاجموه وقالوا: إنَّه ترك الإنسان بلا أمل، وحوَّل قيمه وغاياته إلى نوعٍ من التوتُّرات التي تحتاج إلى تخفيفٍ... إنَّ الإنسان والمجتمع لا يمكن أنْ نُماثِلهما بجزئيَّات أو ذرَّات، ولا يمكن تمثيل سلوك الإنسان بحركة هذه الأجزاء، وإلاَّ فإنَّنا نُجرِّد الحياة الاجتماعيَّة من حيويَّتها وقيمتها.

ونستعرض هنا بعضًا من أقوال علماء الغرب الرافضة تطبيقَ مناهج العلوم الطبيعيَّة على الإنسان والمجتمع.

• قال (إلوود): "إنَّ مناهج العلوم الطبيعيَّة بما في ذلك الإحصاء لا تُمكِّننا من فهْم الظواهر الاجتماعيَّة".

• قال (وليم توماس): "إنَّ السلوك الإنساني يتَّصِف بالتعقيد والتنوُّع بحيث تُصبِح مقارنته بالظواهر الطبيعيَّة نوعًا من العبث".

• وأرجَعَ (باسي) فشَلَ العلوم الاجتماعيَّة الحديثة في دراسة الإنسان دراسةً كليَّة شاملة إلى حِرصها الشديد على تبنِّي الأساليب الوضعيَّة.

• أمَّا (فيلبسون) فقد قال: "إنَّ الظواهر الطبيعية تختلف عن الظواهر الاجتماعية اختلافًا بيِّنًا، وعالم الطبيعة يدرس أصلاً ظواهر لا تتَّخذ بناء معرفيًّا مسبقًا، فهي ظواهر لا تعرف القصد والإرادة، وعلاقته بهذه الظواهر علاقة خارجيَّة تختلف تمامًا عن علاقة العالم الاجتماعي بالظواهر التي يدرسها".

• ويقول (رد فيلد): "إنَّ هناك فارقًا بين ما هو إنساني وما هو غير إنساني، إنَّ دراسة الثقافة في ضوء مفاهيم الفيزياء تعني: تفتيت الإنسانية إلى أجزاء ليست هي الأفراد والجماعات، إنَّ تبنِّي نظريَّات ونماذج العلوم الطبيعيَّة وتطبيقها في المجال الاجتماعي يُصاحِبه تقدُّم في معرفتنا بالمجتمعات".

• وقال المؤرِّخ الشهير (ديلثي): "إنَّ علم الاجتماع لن يكون علمًا على الإطلاق، وإنَّ مناهج العلوم الطبيعيَّة التي تعتمد أساسًا على التفسير ليستْ كافيةً لفهم الظواهر الاجتماعيَّة فهمًا عميقًا"، وقال في موضع آخَر: "إنَّ هناك فارقًا كبيرًا بين العلوم الطبيعية التي تفسر ظواهرها من الخارج، والعلوم الاجتماعية التي تحاول فهم قَضاياها من الداخل؛ لهذا يبدو علم الاجتماع وكأنَّه بحث مصطنع يحاول دراسة المجتمع بالاعتماد على مناهج لا تصلح إلا لدراسة الطبيعة".

• وهاجم (هوسرل) سَيْطرة هذه النزعة المتطرِّفة التي أدَّت في نظره إلى تحوُّل العالم الحقيقي المتمثِّل في الحياة اليوميَّة إلى مجموعة من المقولات الرياضيَّة المجرَّدة.

• أمَّا (رايت ميلز): الذي قال عنه علماء الاجتماع: "إنَّه إذا كان القرن التاسع عشر قد أنجب ماركس وفيبر، فإنَّ القرن العشرين لم ينجب سوى ميلز"، فقد وجه انتقادات حادَّة للنزعة الأمبريقية السائدة في العلوم الاجتماعية وقال: "إنَّ علم الاجتماع بتبنِّيه لهذه النزعة الضيِّقة إنما يحكُم على نفسه بافتقاد تصوُّر حقيقي للإنسان والمجتمع، فبدلاً من محاولة الوصول إلى مثل هذا التصوُّر، يحاول الأمبريقيون تحويل علم الاجتماع إلى علم طبيعي يستخدم نفس المعادلات الرياضية الشائعة في الفيزياء... إنَّ الاتجاه الأمبريقي يحاول إخضاع الحقيقة الاجتماعيَّة للمعالجة الإحصائية والمعملية، وبجرْد المشاكل الاجتماعية من صِفتها السوسيولوجية ويفسرها بعوامل سيكولوجية".

هذا، وقد هُوجِمت الأمبريقية من زوايا أخرى مختلفة نذكر منها ما يلي:
أولاً: أنها تخلو من أيِّ قضايا لها قوَّة التوجيه، فتفتَقِد بذلك الرؤية الواضحة والفهم الجيِّد لطبيعة الإنسان والمجتمع، ولا تُقدِّم عنهما أيَّ حقائق، بل فشلتْ بصفةٍ عامَّة في إقامة علاقة قويَّة بين المعرفة والعمليَّات الاجتماعيَّة، وفصلت فصلاً شديدًا بين الواقع والقِيَم.

ثانيًا: تعمد الأمبريقية إلى التجزئة، فتدرس ظواهر معيَّنة منفصلة ومنزوعة من سياق المجتمع.

ثالثًا: تبسط الأمبريقية قوانين المجتمع لتصبح أقوالاً وقضايا تكراريَّة ليست على درجةٍ عالية من التعميم، فيتعذَّر تطبيقها على المشاكل الكبرى.

رابعًا: أنَّ الأمبريقية تُعبِّر عن موقفٍ إداري أكثر منه موقف عملي، فما تتمتَّع به من قوَّة إدارية تُخفِي ما تُعانِيه من نقصٍ عقلي، وقد انتقل البحث بالأمبريقية من الوحدات الكبرى إلى بحث الوحدات الصُّغرى، وهذا الاتجاه من شأنه أنْ يُؤدِّي إلى تصفيةٍ تدريجيَّة لعلم الاجتماع.

خامسًا: أنَّ محاولات إجراء دراسة أمبريقيَّة عن الواقع الاجتماعي تُشِير إلى أنَّ أصحابها لديهم تصوُّرات معيَّنة عنه؛ ومن ثَمَّ فإنَّ هذه الافتراضات السابقة سوف تُؤثِّر على طابع الدراسة التي يجرونها على الواقع، وأنَّه إذا كان الهدف الأسمى من علم الاجتماع هو اكتشاف طبيعة العالم الاجتماعي، فكيف يقوم ذلك على افتراضات مسبقة عن هذا الواقع؟!

إنَّ علماء الاجتماع سينظمون أبحاثهم في ضوء هذه الافتراضات المسبقة، وسوف يعتمد طابع علم الاجتماع عليها، وسوف يتغيَّر إذا تغيَّرت.

سادسًا: أنَّ النَّزعة الأمبريقية أغرقَتْنا في التفصيلات الوصفيَّة الجزئيَّة عندما اهتمَّت بمشكلات الإدارة والانحِراف والحراك الاجتماعي، لقد عجزتْ أنْ تُقدِّم - باستثناءاتٍ محدودة - إسهامًا حقيقيًّا في فهم البناء الاجتماعي.

سابعًا: عن الادِّعاء بإمكانيَّة الاستفادة من نتائج بحوث الدراسات الأمبريقيَّة في مشروعات رجال الأعمال وغيرهم، يقول علماء الاجتماع: "إنَّ علم الاجتماع عندما يُقدِّم خدماته لرجال الأعمال لا يستطيع أنْ يستخلص لهم نتائج على درجةٍ عالية من التخصُّص أو النوعيَّة ذات القدر من الثَّبات أو العموميَّة، بل يعجز عن تقديم نظرية مجرَّدة يمكن تطبيقها على نطاق المشروع".

ورغم فشل وسُقوط الأمبريقية في بلادها ومسقط رأسها، فإنَّ طلابنا وباحثينا لا يزال البعض منهم غارقًا حتى أذنيه في هذه الأمبريقية، ولا نجد بحثًا ولا رسالة إلا محشوة باستمارة استبيان وفُروض بحث، ومتغيرات مستقلَّة وأخرى معتمدة، وجماعة تجريبية وأخرى ضابطة، وجداول ورسوم بيانية ونسب مئوية، ومعاملات ارتباط.. إلى آخِر هذا المسلسل الذي لا يخرج البحث والرسالة منه إلا بنتيجة حقيقية واحدة وهي: (أنَّ النزعة العلمية في علم الاجتماع نزعة مزيَّفة).
ــــــــــــــــــــــ
المصدر:
حلقات من كتاب (اعترافات علماء الاجتماع، عقم النظرية وقصور المنهج في علم الاجتماع).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
10-09-2014, 08:01 AM
علم الاجتماع: بحوث سطحية وأخرى استعمارية
ــــــــــــــــــــــــ


اعترافات علماء الاجتماع
------------------

الحلقة التاسعة
----------

علم الاجتماع: بحوث سطحية وأخرى استعمارية
-----------------------------


تنقسم البحوث الاجتماعية التي تُجرَى في بلادنا إلى نوعين: بحوث عاديَّة محليَّة تُجرَى بجهدٍ وتمويلٍ محلي، وبحوث تُموَّل من الخارج تمَّت بعد الاتِّصال بين الجامعات والمؤسَّسات؛ مثل: هيئة المعونة الأمريكية، ومؤسسة فورد، وبين الجامعات المصرية والعربية.

وعن النوع الأول من هذه البحوث يعتَرِف رجال الاجتماع في بلادنا بما يلي:
أولاً: أنَّ مؤسَّسات البحث الاجتماعي تنشَأ دون هدفٍ واضحٍ، وتُنظَّم بأساليب بدائيَّة قاصرة، وتستغلُّ جُهد العامِلين بطريقةٍ عاجزة معيبة، وأنها لم تنجحْ في تناوُل القضايا الحيويَّة في المجتمع العربي بالتحليل، ولم تُوفَّق في دراسة ما عرضَتْ له من موضوعات.

ثانيًا: أنَّ البحوث الاجتماعيَّة ممسوخة ومُشوَّهة، تستخدم تقنيَّات البحث دُون تدقيقٍ أو إتقان، وتخرُج بنتائج لا تُسهِم في بَلوَرة أيِّ إطارٍ، ولا تُقدِّم أيَّ إضافة لبناء العلم، وتحطُّ من قُدرة علم الاجتماع وأهله.

ثالثًا: أنَّ البحوث الاجتماعية مُبَعثَرة وغير هادفة، وغير متكاملة مع قِطاعات المجتمع المختلفة، ولا تستمدُّ المشكلات الاجتماعيَّة من هذه القطاعات؛ ومن ثَمَّ لا تفيد في ترشيد أيِّ قرارات، ولا تلعب دورًا في تكوين وَعْيٍ اجتماعي على أساسٍ علمي، وليست مُوجَّهة أصلاً إلى مشكلات الجماهير، ولا تهدف إلى مُخاطَبتها بما تتضمَّنه من مفهومات ومصطلحات غامضة.

رابعًا: أنَّ البُحوث الاجتماعيَّة إمَّا جزئية، أو تدرس الأحداث بعد حُدوثها، أو تتناول القضايا ذات الطابع السلبي؛ كالجريمة، والطلاق، والمرض النفسي.

خامسًا: أنَّ الباحثين الاجتماعيين العرب قد أخَذُوا مفهوم المشكلات الاجتماعيَّة كما تجمَّد في الغرب الصناعي، وأوجَدُوا له تطبيقاتٍ عربيَّةً، وأنَّ الذي يُسَيطِر علي دِراسة المشكلات الاجتماعيَّة العربيَّة إشكاليَّات سطحيَّة في التراث الأدبي لعلم الاجتماع، وأنَّ الإشكاليَّات العربيَّة لم تخرُج عن أنماط سلوكيَّة وأفعال انحرافيَّة وقِيَم مرضيَّة.

سادسًا: قلَّما يكون لنتائج هذه البحوث دورٌ فعَّال في التخطيط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

والآتي بعدُ هو تفاصيل هذه الاعترافات:
1- عن مؤسَّسات البحث الاجتماعي يقول عزت حجازي: "أمَّا مؤسَّسات البحث الاجتماعي فمُعظَمها ينشَأُ بدون هدفٍ عام واضح، ويُنظَّم بأساليب بدائيَّة قاصرة ولا تستقطب غير القليل جدًّا من العناصر القادرة على العَطاء، الواعِدة، ويستغلُّ جُهد العاملين بطريقةٍ عاجزةٍ معيبة؛ ولهذا فهي لم تنجَحْ في تناوُل القَضايا الحيويَّة في المجتمع العربي بالتحليل، بل ولم تُوفَّق في دِراسة ما عرَضتْ له من موضوعات".

2- عن المسْخ والتشويه في البحوث الاجتماعيَّة وإسهامها في الحطِّ من قدْر علم الاجتماع والمشتغِلين به يقول محمد الجوهري: "أمَّا البحوث الميدانيَّة فظلَّت أمَدًا بعيدًا على تخلُّفها، بل وتعرَّضت في بعض الأحيان للمسخ والتشويه؛ حيث اندفعَتْ بعضُ رسائل الماجستير والدكتوراه إلى استخدام تقنيَّات البحث دُون تدقيقٍ أو إتقان، وعجزت في أغلب الأحوال عن الرَّبط الناجح بين النظرية والبحث؛ إذ كان الباحث ينطلق إلى موضوعه دون رؤيةٍ نظريةٍ مسبقة، ثم ينغَمِس خِلال البحث في مفردات موضوعه وجزئيَّاته، ولا يرى الغابة التي يمشي وسطها من كثْرة الأشجار حولَه، فيخرج في النهاية بنتائج جزئيَّة لا تُسهِم في بَلوَرة أيِّ إطار، ولا تُقدِّم أيَّ إضافةٍ لبناء العلم، ولا ترفع علم الاجتماع وأهله درجةً إلى أعلى".

3- عن غُموض وبَعثَرةِ البُحوث الاجتماعيَّة، وعدم تكامُلها مع قِطاعات المجتمع، وعدم فائدتها في ترشيد أيِّ قَرارات، يقول عبدالباسط عبدالمعطي: "ويكاد يُلخِّص أحد الباحثين العرب علاقة علم الاجتماع في الوطن العربي بواقعه بأنَّها تُشِير إلى اغتراب البحث في علم الاجتماع عن مجتمعه كاغتراب عددٍ من القائمين به عن هذا المجتمع، وأنَّ الصفات الغالبة عليه تُشِير إلى أنَّ معظم البحوث مُبَعثَرٌ غير هادف، وغير مُتَكامِل مع قِطاعات الإنتاج والخدمات والسياسة والثقافة والتعليم... إلخ، فهو لا يستمدُّ مشكلاته البحثيَّة من هذه القطاعات، ولا يفيد في ترشيد أيِّ قَرارات فيها، غالبيَّة البحوث لا تلعَبُ دورًا في تكوين وعْي اجتماعي لدَى الجماهير على أساس علمي... عددٌ غير قليل منها ليس مُوجَّهًا أصلاً إلى مشكلات هذه الجماهير، ولا يهدف إلى مخاطبتها؛ لأنَّه يَكتُب بلغة الخاصَّة، لغة المفهومات والمصطلحات الغامضة التي لا تمتُّ بصلةٍ إلى واقع هذه الجماهير وخصائصها".

4- وعن جُزئيَّة البحوث الاجتماعيَّة ودِراستها للأحداث بعد حُدوثها وتركيزها على الموضوعات ذات الجانب السلبي، يقول سعد الدين إبراهيم: "أنْ تصفَ المُحاوَلات التي قامتْ في البلاد العربية في نِطاق البحث العلمي الاجتماعي لها إمَّا جزئية أو دراسة الأحداث بعد حُصولها، أو تناول القَضايا ذات الطابع السلبي من وجهة نظَر البنية الاجتماعيَّة؛ مثل: الجريمة والطلاق والمرض النفسي والتفكُّك والهجرة الريفيَّة الحضريَّة...".

5- وعن تناوُل الباحِثين الاجتماعيِّين العرب مفهوم المشكلات الاجتماعيَّة كما هو سائدٌ في الغرب الصناعي، وعن الإشكاليات السلبية السطحية المتكرِّرة التي يتناوَلونها، يقول سالم ساري: "تُسَيطِر على دِراسة المشكلات الاجتماعية العربية رغم حيويَّتها إشكاليَّات بحثيَّة سطحيَّة متكرِّرة تأخُذ شكل موضوعات مترسِّبة في التراث الأدبي لعلم الاجتماع، وقد أخَذ الاجتماعيون العرب مفهوم المشكلات الاجتماعيَّة كما تجمَّد في المجتمعات الغربية الصناعية... ووجَدُوا له تطبيقات عربيَّة، فلم تخرُج إشكاليات البحوث العربية بذلك عن أنماط سلوكيَّة وأفعال انحِرافيَّة وقيم باثُولوجيَّة، أو ظواهر مشكلة قابلة للملاحظة والقياس كاخْتلالات فردية واختلافات ثقافية أو وصمات اجتماعية".

6- وعن عدم فعاليَّة نتائج هذه البحوث في التخطيط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية يقول سالم ساري: "إنَّ نتائج البحوث الاجتماعيَّة في البلاد العربية قلَّما يكونُ لها دور فعَّال في التخطيط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية".

وتكشف اعتِرافات رجال الاجتماع في بلادنا بصفةٍ عامَّة عن أنَّ البحوث الميدانية سطحيَّة مبعثرة غير هادفة، زاخرة بالبيانات، تصدُر تباعًا، تُكتَب بلغة لا يفهمها إلا الخاصَّة، بالإضافة إلى أنها قُطريَّة تجزيئيَّة لا ترتبط بالسِّياق المجتمعي العام، تحتوي على مصطلحات غامضة لا يفهمها إلا أصحابها، لا تَمُتُّ بصلةٍ إلى واقع الناس أو حَياتهم، تقومُ على فكرةٍ من هنا وأخرى من هناك، ثم اختيار عيِّنة عَشوائيَّة عَمديَّة في مُعظَم الأحيان، ثم تصميم استمارة بغَضِّ النظَر عن مُلاءَمتها أو عدم مُلاءَمتها لموضوع البحث، ثم استِطراد في عرض جداول طوليَّة وعرضيَّة ونِسَب مئويَّة للبيانات.

بيانات هذه الاستمارة من صُنع صاحبها يصوغها ليُحاصِر بها المبحوث، وليُجِيب إجابات يريدها هو إمَّا بنعم أو لا.

يخرُج الباحثون بعد انتهاء بُحُوثهم بنتائج جزئيَّة لا تُسهِم في بَلوَرة أيِّ إطار، ولا تُقدِّم إضافة لبناء العلم، ولا تَرفَع علم الاجتماع وأهله درجةً أعلى، وهي في جُملتها تحصيل حاصل؛ لأنَّ الباحثين يلهَثُون لإثبات بدهيَّات ثابتة منذ زمنٍ بعيد.

يُجرِي الباحثون في بلادنا دِراساتهم إمَّا بعد فكرٍ مسبق مُستَنِدين إلى الأدوات البحثيَّة الشائعة في علم الاجتماع، أو يذهبون إلى المجتمع لدِراسته في ضوء نظريَّة أو نتائج بعض الدراسات التي تجمع أفكار العديد من الاتجاهات، أو يستخدمون نظريَّات سائدة في الغرب، أو نظريات لعلماء اجتماع بارزين.

الماركسيون منهم يدرسون المجتمع في ضوء الفكر المادي التاريخي، إمَّا بصُورته القديمة المرتكِزة على نصوص هذا الفكر مباشرة، ثم يُحاوِلون الإتيان من الواقع ما يثبت صدقها، وإمَّا يدرسونه في ضوء مقولات ونظريَّات وقَضايا الماركسيَّة المعدلة.

باحِثون آخَرون يدرسون مجتمعاتنا مُستَنِدين إلى خليطٍ من النظريَّات الغربية والمادية والتاريخية، وهناك مَن يُحاوِل دراستها مسترشدًا بالتقاليع الجديدة التي تُدعَى بالظاهراتية والإثنوميثودولوجيَّة.

تحت شعار شموليَّة المعرفة يدرس الباحثون في بلادنا قَضايانا ومَشاكلنا انطلاقًا من مفاهيم تولَّدت أصلاً في مجتمعات مُغايِرة لنا، فيصلون إلى نفْس الاستنتاجات التي تحقَّقت فعلاً في هذه المجتمعات.

ورغم هذا كلِّه فإنَّ البحوث التي أُجرِيتْ في بلادنا قد أثبتَتْ أنَّ النظريَّات التي اعتمدتْ عليها تحمل خَلَلاً، بدليل أنَّ النتائج التي توصَّلت إليها لم تُحقِّق مصلحةً، ولم تُعْنَ باتِّخاذ قَرارات ملائمة.

أمَّا بالنسبة لطُرُق وأدوات البحث التي استُخدِمتْ في هذه الدراسات، فإنَّ باحثينا قد توقَّفوا عن العَدْوِ الذي مارَسُوه فيها لسنين طويلة، وباتوا يتساءَلون: ماذا قطعنا من الطريق؟ وماذا حقَّقنا من نتائج؟ وما قيمة هذه النتائج؟ وإلى أيِّ مدًى أسهمتْ في تطوير المجتمع؟ وهل تسيرُ البحوث الاجتماعية في طريقٍ مستقيم، أم إنها تسير في مَتاهات لا أوَّل لها ولا آخِر؟ وهل استطاعوا صِياغةَ نظريات محكمة على أساس الرُّكام الضخم من البيانات التي جمعوها في السنين الماضية؟

اعتَرَف رجال الاجتماع في بلادنا بأنَّ المؤلَّفات العربيَّة في المنهج تعتَمِد على النقل الكامل من التراث الغربي؛ ولهذا نلاحظ خلطًا كبيرًا في المنهج في المؤلَّفات العربيَّة وتلك الغربية التي اعتمدتْ عليها واقتبستْ منها أفكارها وقواعدها وحتى أمثلتها.

سَلَّمَ رجال الاجتماع في بلادنا بأنَّ المداخل المنهجيَّة التي استخدَمُوها قاصرة، وأنَّ أدوات البحث معيبة وغير محايدة، تنتَمِي إلى سياقٍ حضاري مختلف عنَّا ولا تصلح للتطبيق في بلادنا، انتهت فقط إلى كمٍّ هائل من الحالات والجداول التي تتوزَّع عليها المعلومات، وكان ناتج الجهود التي بُذِلتْ قدرًا هزيلاً من المعلومات التي لا تُضِيف كثيرًا، وقد لا تُضِيف شيئًا إلى ما يعرفه الإنسان المُثقَّف، بل والعادي عن موضوع البحث.

الذي تحدثنا عنه هو النوع الأول من البحوث، أمَّا النوع الثاني فيشهد على صدق ما قاله (جاك بيرك) من أنَّ علم الاجتماع علمٌ استعماري منذ اللحظات الأولى التي استُخدِم فيها في بلادنا وحتى الآن، البحوث الأولى في علم الاجتماع كانت تُجرَى لخدمة مخططات الغرب وأجهزة مخابراته، سَواء لتسهيل دخول الاستعمار إلى بلادنا، أو جمع المعلومات المختلفة عنها لإعادة تركيب نظمها وحَياتها، والتأكيد على الفُروق العرقيَّة بين أبنائها، والعمل على إبراز الحضارة ما قبل الإسلاميَّة فيها، وتاريخ علم الاجتماع في المغرب العربي مثالٌ صارخٌ على ما نقول.

أمَّا اليوم فإنَّ عقول رجال الاجتماع في بلادنا تابعةٌ لعقول عُلَماء الاجتماع في الغرب، إنهم يفخَرُون بِمَن ذهب واستقرَّ منهم هناك واحتلَّ مكانه في خدمة الأهداف الغربية، وينظُرون إليه على أنَّه عالم فذٌّ قدَّرَه الغرب ويتمنَّون لو كانوا مكانه، ويندبون حُظوظهم وعدم تقدير بلادهم لهم ويُردِّدون دائمًا: "لا كرامة لنبيٍّ في وطنه"، وهم يسعدون لو تكرَّم عليهم الغربيون بنشر مقالاتهم في مجلاتهم، ويُقدِّمون المعلومات عن بلادهم طواعيةً واختيارًا وطمعًا أنْ يَرضَى الغرب عنهم.

نجح الغربيون إلى حَدٍّ كبير في توظيف الخبراء الاجتماعيين من بلادنا في هيئاتهم ومُؤسَّساتهم الدوليَّة منها بصفةٍ خاصَّة، ويُغدِقون عليهم بالدولارات لتقديم المزيد من المعلومات عن مجتمعاتهم.

يُجرِي الغربيون العديدَ من الدراسات عن بلادنا لخدمة أهدافهم السياسية والتي لا صلةَ لها بعلاج مَشاكِلنا، وإذا عُولِجت ففي ضوء مَصالِحهم السياسيَّة والاقتصاديَّة والغربيَّة.

البحوث الأجنبيَّة والمشتركة زادَ عددُها وتعدَّدت موضوعاتها، تبدأ عادة باتِّصال الجامعات الغربية بعددٍ من الباحثين في بلادنا، أو بتشكيل روابط بينها وبين جامعاتنا، وتنشط المؤسَّسات الغربيَّة هنا بصفةٍ خاصَّة وعلى رأسها هيئة المعونة الأمريكيَّة ومؤسسة فورد.

يشترك باحثونا في هذه الدراسات التي تُجرِيها هذه الجامعات أو هذه الهيئات، ويسيل لعابهم أمام العائد الدولاري الكبير، حتى الماركسيون منهم يشتركون فيها أيضًا ويرمون مبادئهم وَراء ظهورهم مُؤقَّتًا، ومنهم مَن يدَّعي أنَّه صاحب مبدأ يرفُض الاشتراك في هذه البحوث المموَّلة ذات العلاقة القويَّة بالمصالح والاحتياجات اليهوديَّة، والمرتبطة ارتباطًا قويًّا بأجهزة المخابرات الغربية، ولكن في قلبه حَسرة على الخلل الذي ترتَّب على اشتراك غيره فيها وإحجامه هو عنها.

لم يستَوعِب باحثونا أنَّ هذه البحوث ما هي إلا شكل آخَر من أشكال خدمة الأهداف الغربيَّة بعد أنْ افتُضِح أمر مشروع كاميلوت، الذي كان يقومُ بنفس هذا الدور في الماضي، والذين استوعبوا ذلك يهاجمونه لا لشيءٍ إلا لأنهم لم يشتركوا فيها، المهم هنا هو أنَّ باحثينا قد دافعوا عن اشتراكهم في هذه البحوث، وكانت حجَّتهم أنَّ الأمريكيين واليهود يحصلون على ما يريدونه من معلومات لأنَّ أعمالهم منشورة، ولأنَّ البحوث في بلادنا بحاجةٍ إلى تمويل وميزانيَّات حكوماتنا لا تكفي، وأنه لا بأسَ من تطوير عِلمنا بأموالهم.

المخطَّطات الغربيَّة تَمضِي قُدُمًا في تحقيق أهْدافها، وكان قد أُشِير في اجتماعات لجنة الشؤون الخارجيَّة بالكونجرس الأمريكي التي ناقَشتْ ما يُسمَّى بـ"الأصولية الإسلامية والتطرُّف الإسلامي" في عام 1985 إلى أهميَّة الدور الذي يجب أنْ تقوم به وكالة الإعلام الأمريكيَّة في الدعوة إلى التعرُّف على الثقافة والمجتمع الأمريكيَّين كأحد وسائل التحكُّم في مَسار الصحوة الإسلاميَّة، وقد عثرنا في عام 1991 على برقيَّة خطيَّة (سريَّة) من وزير التعليم العالي إلى مدير إحدى الجامعات في دولةٍ عربيةٍ تتعلَّق بدور هذه الوكالة، نصها فيما يلي:
"أشير إلى برقية... رقم... بتاريخ... نسخة من برقيَّة وزير الخارجية رقم... وتاريخ... بشأن مذكرة سفارة الولايات المتحدة الأمريكيَّة لدى... والمتضمِّنة الإفادة بأنَّ مجلس تبادُل العلماء الدولي الذي تَرعاه وكالة إعلام الولايات المتحدة الأمريكيَّة سيُقدِّم... منحًا للبحث العلمي خِلال العام الجامعي... وأوضحت السفارة أنَّ هذه المِنَحَ مُموَّلة بالكامل من قِبَلِ وكالة الإعلام، وأنها سوف تُقدَّم ضمن البرنامج الأمريكي لمنح البحوث، وتُوضَع بتصرُّف أساتذة الجامعات في بلدان الشرقَيْن: الأدنى والأوسط، وشمال إفريقيا، وجنوب آسيا؛ لإجراء بحوث في مواضيع متعلِّقة بدِراسة الثقافة والمجتمع الأمريكيَّين، ورغبَت السفارة الأمريكيَّة في توجيه الدعوة إلى أساتذة وباحثي الجامعات للاشتراك في هذا البرنامج".

هذا عن دِراسة الثقافة والمجتمع الأمريكيَّين، أمَّا عن برنامج بحوث الشرق الأوسط التابع لمؤسَّسة فورد، فنُورِد فيما يلي قائمةً بالأبحاث المطلوبة والتي يُموِّلها الأمريكيون كاملة، والتي حددتْ بوضوحٍ اعتبارًا من عام 1986:
برنامج بحوث الشرق الأوسط (merc)
قائمة بالأبحاث الممولة
الدورة الأولى (يونيو 1986):
"تأثير التغيرات في آراء الصفوة السياسيَّة على تحوُّلات السياسة الخارجيَّة المصريَّة: 1970-1977" مصر.

"العرب واليونسكو: دراسة للسياسة الإقليمية في منظمة دولية" مصر.

الدورة الثانية (ديسمبر 1986):
"الرايخ الثالث وفلسطين: 1933-1945" الضفة الغربية.

"الدولة في الشرق الأوسط" تركيا.

"تنظيم جماعات أصحاب العمل والعمَّال في تركيا" تركيا.

"تدخُّل القُوَى العظمى في القرن الأفريقي" السودان.

"التشريعات والتنمية في مصر: 1971-1986" مصر.

"نظام الحزب الواحد في إفريقيا: بين النظرية والتطبيق" مصر.

"دور المعتقدات والإدراك الذاتي: دراسة حالة عبدالناصر والسادات" مصر.

"دور ومستقبل حزب الوفد الجديد في إطار الحياة السياسية المصرية" مصر.

"أثر الهجرة للعمل بالدول العربية على البناء الاجتماعي للقرية: دراسة إنثروبولوجية لبعض قرى مصر والسودان" مصر.

"الاتِّفاقيَّات الدوليَّة التي تكون الدول العربية طرفًا بها" تونس.

الدورة الثالثة (يونيو 1987):
"دور الإسلام في السياسة التركية منذ عام 1980" تركيا.

"الإسلام الأصولي في تركيا" تركيا.

"ما قبل وما بعد الكساد البترولي: تأثير انخفاض اقتصاديات البترول على الهجرة والتحول الاجتماعي في قرية مصرية" مصر.

"أزمة النظام الإقليمي العربي في الثمانينيَّات" مصر.

"دراسة مقارنة للمعارضة السياسة في تونس والمغرب: 1975-1985" مصر.

"السياسية التعليمية ودور المدارس المصرية في التنشئة السياسية" مصر.

"الأبعاد الجديدة لمشكلة الجنوب والقضية الوطنية في السودان" السودان.

الدورة الرابعة (ديسمبر 1987):
"الأيديولوجية والسياسة خلال التحول في السياسات الاقتصادية في تركيا: 1980-1987" تركيا.

"التطوُّر الاقتصادي في تركيا ومصر بين 1970-1985: دراسة مقارنة" تركيا.

"تنظيم العلاقة بين الدِّين والسياسة في الأنظمة العربية المعاصرة - بحث مقارن في مفهوم عربي للعلمنة وفي سبل احتواء النزاعات" لبنان.

"تعظيم المكاسب: الإدارة الأمريكية للنزاع العربي الإسرائيلي: 1973-1988" مصر.

"سياسة العُنف في محتوى إفريقي: دراسة لحركة جيش التحرير الشعبي السوداني" السودان.

الدورة الخامسة (سبتمبر 1988):
"الدولة والشبكات السياسية والإستراتيجية الاقتصادية الجديدة في تركيا" تركيا.

"التحوُّل الاجتماعي الاقتصادي والدولة والنُّظم السياسية في مصر وتركيا" مصر/تركيا.

"سياسة التعاون وإدارة الصراع في البحر الأحمر: دراسة حالة السودان والمملكة العربية السعودية" السودان.

الدورة السادسة (ديسمبر 1988):
"العلاقة بين القُوَى العُظمَى والنُّظم الإقليمية العربية 1955-1970" لبنان.

"التحوُّل الريفي في تركيا: بين المكاسب والخسائر" تركيا.

"العمل الجماعي والتجمُّعات الشعبية: عشرون عامًا من التغيُّر في الضفة الغربية" الضفة الغربية.

"دراسة في دور نادي باريس في مصر في ضوء وظائفه التاريخية والعالمية" مصر.

"حصار بيروت في 1982: دراسة حالة لحرب محدودة كما عاصَرها شاهد عيان عاش في لبنان ما بين 1973-1988" مصر.

"الهجرة الدولية والاستفادة من الرقعة الحضرية في المغرب - حالة ناضور" المغرب.

الدورة السابعة (يونيو 1989):
"جدلية الحرية والقهر: النزاع العربي حول فلسفة السلطة" لبنان.

"أزمة الحوار السياسي الحديث: قراءة في تجربة مصر الليبرالية: 1920- 1935" المغرب.

"الإسهام المرتقب للأشغال اليدوية والصناعات الصغيرة في الإصلاح البنائي في السودان" السودان.

"الانقلابات العسكرية في تركيا في فترة ما بعد الحرب، من وجهة نظَر الأحزاب اليمينية" تركيا.

"صحوة الحركة النسائية في مصر في السبعينيات والثمانينيات" مصر.

"النظرة الإسلامية للغرب في الفكر العربي المعاصر" لبنان.

"عودة مصر إلى التكامل في الاقتصاد السياسي الدولي، السياسة التصديريَّة والأداء التصديري خلال سياسة الانفتاح منذ عام 1973" لبنان.

"التعدُّدية الحزبية والتنمية السياسية في مصر 1976-1990" مصر.

الدورة الثامنة (يناير 1990):
"القدوة: دليل السلوك والوعي السياسي: الصراع حول مكانة المرأة في مصر" مصر.

"تنمية جنوب السودان" السودان.

"دراسة حول الديمقراطية في تركيا: المؤسَّسات السياسية" تركيا.

"الاستمرار والتغيير في السياسة الخارجية التركية تجاه الاتحاد السوفيتي" تركيا.

"العلاقات التجارية بين مصر والسوق الأوروبية المشتركة: تقييم الواقع واستقراء المستقبل" مصر.

"تأثير السياسات التحرُّرية على القطاع الصناعي الحضري: دراسة حالة أنقرة" تركيا.

--------------------------------------------------

عبدالناصر محمود
10-09-2014, 08:04 AM
الأساس الإلحادي للنظريات المعاصرة في علم الاجتماع
ــــــــــــــــــــــــــــــ


اعترافات علماء الاجتماع
---------------

الحلقة العاشرة
----------

الأساس الإلحادي للنظريات المعاصرة في علم الاجتماع
-----------------------------------------

ما من دراسةٍ أو مقولة يكتُبُها رجال الاجتماع في بلادنا عن الدِّين إلا وبين أعيُنهم (كارل ماركس) و(إميل دوركايم) و(ماكس فيبر)، وما من محاولةٍ يريد أنْ يُظهِر فيها رجال الاجتماع في بلادنا سعةَ اطِّلاعهم وثقافتهم في قَضايا الدِّين، إلا ونجد بين أيديهم (روبرت بيلا) و(بيتر بيرجر) و(تورين) و(بكبرنغ) و(غريتر) و(لكمان) و(يار سونز) و(كنجزلي دافيز) و(جلوك).

نصوص القُرآن والسنَّة عندهم - كما أوضحنا من قبلُ - نصوصٌ مجرَّدة في كتبٍ صَفراء قديمة عفا عليها الزمن، لا تَرقَى إلى مستوى نصوص هؤلاء العلماء، قُرآننا وسُنَّتنا، عقيدتنا وشعائرنا أخضَعَها رجال الاجتماع في بلادنا للتحليل وفقًا لكلِّ ما يصدر من أفواه هؤلاء العُلَماء وأقلامهم دون فَحصٍ ولا نقدٍ ولا حذر[1].

ويمكن هنا إجمالُ خمس حَقائِقَ في هذا الصدد:
أولاً: أنَّ هذه الآراء والنظريَّات التي اعتَمَدَ عليها رجال الاجتماع في بلادنا في فهْم الدِّين والإسلام آراء ونظريَّات إلحاديَّة باعتراف عُلَماء الغرب أنفسهم.

ثانيًا: تقوم آراء عُلَماء الغرب ونظريَّاتهم على القاعدة العامَّة التي تَسُود الحياة الغربيَّة وهي: فصْل الدِّين عن العِلم، وهذه القاعدة - كما أوضَحْنا مِرارًا - لا أساسَ لها في الإسلام؛ ومن ثَمَّ يكون أيُّ نقل أو تطبيق لهذه الآراء الغربيَّة على الإسلام إنما يُعبِّر عن جَهالةٍ تَفُوقُ الحدَّ في فهْم حقيقة هذا الدِّين، وتقديس أعمى لكلِّ ما يَصدُر من أعداء هذا الدِّين.

ثالثًا: أنَّ محاولات عُلَماء الاجتماع سدَّ الفجوة القائمة عندهم في الغرب بين الدِّين والعلم بالتأكيد على أهميَّة الدِّين تارةً، وبعزْله عن بعض مَيادِين العلوم الاجتماعيَّة تارةً أخرى، وبرفْض الهجوم عليه تارةً ثالثة، إلى غير ذلك من المحاولات التوفيقيَّة - لم تنجحْ، وقد أقرُّوا بأنَّ الصراع بين الدِّين والعلم عندهم لم ولن ينتهي؛ لأنَّ كلَّ هذه المحاولات تصرُّ على أنْ تنكر أنَّ (الدين وحي من الله)؛ ولهذا فإنَّ محاولات بعض رجال الاجتماع في بلادنا الذين يستَنِدون إلى بعض المقولات الغربيَّة التعاطفيَّة مع الدين لنفي الإلحاد عن عُلَماء الغرب، لا تكشفُ إلا إمَّا عن جهلٍ مُطبِق بحقيقة النظريَّات الغربيَّة، أو محاولة لخديعة طلابهم وقُرَّائهم حِفاظًا على أوضاعهم ومكانتهم.

رابعًا: قامَ عُلَماء اجتماع الغرب بالتطبيق الفعلي لآرائهم وأفكارهم وعرَضُوها على جماعاتٍ نصرانية مُتَديِّنة، فأدَّى الأمر إلى انهِيار هذه الجماعات انهِيارًا كاملاً.

خامسًا: لا يستطيع رجال الاجتماع في بلادنا الادِّعاء بأنهم مؤمنون، وأنهم يَفصِلون بين رأيهم الشخصي في الدِّين ورأيهم المهني كما جاء في نظريَّات علم الاجتماع، وأنَّه بإمكانهم الحِفاظُ على الفصل بين الرأيَيْن؛ لأنَّ الذي يؤمن بالدِّين عليه أنْ يدافع عنه وأنْ يُوثِّق حقيقةَ أفكاره ويُجابِه إلحادَ هذه النظريَّات، ولسنا نحن الذين نقول ذلك فقط، إنهم أيضًا علماء الغرب.

من هذه المُنطَلقات الخمْس أردْنا أنْ نكشِف للقارئ حقيقةَ اهتزاز الأساس الفكري في العلاقة بين الدِّين وعلم الاجتماع في الغرب، وأنَّ رجال الاجتماع في بلادنا لا ينقلون لنا إلا النظريَّات الإلحاديَّة، والتأكيد على الصراع بين الدِّين والعلم، مع إصرارهم المُستَمِيت على تفكيك الدِّين حتى يتسنَّى لهم السَّيْطرة على تنظير الحياة والعلاقات الاجتماعيَّة وتفسيرهما، وأنَّ على رجال الاجتماع الذين يُحاوِلون التوفيقَ بين الإسلام ونظريَّات علم الاجتماع، أو الذين يُحاوِلون نفي الإلحاد عن هذه النظريَّات، أو التخفيف من حِدَّته حتى يكفُّوا عن محاولاتهم؛ لأنَّ علماءَ الغرب أنفسَهم قد أقرُّوا بإلحاد هذه النظريَّات.

يُلخِّص عُلَماء الاجتماع الغرب موقف النظريَّة الاجتماعيَّة من الدِّين بقولهم: "فيما يتعلَّق بالحقيقة الدينيَّة نفسها تقرُّ النظريَّة العامَّة في علم الاجتماع ضمنيًّا بالإلحاد".

يقرُّ علماء الاجتماع بأنَّ نظريَّاتهم التقليديَّة عن الدين إلحاديَّة، وتُجاهِر بالعداء للدِّين، كما يقرُّون أيضًا بأنَّ نظريَّاتهم الحديثة وإنْ كانت غير معادية للدِّين فإنها إلحاديَّة أيضًا.

عكست النظريَّات الأولى في علم الاجتماع آراء مُفكِّري عصر التنوير الثائرين على الدِّين، وبالرغم من اختلاف محتوى هذه النظريَّات، فإنها اتَّفقت في توجيه اتهامين (للدِّين) بصفةٍ عامَّةٍ (وللنصرانيَّة بصفة خاصَّة):
أوَّل الاتِّهامَيْن: أنَّ التعاليم الدينيَّة ليست صحيحةً.

والثاني: أنَّ الدِّين شجَّع على القِيام بالعديد من الشعائر التي تَحُول دون رفاهية البشر، وخُلاصة ما انتهَتْ إليه تلك النظريَّات هو أنَّ الدِّين ليس بالشيء الحسَن ولا بالشيء الحقيقي وفقًا لمستويات عصر التنوير.

وفي الوقت الذي تَدَّعِي فيه تلك النظريَّات التقليديَّة أنَّ الأفكار الدينيَّة زيف ووهْم، فإنَّ النظريَّات الحديثة تُحاوِل تجنُّب مسألة حقيقة الدِّين، لكنَّها تُغذِّي في الواقع هذه التحليلات التي تُحقِّر من أيِّ رؤيةٍ جدِّية للأفكار الدينيَّة، وتنظُر إليها على أنها غير حقيقيَّة، وأقرَّتْ هذه النظريَّات بأنَّ الاتِّهامَيْن اللذَيْن وجَّهتْهما النظريَّات التقليديَّة للدِّين غير مقبولين كافتراضَيْن علميَّين، فردَّت على الاتِّهام الأوَّل بأنَّ منهج العلم الحديث لا يقدم أحكامًا قيميَّة، وأنَّه يجب أنْ يكون خاليًا؛ أي: محايدًا.

وردَّت على الاتِّهام الثاني بالقول بأنَّ الأفكار الدينيَّة تنتَمِي إلى مجالٍ من الواقع ليس في مُتناوَل البحث العلمي.

اعترف علماء الاجتماع الغرب باهتزاز الأساس الفكري للعلاقة بين الدِّين وعلم الاجتماع منذ لحظة تأسيس العلم، يقول (بنتون جونسون): "كيف يمكن أنْ نقول: إنَّ هناك التقاءً بين الدين وعلم الاجتماع على أساس ادِّعاء عُلَماء الاجتماع بأنَّ عِلمَهم محايد، لا يقول شيئًا من الدِّين أو ضده، في حين أنَّ نظريَّاتهم تتضمَّن أحكامًا غير حياديَّة عن الدِّين...

إنَّ النظريَّات العامَّة لعلم الاجتماع وإنْ كانت تقرُّ ضِمنيًّا بالدِّين أو ببعض مَظاهِره على الأقلِّ، فإنها تقرُّ ضِمنيًّا بالإلحاد أيضًا؛ لهذا لا نعجب إذا وجدنا أنَّ هذه النظريَّات تُلزِم العُلَماء بالقول بأنَّ كثيرًا من الأمور الدينيَّة طيِّبة بالرغم من أنَّ أفكاره الأساسيَّة ليست حقيقيَّة".

هذا هو موقف نظريَّات علم الاجتماع من الدِّين، ولكنْ هل يمكن لرجال الاجتماع في بلادنا أنْ يَدَّعوا بأنهم مؤمنون في الوقت الذي يعترفون فيه بإلحاد نظريَّات علم الاجتماع؛ أي: أن يقولوا بأنَّ لهم رأيًا شخصيًّا في الدِّين يختلف عن رأي علم الاجتماع، وأنهم يستطيعون الاحتفاظ بالفصل بين الرأيَيْن؟

إنَّ عُلَماءَ الغرب أنفُسَهم يَرفُضون ذلك؛ يقول (جونسون): "من الصعب أنْ يقرَّ الإنسان بطريقة حياةٍ بينما يعتقد أنَّه ليست هناك أسباب معقولة لعَيْشها، فإذا رأى أحدهم أنَّ الدِّين أمرٌ حقيقي، فإنَّ ذلك مُبرِّرٌ كافٍ للتمسُّك به، وعليه أنْ يُقنِع الآخَرين به، وإذا ادَّعى بأنَّ الدِّين غير حقيقي، فلن يكون هناك مُبرِّرٌ للتمسُّك به، وعليه أنْ يبحث عن تبريرٍ جديدٍ لطريقة الحياة التي كان يُؤيِّدها المعتقد الديني، أو عليه أنْ يبحث عن طريقةٍ أخرى للحياة غير قائمة على الدِّين ولكنْ على أسبابٍ يَرى أنها مقبولة، فإذا كان قلب الإنسان ينبض بالإيمان، فإنَّه يجب أنْ يبحث عن الكيفيَّة التي يُدافع بها حقيقة أفكاره".

هذا، وقد كُنَّا أشرْنا من قبلُ إلى ما يُعرَف بالمنظور الوظيفي للدِّين، الذي يعترف بوظيفة الدِّين في المجتمع، لكنَّه يُنكِر حقيقته في الوقت نفسِه.

وهناك من عُلَماء الغرب مَن حاوَل سدَّ الفجوة بين الدِّين والعلوم الاجتماعيَّة، فدافَعُوا عن الدِّين، ولكنْ على أساس أنَّ العلم فوق الدِّين، ومنهم مَن اقترَحَ عزل الدِّين عن بعض الميادِين في العلوم الاجتماعيَّة.

وواضحٌ هنا أنَّ كلَّ هذه الدفاعات عن الدِّين تقوم على المسلَّمة السائدة في الغرب بصِراع الدِّين مع العلم، وبأنَّ الدِّين أدنى؛ ومن ثَمَّ يكونُ لُجوء رِجال الاجتماع في بلادنا إلى الدِّفاع عن الإسلام في ضوء هذه الاتِّجاهات الغربيَّة ليس في محلِّه؛ لأنَّ العلم لم يستَطِع أنْ يُقدِّم لنا إلى اليوم أيَّ حقيقة علميَّة تُخالِف أيَّ جزئيَّة من جزئيَّات العقيدة الإسلاميَّة، يُضاف إلى ذلك أنَّ هؤلاء العلماء لم يكونوا يُدافِعون عن (حقيقة الدِّين)، فهم لا يؤمنون بها، بل أكَّدوا أنَّه من الضروري تجنُّب هذه القضيَّة وتركها بلا حلٍّ، وأنْ يتركَّز الدفاع عمَّا يُسمُّونه (بصورة الدِّين الإنسانيَّة وغير الحتميَّة)؛ بمعنى: أنَّ الدِّين ضروري؛ لأنَّه يُعطِي أملاً لهؤلاء الذين يُواجِهون مشكلات ومَصائِب في حَياتهم، كما يُعطِي شرعيَّةً لهذه القِيَم المشتركة بين أفراد جماعةٍ ما، ويُساعِد على استِقرار مَجرَى التغيُّر الاجتماعي والنموِّ النفسي.

تصدَّى (وليام كولب) وهو أحد عُلَماء الاجتماع النصارى لنقْد النظرية المعاصِرة عن الدِّين، ورفَضَ ادِّعاءاتها بأنَّ القِيَم ليس لها وجود حقيقي، وبيَّن أنَّ عُلَماء الاجتماع يُناقِضون أنفُسَهم بقولهم ذلك، ثم قولهم: إنَّ القِيَم أمرٌ جوهري للحياة الاجتماعيَّة، وإنَّ القِيَم لكي تكون مُلزِمةً فلا بُدَّ أنْ يعتقد الناس أنها صحيحة، وقال (كولب): إنَّ علماء النظريَّة المعاصرة لا يمدُّوننا بأيِّ أساس نعرف منه نوع القِيَمِ التي يُؤيِّدونها، وهم يرَوْن في الوقت نفسِه أنَّه ليس للقِيَم أيُّ صدقٍ في الحقيقة.

يؤمن (كولب) بأنَّ الدِّين أساس القِيَم؛ لذلك هاجَم موقف النظريَّة المعاصِرة وادِّعاءاتها بأنَّه يكون للإنسان أسطورة (أي: معتقد ديني)، ولكنَّ هذه الأسطورة (وهم)، ورأى أنَّ موقف هذه النظريَّة قد أوقعَتْها في مشكلة أخلاقيَّة؛ فهي من ناحية قد خربت الالتزام القيمي الذي يحتاجُه المجتمع، ومن ناحيةٍ أخرى حكَمتْ على القيمة الدينيَّة بأنها وهمٌ من جانبها هي وليس كما يَراها الناس.

انتَقَد (كولب) رأي (دافيز)، وهو أحدُ عُلَماء الاجتماع الذين قالوا بأنَّ "العالم الغيبي عالم زائف، لكنَّه يجب أنْ يكون حقيقيًّا بالنسبة لِمَن يؤمن به".

قال (كولب) في ذلك: "إنَّ مثل هذا القول لدافيز مثالٌ صارِخٌ للاعتراف الواضح الصريح بالأساس الإلحادي للنظريَّة المعاصرة عن الدِّين".

ورغم وَجاهة وانتقادات (كولب) وتوجيهه نظَرَ عُلَماء الاجتماع بأنَّ مجال العلم محدود، وأنَّ هناك أنماطًا أخرى من المعرفة وَراء هذا العالم، فإنَّ النصرانيَّة لم تُسعِفه أكثر من ذلك.

استَطاع (كولب) أنْ يُحلِّل التناقُضات داخل النظريَّة المعاصرة، لكنَّ غِياب الإسلام عنه وعن علماء الاجتماع أفقدَهُم القُدرة على رؤية البديل أو الأرضيَّة الجديدة لحلِّ القضيَّة.

يُضاف إلى ذلك أنَّ دِفاع (كولب) عن الدِّين لم يكنْ ناجمًا عن اعتقاده القاطع بحقيقته؛ إذ تبيَّن لنا أنَّه صرَّح في مقابلةٍ له مع (مارلين ماني) في يونيو 1968 ما نصُّه: "دَعِيني أقول أولاً بأني لم أقلْ بأنَّ الدِّين شيء طيِّب"[2].

وهناك عُلَماء اجتماع آخَرون امتدَحُوا الدِّين والجهود التي تُبذَل لتفسيره، ولكن ليس كوحيٍ من الله، وإنما في حُدود أنَّه انعكاسٌ لعوامل نفسيَّة واجتماعيَّة، إلى درجةٍ وصلتْ بتأييد البعض منهم نجاحَ عالِم الاجتماع (بارسونز) في ترقية الدِّين من درجة (الوهم) إلى درجة (الانحراف الضروري).

هذا، ويُعطِي علماء الاجتماع لأنفُسهم الحقَّ في تقدير مَدَى الصدق الممكن في الأفكار الدينيَّة، بل يدَّعون أنهم على كَفاءةٍ تامَّة في ذلك، وخاصَّة في الأمور التي تتعلَّق بعلاقة الله مع الناس، أمَّا (شبرد) فقد رفض محاولات علماء الاجتماع المعاصِرين عَقْدَ مصالحة مع الدِّين، وهاجَمَها بقوله: "إنَّ هذه المحاولات التوفيقيَّة ليست وهميَّة فقط ولكنَّها مُخادِعة أيضًا، وإنها لم تستَطِع تَحدِّي مُعارِضي الدِّين ولا مواجهة قَضايا الحقيقة الدينيَّة... إنَّه ليس من المنطقي أنْ يمتدح علماء الاجتماع الاتِّجاهات الدينيَّة بينما يرفضون أيَّ مفهوم عن العالَم العلوي والغيبي، وإنَّه لكي نقول: إنَّ الصراع القديم بين العلم والدِّين قد انتهى فإنَّنا نكون مُفرِطين في التفاؤل".

أردنا من عرضنا السابق بيان ما يلي:
1- أنَّ النظريات القديمة والحديثة في علم الاجتماع عن الدِّين نظريات إلحاد.

2- أنَّ رجال الاجتماع في بلادنا لا يكتبون عن الدِّين وعن الإسلام إلا في ضوء هذا المنظور الإلحادي.

3- أنَّ الإسلام كما هو غائبٌ عند رجال اجتماع الغرب، غائب أيضًا عند رجالنا، وكلا الفريقين لا يستثني الإسلام عن هذا المنظور الإلحادي.

4- أنَّ محاولات الدفاع عن الدِّين عند علماء الاجتماع في الغرب والتي تبعهم فيها رجالنا، لا ترفع الدين أبدًا على أنَّه وحي من الله، بل تتَّفق جميعها على إنكار العالم العلوي والغيبي، وتنظُر إلى الدِّين على أنه ضرورة نفسية اجتماعية ووهم لا بُدَّ منه.

هناك عالِمان غربيَّان بارزان مُعاصِران لا تكاد تخلو مقالة أو مقولة لرجال الاجتماع في بلادنا عن الدِّين إلا وأفكار هذين العالمين تسيطر عليهما وتصبغ بهما الإسلام، هذان العالمان هما (بيتر بيرجر) و(وروبرت بيلا)؛ لهذا أردنا أنْ نُبيِّن للقارئ مَن هما، وما هي حقيقة أفكارهما:
أولاً: بيتر بيرجر:
هو واحدٌ من أبرز علماء الاجتماع الأمريكيين المعاصِرين الذين كتبوا عن الدِّين، كتب عنه (جريجوري بوم) مقالةً صدَّرها بعنوان: "عالم الدِّين المثير للغز، بيتر بيرجر السيمفونية التي لم تنتهِ بعد".

وصفه (بوم) بأنَّه مفكِّر إنساني أصيل، وأنَّه ليس بعالم اجتماع فقط، وإنما رجل أخلاق أيضًا، يكتب كمفكرٍ نصراني يقبض على المسلَّمات النصرانية، لكنه رجل لدين أيضًا يعكس معتقده النصراني على مستخلصاته السوسيولوجية[3].

دعا (بيرجر) النصارى الأمريكيين في عام 1975 إلى العودة إلى الله وإلى الكتاب المقدَّس، وقال في كتابه "الظل المقدس": "إنَّ الجنس البشري لن يتقدَّم بلا دين".

وكان بالإضافة إلى ذلك مُناصِرًا للدِّين على عكس غيره من العلماء، وكان يقبل النظرة القائلة بأنَّ العلم لا يستطيع تطبيقَ طرقه التجريبية على المجال الروحي.

يظنُّ القارئ أنَّه بعد هذه المقدمة أنَّه سيقرأ شيئًا ذا قيمة قاله هذا العالم عن الدِّين، وأنَّ اعتماد رجال الاجتماع في بلادنا على كتاباته قد يكون لها ما يُبرِّره، إلا أنَّ القارئ سوف يفاجأ بعكس ذلك تمامًا، وأنَّ هذا العالِم لم يقلْ إلا الإلحاد بعينه، وهذا الإلحاد هو الذي نقَلَه رجال الاجتماع إلينا في بلادنا، ويمكن توضيح ذلك على النحو التالي:
1- أصدر كتابه "الظل المقدس" الذي يعتبره العلماء من أكثر كتبه احتقارًا للدِّين رغم قوله فيه: "إنَّ الجنس البشري لن يتقدَّم بلا دِين".

2- رأى أنَّ فهم الدِّين يجب أنْ يقوم على افتراضاتٍ إلحاديَّة واضحة.

3- الدِّين عنده اختراعٌ إنساني؛ لأنَّ الناس - في رأيه - هم الذين ينتجون الدِّين، وهم الذين يُعِيدون إنتاجه.

4- الدِّين عنده يحطم تصوُّرات الناس عن أنفُسهم، وهو زيف وعيهم الثقافي والاجتماعي.

5- اختلف مع العلماء الذين يقولون: إنَّ الدِّين والأفكار الدينيَّة أشياء حقيقيَّة، وتمسَّك برأيه أنها كلها زيف ووهم.

6- نظَر إلى الدِّين على أنَّه تجربة من أقدم تجارب الدِّين الإنساني، وقال: إنَّ من شأن هذه التجربة أنْ تجعل الحياة تافهة ونسبيَّة.

7- رأى أنَّ الخبرات الدِّينيَّة ذات نمطٍ واحد نسبي عبر التاريخ، لكنَّها ذات صور مُتعدِّدة، وقال: إنَّ فكرة ما فوق الطبيعي (الله.. الملائكة.. الجن.. إلخ) فكرةٌ لم يعدْ لها وجدان الآن في الفكر الديني الحديث، وأنَّ التجربة الدينيَّة أصبحت مواجهة مع الله أو تحدٍّ له (تعالى الله عمَّا يقول).

8- أكَّد على العلمانيَّة، وقال: إنَّه إذا كان هناك آخَر يتحدَّانا (أي: الله)، فإنَّه يجب أنْ يتحدَّانا باستمرارٍ كما كان يفعل من قبل، ورأى أنَّ الروح العلمانية هذه قد سرَتْ وجعلت من الصعب على كثيرٍ من الناس الاعتراف والإقرار بحقيقة الدِّين.

9- الشعائر الدينيَّة عنده (كالصلاة والصوم والحج) ما هي إلا ردُّ فعل ناتج عن الخوف المتولد من المواجهة مع الله.

10- نادَى بضرورة انتهاج المؤسَّسات الدينيَّة نهجًا صوفيًّا وروحيًّا خالصًا، وعليها أنْ تُحوِّل أنشطتها إلى شيءٍ مفيد اجتماعيًّا مثلما فعلت من قبلُ؛ ويعني بذلك: أنْ تصبغ الواقع (أيًّا كان) بصبغة دينيَّة.

بعد أنْ دمَّر (بيرجر) الدِّين واعتبره إسقاطًا نفسيًّا اجتماعيًّا، وأنَّ الناس يدينون به بسبب حاجات نفسية واجتماعية، اتَّجه إلى علم الاجتماع وإلى علماء الأديان، وأصرَّ على أنَّ على علم الاجتماع أنْ يثبت على ما يسميه (بالإلحاد المنهجي)، وقدَّم اقتراحًا لعلماء الأديان رأى أنَّه سيساعده في اكتشاف أرضيَّة جديدة للحقيقة الدينيَّة، وخُلاصته: أنْ يبدأ العُلَماء عملَهم مع (الإنسان) لا مع (الله)، وأنَّ عليهم ألا يتجاهلوا النتائج (الإلحاديَّة) التي توصَّلتْ إليها العلوم الاجتماعيَّة، وعليهم أيضًا أنْ يُكيِّفوا أديانهم مع الفكر الحديث، وطالَبَه بالدراسة الجادَّة لتاريخ الدِّيانات، ومحاولة اكتشاف العموميَّات المشتركة التي تعبِّر عن الإسقاطات الإنسانيَّة في الدِّين.

هذا، وقد حاوَل بعض علماء الاجتماع الآخَرين المقارنة بين نظريَّة (بيرجر) عن الدِّين ونظريَّة عالِمين آخَرين لهما الاتجاه نفسه وهما: (أنتوني) و(روبنز)، فانتهوا إلى أنَّ العلماء الثلاثة قد اعترفوا بدعوتهم إلى حتميَّة الانتقاص من قدْر الدِّين، وأنَّ (بيرجر) لم يستبعد مطلقًا افتراض علماء الاجتماع بأنَّ الدِّين إسقاط إنساني؛ بمعنى: أنَّه ليس وحيًا من الله.

كلُّ ما قام به (بيرجر) في نظر علماء الاجتماع محاولةٌ توفيقيَّة بين الدِّين وعلم الاجتماع، إلاَّ أنَّ تقويمهم لهذه المحاولة أسفر عن الآتي:
1- أنَّ النتائج التي توصَّل إليها (بيرجر) تُزعِج المتديِّنين بشدَّة.

2- لن يروق للمتديِّنين الذين يرَوْن أنَّ الدِّين من عند الله هذه العموميَّات التي يتوصَّل إليها الباحثون ويطبِّقونها على الأديان كلها، والتي يُطالب (بيرجر) بالبحث عنها؛ لأنَّ هذا من شأنه أنْ يُدمِّر تدميرًا كاملاً ما تبقَّى من الدِّين لهؤلاء الذين انهارَتْ بعض جوانب تديُّنهم بالفعل.

3- لن يتبقَّى بعد تدمير الدِّين ما يمكن أنْ تُبنَى عليه الحياة الأخلاقيَّة، والغريب في الأمر أنَّه على الرغم من الإلحاد في نظريَّة (بيرجر) فإنَّه يُطالب بألاَّ تُفسَّر على أنها إلحاد.

ثانيًا: روبرت بيلا:
هو المصدر الثاني الأساس الذي يعتمد عليه رِجال الاجتماع الشبَّان في بلادنا وهم يكتُبون عن الدِّين، حاوَل (بيلا) وصْل هذا الجِسر بين علماء الاجتماع والدِّين، فصاغ نظريَّةً أسماها (الواقعيَّة الرمزيَّة).

كان (بيلا) قد أعلن صراحةً وقوفَه إلى جانب الدِّين، مُعارِضًا الحيادَ الزائف في علم الاجتماع، وأصرَّ على أنَّ رموز الدِّين يجب ألاَّ تُحلَّل وفقًا لافتِراضات العلوم الاجتماعيَّة التي تَحُطُّ من قدرها، بل يجب أنْ تُفهَم في إطارها الخاص، وأكَّد (بيلا) أنَّ الدِّين حقيقي وليس انعكاسًا لعوامل نفسيَّة اجتماعيَّة.

يتوقَّع القارئ أيضًا - كما توقَّع من قبل مع (بيرجر) - أنْ يقول بيلا شيئًا إيجابيًّا يُبرِّر استدلالَ رجال الاجتماع في بلادنا بآرائه، ولكنَّ العكس هو الصحيح تمامًا.

يقول (بيلا) هذا الذي يُناصِر الدِّين: "إنَّ ادِّعاء الدِّين بالحقيقة ادِّعاء باطل، وإذا كان الدِّين جوهريًّا وحقيقيًّا في جانب، فإنَّه خيالي على الجانب الآخَر؛ بمعنى: أنَّنا ونحن نُشبِع حاجاتنا الدينيَّة فإنَّنا يجب أن نُدرِك أنَّ ادِّعاءات الدِّين عمَّا فوق الطبعِيِّ (الله - الملائكة - الجن... إلخ) غير حقيقيَّة".

ويتبنَّى (بيلا) في خِطابه أمام جمعيَّة الدِّراسات العلميَّة للدِّين منظورًا يَحُطُّ من قدر الدِّين، ويُثنِي فيه على إسهامات (دوركايم) و(ماكس ويبر) في تحليل الدِّين بالرغم من أنَّ الأوَّل يحطُّ من قيمة رموز الدِّين، والثاني يُواجِه دارسي الدِّين ويُطالِبهم بألاَّ يأخذوا أمور الدِّين بجديَّة.

يعودُ (بيلا) فيقول: إنَّه يخالف هذه النظريَّات التي ترى أنَّ الدِّين خِداع عظيم، ثم يقول في الوقت نفسه: إنَّ معارضته هذه تقوم على أساس أنَّ الدِّين يحتوي على حقيقةٍ ما، ولكنَّ هذه الحقيقة تختفي في الأساطير والطقوس الوهميَّة للدِّين؛ ولهذا فإنَّنا لا نعجب من اعتِرافات بيلا بأنَّ محاضراته الأولى عن الدِّين أدَّت إلى أزماتٍ حادَّة في الإيمان بين طلابه.

يعترف بيلا بأنَّ المنظور الذي تبنَّاه من أستاذه (بارسونز) منظور إلحادي، كما يقرُّ بأنَّه قد تحقَّق من أنَّ علم الاجتماع يحمل متضمنات دينيَّة، ثم يُؤكِّد في محاضراته بأنَّ العلماء الاجتماعيين يفهَمُون الدِّين بطريقةٍ أعمق من فهْم المتديِّنين لدِينهم، ويقول عن نفسه: "إنَّ مفاهيم العِلم الخاصَّة لها عندي مكانةٌ أعلى من المجال الدِّيني الذي أدرسه".

أمَّا عمَّا يُسمِّيه (بيلا) بنظريَّته عن (الواقعيَّة الرمزيَّة) فإنها تعني أنَّه يجب معاملة الدِّين على أنَّه حقيقي، وليس بإسقاطٍ نفسي أو اجتماعي، ويعني بالواقعيَّة الرمزيَّة الطُّرق التي يُعبِّر من خلالها الناس والمجتمعات عن إحساسهم بالواقع، رأى (بيلا) أنَّ نظريَّته هذه لن تسمح للعلماء الاجتماعيين باحتقار الدِّين، وأنها بارقة أمَل في المصالحة بين العلوم الاجتماعية والدِّين، وسوف تسمح بالاختلاف بينها، لكنَّه غير عدائي.

طالَبَ (بيلا) هؤلاء الذين يقومون بتطبيق نظريَّته أنْ يقبلوا دعاوى المتديِّنين عن دِينهم، وأنْ يفصلوا مؤقتًا حُكمَ العلم على الدِّين.

قام (أنتوني وزملاؤه) - وهم جماعةٌ من الباحثين - بتطبيق نظريَّة (بيلا) على جماعةٍ نصرانية مُتديِّنة نجحوا في كسب ثقتها وجذبها نحوهم.

يقول الباحثون: إنَّ هذه الجماعة تعتقد في صحَّة ما تؤمن به من مسائل دينيَّة؛ مثل: (الروح القدس) على أنها حقيقة، إلى درجة أنها كانت مندهشة من أنَّ بصيرة الباحثين لم تصلْ إلى درجة إدراك هذه الحقيقة، كما كانت ترى أيضًا أنَّ الإنسان لكي يفهم فلا بُدَّ أنْ يعتقد.

وحينما طرح (أنتوني وزملاؤه) تفاصيل أفكارهم على هذه الجماعة شعروا بأنَّ الجماعة قد تهدَّدت وانهارت، هذا، ويمكن حصر الأسباب التي أدَّت إلى انهيار هذه الجماعة بعد أنْ طرحت عليها نظريَّة (بيلا) في الآتي:
1- صوَّر لهم الباحثون أنَّ اعتقاداتهم هم روايات خياليَّة:
استخدم (بيلا) في أصل نظريَّته مصطلح (Fiction)؛ أي: (رواية خيالية)؛ للإشارة إلى الرموز الدينيَّة التي يَراها أصحابها أنها معتقدات ثم يستحسنونها، يقول (بيلا) في ذلك: "إنَّ الحقيقة الدقيقة هي أنَّ تعرف أنَّ مُعتَقدك رواية خياليَّة، لكنَّك تعتقد فيها إراديًّا، وأنَّ الرموز الدينيَّة هي حقيقته وتامَّة وسامية حينما تعبِّر عن خِبرة الإنسان فقط، ولكنَّها حينما تُؤخَذ كمعتقدٍ حول شيءٍ ما فإنها تكون رواية خياليَّة".

2- صوَّر لهم الباحثون أنَّ الدِّين من صُنع الإنسان:
الدِّين في نظريَّة (بيلا) من صُنع الإنسان، ويجب أنْ تُفهَم ادِّعاءات الدِّين بالطريقة التي تُفهَم بها القصص المكتوبة في عملٍ عظيمٍ؛ ولذلك فإنَّه لا يريد أنْ ينسب الدِّين مطلقًا إلى أساسٍ قبل إنساني (أي: إلى الله).

3- صوَّر لهم الباحثون أنَّ معتقداتهم غير حقيقيَّة:
اتَّفق (بيلا) مع أستاذه (بارسونز) في قضيَّة المعتقدات الدينيَّة، وفي حين رأى الثاني أنَّ المعتقدات الدينيَّة غير صحيحة، رأى (بيلا) - هذا الذي بذل جُهدَه في مُناصَرة الدِّين - أنَّ بعض مُعتَقدات الدِّين زائفة.

4- صوَّر لهم الباحثون أنَّ رموز الدِّين ليست حقيقيَّة:
ترى نظريَّة (بيلا) أنَّ رموز الدِّين التي يعتقد فيها الناس ليست صادقةً؛ لأنها لا تُعبِّر عن موضوعات، ولكنَّها تُشِير فقط إلى محاولة الإنسان فهمَ الهدف النهائي من وُجودِه.

5- صوَّر لهم الباحثون أنَّ الدِّين عندهم يُشبِه الفن:
يقول (بيلا): إنَّه من الصعب التفرقة بين الدِّين وهذه الأشكال العُليَا من الفن، وقد لُوحِظ أنَّ تشبيه (بيلا) الدِّين بالفن لم يظهرْ في بعض أعماله الحديثة، لكنَّ علماء الاجتماع يقولون: إنَّه ليس هناك ما يشير إلى أنَّ (بيلا) قد غيَّر رأيَه فيها.

انتهى (أنتوني وزملاؤه) إلى أنَّ نظريَّة (بيلا) لا بُدَّ وأنْ تنظُر إلى الدِّين نظرةً دُنيَا، وأنها لا يمكنها أنْ تهرب من هذه النظرة؛ لأنَّها تختلف عن نظرة الناس إلى عقيدتهم، وأنها تُحاوِل أنْ تشرح معتقدات الناس في إطارٍ تصوُّري بديلٍ لكنَّه أعلى منها، وخُلاصة ما توصَّل إليه الباحثون هو: أنَّ نظرية (بيلا) لا تُحقِّق تكاملاً بين العلوم الاجتماعية والدِّين.

انتهى (بيلا) بعد هذه الجهود إلى مهاجمة النصرانية، وهاجَم محاولاتها التأكيدَ على معتقدها الأرثوذكسي، وأعلَنَ أنَّه لا يتذوَّق هذه الدِّيانات التسلُّطيَّة التي لا تخضع تعاليمها للنقد، وأعلن بوضوحٍ في ردِّه على ما كتَبَه (روبنسون) في كتابه "لنكن أُمَناء مع الله": "إنَّ المعنى الأكبر في تعاليم النصرانية ذاتها هي أنها تتحدَّث عن الله في الداخل أكثر ممَّا تتحدَّث عنه في الخارج، إنَّ المسيح ليس نافذةً على الكون، ولكنَّه نافذة إلى أعماق الإنسان نفسه فقط، إنَّ الرموز الدينيَّة لا تقول لنا شيئًا بالمرَّة حول الكون".

ويقول علماء الاجتماع تعليقًا على نظرية (بيلا): إنَّه استخدم مصطلحًا قويًّا وهو: "أن الدين حقيقي" في معنى ضعيف جدًّا.

يكفينا ردًّا - ممَّا ذكرناه - على إلحاد نظريَّات علم الاجتماع ما أشارتْ إليه نفس هذه النظريَّات على النحو التالي:
1- دفع النظريَّات المعاصرة للاتِّهامات التي وجَّهَتْها النظريَّات الكلاسيكيَّة إلى الدِّين والتعاليم الدينيَّة، هذا الدفع ذاته يسقط كلَّ اتهامات رجال الاجتماع في الغرب وأتْباعهم في بلادنا بأنَّ العالم الغيبي عالَمٌ زائفٌ وليس بحقيقة، أو أنَّ الحقيقة الدينيَّة ادِّعاء باطل، وأنَّ الدِّين والأفكار الدينيَّة غير حقيقيَّة، أو أنَّ الرموز غير صادقة؛ لأنَّ كلَّ هذه الاتهامات - بإقرار النظريَّات المعاصرة - غير صادقةٍ علميًّا طالما أنَّ منهج العلم الحديث لا يُقدِّم أحكامًا قيميَّة، وأنَّه محايد، وطالما أنَّ الأفكار الدينيَّة تنتَمِي إلى مجالٍ من الواقع ليس في مُتَناول البحث العلمي.

2- إقرار علماء الغرب بأنَّ الموقف الإلحادي للنظريَّات المعاصرة في علم الاجتماع قد خرب الالتزام القيمي الذي يَحتاجُه المجتمع، وأنَّه لن يتبقَّى للمجتمع بعد تدمير الدِّين ما يمكن أنْ يَبنِي عليه حياته الأخلاقيَّة، ولم يلتفتْ علماء الاجتماع إلى قول مشاهير فلاسفة الغرب نفسه عن التلازُم بين الدِّين والأخلاق؛ مثل (فيخته) الذي قال: "إنَّ الدِّين من غير أخلاقٍ خرافةٌ، والأخلاق من غير دِينٍ عبثٌ"، و(كانت) الذي لم يرَ للأخلاق من ضَمان غير الدِّين.

كما نضيف إلى ما سبق الحقائق التالية:
أولاً: ادِّعاء علماء الاجتماع بأنَّ الدِّين يجب أنْ يقوم على افتراضاتٍ إلحادية، أو أنَّه اختراعٌ إنساني، أو تجربة إنسانيَّة، أو إسقاطٌ نفسي اجتماعي، أو أنَّه خِداع عظيم، أو رواية خياليَّة، أو فن، كلُّ هذا مردودٌ عليه بحقيقة بسيطة وهو: أنَّ رأس الدِّين ورُكنه الأعظم هو إثبات وجود الله، فإذا ثبت وجودُ الله سقطتْ كلُّ هذه الادِّعاءات التي ليس لها سندٌ من العقل أو العلم، ويعني إثبات وجود الله إثبات وجود مَن (يجب وجوده)، وليس في الموجودات (العالم) كله ما لا يثبت وجوده عن طريق (وجوبه) إلا (الله)، فكلُّ ما سوى (الله) لا ضرورة لوجوده ولا استحالة لعدمه، ويسمَّى هنا (بالممكن الوجود)، وليس هناك سندٌ لِمَن يشكون أو ينفون وجودَ الله؛ لأنَّ كلَّ شيء في هذا العالم يمكن أنْ يُشَكَّ في وجوده أو يُنفَى وجودُه؛ لأنه (ممكن)، ويقبل الوجود ويقبل العدم، ولا ضرورة لوجوده أو عدم وجوده إلا (الله) الذي لا يمكن إلا أنْ يكون موجودًا، وإذا افترضنا عدمَ وجود الله افترضنا عدمَ وجود مَن يجب وجوده، وهنا نقَع في التناقُض.

الموجودات إذًا لا بُدَّ لها من موجودٍ واجب الوجود ليس من جنسها مُستغنٍ عن إيجاد موجودٍ له، ويُستَدَلُّ على وُجوده من وجود الموجودات الممكِنة التي نَراها ونُشاهِدها، والتي لا يمكن أنْ توجد لولا وجودُ ذلك الموجود (الواجب الوجود) الذي هو (الله - عزَّ وجلَّ)، إنَّ هذا العالم كلَّه بجميع أجزائه موجودٌ ليس (بواجب) الوجود، ولكنَّه (ممكن) الوجود، وكان يمكن أنْ يكون معدوم الوجود، ولأنَّ هذا العالم (ممكن الوجود) فإنَّه يحتاج إلى موجودٍ آخَر يتقدَّمه في الوجود ليستندَ وجوده إليه، ومن هنا كان وجود العالم يدلُّ دلالةً قطعيَّة على وجود موجودٍ آخَر وراءه؛ لأنَّه لا يتسنَّى له هذا الوجود دون هذا الموجود (الواجب) وجوده الذي لم يسبقْه العدم وهو (الله) - عزَّ وجلَّ.

إذا ثبَت وُجود (الله) أمكن إثبات ما عدا (الله) من أمور الغيب، تلك التي يستنكرها علماء الاجتماع لعدم إيمانهم بالله أصلاً، والمراد بالغيب: "ما غاب عن الحواس"، وهذا لا ينفي أنَّه (حق) و(واقع)، ومن الخطأ الاعتقاد بأنَّ ما يغيبُ عن الحواس يغيبُ عن العقل أيضًا، وكون الشيء غير محسوس لا يعني أنَّه غير معقول، خاصَّة وأنَّ العقل والحس ليسا بشيءٍ واحد.

ثانيًا: توضح الفقرة السابقة سندَنا من العقل في إثبات الدِّين، أمَّا سندنا من العلم فهو على النحو التالي:
1- أنَّ العلم لا يفترق عن العقل، وإذا تصادَما فإنَّ الكلمة الأخيرة تكون للعقل، ونحن قد أثبَتْنا أنَّ العقل مع الدِّين؛ ولهذا يلزم أنْ يكون العلم مع الدِّين أيضًا؛ لأنَّ العقل معه أصلاً.

2- العلم في أوسع تعريفٍ له: معرفة مضمون قضيَّة من القضايا، وعلى هذا تكون علاقة العلم مع الدِّين على النحو التالي:
أ- إذا قصدوا بالعلم المعرفة المبنيَّة على البداهة أو المشاهدة أو العلم بالحواس أو بالدليل العقلي، فكلُّها تُؤيِّد الدِّين؛ أي: تثبت وجود الله.

ب- إذا قصدوا بالعلم العلوم المدوَّنة؛ كالهندسة والطبيعة وغيرها - فهذه العلوم مشغولةٌ بموضوعاتها، وتحكم فقط في المسائل المتعلِّقة بها، وتقف فيما وراء ذلك على الحِياد.

ج- إذا احتكروا اسم العلم لهذه العلوم القائمة على التجربة، وقالوا: إنَّ العالم لم يتكوَّن بخلق الله بل تكوَّن بنفسه، فهذا راجعٌ لهم ولا يرجع إلى العلم ذاته؛ لأنَّ العلم ليس اسمًا ينزع صلة الكون بالإله الخالق وإسناد التكوين إلى الأشياء نفسها، إنما هو اسمٌ للعلم الذي يبحث في الكائنات وما جُبِلت وطُبِعت عليه، ويقتصر حُكم العلم والتجربة على القول بأنَّ العالم يُدار وفقًا لقوانين، ولا يَتجاوَزان ذلك إلى تعيين مُنشِئ لهذه القوانين، أو تحديد هذه القوانين في صفة الأشياء نفسها، وليس بما هو خارجٌ عنها، وإنما كان ذلك من استنتاج العلماء، وليس هذا الاستنتاج استنتاجًا صحيحًا مُضافًا إليه مدلول التجربة، وإنما هو استنتاجٌ فاسدٌ أُضِيفَ إلى حكم التجربة ظنًّا منهم أنه من تمام مدلولها، يُضاف إلى ذلك أنَّ التجربة لا تثبت الضرورة والوجوب، ولو كان الله - تعالى - ثابتًا بالتجربة لما كان موجودًا واجب الوجود ومستحيل العدم، بل كان موجودًا عاديًّا كغيره من الموجودات غير ضروري الوجود، كما أنَّ الله - عزَّ وجلَّ - ليس ماديًّا ولا داخلاً في الطبيعة.

ونخلص من هذا إلى أنَّ العلوم منها ما يُؤيِّد الدين بتأييد مسألة وجود الله، ومنها ما يُحايِده لعدم دُخوله في موضوعه، ولا شيء من العلوم يمانع أساس الدِّين وينكر وجود الله، وقد جاء على لسان أكبر علماء الإنجليز ما نصُّه: "إنَّ الإلحاد ليس نتيجة للأصول العلميَّة".

وقال (هنري هوكسلي) - وهو عالم إنجليزي شهير -: "إنَّ الإلحاد على الأسس العلميَّة غير قابلٍ للتحمُّل".

ثالثًا: يُوضِّح ما سبق أنَّه لا سند لعلماء الاجتماع في الغرب وأتْباعهم في بلادنا من العقل والعلم في ربطهما بالإلحاد ورفض حقيقة الدِّين، فمن أين إذًا جاء هذا الإلحاد الذي عبَّر عنه (بيرجر) و(بيلا) وهما يدافعان عن الدِّين؟

إنَّ النصرانية التي يعتنقانها هما و(كولب) هي التي أدَّت بهم جميعًا إلى هذا المصير، لقد أضرَّت النصرانية بالمسلمين خاصَّة وبالناس عامَّة.

فالغرب الذي له الآن القوَّة والغلبة على العالم كان قد اعتنق النصرانيَّة في قديم الزمان، وكان مجلس الرهبان معقدًا في (أزنيك) رفض بأكثر الأصوات عقيدة التوحيد، وقرَّر قبول عقيدة التثليث المركَّبة من الإشراك والتوحيد؛ فأدَّى ذلك إلى خِلافٍ دائمٍ بين العلم والعقل والدِّين، ومع رُقِيِّ الغرب في الصناعات والتكنولوجيا وسائر العلوم، أدرَكَ علماؤه أنَّ دِينهم لا يتَّفق مع العقل والعلم، لكنَّهم لم يبحثوا لهم عن دِينٍ آخَر، ولم ينظُروا إلى الإسلام (الذي مَدار التكليف فيه هو العقل)؛ بسبب العداء الذي يُضمِره الغرب له منذ الحروب الصليبيَّة؛ لهذا خرج بعض علماء الغرب عن الأديان كليَّةً فألحد ودعا الناس إلى الإلحاد، وبقي البعض الآخَر يُفَلسِف أمور الدِّين وفق ما يُصوِّره له عقله وهواه[4].

هذا الصراع بين الدِّين والعلم نشَأ أصلاً من خصوصيَّة دِين الغرب الذي لا ائتلاف بينه وبين العقل والعلم، والذي لا وُجودَ له مطلقًا في الإسلام، لكنَّ رجال الاجتماع في بلادنا لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه، ولم يدرسوه، وإنما كانت معرفتهم بنظريَّات الغرب أكثر من معرفتهم بالإسلام، فدرسوها من غير فحْص ولا تثبُّت ولا نظر ولا تعمُّق، فأحدَثوا في بلادنا الصراع بين الدِّين والعلم، خاصَّة وأنَّ هذه النظريَّات التي نقلوها إلينا تقليدًا لموقف الغرب مشوبة ومعلولة بالعقليَّة النصرانية لا العقليَّة الباحثة عن الحق، فكانت النتيجة ليس نقل هذا الصراع فقط، وإنما نقلوا إلينا كلَّ كلمة تكلَّمَها عالِمٌ غربي ضدَّ الدِّين أو النصرانية وألصقوها بعينها بالإسلام، كما لم يلتَفتْ رجال الاجتماع إلى مغزى قول (بيلا): "إنَّ النصرانية تتحدَّث عن الداخل وعن أعماق الإنسان، وإنَّ تعاليم المسيح لا تقول لنا شيئًا بالمرَّة حول الكون".

تجاهَلَ (بيلا) ووراءَه أتباعُه من رجال الاجتماع عندنا أنَّ الإسلام ليس بمفهوم كهنوتي أو لاهوتي، إنما هو طِرازٌ خاص في الحياة يتميَّز عن غيره كلَّ التميُّز، جاء بمجموعة مفاهيم عن الحياة تُشكِّل خُطوطًا عريضة، لا تُنظِّم علاقة الإنسان بالله فحسب، أو بنفسه فقط، ولكن تنظم علاقته مع الناس ومع الكون، إنَّه نظام ينبثق من معالجات لجميع مشاكل الإنسان في الحياة، مستندًا إلى قاعدةٍ فكريَّة تندرج تحتها كلُّ الأفكار عن الحياة، وتتَّخذ مِقياسًا يُبنَى عليه كلُّ فكرٍ فرعي.

وهذا هو الذي كان يسعى إليه (بيلا) على وجْه التحديد لكنَّه ضلَّ الطريق، ألَّفَ رجال الاجتماع في بلادنا وترجموا لـ(بيلا) وغيره من علماء الغرب، وسلَّموا بما جاء به، فصدق عليهم وصْف (دي لا فالت)، الذي كان أستاذًا في الجامعة المصرية في تقريره الذي كتَبَه إلى وزارة المعارف المصريَّة في 1932، ويقول فيه: "وقد دلَّت المشاهدة على أنَّ التلميذ المصري، وإن امتاز بالذكاء، إلا أنَّه لا يميل في الغالب إلى بذل مجهودٍ كبير لفهْم درسه؛ ولذا فهو يعتمد على الذاكرة في حِفظ الدروس أكثر من اعتماده على إجْهاد فكره لإدراكها"[5].

ويبدو أنَّه لم يحدث أيُّ تغيُّر على عقليَّة تلامذتنا منذ الثلاثينيَّات، والذين أصبحوا أساتذةً في التسعينيَّات، حالهم كما هو في قراءاتهم وفي نقولاتهم وفي ترجماتهم وفي مُؤلَّفاتهم، ليس عندهم القُدرة على التمييز بين الحق والباطل، والإيمان والإلحاد، وبين الإسلام وغيره من الديانات والفلسفات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر كيف فهم رجال الاجتماع في بلادنا الإسلامَ في ضوء آراء ونظريَّات عُلَماء اجتماع الغرب تفصيلاً في المجلد الكامل الذي خُصِّص لدراسات "الدين في المجتمع العربي" مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1990.
[2] عن إلحاد النظريات التقليدية والمعاصرة في علم الاجتماع المشار إليها جميعها في هذه المقالة يمكن الرجوع تفصيلاً إلى ما يلي:
Benton Johnson Sociological Theory And Relegious truth sociological Analysis 1977 v.38.4.pp.368-388.
William C. shepherd, religion And the social Sciences Conflict Or Reconciliation, The Scientific Study Of Religion 11,1972,pp230-239.
[3] Marlynn May. An Interview With William kol.
ًWisconson, sociologist,1986,32-4(Fall)
Gregory Baum,Peter L.Bergers unfinis
Symphony, Commonweal,9 May1980.p263
[4] انظر: علاقة الدين بالعقل والعلم تفصيلًا في: مصطفى صبري، "موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين"، الجزء الثاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1981 صفحات 3-4، 7-8، 18، 2-43، 39-40، 46، 70، 275-279، 335.
ويدخل في هذه الصفحات موقف الشيخ مصطفى صبري من الجدل الذي كان دائرًا بين محمد عبده وفرح أنطون بعنوان "المقارنة بين الإسلام والنصرانية".
كما يمكن الرجوع تفصيلاً في بيان فساد عقيدة النصارى إلى رحمة الله خليل الرحمن الهندي، "إظهار الحق"، مكتبة الثقافة الدينية، ج1، 2.
[5] مصطفى صبري، المرجع السابق ص91.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
10-09-2014, 08:06 AM
فهم الإسلام عبر المكتبة الغربية
ــــــــــــــــ


اعترافات علماء الاجتماع
-------------------

الحلقة الحادية عشر
------------

يقول عبدالباسط عبدالمعطي - أستاذ ورئيس قسم الاجتماع بجامعتي: قطر وعين شمس، ورئيس الجمعية العربية لعلم الاجتماع، وأحد كِبار قادة حِزب التجمُّع المصري (الشيوعي) - بأنَّ اهتمام علم الاجتماع في الوطن العربي بالدِّين اعتَمَد على التركيز على النقل من المكتبة الغربيَّة، وبخاصَّة أعمال إميل دوركايم، وماكس فيبر، وليفي بريل[1]، ولا يعترف رجال الاجتماع في بلادنا بأنَّ فهْم الدِّين عامَّة والإسلام خاصَّة لا يكون إلا عبْر مصدرين أساسَيْن هما: القُرآن والسنَّة، بل كان الطعن فيهما والتطاوُل عليهما وعلى رُموز الدِّين وعُلمائه وقادة الصحوة الإسلامية سمةً من سماتهم[2]، ومع إبعاد القُرآن والسنَّة كمصدرَيْن أساسَيْن لفهْم الإسلام أصبح الطريق مفتوحًا لكلِّ صاحب تصوُّر، ولكلِّ صاحب مدرسة أو صاحب نظرية، ولكلِّ صاحب تحليل - أنْ يقول في الدِّين والإسلام ما يَشاء؛ ولهذا كان منطقيًّا أنْ تتعدَّد الطروحات وتتَراكَم التناولات، كلٌّ يفهم الدِّين انطلاقًا من سِياقه النظري أو ما يُسمُّونه بالأدوات المنهجية؛ هذا يرى بجدوى الدِّين، وذاك يرى بأنَّه لا جدوى من الدِّين - حسب المدرسة التي ينتمي إليها - وبإقصاء القُرآن والسنَّة دخَل رِجال الاجتماع في بلادنا فيما أطلقوا عليه (الفضاء المعرفي الأشمل) و(البحث العلمي الأوسع لفهْم الدِّين)، أو بمعنًى أصح (لتدمير الدِّين).

يقول عبدالقادر الهرماسي - أستاذ الاجتماع بالجامعة التونسية -: "فالدراسات الاجتماعيَّة لكلِّ ما هو دِيني تُمثِّل حلقةً من حلقات البحث العلمي بمعناه الأوسع، وهي بالتالي تنجز في فَضاءٍ معرفي أشمل، وبالطبع فكلُّ فَضاء معرفي يُملِي جملةً من التصوُّرات العامَّة كما يملي جملةً من أدوات التحليل الخاصَّة، وما من شكٍّ في أنَّ التاريخ الحديث قد شَهِدَ أكثر من مدرسةٍ نظرية حاوَلتْ كلٌّ منها أنْ تفهم الدين انطلاقًا من سِياقاتها النظريَّة وأدواتها المنهجيَّة أولاً، وانطلاقًا من خُصوصيَّات الظاهرة الدينيَّة في تلك الفترة التاريخيَّة المحدَّدة ثانيًا؛ لذلك نلمَسُ بوضوحٍ تعدُّد الطروحات وتراكُم التناولات؛ ممَّا جعَلَ التراث العلمي في خُصوص الدِّراسات الاجتماعيَّة للظاهرة الدينيَّة تراثًا متنوِّعًا تختلف نظرته إلى الدِّين وجَدواه من مدرسةٍ إلى أخرى"[3].

كان أوَّل درس استنبَطَه رجال الاجتماع في بلادنا من المكتبة الغربية هو ألاَّ يطرح العداء للدِّين بطريقةٍ مكشوفة وسافرة؛ حتى لا يثيروا غضب الناس، وإنما يُهاجَم الدِّين ويُعادَى عبر مظلَّةٍ اسمها: "تحليل التديُّن والسلوك الدِّيني أو الوعي الديني"؛ أي: فهْم الأفراد وتأويلاتهم وممارساتهم وتعامُلهم مع الدِّين"، وأنَّ علم الاجتماع ليس له شأنٌ بالدِّين كعقيدةٍ وإيمان؛ ولهذا يُسارِع رجال الاجتماع بوضْع هذا (الخاتم) في بداية أيِّ دِراسة أو تحليلٍ لهم للدِّين لتحييد مشاعر القرَّاء الذين لا يَزال للدِّين مكانةٌ في قلوبهم، ثم يطعنون في الدِّين في أثناء هذه الدراسة وهذا التحليل، هذا هو ما فعلَتْه اللجنة التحضيريَّة التي خطَّطت لندوة الدِّين في المجتمع العربي التي عُقِدت بالقاهرة في الفترة من 4-7 أبريل 1988.

يقول رئيس الندوة: "وحرصت اللجنة التحضيريَّة للتخطيط لندوة الدِّين في المجتمع العربي منذُ اجتماعاتها الأولى على إبْراز الفرْق البيِّن بين الدِّين كعقيدةٍ وإيمانٍ يسمو إلى مستوى القداسة والمطلق، وبين الوعي الدِّيني بمستوياته الوجدانيَّة والمعرفيَّة والأيدلوجيَّة؛ أي: فهْم الأفراد والجماعات للدِّين، و(تديُّنهم) الذي يُعبِّر بتجلِّيات وممارسات وتأويلات نسبيَّة تتَفاعَل مع الأماكن والأزمنة ومراحل التطوُّر الاجتماعي الاقتصادي في المجتمع العربي وفي أقطاره، وهي تفاعُلات تتشابَك وتتداخَل بشأنها مجموعةٌ من العوامل الاجتماعيَّة (الفردية والطبقية)، والسياسية (السلطة الحاكمة والمعارضة)، والحضارية (الأصيلة والدخيلة) التاريخية والمعاصرة، وبهذا تحدَّدَ موضوع الندوة وفي ضوء الفهم السوسيولوجي للدِّين، بكلِّ ما هو ذو علاقةٍ بفهْم البشر ووعيِهم وممارستهم وتعامُلهم مع الدِّين، وليس بما هو مطلق وثابت ومقدَّس في الدِّين"[4].

إنَّ هذا الادِّعاء بالاهتمام بالسلوك الديني مع عدم المساس بالعقيدة يسمَح لرجال الاجتماع بالطعن في كليهما وفْق منظوراتهم الخاصَّة، وكما حدَّد (عبدالمعطي) موضوعَ الندوة بأنَّه دراسة التديُّن كتعبيرٍ عن تجليات وممارسات وتأويلات نسبيَّة، تتفاعَل مع الأماكن والأزمنة ومراحل التطوُّر الاجتماعي الاقتصادي (وهي نظرة ماركسية مكرَّرة).

سار رجال الاجتماع الآخَرون على نفْس نهج عبدالمعطي، هذا (حيدر إبراهيم) يُقصِي القُرآن والسنَّة بعيدًا ليُحلِّل الممارسات التاريخية والاجتماعية للإسلام وفْق منظوره الصراعي الماركسي، يقول (حيدر إبراهيم): إنَّ دارس الدِّين من منظور اجتماعي "ليس مطالبًا بالتركيز على النصوص المجرَّدة، أو على التعاليم الدينيَّة بحدِّ ذاتها، بل على السلوك الدِّيني في الحياة اليوميَّة، وفي محتواه الاجتماعي التاريخي ضِمن إطار الصِّراعات القائمة في المجتمع؛ لذلك فإنَّه إذا كان الإسلام يظهر واحدًا كما تبرزه نصوص القرآن والسنَّة، فإنَّ الممارسات التاريخية والاجتماعية لهذا الإسلام تتعدَّد وتختلف معتمدةً على تفسيرها الخاص للنصوص، لتسند موقفها وتعطيه مشروعيَّة خاصَّة"[5].

وهذا (فرحان الديك) يسيرُ على نفس المِنوال فيقول في بحثه عن الأساس الدِّيني في الشخصيَّة العربيَّة: "إذ ليس الغرض من هذا البحث هو الدُّخول في الدِّين وما فيه من عقائد دينيَّة... وإنما الهدف من هذا الموضوع هو دِراسة التديُّن الذي هو سُلوك الأفراد وتخلُّقهم..."[6].

إنَّ إقصاء النصوص الدِّينية التي من المفروض أنْ تكون حكمًا فاصلاً ونهائيًّا في أيِّ قضيَّة تتعلَّق بالدِّين؛ لأنها صادرةٌ عن الله - عزَّ وجلَّ - وعن نبيِّه محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى - عن محاور التحليل، لا بُدَّ له من تبريرٍ أو تعليلٍ، وهذا ما فعَلَه رجال الاجتماع حينما وصَفُوا هذه النصوص بأنها نصوصٌ مجرَّدة وأحكام معياريَّة لا تدخُل في اختِصاصهم، وإنما في اختِصاص ما يُسمُّونهم بأصحاب التفسيرات اللاهوتية والفلسفية، لكنَّ رجال الاجتماع في بلادنا لا يستطيعون التخلِّي عن التعرُّض للنصوص؛ لأنها هي الأصل الذي يُرِيدون الطعنَ فيه؛ ولهذا فإنهم تعلَّلوا بمظلَّةٍ أخرى تقول: إنَّه "لا يهمهم تحليل النصوص في ذاتها أو في معناها النظري أو الفلسفي أو الديني، وإنما يهمُّهم انعكاس هذه النصوص على السلوك الفردي والواقع الاجتماعي".

يقول (عضيبات) - أستاذ الاجتماع بجامعة اليرموك بالأردن -: "والمنهج السوسيولوجي الذي نستخدمه يستَدعِي ألاَّ نكتفي بتحليل النصوص الدينيَّة بحدِّ ذاتها، وبمعزلٍ عمَّا تعني للمؤمنين، وفي الحالات التي نستَخدِم فيها النصوص فإنَّه لا يهمُّنا معناها النظري أو الفلسفي أو الثيولوجي، بمقدار ما يهمُّنا انعكاس هذه النصوص على السلوك الفردي والواقع الاجتماعي الذي يعيشُه الفرد، فمعرفة أيِّ دِينٍ كالدِّين الإسلامي مثلاً تقتضي دِراسة مُؤسَّساته وتاريخه وتوجُّهاته، كما تقتضي فهم المغزى لأولئك الذين يؤمنون به"[7].

ومن المهمِّ أنْ نشير هنا إلى أنَّ تحليلَ رجال الاجتماع في بلادنا للنصوص الدينيَّة لم يكن أمرًا إبداعيًّا وذاتيًّا من جانبهم، وإنما مرَّ - أيضًا - بمصفاة التحليل الغربي قبل أنْ يعرضوه على القارئ العربي.

صاغَ عبدالباسط عبدالمعطي هذه الحقيقة على النحو التالي: "وحتى مَن حاوَل الاقتراب من التراث الإسلامي عُنِي أكثر بتأويل بعض النصوص، وهو تأويلٌ (مرَّ) على العموم بمصفاة الفكر الغربي"[8].

هذه (المصفاة الغربية) التي مرَّ الإسلام بها - عقيدةً ونصوصًا وسلوكًا - أوصلَتْ باحِثينا العرب إلى النظر إلى قُرآننا وسنَّتنا، بل دِيننا في جملته، على أنَّه نموذجٌ مثالي كلامي مُتحجِّر كليةً، فقَدَ تأثيرَه ولم يعدْ له دورٌ يُمارِسه بحجَّة واهية، وهي أنهم نظَرُوا إلى سلوكيَّات الأفراد المحيطين بهم، فوجدوا أنها تنحَرِف عن السلوكيَّات المرتبطة بالدِّين، أين إذًا حِرص اللجنة التحضيريَّة الذي أشَرْنا إليه من قبلُ والذي قالوا عنه: "وحرصت اللجنة التحضيريَّة للتخطيط لندوة (الدِّين في المجتمع العربي) منذ اجتماعاتها الأولى على إبراز الفرْق البيِّن بين الدِّين كعقيدةٍ وإيمانٍ يسمو إلى مستوى القداسة والمطلق، وبين الوعي الدِّيني بمستوياته الوجدانيَّة...".

أَمِنَ القَداسة أنْ تكون العقيدة كلامًا مُتحجِّرًا كليةً، فَقَدَ تأثيره ولم يعدْ له دورٌ يمارسه؟ هل هذه موضوعية علمية أو عداء سافر؟

يقول (فرحان الديك) عن هذه العقيدة التي رآها كلاميَّةً متحجِّرة بعد أنْ مرَّ تحليله بمصفاة العالِم الغربي (رالف لينتون): "إنَّ الملاحظة العفويَّة أو الملاحظة العلميَّة البسيطة لسلوك الأفراد المحيطين بنا، تُبيِّن أنَّ النماذج المثاليَّة للسلوك التي تكوَّنت بالارتباط في مبادئ الدِّين وقيمه وتُراثه، لا تتَّفق مع النماذج التي يستَطِيع الباحث بناءَها استِنادًا إلى ملاحظاته للسلوك الفعلي للأفراد... وهذا يعني - تبعًا لـ(رالف لينتون) -: أنَّ النماذج المثالية لا تتمكَّن من المحافظة على الاتِّصال بواقع حضارة في أوْج التغيُّر، وبكلام آخَر نستطيع أنْ نقول: إنَّ النماذج المثاليَّة في الحضارة العربية التقليدية لم تعدْ تمارس دورًا مِعياريًّا يشجع - أو لا يشجع - ضروبًا من السلوك؛ لاقترابها أو لابتعادها عن أو من المعايير التي بحوزتها... الأمر الذي يعني أنَّ هذه النماذج المثالية هي في طريقها إلى أنْ تغدو كلاميَّة ومتحجِّرة كليًّا، وتتَّجه إلى فقْد تأثيرها وتكسب وُجودًا مستقلاًّ... وعِوَضًا عن أنْ تقدم الاستجابة المناسبة لوضع معطى، تتحوَّل إلى جواب مناسب عن سؤال معطى"[9].

حاوَل (عضيبات) أنْ يدرس العلاقة بين الدِّين والتغيُّر الاجتماعي مستخدِمًا ما يُسمَّى بالمنهج السوسيولوجي، بحث عضيبات في التحليلات السوسيولوجية للدِّين عند مَن يُسمِّيهم بعُلَماء الاجتماع العرب عن شيءٍ يفيد، فوجد أنَّ دراسة هذه العلاقة عندهم تَكاد تكون معدومة، وأنَّ مناقشتهم لم تتعدَّ بعضًا من النصوص المجرَّدة التي رأى "أنها لا تمتُّ إلى الواقع بصلةٍ"، فذهب إلى المكتبة الغربيَّة وإلى كتابات الروَّاد الأوائل في ميدان العلاقة بين الدِّين والمجتمع؛ من أمثال ماركس، وسبنسر، وفيبر، وفرويد، ودوركايم وغيرهم، ثم عرج على كتابات علماء الاجتماع الغربيين المعاصرين الذين لا زالوا يحافظون - في رأيه - على الأهمية المركزية لدراسة الدِّين بشكلٍ عام، وعلى العلاقة بينه وبين التغيُّر الاجتماعي بوجه خاص، وراح يُطبِّقها بحذافيرها على الإسلام والمجتمع العربي الإسلامي، ولم يفكِّر في نصوص (القُرآن والسنَّة)؛ لأنها في نظره نصوص مجرَّدة لا تمتُّ إلى الواقع بصلةٍ، ولا ترقى إلى نصوص ماركس وسبنسر وفيبر وفرويد ودوركايم وغيرهم من علماء الاجتماع الغربيين المعاصرين[10].

ولم يخرجْ (عبدالقادر الهرماسي) - أستاذ الاجتماع بالجامعة التونسية - عن الخطِّ الذي سارَ فيه (عاطف عضيبات) - أستاذ الاجتماع بجامعة اليرموك بالأردن.

لم يستطع الهرماسي أنْ يفهم ما أسماه رجال الاجتماع بـ(الظاهرة الدينية) إلا عبر كِتابات عُلَماء الغرب، أمثال: (ترولتش) و(روبرت بيلا)، مستخدمًا نفس مصطلحاتهم؛ كالكنيسة والطائفة والحركة الدينيَّة.

تحت عنوان (تنوع الظاهرة الدينية وعلاقتها بالمنزلة الإنسانية) يقول (الهرماسي): "بناءً على كتابات أرنست ترولتش وروبرت بيلا، يمكن التمييز بين ثلاثة أنماط من الدين: الكنيسة والطائفة والحركة الدينية"[11].

ترك الهرماسي (القُرآن والسنَّة)، ونظَر إلى مشروعات علماء الغرب وبرامجهم في البُحوث الدينية على أنها هي هذا الميدان الخصب الذي يُثرِي المعرفة الإنسانية عامَّة، وعلم الاجتماع خاصَّة، مقتديًا بما شرَعَه (مارسيل موسن) حفيد (دوركايم) منذ أوائل هذا القَرن في رسْم مشروع أو برنامج البحوث الدينيَّة، ومعروفٌ أنَّ دوركايم وحفيده يهوديَّان ينتميان إلى عائلةٍ من الأحبار اليهود.

وحتى ممارسة الشعائر الدينيَّة في الإسلام لم يفهمها رجال الاجتماع في بلادنا إلا عبر دِراسات علماء اجتماع الغرب، مثل: دراسات (لوبرا) عن الكاثوليكية في فرنسا، ودِراسات (لوسيان فابر) و(مارك بلوك).

رأى رجال الاجتماع في بلادنا أنَّ المعلومات التي وفَّرتها لهم الدراسات الغربيَّة مكَّنتهم من القول بأنَّ علم الاجتماع يمتلك من المناهج والتقنيات وأدوات التحليل وما يُسمُّونه بالإجراءات الموضوعيَّة التي تُتِيح لهم أساسيَّات الاقتراب العلمي من الحياة الدينية ومستلزَماتها[12]، ويدخُل الإسلام تحتها بالطبع.

لم يكن (الهرماسي) هو الذي فهم وحدَه أداء الشعائر الدينيَّة في الإسلام عبْر دراسات علماء الغرب أمثال (لوبرا)، هناك (فرحان الديك) الذي سارَ على المِنوال نفسه في فهْمه للدِّين في المجتمع العربي دُون أنْ يحاول حتى مجرَّد التخلُّص من المصطلحات دائمة الاستخدام في الغرب، وطبَّقَها على الإسلام (كالطقوس الدينية وغيرها).

وتُبيِّن الفِقرتان الآتيتان كيف طبَّق (الديك) فهمَه لما يُسمِّيه بالطقوس والشعائر الدينيَّة حسب مفهوم (لوبرا) على الدِّين في المجتمع العربي:
1- يقول (لوبرا): "إنَّ ممارسة الطقوس وأداء الشعائر الدينيَّة هما أكثر من ظاهرة أو فعل فردي، فهما ظاهرة أو فعل جماعي.

ويُضِيف (لوبرا): إنَّ تأدِيَة الشعائر الدينيَّة لا تعني الارتباط من خِلالها بالقُوَى السماويَّة فقط، بل أكثر من ذلك تعني: الانتماء إلى نسقٍ من الأخلاق...".

2- "وللدِّين في المجتمع العربي وظائف اجتماعية لا يمكن تجاهُلها، على الرغم من وُجود بعض مظاهر التديُّن السلبيَّة، وأهم هذه الوظائف أنَّ الدِّين وسيلةٌ لتَضامُن المجتمع؛ إذ يجمع سوية أيَّام الحج والصوم وبعض المواسم والأعياد وفي أوقات الصلاة، كما أنَّ الدِّين أداة ضبط اجتماعي؛ حيث له الأثر الفعَّال في نشْر الأمن والطمأنينة... وله أثَر كبير في كثيرٍ من النُّظُمِ الاجتماعية الموجودة في المجتمع، حيث تتكيَّف هذه الوظائف بتكيُّف الأحوال والظُّروف"[13].

وقد يتصوَّر البعض أنَّ عِبارات (لوبرا) عن الارتباط بالقُوَى السماويَّة، والتضامُن الاجتماعي، والضبط الاجتماعي، ودور الدِّين في نشْر الأمن والطمأنينة... لا تتعارض مع الإسلام، وقد ينطَلِي ذلك بالفعل على مَن لا يفهمون حقيقةَ نظريَّات علم الاجتماع وحقيقة موقفها من الدِّين.

إنَّ ما تحدَّث عنه (لوبرا) وتَبِعَه فيه (فرحان الديك) و(عبدالقادر الهرماسي)، يدخُل تحت إطار ما يسمَّى في علم الاجتماع (بالنظرية الوظيفية في الدِّين)، تقوم هذه النظرية على فكرة الاعتراف بوظيفة الدِّين في المجتمع، وما تقوم به هذه الوظيفة من تحقيق التضامُن الاجتماعي والضبط الاجتماعي، وما يترتَّب على ذلك من أمن وطمأنينة، لكنَّها "تنكر في الوقت نفسه حقيقةَ الدِّين"؛ أي: تقوم على (الإلحاد) كما تقرُّ التعريفات الوظيفيَّة للدِّين بأنَّ الدِّين يَفِي بحاجات الناس الفرديَّة والاجتماعيَّة، لكنَّها تُنكِر - كما يقول (شبرد) - وجودَ ما يُسمُّونه بالقُوَى والكائنات الرُّوحية وغير المرئية كـ(الله والملائكة والجن والشياطين)، ويرى (لكمان) أنَّ الدِّين ليس فطريًّا وإنما هو عمليَّات متعلَّمة[14].

وفي مقابلةٍ لعالم الاجتماع النصراني (ويليام كولب) مع (مارلين ماي) قال معلقًا على النظرية الوظيفية في الدِّين: "لقد كنت كتبت في مقالة سابقة عن تَعاظُم المشكلة الأخلاقية، بأنَّه كيف يمكن لعلماء الاجتماع أنْ يعتقدوا في جانبٍ أنَّ الدِّين وهمٌ، ثم يقولون على الجانب الآخَر: إنه ضرورة وظيفية؟ إنَّني لا أستسيغ ذلك"[15].

هذا، ولا تقلُّ النظرية الوظيفية في الدِّين (إلحادًا) عن النظرية الماركسية، وهذا ما اعترف به عالمان من كبار علماء اجتماع الغرب وهما (كنجزلي دافيز) و(روبرت ميرتون).

ويقول الأوَّل على لسان الثاني: "إنَّ الوظيفيين بتأكيدهم على أنَّ الدين يعمل كآليَّةٍ اجتماعيَّةٍ، لا يختلفون ماديًّا في إطارهم التحليلي عن الماركسيين في قولهم: إنَّ الدين أفيون الشعوب، إنَّ هذا المجاز تحوَّل إلى حقيقةٍ اجتماعيَّة محايدة مقبولة بصفة عامَّة"[16].

وقد يقول البعض: أين الخطأ في قول أصحاب النظرية الوظيفية بـ(أن الإنسان متديِّن) أو (أنه يجب أن يكون متدينًا).

إنَّ المعنى الحقيقي لهاتين المقولتين - كما يرى علماء الغرب أنفسهم - هو أنْ تكون (الماوية) في الصين - نسبةً إلى (ماوتسي تونغ) - مُحقِّقة لنفس الوَظائف التي تُحقِّقها ما يسمُّونها بـ(الكائنات العلويَّة)، وأنْ تكون الثقافة المضادَّة عند شَباب الغرب كـ(الهيبز) مثلاً بطقوسها ورموزها وقيمها (دينًا) كذلك[17].

هذه هي النتيجة المباشرة لفهْم رجال الاجتماع في بلادنا للإسلام عبر المكتبة الغربية والفكر الماركسي دون القُرآن والسنَّة، سُقوطٌ في متاهات لا خُروج منها أطلقوا عليها بحثًا علميًّا، وهي لا تعدو أكثر من رُدود فعلٍ ثائرة على الدِّين وحاقدة عليه، وطعْن في الدين تحت سِتار دراسة السُّلوك الدِّيني، وإقصاء للنُّصوص الدينيَّة بحجَّة أنهم رجال علم وليسوا برجال لاهوت، مع حكمٍ على هذه النصوص بأنها كلامٌ متحجِّر فَقَدَ تأثيره ولم يعدْ له دورٌ يمارسه، حتى الشعائر الدينية كالصلاة والصيام والحج أطلقوا عليها طقوسًا، وفهِمُوها كما فهمَها الغرب، تصوَّروا أنهم يقولون كلمة طيبة في الإسلام بقولهم: إنَّ الدين أداة ضبط اجتماعي، ووسيلة لتحقيق الأمن والطمأنينة، وهم في الحقيقة ينزلون به إلى درك تُرَّهات (ماوتسي تونغ) ومعتقدات (الهيبز).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الدين في المجتمع العربي، مقدمة الكتاب، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1990 ص10.
[2] انظر: مختلف مقالات المرجع السابق.
[3] عبدالقادر الهرماسي، علم الاجتماع الديني: المجال والمكاسب والتساؤلات، المرجع السابق ص15.
[4] انظر: مقدمة عبدالباسط عبدالمعطي، المرجع السابق ص10.
[5] حيدر إبراهيم علي، الأسس الاجتماعية للظاهرة الدينية، ملاحظات في علم اجتماع الدين، المرجع السابق ص56.
[6] فرحان الديك، الأساس الديني في الشخصية العربية، المرجع السابق، ص112.
[7] عاطف العقلة عضيبات، الدين والتغير الاجتماعي في المجتمع العربي الإسلامي، المرجع السابق، ص141.
[8] تابع: عبدالباسط عبدالمعطي، المرجع السابق، ص10.
[9] تابع: فرحان الديك، المرجع السابق، ص125.
[10] تابع: عضيبات، المرجع السابق، ص139.
[11] تابع: الهرماسي، المرجع السابق ص 20.
[12] تابع: الهرماسي، المرجع السابق ص 23-24.
[13] تابع: فرحان الديك، المرجع السابق ص 119.
[14] انظر تفصيلاً:
William C.shepherd, Religion And Thesocial sciences, conflict or reconciliation J. For Scientific study of religion, II, 1972, PP.230-239.
[15] Marlunn May, An Intervied With William L.kolb,Wisconson sociologists,1986,23-4(fall)P.153.
[16] Kingsly davis,The Myth Of Functional Analysis As Aspecial Method in Sociology And Anthropology, American Sociological Review, V.24,N.6,Dec.,1959 P.766.
[17] انظر: المرجع السابق رقم 14 ص 233 وما بعدها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
10-09-2014, 08:09 AM
رجال الاجتماع ومهمة تفكيك الدين
ـــــــــــــــــ


اعترافات علماء الاجتماع
----------------

الحلقة الثانية عشر
-------------

رجال الاجتماع ومهمة تفكيك الدين
-------------------------

يُدرِك رِجال الاجتماع في بلادنا أنَّ الإسلام يقدِّم تصورًا معرفيًّا لتفسير العالم الاجتماعي، وأنَّه لا يمكن تصوُّر استقلاليَّةٍ لهذا العالم إلا في حُدود (المشروع الرباني) الذي يمنحه إيَّاها - هكذا قالوا بنصِّ عباراتهم - كما يُدرِكون أيضًا أنَّ هذا الإسلام يُشكِّل نمطًا للبناء الاجتماعي، وإطارًا مرجعيًّا يلجأ إليه الناس بطريقةٍ تلقائيَّة للتفكُّر في هذا العالم الذي يعيشون فيه.

ويرفُض عِلم الاجتماع ذلك لأنَّه يريدُ أنْ يقدِّم معطيات الحياة الاجتماعيَّة من عنده تحت غِطاء تعرية هذه المُعطَيات؛ ولهذا السبب كان انتقاد علم الاجتماع للدِّين جزءًا لا يتجزَّأ من طبيعة تكوينه، وكان صِدامه مع الدِّين أمرًا لا مفرَّ منه، وإذا التقيا فإنَّ التقاءهما لا يمكن أن يتمَّ إلا عبر صِراعات.

يقول محمد شقرون أستاذ الاجتماع في جامعة محمد الخامس بالمغرب: "تدخُل السوسيولوجيا في هذا المجال في صِدامٍ مع الدِّين، إنها تصطدم به من جهة؛ لأنَّ الدين يُشكِّل نمطًا للبناء الاجتماعي للواقع، ونسقًا مرجعيًّا يلجأ إليه الفاعلون الاجتماعيُّون بكيفيَّة تلقائيَّة لتفكُّر العالم الذي يَعِيشون فيه، ويُشكِّل هنا انتقاد الدِّين جزءًا لا يتجزَّأ من تعرية المعطيات التلقائيَّة للتجربة الاجتماعيَّة؛ حيث تكون الوقائع السوسيولوجية ملتصقةً، وتُشكِّل هذه التعرية نقطةَ عبورٍ لا مفرَّ منها في عمليَّة مَوْضَعة هذه المعطيات.

وتلتَقِي السوسيولوجيا بالدِّين كذلك في الوقت الذي يُعتَبر الدِّين تصورًا عِرفانيًّا لتفسير العالم الاجتماعي، والذي لا يمكن أنْ يتصوَّر استقلاليَّة لهذا العالم إلا في حُدود المشروع الرباني الذي يمنَحُه إيَّاها؛ لهذا فإنَّ التِقاء السوسيولوجيا بعِلم اللاهوت لا يمكن أنْ يتمَّ إلا عبر صِراعات"[1].

يريدُ رِجال الاجتماع في بلادنا إخْضاعَ الدِّين لتحليلاتهم وتفسيراتهم وتصوُّراتهم.

وفي أذهانهم اعتقادٌ خاطئ بأنَّ الدِّين كان ولا يزال يُنافِس العلم في العالم العربي، وغابَ عنهم تمامًا أنَّ الدِّين والعلم في الإسلام مُتَساندان وليسا في تَصارُع وصِدامٍ كالحال في بلاد الغرب.

ويُعبِّر محمد شقرون عن هذا الاعتقاد الخاطئ فيقول: "إلاَّ أنَّه لا يمكن أنْ نتجاهَلَ الإشارة إلى هذا الصراع الأوَّلي عندما نتكلَّم عن الشروط التي جعل العلم فيها الدِّين موضوعًا له؛ لأنَّه قبل أنْ يصبح الدِّين موضوعًا من بين مواضيع السوسيولوجيا فإنَّه كان المنافس لها وما زال يُنافسها في مجتمعاتنا العربيَّة الحديثة العهد بالعلم الحديث"[2].

انبِثاقًا من هذا التصوُّر الخاطِئ بتَصادُم الدِّين والعلم في بلادنا قِياسًا على ما تعلَّمَه هؤلاء من الغرب، فإنهم قد أعلنوا ثورتَهم على عقيدة الإسلام صَراحةً، ووقوفَهم إلى جانب العلم تمامًا، وقالوا: إنهم إذا خُيِّروا بين عقيدة تحدِّد لهم أصل الإنسان ومصيره وعلة وجوده، وبين علمٍ يقدم لهم ما يتصوَّرونه أنَّه معارف وحقائق متاحة أمامهم - فإنهم سيَختارُون طريق العلم، بالرغم من اعترافهم بأنَّ إسهام الأخير إسهامٌ محدود.

يقول محمد الجوهري أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة[3]: "... ومن الممكن أنْ نجيب على هذا السؤال: ... الأشياء التي يقدر الإنسان على تحقيقها، وما هو مَدَى قُدرتها على التكيُّف بطريقتين مختلفتين الأول (كذا): على أساس عقيدة دينية أو دنيوية تحدِّد لنا المسائل المطلقة والنهائية في حياة البشر، عقيدة تحدِّد لنا أصل الإنسان ومصيره وعلة وجوده... إلخ.

والطريقة الثانية: أنْ نجيب على أساس المعارف والحقائق العلمية المتاحة لنا، وفي الحالة الثانية يتحتَّم علينا الإقلاعُ تمامًا منذ البداية عن محاولة الوصول إلى أيِّ إجابةٍ عن مثل هذه التساؤلات النهائيَّة والمطلقة، ونقصر أنفسنا على كلِّ ما هو مُتاح (إمبيريقيًّا)[4]؛ أي: ما يمكن أنْ نتوصل إلى إدراكه من الواقع، ونستطيع تحليله تحليلاً مفهومًا مقبولاً، ومن الواضح أنَّنا - المشتغِلين بالعلم - لا نفكر سوى في هذا الطريق الثاني، طريق العلم والتأسيس على العلم.

كما أنَّنا لا نستطيع كمُتخصِّصين اجتماعيين أنْ نقدِّم في هذا الطريق سوى إسهامًا محدودًا، وهذا قيد نعرفه ونُسلِّم به منذ البداية".

لم يكتفِ رجال الاجتماع في بلادنا بناءً على هذا التصوُّر الخاطئ بتصادُم الدِّين بالعلم بإعلان ثورتهم على عقيدة الإسلام، ولكنَّهم اتَّجهوا أيضًا إلى مُهمَّة أخرى؛ وهي: تفكيك الدِّين سعيًا وراء وهْمٍ اسمه (استقلاليَّة العلم)، أو بمعنى آخَر: الانفراد بتفسير شؤون الحياة الاجتماعيَّة وفصلها تمامًا عن الدِّين.

تصوَّر رجال الاجتماع أنَّ ممارستهم لهذا العلم لن تتحقَّق، ولن تتمَّ إلا إذا طرحوا قضيَّة تفكيك الدِّين بِجُرأة وصَراحة كضرورةٍ واضحةٍ لهذه الممارسة المزعومة.

يقول محمد شقرون: "إنَّ ضرورةَ تفكيك الدِّين من أجل التحرير الضروري لمجال الفكر؛ وذلك لإنتاج تأويلٍ علمي عن الاجتماعي لم تُطرَح بصراحةٍ وجُرأة في الوطن العربي كضرورةٍ واضحة لِمُمارسة العِلم بصفةٍ عامَّة وممارسة العلوم الإنسانيَّة بصفةٍ خاصَّة،، ويرجع هذا بالطبع إلى غِياب حقلٍ علمي يتمتَّع بكامل الاستقلاليَّة عن السياسي وعن الدِّين نفسه"[5].

وربَط رجال الاجتماع بين شرعيَّة ممارستهم للعِلم واستِمرار صِدامهم مع الدِّين لتحقيق هذه الاستقلاليَّة التي يطمَحُون فيها، إلا أنهم رأوا أنَّه يمكن أنْ يقبلوا بين صُفوفهم - تواضعًا - أي عالم مؤمن شريطة ألا يتحدث عن إيمانه، وبهذا كان إقصاء الدِّين شرطًا ضروريًّا لممارسة العلم.

يقول محمد شقرون: "وما زالتْ شرعيَّة العمل العلمي مضمونة بالإحالة إلى هذا الصِّراع من أجل استقلاليَّة المعرفة العلميَّة، يقبل عالم مؤمن في مجموعة العلماء شريطة ألاَّ يتحدَّث عن إيمانه.

إنَّ كبر سنِّه وشهرته هما اللذان يَسمَحان له بـ(اعترافات) ذاتية بعيدة عن الممارسة العلمية"[6].

ولو توقَّف طُموح رجال الاجتماع في بلادنا عند حدِّ السعي لاستقلاليَّة العلم لهانَ الأمر، لكنَّهم لا يكتَفُون بذلك، بل جعلوا مهمَّة تفكيك الدِّين - كما أوضحنا - ضرورةً لتأويل وتفسير الحياة الاجتماعية وفقًا لترَّهاتهم التي يُطلِقون عليها (علمًا)، إنهم لا يُكنُّون أيَّ احترامٍ للدِّين الذي يريدون التعامُل معه مثلما يتعامَلون مع أيِّ وقائع أخرى، وما زالوا يصرُّون على التمسُّك بأسطورة (العقلانية) رغم اعترافهم - كما أوضحنا سابقًا - بسقوطها وإشارتهم هنا على استِحياء بأنَّ هذه العقلانيَّة عليها مَآخِذ.

يقول محمد شقرون: "وطموح السوسيولوجيا الدينية يمكن تعريفُه في هذا الإطار مهما تكن المآخِذ على العقلانية العلمية.

ويمكن تلخيصُ هذا الطموح بكيفيَّةٍ بسيطةٍ: إنَّ الأمر يتعلَّق فقط بمعاملة الوقائع الدينيَّة كما تعامل الوقائع الاجتماعية الأخرى من الناحية السوسيولوجية؛ أي: بِناءً هذه الوقائع وتصنيفها ومقابلتها ومعالجتها بمفهومي العلاقات والصراعات"[7].

ينتظر رجال الاجتماع في بلادنا ما يُسمُّونه بـ(تراجع الدِّين)، يأمُلون أنْ تأتي العقلانية - رغم اعترافهم بفشلها - بثِمارها مثلما حدَث في الغرب.

يتوقَّعون مواجهةً منسجمة بين الدولة والإسلام مثلما حدث بين الدولة والكنيسة في الغرب.

يطمحون أنْ تسجل بحوثهم شَهادةً على تَراجُع الدين، ممثَّلة في قلَّة الممارسة الدينيَّة وتطبيق الفروض الدينيَّة، وتفكُّك الشعائر الدينية تحت ضغط التمدُّن والتصنيع مثلما حدث في الغرب.

يُشكِّل هذا التراجُع الذي يَطمَحون إليه بالنسبة إليهم أفقًا فكريًّا وثقافيًّا يسمَحُ لهم بالعبث في النسيج العقَدِيِّ لبلادنا وتخريبه.

لا يُرِيد رجال الاجتماع في بلادنا أيَّ مقاومة من علماء الدِّين لِمُواجَهة هذا التخريب، ويسعَوْن إلى الانفِلات من قبضتهم مثلما أفلت الغربيون من ضغوط الكنيسة، إنَّ نجاحهم في الإفلات من قَبضة علماء الدِّين سيَسمَح لهم بعملٍ مميَّز في علم الاجتماع؛ ألا وهو (نقْد الدين) الذي يُمثِّل أوَّل خطوة في تفكيك الدِّين.

يقول محمد شقرون: "وإذا كان الإرث الفلسفي للعقلانية قد أثَّر في تطوُّر السوسيولوجيا الدينيَّة في المجتمعات المتقدِّمة الغربيَّة، فإنَّ ذلك يَرجِع إلى التجانُس الخاص بتاريخ المواجهة بين الكنيسة والدولة في هذه المجتمعات من جهةٍ، ويرجع ذلك من جهةٍ أخرى إلى كَوْنِ البحوث المقامة حول الوضعية الدينية في هذه المجتمعات قد قدَّمت إثباتًا أساسًا لِمُسلَّمة تراجُع الدِّين في العالم الحديث: قلة الممارسات الدينية، وتطبيق الفروض الدينية، تفكك الشعائر التقليدية تحت ضغط التمدُّن والتصنيع، تقلُّص نسبة الرجال والنساء الذين ينخَرِطون في الرهبانيَّة... إلخ وعمليَّة تراجُع الدِّين الذي هو الأفق الفكري والثقافي الذي تفترضه الحداثة[8] كانت تُشكِّل في هذه البحوث ظاهرة ملاحظة ومقاسة.

من هنا جاءتْ ضرورة إفلات الممارسة السوسيولوجية من تأثير رجال الدِّين، إنَّ هذه الإرادة في الإفلات أو الانعتاق من ضُغوط الهرمية الكنسية ومن احتواء رجال الدِّين، كانت تُمثِّل الشكل الأول لمتطلبات النقد التي تميِّز كلَّ عمل سوسيولوجي"[9].

جاءت الصحوة الإسلامية لتُصِيب أماني وطُموحات رجال الاجتماع في بلادنا في تراجُع الدِّين وأحلام نقده وتفكيكه ثم اختفائه في الصميم، وبيَّنت لهم المآل الحقيقي للحداثة، وأثبتت لهم أنَّ الطريق الذي سلَكُوه ليس طريقًا سهلاً، وفُوجِئ رجال الاجتماع بأنَّ الدِّين بدلاً من أنْ يختفي فإنَّه يُقاوِم ويتحوَّل ويمتدُّ إلى قِطاعات كانوا يُسَيطِرون هم عليها.

أصبح رجال الاجتماع أمامَ هذا الموقف الجديد في موقف الدِّفاع مع المقاومة الشديدة التي واجهَتْهم في ظروفٍ غير مواتية لهم، لكنهم لا زالوا يُصمِّمون على الكفاح من أجل الحِفاظ على ما يُسمُّونه: (الطموح في نقد الدِّين).

يقول محمد شقرون: "إنَّ الأهميَّة القُصوَى التي أصبح يَحظَى بها الحدث الدِّيني في المجتمعات الحديثة في أوساط المهتمِّين بالسياسة وفي أوساط المثقَّفين الذين يتحدَّد دورهم في فهْم مَآلِ الحداثة لا تسهل الوضع الفكري لعُلَماء اجتماع الدِّين تجاه موضوعهم.

فقد بيَّن هؤلاء منذ زمنٍ بعيد أنَّ الدِّين عوض أنْ يختفي يُقاوِم ويتحوَّل ويستولي على موضوعاتٍ جديدة لا صلة لها بالدِّين، وأنَّه بإمكانه أنْ يخلق ما هو جديد، ولكنَّه يبدو أنَّ مجموع هذه الظواهر (المقاومة، التحويل، التعويض، التجديد... إلخ) تأخُذ قيمة جديدة في النظرة السوسيولوجية، فقد أصبحت السوسيولوجيا اليوم وخاصَّة في المجتمعات العربيَّة أمام وضعيَّة الكفاح من أجل الحِفاظ على طُموحها النقدي في ظرفيَّةٍ تتميَّز بتبنِّي كلِّ أشكال المقاومات الدينيَّة واستخدامها لمصلحة اللاعقلانية"[10].

يدرك رجال الاجتماع في بلادنا أنَّ طموحاتهم في نقْد الدِّين وتفكيكه لا تَزال قائمةً ما دامت الدولة تُقاسِمهم هذه المهمَّة وتشترك معهم في التآمُر ضد الدِّين.

تعطي الدولة وزنًا كبيرًا للعلوم الإنسانية لا يُماثِل هذا الوزن الذي تُعطِيه للعلوم الطبيعيَّة، حيث تظهر العلوم الإنسانيَّة أنَّ سلوك الإنسان بما فيه (السلوك الدِّيني) يخضع لتأثير مُعطَيات نفسية واجتماعية، كما تُبَرهن العلوم الاجتماعية وخاصَّة علم الاجتماع وعلم النفس والتحليل النفسي أنَّ القوى والدوافع التي تتحكَّم بالآراء والمعتقدات والإرادات هي قوى ودوافع ذات طبيعة متغيرة تبعًا لدرجة تطوُّر المجتمعات؛ أي: (لا تأثير للدِّين والعقيدة فيها)، وتبين هذه العلوم (للدين) كما يقول فرحان الديك أنَّ الإنسان تابعٌ لنظامٍ اجتماعي يرتبط فيه التفريق بين الدِّيني والدنيوي؛ أي: فصل الشؤون الدنيوية عن الدِّين.

ومن هنا لا نستغرب أن نجد أنَّ عَداء رجال الاجتماع في بلادنا مرتبط ومحتمٍ بعداء الدولة للدِّين التي اتَّخذت منذ زمن بعيد خطوات محدَّدة مهَّدت الطريق لرجال الاجتماع لأداء مهمَّتهم في تفكيك الدِّين، وقد كان أبرز هذه الخطوات الآتي:
أولاً: التركيز على القوميَّة كهدفٍ أعلى وغاية أسمى، والعمل على ترويض الإنسان، ومحاولة الاستِئثار به كليًّا وإبعاده عن الدِّين، مع تشديد الدولة على رَعاياها بالتأكيد على عدم الخلْط بين الدِّين والدُّنيا، وتحرير السلطة السياسية من وصاية الدِّين، وتطوير أخلاقٍ سياسيَّةٍ لا تمتُّ بصلةٍ إلى أيِّ مِعيارٍ سماوي، ولا تترك الدولة للأفراد فرصة اختيار موقف محايد في الصِّراعات الاجتماعية والسياسية القائمة بتطبيقها، بل تصرُّ على مبدأ (مَن ليس معنا فهو ضدنا).

يقول فرحان الديك: "في الماضي غير البعيد بالنسبة إلى المجتمع العربي كان الدِّين الإسلامي يتغلغل كليَّة أو في محمل حياة الفرد وفكره.

وعلى هذا الأساس كانت سِيادته كأفق ثقافي للفرد، لكن عندما حلَّت الدولة بمفهومها الحديث محلَّ الدِّين في مناخٍ صراعي حدَث تنافُس بين الدِّين والمجتمع، فالأمَّة عندما تكفُّ عن الخضوع للدِّين ومنذ أنْ تصبح القوميَّة الهدف الأعلى وتعدَّ الغاية الأسمى تصبح بالضرورة عدوًّا للدِّين، فهي تتطلَّع إلى تَروِيض الإنسان لتجعل منه غرضها وشأنها وإبعاده عن الأجواء التقليديَّة لتستأثر به كليًّا[11].

ثانيًا: تطبيق سياسة العَلمَنَة كتحدٍّ شامل وعام للدِّين خاصَّة؛ لأنَّ الدِّين في الإسلام ليس قضيَّة خاصَّة أو مجالاً أو حيِّزًا محددًا بدقة مستقلاًّ ومفصولاً عن المجالات الأخرى، وإنما يُغطِّي بشمول كبير المحيط العائلي والاجتماعي، والسياسي والقانوني، لا يترك حيِّزًا من الحياة الفردية والجماعية دُون أحكامٍ وقواعد، وتمتدُّ فروعه إلى كلِّ مجال، وتأثيره حاضر باستمرار.

ولتحقيق هذا الاستقلال والانفصال بين شؤون الدُّنيا والدِّين قامت الدولة بما يلي[12]:
1- توطيد المؤسسات العلمانية التي تُؤسِّسها، والتي تأخُذ الطفل والشاب إلى جوٍّ يختلف كليَّة عن جوِّ الأوساط الدينية، وإدخال الفرد في عدَّة جماعات ذات أهداف مستقلَّة لا تفكِّر مطلقًا في الدِّين أو اليوم الآخِر.

وتفرض الدولة على الفرد الانتقال باستمرارٍ من المحيط الديني إلى محيطٍ يجهل كلَّ شيء عن الدِّين، أو يكنُّ له عداءً مكشوفًا، ويتمَركَز أصلاً حول المصالح الدنيوية المادية، إلى أنْ ينتهي الأمر بالفرد إلى اعتبار الدِّين مؤسسة شبيهة بالمؤسسات الاجتماعية الأخرى، لا يكرس له من وقته ونفسه إلا حيِّزًا محدودًا.

2- العمل على تحقيق العَلمَنة الفعليَّة للمجتمع بتأسيس منظمات وجمعيات ثقافية ونقابية وحزبية وتنظيمية (كالنادي الرياضي، أو التنظيم المهني، أو الجماهيري، أو السكني)، تتوسَّط بين الفرد والمجتمع دون ضرورةٍ للمرور على المؤسسات الدينية كما كان الحال في الماضي.

وبتأسيس هذه المنظمات يضعف اعتماد الفرد في تفسير أمور حياته على القِيَم الدينيَّة.

وتتَّسِع هذه المنظمات إلى لا تُقِيم اعتبارًا لقيم الفرد الدينيَّة، ولا تهتمُّ إلا بمصلحة الفرد في ضوء هدفها الذي تسعى إلى تحقيقه، ومن ثَمَّ يتحوَّل الدِّين إلى مسألة خيار شخصي لا يَعنِيها ولا يهمُّها.

3- فصل المجالات الاقتصادية عن الدِّين، بإعادة بناء المجتمع وفقًا لمقتضيات ومتطلَّبات الإنتاج والاستهلاك، بحيث تكون الكلمة العُليا للربح والدعاية والتنافس وتقنيات الإنتاج والتسويق والإدارة، ولا يكون هناك تأثيرٌ مطلقًا للأخلاق الدينيَّة، ويكون القَرار في يد أولئك الذين يملكون سلطة سياسية واقتصادية وسيطرة لا حدَّ لها.

ومن هنا تختلف خيارات الإنسان المرتبطة بتصوُّره وحاجاته عن التصوُّر الذي ينبثق من مبادئ الدِّين وقيمه، بحيث يشتدُّ التركيز على الجانب المادي من الحياة وعلى السعادة الدنيويَّة، دون وضْع اعتبارٍ لقِيَم الدِّين؛ كالقناعة والابتعاد عن الغش والاحتكار... إلخ.

4- التركيز على سياسة تحديد النسل وتدخُّل السلطات الرسمية فيها، وهي تعلم أنَّه مجال يَلقَى معارضة شديدة من الدِّين وعلمائه.

تؤكِّد الدولة للإنسان بأنَّ له حقَّ التصرُّف في جسده، كما تقوم بإدخال معطيات ديموغرافية وفيزيولوجية ونفسية وطبية وسياسية في مسألة الإنجاب، وهي معطيات من شأنها أن تُقوِّض المرتكزات الدينية التي تقوم عليها هذه المسألة.

ثالثًا: تصوير الحضارة الصناعية على أنها حَضارة منافسة للدِّين متحدِّية له بما تُقدِّمه من إمكانيَّات العلم والتقنية، وبتصويرها للإنسان على أنَّه سيِّد للطبيعة، وأنَّ على الإنسان أنْ يتكيَّف لهذه الحضارة بسبلها المادية والفكرية معًا، وهذا يستلزم منه أنْ يُعِيد النظر في أفكاره الدينية التي تكوَّنت عبر مراحل تنشئته الاجتماعية.

وتُؤدِّي هذه العملية إلى أنْ يصبح العالم الفكري للإنسان (عقلانيًّا) فلا يحتاج بالتالي إلى الدين الذي ينظر إلى هذه الحضارة - كما يتصوَّر فرحان الديك - نظرة ترقُّب وتجاهُل.

رابعًا: الاستفادة من انتشار العمران والحراك الجغرافي والاجتماعي بالتأكيد على التجديد والابتكار، وبتعدُّدية المواقف ونسبيَّة الخيارات، كلُّ ذلك بقصْد ألاَّ تنطَلِق المواقف والخِيارات من الدِّين وحده، مع تأكيد النظرة إلى المسجد على أنَّه أحد القِطاعات التي تضمُّها المدينة أو القرية الريفيَّة، والعمل على ألاَّ يختلط المسجد بالحي أو بالوسط الريفي مثلما كان سائدًا في الماضي مع تحجيم دوره بالصورة التي تمنع هذا الخلط.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] محمد شقرون، شروط إمكانية قيام سوسيولوجيا دينية في المجتمعات العربية، الدين والمجتمع العربي، مركز الدراسات العربية بيروت 1990 ص 128.
[2] تابع ص 128.
[3] بوتومور، تمهيد في علم الاجتماع، محمد الجوهري وآخرون دار المعارف، سلسلة علم الاجتماع، الكتاب الرابع، 1987 ص 16.
[4] الإمبيريقية Empricism مصطلح مشتق من الكلمة اليونانية Empeira، وترجمتها إلى اللاتينية Experientia بمعنى: التجربة، والإمبيريقية على عكس العقلانية، هي: النظرية التي تقول أنَّ التجربة - وليس العقل - هي مصدر المعرفة؛ بمعنى: أنَّ كل ما نعرفه إنما يرتبط مباشرةً بالخبرة الحسية أو يشتقُّ منها بوسائل تجريبيَّة تعتمد على الإدراك الحسي، انظر: D w Hamlyn Empricism the Encyclopedia of Philosophy، Paul Edwards، Macmillan Publishing، New York، London P 499.
وحسبُنا في بيان تعارُض الإمبيريقية مع العقيدة شهادةُ رجال الاجتماع في بلادنا في قولهم "أنَّ الإمبيريقية تستند إلى ما يَسُود العلوم الاجتماعية بوجْه عام؛ من اتجاه علماني، ومن اهتمام بمسائل علمانية".
ولأن الإمبيريقية تعتمد فقط على الأساليب الفنية فإنها ترفض أي فكر، وتبدأ بالواقع، وترى بصراحة "أنَّ كل ما لا يخضع للتجريب فهو باطل".
انظر: محمد عاطف غيث، دراسات في تاريخ التفكير واتجاهات النظرية في علم الاجتماع، دار النهضة العربية بيروت 1975 ص 284.
وعن الإمبيريقية يقول رجال الاجتماع في بلادنا: إنها تلفيقية تلقيطية جزئية عديمة اللون والطعم، تعتمد على الموقف الخبري المبسط الذي يلاحق الظاهرات مبعثرة، مسقطة من حِسابها الإطار النظري الشامل الذي يحتويها، وتعتمد البحوث الإمبيريقية على جمْع فكرة من هنا وأخرى من هناك، ثم اختيار عيِّنةٍ عشوائية عمديَّة في معظم الأحيان، ثم تصميم استمارة بحثٍ يعرض الباحث نتائجها في صورة جداول إجابة المبحوث فيها هي التي يريدها الباحث، موقفها مفتعلٌ ونتائجها مفتعلةٌ أيضًا.
انظر عبدالباسط عبدالمعطي، اتجاهات نظرية في علم الاجتماع، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1981 ص 273-278.
[5] محمد شقرون، تابع ص 129.
[6] تابع ص 128.
[7] تابع ص 128-129.
[8] الحداثة كمفهوم وكحركة نقلها الببغائيون العرب إلى مجتمعاتنا العربية من الغرب؛ ولهذا لا يمكن فصل الحداثة العربية عن الحداثة الغربية باعتراف الحداثيين العرب أنفسهم، يقول محمد براده: "إنَّ الحديث عن حداثة عربية مشروط تاريخيًّا بوجودٍ سابق للحداثة الغربية، وبامتِداد قنواتٍ للتواصُل بين الثقافتين".
انظر: محمد برادة في اعتبارات نظرية لتحديد مفهوم الحداثة، فصول مجلد 4 عدد 1983 ص 11.
أشار برادة إلى ذلك أيضًا في الفقرة التي اقتبسها من جون بودريان في قوله: "تَفرِض الحداثة نفسَها وكأنها وحدة متجانسة مشعَّة عالميًّا من الغرب"، نفس المصدر ص 12.
والحداثة كما تعرفها الموسوعات الغربية هي أيُّ نظرةٍ تقوم على الاقتناع بأنَّ العلم والتقدُّم العلمي الحديث تتطلَّب إعادة تقييمٍ أساسي للعقائد التقليدية؛ ومن ثَمَّ لا تنظر إلى الدِّين على أنه صياغة دقيقة لسلطة جديرة باعتماد وقبول للحقائق المنزلة من الله، وإنما تنظر إليه على أنَّه مقولات لمشاعر وخبرات دِينية عاشها بعض الرجال عبر حقبة تاريخية معيَّنة؛ ولهذا تكون الحقائق الدينية عرضةً لعمليَّة تطوير مستمر كجزء من الخبرة المتقدمة للجنس البشري.
وتستلزم هذه العملية إدخال مفاهيم عديدة وجديدة كشيء متطلب للتغيير عن الفكر والتقدُّم الحديث، وليس الوحي في مفهوم الحداثة إلا مجرَّد خبرة شخصية حسية لمجموعة حقائق (عن) الله أكثر منه موضع اتصال لحقيقة شاملة (من) الله انظر: Modernism: in the Encyclopedia، Americana، American Corporation، N Y، 1967، P2891.
وترجع جذور الحداثة كحركة عامة إلى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، اتجهت هذه الحركة إلى تطبيق المناهج النقدية على التوراة والإنجيل وتاريخ العقائد ممَّا أدَّى إلى الحطِّ من قدرها والنظر إلى الله - تعالى - على أنه ليس فوق الوجود المادي انظر: Modernism: in the new Columbia Encyclopedia، Columbia University Press، U S A، 1970، P1801.
ويشير جون بوتي في الموسوعة الأكاديمية الأمريكية إلى أن هذا المصطلح قد استخدم في العصر الحديث لنقد الدين بصفة عامة انظر: John Booty، Modernism in Academia American Encyclopedia، Arete Publishing Comp Inc، Princeton، Newjersey، 1980، P 498.
بهذه المفاهيم التي نقلها الببغائيون العرب من الغرب شنوا هجومهم الضاري على الإسلام، مُفترِضين - عن جهلٍ - تصادُم الإسلام مع العلم كالحال في بلاد الغرب، فراحوا يُقيِّمون ويعدِّلون في الإسلام والوحي والرسالة وفْق أهوائهم، ومن أبرز المعاصرين الذين حملوا على عاتقهم هده المهمَّة (حسن حنفي) أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة، دعا حسن حنفي إلى إخضاع القرآن للنقد وللمنهج النقدي مثلما فعل (سبينوزا) مع التوراة والإنجيل، رافضًا تفسير قوله - تعالى -: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]؛ بمعنى: أنَّه حفظ للنص، متهمًا النظرة القائلة بأنَّ معنى الآية حفظ للنص الحرفي المدوَّن بأنها نظرةٌ (لاهوتية صرفة تهرب من (النقد) وتلجأ للسلطة الإلهية).
انظر: أحمد إبراهيم خضر، وقفات مع اليسار الإسلامي، مجلة المجتمع عدد 901 وما بعده، 17 جمادى الآخرة، ص 1406/ 24 يناير 1989.
وعن رفض الحداثيين العرب (لله) و(للدين) وتشبُّثهم بالفكر العلماني والنظر إلى الإنسان على أنَّه محور الوجود وليس الله، يقول كمال أبو ديب: "الحداثة انقطاع معرفي؛ ذلك أنَّ مصادرها المعرفية لا تكمن في المصادر المعرفية للتراث في كتب ابن خلدون الأربعة، أو في اللغة المؤسساتية والفكر الديني وكون الله مركز الوجود... الحداثة انقطاع؛ لأنَّ مصادرها المعرفية هي اللغة البكر والفكر العلماني وكون الإنسان مركز الوجود".
انظر: كمال أبو ديب، الحداثة، السلطة، النص، مجلة فصول، مجلد 4 عدد 3 عام 1984، ص 37.
[9] محمد شقرون تابع ص 129-130.
[10] تابع ص 131-132.
[11] فرحان الديك، الأساس الديني في الشخصية العربية، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ص 117.
[12] انظر: فرحان الديك، تحت (تحديات حضارة المجتمع الصناعي للدين وتراجع الدين في الحياة الاجتماعية) المرجع السابق ص 111-125.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
10-09-2014, 08:11 AM
المسلمون الفيبريون: نموذج آخر لمعاداة الإسلام
ـــــــــــــــــــــــــ



اعترافات علماء الاجتماع
------------------

الحلقة الثالثة عشر
-----------

المسلمون الفيبريون: نموذج آخر لمعاداة الإسلام
---------------------------------

(المسلمون الفيبريون) نسبةً إلى العالم الألماني (ماكس فيبر)، هم جماعةٌ محدودةٌ من رِجال الاجتماع في بلادنا، تبنَّوا فِكرَ هذا العالِم، وأخَذُوا على عاتقهم مهمَّة نشر هذا الفكر، وإعداد ما يُسمَّى بالمكتبة الفيبرية التي تُتَرجِم أعمالَه إلى اللغة العربية.

كان ماكس فيبر يكنُّ عَداءً عميقًا وكراهية شديدة للإسلام، ولم يكن يتعامَل مع الإسلام بصورة علمية أو نزيهة، إنما كان عنصريًّا ينتقد الإسلام بطريقةٍ تعكس كلَّ صُوَرِ الحقد والتحيُّز الأوربي ضدَّ هذا الدِّين في القرن التاسع عشر، كان الأوربيُّون ينظرون إلى الإسلام على أنَّه الخطر الرئيس العسكري والخلقي على المسيحيَّة، وكانوا يُرجِعون نجاحَه وقوَّته وعظمته غلى عنف وهمجية ودَهاء المسلمين.

كانوا يعتبرون الإسلام دِين: تزمُّت، وشهوانية جنسية، وحريم، وشَعوَذة، وفَوضَى، وقد عكسَتْ كِتابات (ماكس فيبر) عن الإسلام مختلف أبعاد هذه الصورة القاتمة.

ولا يقلُّ المسلمون الفيبريون عَداءً للإسلام وكراهية له عن عداء وكراهية أستاذهم الألماني، لكنَّهم لا يُصرِّحون بهذا العداء مباشرةً، وإنما يستنبطونه ثم يُعبِّرون عنه على لسان أستاذهم هذا، أو على لسان عُلَماء الغرب، وهم لا ينبسون بكلمةٍ واحدةٍ دِفاعًا عن الإسلام، وإنما تركوا هذه المهمَّة لعلماء الغرب أيضًا ذرًّا للرَّماد في العيون.

المسلمون الفيبريون متغربون ماركسيون في آنٍ واحد، وعقلانيون علمانيون في آنٍ واحد أيضًا، تدرَّبوا في أوربا والولايات المتحدة، الغرب هو مركزهم الفكري، وهو إطارهم المرجعي الذي يفهمون من خِلاله إسلامهم ومجتمعهم وعالمهم، إنهم مؤمنون بأنَّ ما يُسمَّى (بعلم اجتماع الفهم) عند فيبر، وأطروحته عن (الأخلاق البروتستانتية ونشأة الرأسمالية)، إنما جاءتا لتُناسِب المجتمع الإسلامي الذي يمكن تحليله وفهمه في ضوئهما.

الإسلام (التقليدي) لا يتَّفق عندهم مع النظرة العلميَّة؛ ولهذا يرَوْن أنَّ عليهم واجبَ تقديم المفاهيم الأوربيَّة لإعادة تفسير الإسلام على نحوٍ يُحاوِل التوفيقَ بينه وبين الثقافة الغربيَّة، بحيث يتساوى مع الأسس الإرشاديَّة للفكر الغربي، يخبرون تلاميذهم أنَّ الإسلام النقي متوافقٌ مع العلوم والمجتمع الحديث، وإذا خلَوْا إلى أساتذتهم الغربيين يقولون لهم: إنَّ الدِّين الإسلامي يُعطِّل العلم ويقف في وجه التقدُّم.

يؤمنون كالمستشرقين بأنَّ الإسلام مثل المسيحيَّة ينتمي إلى مرحلةٍ أدنى من التطوُّر الإنساني، وسيُستَبدل نهائيًّا بالعقلانيَّة، إنهم يُسلِّمون بأنَّ الجماهير لا تقبَل فكرَهم، لكنَّهم يُطَمئِنون أنفسَهم بأنَّ العامَّة تحتاج إلى دينٍ عاطفي رمزي، وأنَّه من الصعب للفكر الحرِّ الذي يُمثِّلونه أنْ ينتصر؛ لأنَّ الجماهير لا تحبُّ العقل، ولهذا يعيشون محصورين مع قلةٍ من المثقَّفين والحداثيِّين الذين يُشارِكونهم نفسَ هذه الأفكار، يخدعون الناس بقولهم: إنَّ الدِّين عاملٌ مهم لتماسُك المجتمع، وهم في حقيقة أمرهم - كأستاذهم - لا يعبَؤُون بالدِّين، وينظُرون إليه من زاوية مَدَى مَنفَعته للمجتمع.

لا يجرؤ (المسلمون الفيبريون) على الجهر بالعلمانية إلا وسط خاصَّتهم، لكنَّهم يتحدَّثون بملْء أفواههم عن العقلانيَّة، تظنُّ الناس أنَّ العقلانيَّة من الإسلام؛ لأنَّ الدِّين والعقل في الإسلام متساندان، لكنَّ الناس تجهل أنَّ العقلانيَّة هذه تُعلِي من قيمة العقل في مواجهة الإيمان، وأنها حركة ضد الدِّين وضد الكتب المنزلة، وذات نظرة نفعية تُعطِي وزنًا كبيرًا للمناقشات العلمية والتاريخية المضادَّة للإيمان.

تبنَّى (المسلمون الفيبريون) الخطوط الرئيسة التي حدَّدَها لهم مُعلِّمهم الألماني عن العقلانيَّة، فعرَّفوها بأنها: ازدياد الحسابية والسَّيْطرة المنظَّمة على جوانب الحياة الإنسانيَّة، على أساس قواعد ومَنظُورات لا شأنَ لها بدِينٍ أو رسالة، إنها تَعنِي عندهم إحلالَ النُّظم القضائية والقانونية محلَّ شريعة الله؛ لأنَّ شريعة الله - عندهم - تقومُ على التعسُّف في اتِّخاذ القَرارات، وتعني العقلانية عندهم أيضًا: تحرير الإنسان من الإيمان: بالله، وبالدِّين، وبالغيبيَّات... ترجمة لقولهم بتحرير الإنسان من مَخاوِفه ومن العالم الذي لا يمكن التنبُّؤ به، ومن القُوَى *****يَّة الفوقيَّة بحيث لا تصبح هناك قوى غامضة لا يمكن حِسابها، ويمكن أنْ تقوم بدورٍ ما.

العقلانيَّة عندهم تعني أنَّ الموت حَدَثٌ لا معنى له، وأنَّ الإله بلا قوَّة، وأنَّه غير خالد، وهناك فقط آلهةٌ متنافسون لا حولَ لهم ولا قوَّة، الإله القديم أصبح ميتًا أو شبهَ ميت، ولنْ تولد آلهة أخرى بعدُ (تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا).

العلم يعجُّ عندهم بقيم جزئيَّة ومتعارضة، واليقين النهائي في الحياة أمرٌ غير ممكن، لكنَّهم يرَوْن أنَّه بمقدورهم تحقيق درجةٍ من التيقُّن من وجودهم من خلال قبول مسؤوليَّات جديدة، لا مكان للدِّين عندهم إلا في دائرة العلاقات الشخصيَّة، ويجب أنْ يترك الدين للاختيار الشخصي الخالص.

القِيَم عندهم ليست هبةً من الله، ولكنَّها قِيَمٌ نفعية تُحقِّق مصالح جزئية وعملية معيَّنة، وأنَّ على الإنسان أنْ يُجرِي اختياراته بين قِيَمٍ جزئيَّة وغير ثابتة، الأخلاق أرضيَّة عندهم وليست من عند الله، في عالم الأخلاق العمليَّة يصبح الناس أكثر إدراكًا بأنَّ الأخلاقيَّات المتاحة فعلاً، أو التي قد تصبح متاحةً ليست بالضرورة طبيعيَّة ولا من عند الله، ويجب أنْ يتحوَّل الدِّين عندهم إلى تديُّن علماني يقبل القِيَم الدنيوية المسيطرة.

يطمح (المسلمون الفيبريون) يومًا أنْ تُفرَض العلمانيَّة بقرارٍ سياسي إذا ما خابت جُهودهم في فرْض نمطٍ غربي علماني على المجتمع الديني الإسلامي، القضاء على الإسلام أمرٌ مستحيلٌ بالنسبة لهم؛ لذا فهم يعمَلُون على إعطاء الإسلام وظيفة اجتماعية؛ بمعنى: أنْ يسمحوا له بأنْ يكون موردًا من موارد الثقافة القوميَّة والتكامل الاجتماعي مع الحَيْلولة دُون دخوله القِطاعات: السياسية، والقانونية، والتعليمية.

إنهم سُعَداء بإحكام الدولة قبضتها على نظام التعليم الابتدائي والثانوي والجامعي، لكنَّهم ينتظرون ضربة قاضية ونهائية للتعليم الدِّيني حتى ينقطع مَدَدُ الخبراء المتخصِّصين في الأمور الدينيَّة، السيطرة العلمانيَّة على التعليم الدِّيني أمرٌ يُثلِج صدورهم؛ لأنَّه سيفصل الدِّين والتعليم الدِّيني عن القِيَم والنُّظم بمضمون حديث وعقلاني، وسيخرج لهم قادةً دينيِّين بعقلية غربية وسياسية.

يأمل (المسلمون الفيبريون) يومًا أنْ تتحقَّق العَلمَنة الكاملة حتى تصل إلى أدقِّ التفاصيل في الملبس والكتابة والسلوك، وحتى في تفاصيل العبادات الإسلاميَّة، وإنَّه لَيومٌ عظيم عندهم أنْ يسكت صوت الأذان، وأنْ تدخُل الأحذية ودورات المياه والمقاعد إلى صحْن كلِّ مسجد، وتمنع الكتب الدينية والشرائط الإسلامية.

يحرق قلوبهم أنْ يحضر المئات لشيخٍ يتحدث في قَضايا الدِّين، بينما تكون القاعة شبهَ خالية إذا حاضر حَداثي أو متغرب؛ ولهذا يُصابون بالإحباط لأنَّ جُهودهم في تغيير مفهوم التديُّن لدى الشباب لم تأتِ بثمارها بعدُ، محاولاتهم لإخراج المرأة من حِصن الشريعة المنيع لم ولن تهدأ.

من أبرز مُؤلَّفات أستاذهم كتاب: "الاقتصاد والمجتمع"، عالَج (فيبر) الإسلام في هذا الكتاب معالجةً محشوَّة بالعداء والكراهية، الإسلام عنده دِين السادة، جُذوره مسيحية يهودية، ما كان أبدًا دينَ تقوى وإخلاص، وإنما هو دين محاربين من طبقة اجتماعية معيَّنة، ويعتمد نجاحُه على الانتصار العسكري على الأرض، الغنائم هي المحرِّك الأول للصحابة الأوائل، احتياجات المسلمين كمُقاتلين هي التي حدَّدت النظرة الإسلاميَّة للعالم، كلُّ المسلمين عند (فيبر) انتهازيون، أخذوا رسالة النبي وطوَّروها لتتطابَقَ مع أحوالهم المعيشيَّة.

الجهاد عند فيبر يعودُ إلى جُذورٍ يهوديَّة طور منها الإسلام فكرة الجهاد المقدَّس، المسلمون كانوا يخضعون الكفار لأغْراض تتعلَّق بالجِزية بدلاً من إدخالهم الإسلام، أخلاق الإسلام أخلاق متعة حسيَّة ورفض للعالم، النساء في الإسلام هم غرض هذه المتعة، الشهوانية تُسَيطِر على الإسلام حتى إنَّ الآخِرة في الإسلام هي جنَّة شهوانيَّة للجندي، لم ينجح المسلمون في اختيار خليفةٍ لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مباشرةً بسبب نظام تعدُّد الزوجات، هذا هو ما علَّمَه لهم (فيبر).

خرج الأستاذ الألماني على العالم بفكرة (الكارزمية) أو (الإلهامية) التي نسَبَها إلى الأنبياء، وراح رجالنا كالبُلَهاء يُطبِّقونها على النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - السلطة الكارزمية عند فيبر سلطةٌ لشخصٍ له نوعٌ من القداسة أو البطولة وبعض الخصال النادرة، وهي سلطة فجائيَّة ابتكاريَّة تحتوي على تناقُضات، وغير ثابتة ولا مستقرَّة، تعتمد على بعض الأعمال *****يَّة أو الخارقة للعادة، يتبع الناس هذه السلطة لأنَّ النبي يستطيع أنْ يُقدِّم الدليل الواقعي على سُلطته في ضوء ***** والعطايا، يتعامَل الناس مع النبي في ضوء معايير نفعيَّة أو ماديَّة، وتجري العلاقة بين النبي وأتْباعه على غِرار علاقة السيد بالعبيد: (الهبات مقابل الخضوع).

لم يكن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - عند فيبر هو النبي الذي نعرفه، إنَّه رجلٌ بَنَى سُلطته على *****، يدَّعى بأنَّه يُوحَى إليه، وأنَّ القُرآن الذي أتى به معجزةٌ، وأنَّه ينتمي لسلسلة الأنبياء: إبراهيم وموسى وعيسى - عليهم السلام - كلُّ ذلك محض ادِّعاء عند فيبر.

اتَّبع الناس النبي سعيًا وراء الهدايا الملموسة والغنائم، كان الأساس الرئيس لدعوته هو حلُّ المشاكل التجارية، ولأنَّه كان تاجرًا ومتعبدًا فإنَّه استطاع في خلوته أنْ يُدرِك بوضوحٍ أهميَّة تنظيم رغبات المقاتلين في الحصول على الغنائم، إنَّه رجل صاغَ رسالته التوحيديَّة في ضوء المصالح العسكريَّة، واستفاد من صِياغة الناس لرسالته في ضوء حياتهم ومصالحهم الاقتصاديَّة، تزوَّج النبي السيدةَ خديجة - رضي الله عنها - لأنَّه استطاع بهذا الزواج أنْ يخلو في غار حراء، ومع هذه الخلوات المتكرِّرة راح يُفكِّر في مشاكل المجتمع، ويتعزَّى في وفاة طفلَيْه، واستطاع بهذا الزواج أنْ يدخل في جماعة الصفوة من رؤوس الأموال والتجار، الشهوة الجنسية عند الرسول كانت هي أساس التعاليم القرآنية عن الأسرة والزواج.

ترجم (المسلمون الفيبريون) كلَّ ذلك إلى العربيَّة، ولم ينبسوا بكلمة دِفاع واحدةٍ حتى ولو في حاشية ترجماتهم، لا عن الإسلام، ولا عن الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولم يقفْ بهم الأمر عند هذا الحد، فإنهم - وتحت علم (أمانة النص) و(المحافظة على الروح الأصلية للنص) - طعَنُوا الإسلام في الصَّمِيم، فنقلوا لنا على لسان علماء الغرب أنَّ الله دُمية حيَّة (تعالى الله ما يقولون)، وأنَّ الله إسقاطٌ لطبيعة الإنسان بصورةٍ نقيَّة، وأنَّ الحج طقسٌ شبه وثني، وأنَّ الإسلام دين فقهي جافٌّ لا يشبع إلا القليل من الحاجات العاطفيَّة، وأنَّ الإسماعيليَّة استطاعت أنْ تُقدِّم إطارًا كاملاً من المعتقدات، وأنها بديلٌ فكري للسنَّة، وأنَّ كلَّ الصفات التي يخلَعُها الناس على الله صفات إنسانيَّة، وأنَّ الاعتقاد بأنَّ الله يخلق الإنسان تحوَّل الآن إلى الاعتقاد بأنَّ الإنسان هو الذي يخلق الله، وأنَّ الدِّين انعكاسٌ لعالم خرب سُجِنَ فيه الناس، وأنَّ النضال ضد الدِّين هو نضالٌ مباشر ومستمر.

نقل إلينا (المسلمون الفيبريون) طعنات (رودنسون) للإسلام دون أدنى تعليقٍ من جانبهم، وضمُّوا معها طعنات الكتَّاب الأوربيين أيضًا، محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - إمَّا كان سويًّا من الناحية النفسية ولكنه غير مخلص في (ادِّعاءاته) بالنسبة لرسالة الله تعالى، وإمَّا كان مخبولاً وصدق في رسالته النبويَّة.

المحتوى الديني للقرآن غير صحيح، وهو ليس برسالةٍ منزلة، قد يكون الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - عاقلاً ومخلصًا لكنَّه كان مخطئًا؛ لأنَّه قبل معتقدات فلسفيَّة غير ذي بال، القرآن عند (رودنسون) تولَّد من اللاشعور عند النبي، وتمثَّل في عناصر الكلمات التي توارَدتْ عليه، ومن عناصر تجربته الفعلية ومضمون أفكاره ومناقشاته التي سمعها، ثم ظهرت مرَّة أخرى مجزأة متغيرة في شكل جديد هو القرآن؛ أي: إنَّ النبي خلق القرآن من خلقه اللاواعي عن طريق إعادة خلق تجاربه ومعارفه السابقة التي تحصل عليها بالخطأ.

كلُّ هذه الطعنات في النبي وفي الرسالة وفي القُرآن ترجمها لنا (المسلمون الفيبريون) دون أنْ ينبسوا بكلمة دفاع ولو في حاشية ترجمتهم، قبلوا مفهوم (الإلهامية) أو (الكارزمية) عند فيبر وطبَّقوه على نبيهم، ولأنهم متغربون قالوا: إنَّ الله (فكرة) أي ليس بحقيقة، وأنَّ الإسلام (ظاهرة)؛ لأنَّ الغرب علمهم أنَّ (الدين ظاهرة اجتماعية)، ودخلوا جُحرَ الضب الذي دخَلَه الغرب قبلهم، فاعتقدوا أنَّ الإسلام ظاهرة عميقة ومعقَّدة، في حين أنَّ الظاهرة تعني عند الغرب: أي موضوع أو واقعة يمكن ملاحظتها والتعرُّف عليها عن طريق الحواس، وتعتمد على التجربة والخبرة الحسيَّة، فمنذ متى كان الله - تعالى - والملائكة والشياطين والجنة والنار والبعث والحساب تخضع للخبرة الحسية والتجريب؟

قَبِلَ (المسلمون الفيبريون) مقولات أستاذهم؛ ليس لأنَّه يرى بأنَّ الأخلاق الرأسمالية والعلمانية توافق بلاد المسلمين، ولكن لأنهم تعلَّموا ودرسوا هذه المفاهيم في بلاد الغرب.

قبلوا الفكر العقلاني الغربي برحابة صدر، وإذا راجعتهم قالوا لك: إنَّ العلوم الحديثة كانت في الأصل عربيَّة، وأنَّ التقدُّم الأوربي يعتمد كثيرًا على منجزات الإسلام في إسبانيا، وإنَّنا نستردُّ من الغرب ما كان لنا أصلاً، لقد وصلت بهم البلاهة وانعدام الإدراك إلى قبول المفردات التي حدَّدَها لهم الغرب لفهْم الإسلام وفهْم العالم، ترجموا لنا - دون تعليق - أنَّ الإسلام جافٌّ، وأنَّه ليس دينًا بالمرَّة.

أثَّرت عليهم المفاهيم الدوركايمية والماركسية مثلما أثَّرت على أستاذهم، فعرفوا لنا الدِّين دون الاعتراف بالله أو الغيبيَّات، صوَّروا العلاقة بين الله والإنسان على أنها علاقةٌ بين إنسانٍ وإنسانٍ، ردُّوا العلاقة بين الله والإنسان إلى أساسٍ مادي يسيرُ وفقًا لما يسمُّونه بالعلاقات الإنتاجيَّة، فالله هو السيد والناس هم العبيد (بالمعنى الإقطاعي)، أصوات الجن وآلهة القبائل استُبدِلت عندهم بمتكلِّم رئيس هو (الله)، يتَّصل بالناس على مسافة اجتماعية بعيدة.

نقلوا إلينا عن أستاذهم أنَّ الإسلام يتبنَّى اتجاهًا شهوانيًّا خالصًا، خاصَّة تجاه النساء، والكماليَّات، والملكية، وأنَّ الإسلام اعتبر النساء غرضًا للمتعة الجنسيَّة، وأنَّ النبي رجلٌ شهواني، وأنَّ دينه هو دين العطور والبخور وتهذيب اللِّحَى.

الأمانة مع نصوص فيبر جعلتهم يترجمون لنا كلَّ ذلك؟! ولو كانت لهم أمانةٌ مع العقيدة لأبرزوا بوضوحٍ ما ترجموه بأنفسهم عن أسباب هذا العداء الشخصي من جانب فيبر للإسلام وللنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - هذا العداء الذي ارتبط بموقف فيبر من العلاقة بين الدِّين والجنس، وكيف أنَّ سيرة فيبر الشخصية والجنسية والعائلية والاجتماعية أثَّرت بوضوحٍ على تحليله ونظرته للإسلام.

لم يكن والدَا (الأستاذ) على وفاقٍ، ليس في قَضايا السياسة والدِّين فقط، وإنما أيضًا في علاقتهما الشخصيَّة والجنسيَّة.

كانت أمُّه - كما ترجم المسلمون الفيبريون - باردة جنسيًّا، تزوَّج فيبر من إحدى قريباته، لم يستطع ممارسة الجنس معها لعجزه الجنسي، ولم يستطع النوم بسبب خوفه من حالة القذف الليلي الذي لم يكن بمقدوره التحكُّم فيه، نجح في ممارسة الجنس مرَّة واحدة فقط في حياته مع امرأةٍ زنا بها في أواخر الأربعينات من عمره؛ ولهذا كانت مشكلة فيبر الجنسية هي المفتاح لفهْم نظرته إلى الإسلام.

يقول (ب. تيرنر) في ذلك: "لم يكن فيبر بقادرٍ على أن يتخطَّى العوائق العاطفية التي أوجدتها الظروف الجنسية في حياته الشخصية وهو يتعامل مع الإسلام والرسول، لم يستطع أنْ يكون حياديًّا في تحليلاته بسبب ما ألَمَّ به من ظروف".

شرح فيبر أخلاقَ الإسلام في ضوء نظرته للأخلاق البروتستانتية، عالَجَ القيم في الإسلام كشيء ثانوي، عادَى الإسلام تمشيًا مع الاتجاه الأوربي المعادي، ومع عَداء المستشرِقين للإسلام وعلى رأسهم (كارل بيكر)، درس فيبر نشأة الإسلام في ضوء نظرية الحتمية الاقتصادية، تَرجَم لنا (المسلمون الفيبريون) تفسير ماركس للدِّين بأنَّه ليس له محتوى في ذاته، ولا يستمدُّ حياته من السماء وإنما من الأرض، وأنَّه يفنى بفناء الواقع، (ولم يعقبوا بكلمة).

نقلوا لنا ابتهاج (إنجلز) بهزيمة عبدالقادر الجزائري واحتلال فرنسا للجزائر، وكيف نظَر (إنجلز) إلى المسلمين في الجزائر على أنهم أمَّة من بدو الصحراء ومن اللصوص لا يُؤسَف على ضَياع حريتهم، وأنَّ الفرنسي الحضري الصناعي المتفتِّح فكريًّا أفضل من هؤلاء البرابرة (ولم ينبسوا بكلمة).

أجمع الباحثون الغربيون على أنَّ لغة فيبر لغة علميَّة معقَّدة، وأنَّه يعالج موضوعاته بطريقةٍ فلسفية عميقة جدًّا، وأنَّ كتاباته تتميَّز بالصعوبة والغموض، وأنَّ الدراسة المتعمِّقة لعلوم الاجتماع عنده تجعله أكثر تعقيدًا وتشعُّبًا، قضاياه غير متَّسقة، ومن الصعب إيجادُ تفسيرٍ موثوق به لفِكرِه ونظريَّته، وأنَّ أيَّة محاولة للتعرُّف على ما الذي يَعنِيه فيبر حقًّا هي بالضرورة مخيِّبة للآمال، يقومُ علم الاجتماع عنده على أهميَّة فهْم (ادِّعاءات) الفاعل قبلَ الشُّروع في تفسيرها، وعند دراسته للإسلام وللنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان هو أوَّل مَن تخلَّى عن مبدئه، هاجَم الإسلام والنبي رغم محدوديَّة الدراسات الألمانيَّة عن الإسلام، ورغم عدم توافُر المعلومات الواقعيَّة عنده، وعدم وجود تفسيرات للقُرآن لديه.

تعقيد وغُموض وصُعوبة وعدم اتِّساق في فكر (فيبر)، وتحيُّز وعَداء وتعدٍّ منه على الإسلام ونبيِّه، كلُّ هذا يعترف به الباحثون الغربيون، أمَّا أتباع فيبر في بلادنا فيقولون: إنَّ فكرَه يصلح صلاحية تامَّة لدراسة مجتمعاتنا.

(فيبر) عندهم رجلٌ مبجَّل ومحترم ونشط وذو شخصيَّة ساحرة وقويَّة، وقدرة عقليَّة ثاقبة، مؤلفات فيبر عند رجالنا نصبٌ تذكاري يجب تأمُّله من بعيدٍ، وأنَّ علينا أنْ نجعلها هاديًا لنا، وأنْ نطوِّر بحوثنا بصفةٍ عامَّة في ضوء النظريات الألمانية بزعامة (فيبر)؛ لأنها مليئةٌ بالمنطق والأطر التصوُّرية السليمة، رجالنا يرَوْن (فيبر) رجلاً عبقريًّا ذا فكر منهجي، إنَّه الرجل الذي (تجلَّت عظمته) في قُدرته الفائقة على شمول كافَّة مسائل علم الاجتماع، إنَّه صاحب الإطار النظري الواضح المعالم، المستخدِم لمنهج متميِّز ثاقب الرؤية واسع البصيرة، لقد أعمى الله بصيرتهم حتى عن مجرَّد فهْم واستيعاب ما ترجموه بأيديهم عن أستاذهم الألماني.

أوقع ماكس فيبر أتباعَه في بلادنا في حفرةٍ عميقةٍ حينما علَّمهم ألاَّ يعبَؤُوا بالنص الديني، وإنما يهتمُّون فقط بالآثار الاجتماعية والنفسية لهذا النص على الناس، فراحوا كالبُلَهاء يُطبِّقون هذا المبدأ على الإسلام، فضاعَتْ نصوص العقيدة من بين أيديهم، ولم يبقَ لهم إلا نصوص (فيبر)، فكانوا أُمَناء معها، محافظين على روحها، أمَّا مهمَّة الدِّفاع عن الإسلام فتركوها لغير المسلمين الذين لا يفهَمُون الإسلام إلا كظاهرةٍ، ولا ينطَلِقون في دراسته إلا من نفس مفاهيم فيبر، ونسوا أنهم ترجموا لنا قولهم: إنهم لا يهدفون إلى الحكم على مَدَى صلاحية مقولات فيبر، بل يُحاوِلون توضيح ماهيَّتها.

هؤلاء هم (المسلمون الفيبريون)، وهذه هي حقيقتهم، إنهم من بني جلدتنا ويتحدَّثون بألسنتنا ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ [البقرة: 14].

حادوا عن الطريق المستقيم ﴿ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى ﴾ [البقرة: 16].

في طبيعتهم آفةٌ وفي قلوبهم علة ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 11].

إنهم نموذج مُتكرِّر على امتِداد الزمن، لا يجدون في أنفسهم الجُرأة والشجاعة ليُواجِهوا الحقَّ بالإيمان الصريح، أو يجدون في أنفُسِهم الجرأة والشجاعة ليواجهوا الحق بالإنكار الصريح.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ

عبدالناصر محمود
10-09-2014, 08:13 AM
الصحوة الإسلامية ورجال الاجتماع
ــــــــــــــــــــ


اعترافات علماء الاجتماع
--------------

الحلقة الرابعة عشر
--------------

الصحوة الإسلامية ورجال الاجتماع
--------------------------

لماذا يُعادِي رجالُ الاجتماع في بلادنا الدِّينَ والصحوةَ الإسلاميَّة وحركاتها؟ إنَّ موقف عُلَماء اجتماع الغرب المعادي للدِّين بصفةٍ عامَّة، وللإسلام وللصحوة الإسلامية وحركاتها بصفةٍ خاصَّة - لا يحتاجُ إلى مزيدِ عَناءٍ للكشْف عن أسبابه ودَوافعه.

أمَّا أنْ يُعادِي رجال الاجتماع في بلادنا دِينَهم والصحوة الإسلاميَّة في بلادهم، فإنَّ هذا الأمر يَحتاج إلى وقفات.

أشادَ رجال الاجتماع في بلادنا بما قامَ به أتاتورك فيما يسمُّونه بعمليَّة تخليص الشؤون الدنيويَّة من الدِّين بمنْع التربية الدينية في المدارس، واعتماد القانون الأوربي بعدَ إلغاء الشريعة الإسلاميَّة، وتَأمِيم الأوقاف، وتقليص قوَّة علماء الإسلام، ومنع أي إشارة إلى الإسلام في الدستور[1]، ورأوا في ذلك إنجازًا كبيرًا رسَم لهم طريقًا رائدًا في تَخرِيب النسيج الاجتماعي في عالمنا العربي[2].

وبينما استمرَّ رجال الاجتماع في المشاركة في عمليَّة تخريب النسيج الاجتماعي في بلادنا، باغتَتْهم الصحوة الإسلاميَّة وحركاتها التي عمَّت كلَّ المجتمعات العربيَّة بلا استثناء، واستهدفَتْ إعادة تركيب النسيج الاجتماعي بصورةٍ مُكثَّفة وفق المقياس الأوحد والمُعتَرف به وهو الإسلام.

يقول علي الكنز أستاذ علم الاجتماع بجامعة الجزائر: "وفي هذا السياق نجدُ أنَّ الموقف يستهدف إعادةَ تركيب البنى الاجتماعية والسياسيَّة في المجتمعات العربيَّة، وكذلك الذهنيَّات الجمعيَّة والفرديَّة وفْق منظورٍ محوري وهو الإسلام، هذه الحركة الجديدة التي تخضَعُ لها المجتمعات العربيَّة دونَ استثناءٍ تُشكِّل في الأساس عملاً داخليًّا مرتبطًا بهذه المجتمعات، ومستهدفة إعادة تركيب نسيجها الاجتماعي بصورةٍ مُكثَّفة، وفْق المقياس الأوحد المُعترَف به وهو الإسلام.

وتتَّسِم هذه الحركة الجديدة في بِنيَتها وفي تطوُّرها مع بعض الاختلافات الطفيفة بالمميزات الأساسيَّة نفسها في مختلف المجتمعات العربيَّة"[3].

وحينما أفاقَ رجال الاجتماع في بلادنا من صدمة مباغتة الصحوة الإسلامية لهم، تساءَلُوا: أين كانوا وقت حُدوثها؟

لم يكن رجال الاجتماع على امتداد عالمنا العربي يتوقَّعون هذه الصحوة، كانوا يعتقدون أنَّ تجارب التنمية في هذا العالم وما يسمُّونه بانتصاراته الوطنيَّة قد شهدت ميلادَ ثقافةٍ جديدة خلفت الدِّين وراءها؛ لتُسايِر ما يسمُّونه بالتطوُّر الاقتصادي والاجتماعي في كلِّ بلد.

يقول علي الكنز متحسرًا: "مَن كان يظنُّ أيَّام ميثاق القاهرة بأنَّ مصر الثمانينات سوف تُواجِه كمجتمعٍ وكدولةٍ تلك المسألة التي أصبحتْ محوريَّة، ألا وهي: طبيعتها الإسلامية، وأنَّ سيد قطب في مواجهته لعبدالناصر سيُصبِح يومًا ما شهيدَ الجماهير، وأنَّ حزب حسن البنا (الإخوان المسلمون) سيَحظَى يومًا ما في أوساط بعض الشبَّان الجزائريين بمعرفةٍ تَفُوق معرفتهم لتاريخ جبهة التحرير الوطني".

ويستمرُّ علي الكنز قائلاً: "والسؤال الذي يَفرِض نفسَه علينا اليومَ هو: أين كان الخيال السوسيولوجي من كلِّ هذا في وقتَ عرف كُبرَيات التجارب التنمويَّة لآمالٍ معقودة عليها؛ مثل: سلسلة الإصلاحات التي تَوالتْ في مختلف البلدان العربية، وكذلك التأميمات الكبرى؛ انطلاقًا من قناة السويس عام 1956 إلى المحروقات في الجزائر عام 1971، والإنجازات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الهائلة؛ مثل: سد أسوان، ومركبات الحديد والصلب، وكبريات الجامعات العلمية والتقنية؟"[4].

وعن عدم توقُّع رجال الاجتماع للصحوة الإسلاميَّة يستَطرِد علي الكنز قائلاً: "نقول بأنَّ هذه الظاهرة غير مُتوقَّعة؛ لأنَّ الانتصارات الوطنية التي شَهِدَها الوطن العربي في الخمسينات، وظهور حكومات وطنيَّة كما كانت الحال في كلٍّ من سوريا والعراق والجزائر شهدت ميلاد ثقافة جديدة كانت مُسايِرةً للتطوُّر الاقتصادي والاجتماعي في كلِّ بلد، على الرغم ممَّا عرفه كلُّ بلد من نِزاعاتٍ عديدة بين مختلف المجموعات المتصارعة؛ مثل: الوطنيين والشيوعيين والليبراليين"[5].

كان رجال الاجتماع في بلادنا يتصوَّرون أنَّ المشاكل الاقتصادية والاجتماعية ومهامَّ التنمية في عالمنا العربي قد قلصت من مكانة الدِّين، وحوَّلَتْه إلى مسألة شخصيَّة، لكنَّهم فُوجِئوا بأنَّ الدِّين يستَعِيد حيويَّته ويفرض هَيْمنته على جميع جوانب الحياة.

يقول علي الكنز: "كنَّا نعتقد ببساطةٍ أنَّ المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المعروفة وأنَّ المهامَّ المعقَّدة للتنمية - سوف تُقلِّص تدريجيًّا من مكانة الدِّين في الضمير الجمعي، فيُصبِح في النهاية قضيَّة شخصيَّة بحتة، تمامًا مثلما حدَث في مجتمعاتٍ أخرى، وبخاصَّة الغرب البرجوازي، غير أنَّنا ها نحن اليوم أمامَ هذا النموذج الكلياتي وهو يستعيدُ حيويَّته، ويستهدف فرْض هَيْمنته على جميع جوانب الحياة"[6].

اعترف رجال الاجتماع بأنَّ (القومية) و(الوطنية) ليستا بقادرتَيْن على البَقاء أو جذْب الجماهير للالتفاف حولهما؛ لأنَّ الإسلام أصبَحَ المكافئ الوظيفي لهما.

يقول سعد الدين إبراهيم أستاذ الاجتماع بالجامعة الأمريكية بالقاهرة: "إنَّ الإسلام الثوري للجيل الحالي من أبناء الطبقة الوُسطى والصغيرة في الأمَّة العربيَّة هو المكافئ الوظيفي للقوميَّة العربيَّة منذُ جيلٍ مضى، كما أنَّه مكافئ للوطنية المناهضة للاستعمار منذ جيلين سبَقَا على الطريق"[7].

ويعترف سمير نعيم أستاذ الاجتماع بجامعة عين شمس بذلك في مقالةٍ شديدة العَداء للجماعات الإسلامية في مصر فيقول: "شهدَتْ مصر منذ تشرين الأول/أكتوبر 1972 ما يمكن أنْ نُطلِق عليه تلازمًا بين ما سموه بالصحوة الإسلاميَّة، والتنظيمات الإسلاميَّة؛ العلنيَّة والسريَّة، وبين غِياب القضيَّة العامَّة التي تلتفُّ حولها الجماهير أو المشروع الحضاري أو التنموي"[8].

أسقَطت الصحوة الإسلاميَّة تلك العقلانية[9] التي تعلَّق بها رجال الاجتماع لفهْم الواقع الاجتماعي والسياسي بعد أنْ سقطت تلك الأحزاب والتنظيمات التي حملتها الواحد تلو الآخَر، بالرغم من سيرها وفْق الخطوط التي رُسِمتْ لها لتحلَّ محلَّها التنظيمات الإسلاميَّة التي اعتقد رجال الاجتماع أنها تنظيماتٌ غريبة تجاوزها التاريخ إلى الأبد.

يقول علي الكنز متحسرًا: "مَن كان يظنُّ أنَّ كبريات الأحزاب الوطنية المنجزة كقوى عقلانية لهذه التحوُّلات العميقة لكلٍّ من الطبقة والمجتمع مثل حزب البعث في سوريا والعراق، والاتحاد الاشتراكي في مصر، والدستور في تونس، وجبهة التحرير الوطني في الجزائر - سوف يأتي يومٌ ينهار فيه الواحد تِلوَ الآخَر؟ وما هو ملفت للانتباه حقًّا في هذا الشأن هو أنَّه لم يحلَّ مكان هذه الأحزاب تنظيماتٌ أخرى على يسار أو على يمين النهج المرسوم بالنسبة للكلِّ، وإنما تنظيمات غريبة وثقافة كان يُعتَقد آنذاك أنَّ السير الموضوعي للتاريخ قد تجاوَزَها إلى الأبد"[10].

جاءت الصحوة الإسلامية لتُثبِت لرجال الاجتماع أنَّ هذه (العقلانية) التي علَّقوا عليها آمالهم لفهْم الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي قد أصبحتْ عاجزةً على الصعيدين: النظري والمنهجي، في فهْم هذا الواقع، ولتُصِيب هذا التفكير (العقلاني) بأزمةٍ عميقة وخَيْبة أمل.

يقول علي الكنز: "إنَّ اقتحامَ التفكير الديني للأيديولوجية العربيَّة المعاصرة بهذه الشدَّة لَيَدلُّ - في الحقيقة - على أزمةٍ عميقة تمرُّ بها مجتمعاتنا اليوم، وهذا ما يَراه كثيرٌ من المحلِّلين ويعتَمِدونه في دِراساتهم، غير أنَّ هذا الأمر قد يتعلَّق أيضًا بمؤشِّر أو بمبرِّر لأزمةٍ عميقةٍ أصبح يُعانِي منها التفكير العقلاني، وكذلك عجز هذا التفكير على الصعيدين: النظري والمنهجي، في فهْم واقعٍ اجتماعي وثقافي وسياسي لم يتوقَّع حدوثه من قبل".

وعن خَيْبة الأمل التي أُصِيبَ بها رجال الاجتماع، يقول علي الكنز في إحدى دراساته[11]: "إنِّي أريدُ من خِلال تدخُّلي هذا أنْ أقوم بمساهمةٍ متواضعة في تحديد هذا المجال الجديد للبحث الذي يَفرِضه علينا ما عرفناه من خيبة أملٍ في تاريخنا الفعلي، وفي قدرتنا على معرفته علميًّا".

لم تكن العقلانيَّة فقط هي التي سقَطتْ مع ظهور الصحوة الإسلاميَّة، وإنما سقطتْ معها كلُّ شعارات التحديث والعَلمَنة وبناء المجتمع، وضَمان الرفاهية التي دخَلتْ هي نفسُها في أزمةٍ خانقة عميقة وحادَّة أيضًا.

يعتَرِف (الهرماسي) أستاذ الاجتماع بالجامعة التونسية: "لقد جابهت الإنسانيَّة في أواخر هذا القرن عدَّة أزَمات مختلفة، كأزَمات الغذاء والطاقة والفقر، وما من شكٍّ في أنَّ مثل هذه الأزمات قد حدَّ من قُدرة البشر على إيجاد حلول ناجعة لمجمل المشاكل المطروحة عليهم، حتى عندما تكون هذه المشاكل واضحةً تمامَ الوضوح؛ وبالتالي فإنَّ الأيديولوجية العصريَّة التي ما انفكَّت تحمل شعارات التحديث والعَلمَنة، والتي اضطلعت ببناء الدولة العصريَّة، ونحت معالم المجتمع الحديث، وضَمان الرفاهية، دخلت هي نفسها في أزمةٍ خانقة عميقة وحادَّة"[12].

لقد نجحت الصحوة الإسلاميَّة تلك التي اعتقد رجال الاجتماع أنها لا تتَّفق مع متطلَّبات العصر في إحباط ما أسموه بالمحاولات الجريئة للفكر العربي المعاصر، وأسهمتْ في الأزمة التي آلَ إليها.

يقول علي الكنز: "إنَّ هذا المنظور الجديد للوطن العربي والعالم الإسلامي يبدأ أولاً وقبلَ كلِّ شيء كظاهرةٍ لم نكن نتوقَّعها وغير متَّفقة مع متطلَّبات العصر، ومن حيث هو كذلك فقد أسهَمَ بقسطٍ وافر في الأزمة التي آلَ إليها الفكر العربي المعاصر الذي يشهد اليوم إحباطَ أقلِّ محاولاته جُرأة"[13].

راقَب رجال الاجتماع في بلادنا هذه الصحوة الإسلاميَّة عن كَثَبٍ على أملٍ يُراوِدهم؛ وهو محاولة التحكُّم فيها، وسجَّلوا على أنفسهم بأنهم يقومون بهذه المحاولة مُستَرشِدين بنفْس الإطار الغربي الذي يرصد هذه الصحوة باهتمامٍ بالِغٍ.

يقول محمد شقرون أستاذ الاجتماع بجامعة محمد الخامس بالمغرب: "إنَّ المشكل الأساسي الذي يطرح بالنسبة إلى البحث في هذه الظرفيَّة الجديدة هو التحكُّم في الاتِّجاه الجديد الذي يريدُ أنْ يرى في الدِّين كلَّ شيءٍ، ويمكن أنْ تعتبر المكانة التي أصبحت تَحظَى بها دراسة الحركات الدينيَّة الجديدة في سوسيولوجيا الدِّين الأنجلوسكسونية مادَّة خصبة للتفكير في هذا الإطار"[14].

توصَّل رجال الاجتماع في بلادنا في تحليلاتهم للصحوة الإسلامية وحركاتها إلى ما يلي:
أولاً: أنَّ الحركات الإسلامية تَسعَى إلى تحقيق هدف أساس كان ولا يزال ينحَصِر في محاولة العودة بالمجتمع العربي الإسلامي إلى النموذج الذي وُجِدَ في صدر الإسلام أيَّامَ الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - والخلفاء الراشدين[15].

ثانيًا: أنَّ هذا الهدف الذي تسعى لتحقيقه هذه الحركات كان ولا يزال يستمدُّ شرعيَّته وتبريره من الإيمان الراسخ لدى مُنظِّري وقادة هذه الحركات، وغالبيَّة المسلمين من جهةٍ أخري - بأنَّ الإسلام نظامُ حياةٍ شامل يصلح لكلِّ زمان ومكان؛ ولذلك كانت هذه الحركات تصرُّ على أسلَمَة المجتمع وعلى اعتبار الإسلام دينًا ودولة[16].

يقول (عاطف عضيبات) أستاذ الاجتماع في جامعة اليرموك بالأردن في لهجة تحدٍّ وعَداء: "إنَّ التاريخ العربي-الإسلامي برمَّته يشهَدُ على استحالة الرُّجوع إلى الوضْع الذي كان قبلَ العام الأربعين للهجرة، وجميع المحاولات للعودة إلى بدْء عهد الدعوة الإسلاميَّة أو إلى مزْج الزمني بالروحي مصيرُها الفشل في يومنا هذا، كما كان حالها بالأمس، وكما ستكون غدًا"[17].

ويقول عضيبات في موقعٍ آخر: "وكلَّما تقدَّمت الأزمنة بالعرب المسلمين زادوا من إضْفاء المثاليَّة على تلك الحقبة التاريخيَّة التي لم تَتجاوَز نصفَ قرن، وكلَّما ألهمتْ سِيرتها خَيال ووُجدان الرافضين للواقع المعاش إلى المجتمع الفاضل"[18].

ثالثًا: ترجع الحركات الإسلامية باستمرارٍ إلى الكتاب والسنَّة لفهْم كلِّ المشاكل التي تطرَحُها علاقة الإنسان بالعالم والطبيعة والإنتاج والفكر والثقافة والمجتمع والقانون... إلخ.

فكلُّ تفكيرٍ سواء أكان علميًّا أم غير علمي، جماليًّا أخلاقيًّا سياسيًّا، هو في النهاية مجرَّد عمل تفسيري وتأويلي لما جاء في الكتاب والسنَّة[19].

يقول علي الكنز بلهجةٍ ساخِرة: "في هذا السياق نجدُ حركة الأصوليين تُمجِّد العصر الذهبي الأول؛ حيث يصبح الأسطورة المؤسِّسة للتاريخ الفعلي؛ أي: للإسلام، كما هو موجودٌ فعلاً - إنْ صحَّ التعبير- هذا الإسلام الذي يجب أن يُفرَض بصورةٍ مطلقة وشاملة باعتباره المعيار الأوحد لتصوُّر ما حدث في التاريخ وما سيحدُث في المستقبل"[20].

رابعًا: ترفُض الحركات الإسلامية أنْ ينحَصِر نشاطُها في المجال الديني فقط، وهي لا تُقِرُّ بالفصْل بين الدِّين والحياة الاجتماعيَّة بصورةٍ عامَّة، وتعتبر هذا الفصلَ موقفًا غريبًا لا يَمُتُّ إلى الإسلام بصلة، وإنَّ التمييز بين ما هو ديني ودنيوي غير واردٍ بالنسبة لهذه الحركات التي ترفُض كلَّ عَلمَنة وتعتَبِر نفسها في الوقت ذاته حركةَ دِين ودُنيا ودولة[21].

خامسًا: تقومُ الحركات الإسلاميَّة على أساس الشرعية الإسلامية؛ بمعنى: تطبيق الشريعة الإسلامية، وترفض أنْ تطرح هذه الشرعية على أساسٍ آخَر، ويعني هذا عند رجال الاجتماع: أنَّ هذه الحركات تتجاهَل كلَّ الثقافة العصريَّة التي تعتبرها أجنبية وغريبة، بما فيها مسألة الديمقراطية والصراع الطبقي.

سادسًا: تسعى الحركات الإسلامية إلى إقامة الخلافة الإسلامية، كما أنها تَنظُر إلى العالم على أساس ثنائية دار الإسلام ودار الحرب.

وهي تُهمِل بذلك - كما يرى رجال الاجتماع - الإشكالية العصرية المتمثِّلة في الدولة الوطنية، وتجارب التنمية الوطنية المختلفة التي شَهِدَها الوطن العربي.

وبإسقاط الحركات الإسلامية مسائلَ الديمقراطيَّة والصراع الطبقي والدولة الوطنية وتجارب التنمية من حِساباتها تكونُ قد سحبت من يد رجال الاجتماع مرتكزات أساسيَّة يعتمدون عليها في تبرير وإثبات وُجودهم وأهميَّتهم للجماهير.

سابعًا: يبدأ الإعداد لهذه الحركات في المدارس والجامعات؛ ليمتدَّ بعد ذلك إلى نشاطات تستهدف مراقبة المجتمع، انطِلاقًا من المساجد لينتهي في الأخير إلى المواجهة المُعلَنة مع الدولة والنظام السياسي من خِلال أحزاب سياسيَّة تتَّخذ الإسلام قاعدةً لها.

ثامنًا: انتقلت الحركات الإسلاميَّة من موقفٍ دِفاعي إلى موقفٍ هجومي؛ بفضْل تطوُّر القَضايا التي رسمت علامات حركتها؛ كالإصلاحات التربويَّة، والتنديدات الأخلاقيَّة، والانتقادات السياسيَّة عبْر المساجد والمؤسَّسات والأحزاب السياسيَّة.

تاسعًا: لا تختلف الموضوعات التي تتمَحوَر حولها الحركات الإسلامية من بلدٍ عربي إلى آخَر، وتتَّسم هذه الموضوعات بالبساطة، وتتبلوَر حول مسائل لا تُضِيف في حدِّ ذاتها أيَّ جديدٍ لافت للانتباه، بل تَكمُن أهميَّتها في طريقة عرضها وفي فعاليتها الأيديولوجية.

عاشرًا: تمكَّنت الحركات الإسلاميَّة من التغَلغُل في القِطاعات الاجتماعيَّة المختلفة، وكوَّنتْ قاعدةً اجتماعية واسعة لمواجهة الأنظمة القائمة، ومحاولة العودة بالمجتمع الإسلامي إلى مَنابِعه الأصلية[22].

كما نجحتْ في اختراق التنظيمات الطلابيَّة وسَيْطرتْ على اتِّحاداتها، وامتدَّ تأثيرها إلى أعضاء هيئة التدريس بالجامعات[23]؛ وذلك بسبب مُرونتها وعُموميَّتها التي جعَلَتْها قويَّة وقادرةً على استِيعاب قُوًى اجتماعية متباينة[24].

يعني ذلك - في نظر رجال الاجتماع -: أنَّ الحركات الإسلامية لا تقرُّ التمايُز الطبقي في المجتمع، وأنها تتعدَّى الطبقات وتحتَوِيها كلها في الوقت ذاته، على عكس الأيديولوجيات والأنظمة الفكريَّة التي ظهرت ابتداءً من القرن التاسع عشر، والتي تُصوِّر المجتمع على أنَّه قائمٌ على وجود طبقات ومصالح اجتماعية[25].

وتنظر الحركات الاجتماعية إلى المجتمع على أنَّه كِيان تُوحِّده العقيدة، وليس كيانًا يرتبط بمجرَّد مصالح عمليَّة وعلاقات إنسانيَّة سطحيَّة، وإذا أخذت هذه الحركات هذا التمايُز في اعتبارها فإنها تفعل ذلك من أجل التنديد بآثاره.

حادي عشر: الحركات الإسلاميَّة متعدِّدة الأبعاد تكتسح المجال الاجتماعي عبْر موجات متتالية، تغمر بالتدريج كلَّ جوانب الحياة الاجتماعية من تعليم وآداب واقتصاد وسياسة، ولا ينجو منها أيُّ جانب، حتى الهندام وكيفيَّة الضَّحِك والحب يمكن أنْ يخضَعَ لها في وقتٍ ما، وهذا يعني - في نظر رجال الاجتماع -: أنها حركة شاملة وشمولية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] علي الكنز، الإسلام والهوية، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1990، ص 95.
[2] جلال أمين، بعض مظاهر التبعية الفكرية في الدراسات الاجتماعية في العالم الثالث.
[3] علي الكنز، الإسلام والهوية، ص 92.
[4] علي الكنز، الإسلام والهوية، ص 95-96.
[5] نفس المصدر.
[6] علي الكنز، الإسلام والهوية، ص 96.
[7] عاطف العقلة عضيبات، الدين والتغير الاجتماعي في المجتمع الإسلامي، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1990، ص 152.
[8] سمير نعيم، المحددات الاقتصادية والاجتماعية للتطرف الديني، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1990، ص 231.
[9] تشير العقلانية في أكثر معانيها شيوعًا إلى أسبقية العقل في فهْم الحقائق الجوهرية عن العالم عمَّا سواه، ويرتبط هذا المفهوم عادةً بمفكري عصر التنوير في فرنسا؛ يقول (سمارت) في شرحه لهذا المفهوم: إنه قد أعلى من قيمة العقل ليقف في مواجهة الإيمان والسلطة التقليدية والمسائل الروحية، وأنَّ روح عصر التنوير النقدية العقلانية وجهت ضد الحقائق المنزلة في الكتب المقدسة.
ويقول أيضًا: "إنَّ أفضل استخدامٍ للعقلانية على المستوى الديني سلبي تمامًا، ويُعتَبر بذلك حركة مضادة للدين ذات نظرة نفعيَّة تعطي وزنًا كبيرًا للمناقشات العلمية والتاريخية المضادة للإيمان.
Nilan smart, rationaliom, the Encyclopedia Of philosophy, Macmillan publishing, N.YR.
[10] علي الكنز، الإسلام والهوية، ص 96.
[11] نفس المصدر ص 96-97.
[12] عبد الباقي الهرماسي، علم الاجتماع الديني، المجال والمكاسب والتساؤلات، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1990، ص 30.
[13] على الكنز، الإسلام والهوية، ص 94.
[14] محمد شقرون، الظاهرة الدينية كموضوع للدراسة، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1990، ص 132.
[15] عاطف عضيبات، الدين والتغير الاجتماعي، ص 154.
[16] نفس المصدر ص 154.
[17] عاطف عضيبات، الدين والتغير الاجتماعي، ص 161.
[18] نفس المصدر ص 154.
[19] علي الكنز، الإسلام والهوية، ص 93-94.
[20] المصدر السابق ص 93.
[21] علي الكنز، الإسلام والهوية، ص 92.
[22] عاطف عضيبات، الدين والتغير الاجتماعي، ص 154.
[23] سمير نعيم، المحددات الاقتصادية والاجتماعية للتطرف الديني ص 233.
[24] علي الكنز نقلاً عن سمير أمين، الإسلام والهوية، ص 92.
[25] علي الكنز، الإسلام والهوية، ص 92.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
10-09-2014, 08:16 AM
الاعتراف بفشل التحليلات الماركسية
ـــــــــــــــــــ

اعترافات علماء الاجتماع
---------------

الحلقة الخامسة عشر
-------------

الاعتراف بفشل التحليلات الماركسية
-----------------------------

في كلماتٍ بسيطة وموجزة، حَسَمَ الأستاذ (محمد قطب) القضيَّة التي قَضَى رجال الاجتماع من الماركسيين العرب زمنًا في دراستها.

يقول الأستاذ محمد قطب:
"جاءت الصحوة الإسلاميَّة في مَوعِدها المقدور من الله، وكانت مفاجأةً ضخمةً لكثيرٍ من الناس".

وعن الذين باغتَتْهم هذه الصحوة يقول:
"هؤلاء قد أغفَلُوا حقيقة ضخْمة تندرج تحتَها حقائقُ كثيرة لا تسير حسب حِساباتهم، ولا تستَطِيع حِساباتهم أنْ تصلَ إليها؛ لأنَّ الله قد جعَلَ على قلوبهم أكنَّة وفي آذانهم وقرًا، أغفلوا بادئ ذي بدءٍ أنَّ الذي يُدبِّر الأمر في هذا الكون العريض كلِّه ليسوا هم وليس غيرهم من البشر، إنما هو الله"[1].

الماركسيون من رجال الاجتماع العرب ليس مرجعهم (الله - عزَّ وجلَّ)، إنما مرجعهم ماركس، ولينين، وماكس فيبر، وألتوسير، وغرامشي، وسمير أمين، وطيب تيزيني، وعابد الجابرى، وحسين أحمد أمين، ومحمد أركون، وعبدالله العروي... إلخ.

يقول (علي الكنز) أستاذ الاجتماع في جامعة الجزائر في تفسيره للصحوة الإسلامية:
"لتفسير صَحوة وانتِعاش التوجُّه الدِّيني الذي تعرفه المجتمعات العربيَّة المعاصرة استعملت العديد من فرضيَّات البحث، لكلِّ واحدةٍ منها فعاليتها النظريَّة الخاصَّة.

وباختلاف هذه الفرضيَّات من حيث التناوُل والطرح فهي ساعدَتْ على كشف واقع التشكيلات الاجتماعيَّة العربيَّة الراهنة.

هذه الفرضيَّات العديدة والمختلفة وُضِعتْ من قِبَلِ الكثيرين من أمثال: سمير أمين والطيب تيزيني ومحمد أركون وعبدالله العروي ومحمد عابد الجابري، وغيرهم من الذين زوَّدوا الإنتاج العلمي بإنتاجهم الذي لا يُستَهان به من حيث نوعية التحليل وثراؤه"[2].

وفي إحدى الحواشي لدِراسته عن الإسلام والهويَّة يَذكُر أنَّه تبنَّى عنوان كتاب حسين أحمد أمين: "دليل المسلم الحزين إلى مقتضى السلوك في القرن العشرين".

وفي حاشيةٍ أخرى يقول: "ونستطيع هنا أنْ نُردِّد الطريقة اللينينيَّة المتعلِّقة (بالحلقة الأكثر ضعفًا)، أو بطريقة غرامشي (الزمن التاريخي)، أو حتى المقولة الألتوسيرية المُستَوحاة من التحليل النفسي".

هؤلاء هم مَراجِع الماركسيين العرب من رجال الاجتماع في تفسير الصحوة الإسلاميَّة.

وسنعرض فيما يَلِي اعترافاتهم الصريحة بإخْفاق تحليلاتهم وتفسيراتهم لهذه الصحوة، وما تضمَّنَتْه هذه الاعترافات من تأكيدٍ على خَيْبة أملهم في (العقلانية) التي ظنُّوا أنها ستُساعِدهم في فهْم الواقع العربي.

أولاً: قولهم بارتباط الدِّين بالتراجُع والتقهقُر، وارتباط العقلانية بالصعود والتطوُّر:
الدِّين عند رجال الاجتماع تعبيرٌ عن الحزن، وانعكاسٌ لبُؤسِ العالم وشَقائه، أمَّا الفكر العقلاني فهو تعبيرٌ عن حيويَّة الوعي الجماعي الذي يَعكِس تطوُّر العالم وازدهاره؛ ومن ثَمَّ فإنَّ الصحوة الإسلامية وما يُسمُّونه بانتعاش التوجُّه الديني هو عندهم تراجُع وتقهقُر إلى الوَراء.

يقول علي الكنز: "... فهل يمكن لنا أنْ نُدلِي بأنَّ الوعي الديني أو التشبُّث بالدِّين هو مُزامِنٌ للفترات التراجعيَّة والمراحل المتقهقِرة، وأنَّ الفكر العقلاني يُزامِن الفترات التصاعديَّة أو المتطوِّرة، ونقول أنَّ ذلك هو تطبيق للقانون التاريخي؛ وعليه: فإنَّ الدِّين هو بمثابة تعبيرٍ عن الحزن، وبالتالي فهو انعكاسٌ لبُؤس العالم وشَقائه، وعكس ذلك اعتبار الفكر العقلاني بمثابة تعبيرٍ عن حيويَّة الوعي الجماعي الذي يَعكِس هذه المرَّة تطوُّر العالم وازدهاره"[3].

اعترف الماركسيون العرب من رجال الاجتماع بعد مراجعة حِساباتهم بفشل تصوُّراتهم عن الارتباط بين الدِّين والتقهقُر، وبين العقلانية والصعود، وساقُوا الأسباب الآتية لبيان فشل هذا الارتباط:
1- أنَّ هذا الارتباط يَأخُذ تاريخ الغرب على أنَّه النموذج الأصلي والمرجعي لتاريخ البشريَّة، وهذا غير صحيحٍ باعترافهم.

2- أنَّ هذا الارتباطَ يُعتَبر أحكامًا مسبقة، لا أساسَ لها من الصحَّة؛ لكونها غير مبنيَّة على وقائع تاريخية أو براهين استدلاليَّة.

3- أنَّ هذا الارتباط يُمثِّل - في رأيهم - سقوطًا فيما يُسمُّونه (بغْي الأيديولوجية الوضعية[4]، والعلموية[5] التي أنتجَتْها الثقافة الغربية)؛ بمعنى: أنَّه: (استهلاكٌ لقراءة غربية يستهلكها الفكر العربي باسم العقلانية)، وبصورةٍ أخرى: أنَّه (تَبَنٍّ لايديولوجيات وفكر ونظريات أُنتِجت خارج المجتمعات العربية)، وذلك حسب تعبيراتهم ذاتها التي أوردوها في أثناء اعترافهم[6].

ثانيًا: قولهم بالقُدوم المظفَّر والمنتصر لرجل التقنية وزوال ما يُسمَّى بـ(رجل الدِّين):
من المعروف أنَّه ليس هناك رجال دِين في الإسلام، وإنما هناك علماء، فمصطلح (رجال الدِّين)، انتقل إلينا من النصرانيَّة، وشاعَ استخدامه في بلادنا بسبب التأثُّر بحضارة الغرب.

اعتقد الماركسيون العرب من رجال الاجتماع نقلاً عن عبدالله العروي بأنَّ ما يُسمَّى برجل الدِّين قد اختفى وزالَ من الساحة بسبب القدوم المظفر والمنتصر لرجل التقنية، لكنَّهم عادوا يعترفون بعدم صحَّة ذلك، مُؤكِّدين في نفس الوقت اعترافهم بفشل العقلانية وأشكال تحليلاتها.

وساقوا بأنفسهم أيضًا أدلَّة عدم صحَّة افتراضهم السابق على النحو التالي[7]:
1- أنَّ الاعتقاد بزوال ما يُسمَّى برجال الدِّين مغالطة لا تُشاهَد في التاريخ، يقول علي الكنز معترفًا: "إنَّ التحليل السوسيولوجي الذي جاء به عبدالله العروي وتبنَّيناه نحن بدورنا ما هو في نهاية الأمر إلا مُغالَطة يمكن أنْ تكون انطلقتْ من حالة تلبُّس صامتة وهي مغالطة لا تُشاهَد في التاريخ".

2- أنَّ إيمانهم بزَوال ما يُسمَّى برجل الدِّين كان سببه تبنِّيهم للعقلانية كشكلٍ أيديولوجي جعلهم يرَوْن ما يُرِيدون هم رؤيته، وهو زَوال ما يُسمَّى برجل الدِّين.

يقول علي الكنز: "وهل اختفى رجل الدِّين عن الساحة فعلاً؟، أم أنَّ إدراكنا الأيديولوجي لهذه الساحة هو الذي أوحى لنا بذلك تحت أشكالٍ عقلانيَّة؛ حتى أصبحنا نؤمن بالوهم القائل بزوال رجل الدِّين؟ إنها صورة مزيفة جعلَتْنا نشاهد ما نريد نحن مشاهدته".

ويعترف علي الكنز مرَّة أخرى: "وبناءً عليه، وبما أنَّه من المحتمل جدًّا عدم اختفاء رجل الدِّين عن الساحة - فإنَّه يجب أنْ نتساءَل، بل نسأل أنفسنا ليس عن هذا الاختفاء بما أنَّه لا وجودَ له على الإطلاق، بل عن عدم قدرتنا على كشف حُضور رجل الدِّين بين فجوات الأيديولوجية المسيطِرة حاليًّا"[8].

ثالثًا: قولهم بأنَّ الصحوة الإسلامية ظهرت بسبب عدم نُضُوج التركيبة الطبقية العربية:
يُعلِّل الماركسيون العرب ظهورَ الصحوة الإسلامية يما يُسمُّونه عدم نضوج وعدم اكتمال تكوين التركيبة الطبقية في العالم العربي، التي من شأنها - إذا كانت كاملةً منسجمة وناضجة - أنْ تُؤدِّي إلى ظهور أيديولوجيَّة علمانية وعقلانية، وأنها إذا كانت غير كاملة ومذبذبة ستُؤدِّي إلى ظهور أيديولوجية دينية ولا عقلانية.

ولهذا: فإنَّ عدم اكتمال ونضوج هذه التركيبة الطبقية في العالم العربي كما يتصوَّر الماركسيون العرب الذين وصَفُوها بأنها عاجزة ومشوهة - أدَّى إلى فَراغ، هذا الفَراغ هو الذي أدَّى لظهور الصحوة الإسلاميَّة.

ويستند الماركسيون من رجال الاجتماع العرب هنا إلى فكرة (محمد أركون) القائلة بأنَّ المجتمعات العربيَّة لا يُوجَد لديها ما يقابل أو يعادل طبقتي (البورجوازية والبروليتاريا) في المجتمعات الغربية؛ بمعنى: أنَّ هاتين الطبقتين اللتين تضامَنتا وتصارَعتا عملتا على إظهار الأيديولوجية العلمانية في الغرب، لكنَّ ضَعفَهما الملحوظ في عالمنا العربي ساعَد على ظهور الصحوة الإسلاميَّة.

هذا، ويُضِيف الماركسيون العرب أسبابًا أخرى لظهور الصحوة الإسلامية منها: الفشل الاجتماعي والاقتصادي للمجموعات التي أزالَتْ الاستعمار وقامت بالتنمية الوطنية، ومنها أيضًا: وجود مجموعات مُتَحالفة مع الغرب، وأخرى طفيلية ظهرت وانتشرت أخيرًا[9].

ثم يعود الماركسيون العرب من رجال الاجتماع إلى الاعتراف بفشل هذا التحليل؛ استنادًا إلى ما يلي:
1- أنَّ هذا التحليل اعتَمَد على المماثلة والقياس بالغرب؛ بمعنى: أنَّه يعتبر أنَّ الفئات التي ظهَرتْ وتصارَعتْ قديمًا في أوربا، وأنها تُشبه الطبقات الرئيسة بها، وخاصَّة البورجوازية والبروليتاريا.

هذه المماثلة - باعترافهم - غيرُ صحيحة؛ لأنَّ هاتين الطبقتين الرئيستين في المجتمعات العربية تختلفان من حيث السلوك عن النموذج الأصلي لهما؛ ومن ثَمَّ (نعَتُوهما) بعدم النُّضوج واللاعقلانيَّة الذي مهَّد لظهور الصحوة الإسلامية[10].

ويُلخِّص الماركسيون العرب من رجال الاجتماع هذه النقطة بقولهم: "إنَّ هذا الفكر التحليلي سجن نفسه في إطارٍ مُحدَّد، وحبس نفسه في حقلٍ تاريخي واجتماعي غريبٍ عنه"[11].

2- أنَّ واقع المجتمع العربي لا يتَّفِق مع ما يُرِيده الماركسيون، ولا يخضع أفراده (لقيم الإنتاج) التي يتحدَّثون عنها؛ ويعني هذا: أنَّ الناس لا تربطهم المصالح الاقتصاديَّة، وإنما الدِّين هو الذي يُسَيطر عليهم[12].

3- الخطاب الدِّيني - باعترافهم - خطاب متفوِّق وليِّن، يَجتاز ويُؤثِّر على جميع الفئات الاجتماعية، بما فيها تلك الفئات التي يأملون أنْ تقوم بالتغيير؛ كالبورجوازية والبروليتاريا، بالإضافة إلى فئات صغار وكبار الموظَّفين[13]، وفي عباراتٍ صريحة تحوي اعتِرافًا صريحًا بفشل نموذج التحليل الماركسي، وبإخْفاق واضطراب الفكر العقلاني، وبسعي كلِّ الطبقات إلى تَطبِيق الشريعة الإسلاميَّة، وممارسة الشعائر الدِّينية، يقول علي الكنز: "نحن اليوم أمام فشل نموذج التحليل، وأمام قلَق واضطراب الفكر العقلاني، وإذا كنَّا ننتظر على الأقل تأثيرات الطبقة العاملة والبورجوازية أنْ تتَبلوَر وتتجسَّد داخِل الحركة الاجتماعيَّة، فنحن نُلاحِظ هروب هذه الطبقات عن كلِّ الفاعلين: شعائر دينيَّة، وأصول عرقيَّة، والتحريض لتطبيق الشريعة الإسلامية في قانون الأسرة... إلخ، إنَّه إخْفاق في نظري يضع الفكر التحليلي أمامَ البديل"[14].

رابعًا: اعترافهم بأنَّ نظريَّة الصراع الطبقي مسؤولةٌ عن الدمار الذي يتخبَّطون فيه.
ما زال الماركسيون العرب من رجال الاجتماع يُصرُّون على أنَّ فكرة الصراع الطبقي فكرةٌ صائبة، بالرغم من أنهم اتَّهموا هذه النظرية بأنها مسؤولة عن الدمار الذي يتخبَّطون فيه.

كما يعترفون بأنَّ بعض المحلِّلين العرب أرادوا قراءة الواقع العربي ماضيًا وحاضرًا؛ انطلاقًا من مُعطَيات المجتمعات الغربية وفي ضوئها.

ويعتَرِفون كذلك بأنَّه في هذا التاريخ الأوربي الذي يتَّخذونه كنموذج: نادرًا ما تَطاحَنتْ الطبقات الاجتماعيَّة في المجتمعات الرأسماليَّة، وأنها لم تكن فاعلةً مباشرة، ولم تتمكَّن من فرْض نفسها كطبقات، كما يعترفون بأنهم تسرَّعوا في الحكم على الواقع العربي؛ لأنهم لم يُراجِعوا نظرية الصراع الطبقي في فئاتها المرجعيَّة المستعمَلة وفي مُنطَلقاتها النظريَّة، ولم يتأكَّدوا من صحَّتها ومَدَى مُلاءَمتها ومدى صحَّة وقابليَّة أدواتها، بل اعتبروا أنَّ هذه النظريَّة هي الواقع الوحيد، واحتقروا الحركة الإسلاميَّة؛ لأنها لم تتطابق مع نموذجهم المرسوم[15].

وسجَّل هذه الاعترافات علي الكنز بقوله:
"لقد تسرَّعنا في مشاهدة الطبقات وفئاتها، وكذلك البورجوازية والبروليتاريا والبورجوازية الصغيرة والفلاحين، داخل الحركات الاجتماعية والسياسية التي زَعزعَتْ بلدان العالم الثالث، وقد تَمَّ هذا التسرُّع دون مُساءَلة المنطلقات النظرية والفئات المرجعية المستعمَلة، وحتى التأكُّد من صحَّتها ومَدَى مُلاءَمتها.

وهكذا قُمنا بالمُعايَنة دُون التفكير في مَدَى صحَّة وقابليَّة تلك الأدوات، بحيث أصبحت النظرية العلمية للطبقات هي المرجع الوحيد، وعندما نُشاهِد الطبقات الاجتماعيَّة حيث لم تكنْ موجودة، حتى وإنْ تَمَّ ذلك على حساب الحركة الاجتماعية واحتقارها لا لشيءٍ إلا لأنها غير مُطابِقة للنموذج المرسوم"[16].

خامسًا: اعترافهم بعدم ارتباط ظهور الجماعات الإسلاميَّة بانحِطاط وتدهور الظروف الاقتصادية والاجتماعية أو تطوُّرها.
تبنِّي بعض الماركسيين العرب من رجال الاجتماع فكرةَ أنَّ هزيمة 1967 وتدهور الظروف الاجتماعية والاقتصادية هي السبب الرئيس لظهور الجماعات الإسلامية؛ ومن ثَمَّ رأوا أنَّ ما يُسمَّى بالفهم العلمي السليم لما يُسمُّونه بهذه الظاهرة والتصدِّي لها بجدية لا يتحقَّق إلا بفهْم البنية الاجتماعية التي ظهرت فيها، وفهْم مجموعة الظروف الاقتصادية والسياسية السائدة؛ بمعنى: أنَّ الصحوة الإسلامية ظهرت كردِّ فعلٍ لحالة أزمة حادَّة وعامَّة على المستوى الاجتماعي، وأنَّ وجود أزمة حادَّة وعامَّة كان ولا يزال الشرط الضروري اللازم لظُهور واندِفاع ما يُسَمُّونه بالحركات الدِّينية والاجتماعيَّة ذات الطابع التعبيري.

يقول (عضيبات) أستاذ الاجتماع بجامعة اليرموك بالأردن: "هذا، ويلاحظ خلال التاريخ العربي أنَّ ظهور الحركات الدِّينية الاجتماعية كان ولا يزال مرتبطًا بفترات الاضطراب الحادِّ، التي يكون فيها بَقاء المجتمع وتماسُكه واستمراره مُهدَّدًا؛ لذلك كانت هذه الحركات الدِّينية الاجتماعية ولا تزال بمثابة استجابات للأزمات الروحية والاجتماعية والسياسية الحادَّة التي شَهِدَها ولا يزال يشهدها مجتمعنا العربي الإسلامي"[17].

واستشهد (عضيبات) بالأزمة التي مرَّ بها المجتمع العربي الإسلامي خِلال فترة حكم معاوية، والتي مهَّدت لعمر بن عبدالعزيز إعادةَ توجيه الحكم بما يتَّفِق والمبادئَ الإسلاميَّة، كما استشهد أيضًا بتجربة الإخوان المسلمين التي أسَّسها (حسن البنا)، والأزمات التي كان يُعانِيها المجتمع في عهده؛ ليصل في النهاية إلى القول بأنَّه: "من المؤكَّد أنَّه في ظلِّ الظروف البالية والقلقة التي يعيشُها الآن مجتمعنا العربي الإسلامي، فإنَّ نشاط الحركات الدِّينية مستمرٌّ لمواجهة هذه الظروف"[18].

أخَذ سمير نعيم أستاذ الاجتماع بجامعة عين شمس بالقاهرة كمثالٍ، سعى فيه جاهدًا ليُثبِت أنَّ سبب انتشار الدِّين والجماعات الإسلاميَّة كان مرتبطًا بالخلل الذي أصابَ النُّظم الاجتماعيَّة في مصر على كافَّة المستويات.

تعرَّض نعيم لفَساد النظام الاقتصادي الذي قال أنَّ مفاتيحه قد أصبحتْ في يد الغرب الذي يملك في أيِّ لحظة إحداثَ انهيارٍ في هذا الاقتصاد؛ إذا ما تهدَّدت مصالحه، أو تعارَضت القرارات القوميَّة المصريَّة مع هذه المصالح، كما كشَف عن تَراجُع الصناعات التحويليَّة والزراعة، وتراجُع دور الدولة في إقامة المشروعات الكبرى التي تستَوعِب الطاقة العاملة، وتحدَّث عن ظهور واستِشراء الفئات الطفيليَّة التي شَهِدتْ ثَراءً فاحشًا من خِلال عمليَّة تخريب الاقتصاد المصري، وانتشار تجَّار العملة، وزيادة مُعدَّلات التضخُّم، واشتداد أزمة الإسكان، وبطالة الشبان المتعلِّمين، وكذلك انتشار الفساد والانحلال الخلقي، وتراجُع قِيَمِ الشرف، وأنَّ المال أصبح هو القيمة العُليا، وأصبحت الغاية تُبرِّر الوسيلة، حتى لو كانت هذه الوسيلة هي بيع الشرف أو الدعارة.

وعن تدَهوُر النظام التعليمي أوضح نعيم أنَّه نظامٌ يعتمد على التلقين القائم على حشو ذهن الطالب خِلال مراحل الدراسة بمعلوماتٍ عليه أنْ يحفظها دون أنْ يشغل عقلَه بالتحليل والنقد، ودون أنْ يُشجع على المعرفة والفكر أو المطالعة في المكتبات.

وعن فَساد الثقافة والإعلام بيَّن نعيم كيف أنَّ الثقافة تحوَّلت إلى سلعة تجارية واستثمارية تهتمُّ بالرِّبح وبالمظهر أكثر من الفائدة والمضمون، وأشار أيضًا إلى الفنِّ الهابط والمبتذل في المسارح، المتاح فقط لِمَن يقدرون على تحمُّل أثمان دخول هذه المسارح، ولتلك الفئة من الشباب التي تتَّفِق قيمها وميولها مع ذلك النوع من الفن المشجِّع على الانحِراف.

أمَّا وسائل الإعلام: فإنها تعرض لجماهير الشباب صورًا متنوعة وبكثافةٍ عالية للإنفاق البذخي والمظاهر الاستهلاكيَّة، التي تعجز غالبية الشباب عن مجاراتها، كما أنها تعرض نماذج سلوكية وثقافية غريبة مبتذلة، بما يُثِير نقمة واشمِئزاز الكثير من الشباب، أو يُمثِّل غوايةً لهم للانحراف.

أوضح نعيم أنَّ نتائج فساد كلِّ الأنظمة من اقتصادية وسياسية وتربوية وثقافية - تصبُّ في الأُسرة التي تقومُ بالتنشئة الاجتماعية الأولى للإنسان، ثم تحدَّث عن المشكلات اليوميَّة التي تُواجِهها الأسرة المصريَّة من مواصلات وإسكان، وغذاء وملبس، وتعليم وصحة، وتلوث وضوضاء، وفوضى واضطراب، وتسيُّب وفساد، وحصار إعلامي ودعائي... إلخ[19].

انتهى سمير نعيم من كلِّ ذلك إلى القول بأنَّ كلَّ هذه الظروف أدَّت إلى ظهور الجماعات الإسلاميَّة التي انضمَّ إليها الشباب لمواجهة هذا الفساد وهذا الخلل في النُّظُم الاجتماعيَّة، وأنَّ هذه الجماعات قد سارَعتْ لملْء الفراغ الثقافي الذي تسبَّب عن فساد الثقافة والإعلام بطبع كتب وصحف ومجلات وأشرطة وفيديو كاسيت بحجمٍ ضخم، واعترف نعيم كذلك بزيادة حجم الإقبال على هذا المنتج.

كما أشار إلى دور هذه الجماعات في بيع ملابس المحجبات والكتب والدروس الخصوصيَّة بأسعارٍ رمزيَّة زهيدة، وأنها قامَتْ بخدمات إنسانية اجتماعية عبْر المساجد؛ كالعلاج الصحي في المستوصفات والدروس المجانيَّة للطلاب، أو المساعدات الاجتماعيَّة، ودور الحضانة... إلخ[20].

تُؤكِّد الشهادة السابقة لعضيبات وسمير نعيم هذا الدور الإيجابي والبنَّاء للجماعات الإسلاميَّة في مُواجهة الخلل والفساد الذي حَلَّ بالنُّظُم الاجتماعية وأصابها في الصميم، ومع ذلك يُصِرُّ رجال الاجتماع على مهاجمة هذه الجماعات ومناصبتها العداء؛ لا لشيءٍ إلا لأنَّ ماركسيتهم تُعادِي الدِّينَ وكلَّ ما يرتبط به من حركات ورموز.

ومع كلِّ هذا فإنَّ الصحوة الإسلاميَّة لم تظهر بسبب تدهور البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع، وإنما جاءتْ كما يقول الأستاذ محمد قطب: "في موعدها المقدور من الله".

ونأتي هنا إلى اعترافات البعض الآخَر من الماركسيين العرب من رجال الاجتماع بخطأ الربْط بين ظهور الصحوة الإسلامية وتدهور الظروف الاقتصادية والاجتماعية.

يرى (علي الكنز) أنَّ ربط انتشار الدِّين بالانحطاط أو التطوُّر الاقتصادي والاجتماعي مُنزَلقٌ وقع فيه رجال الاجتماع، واستدلَّ الكنز لإثبات ذلك بالماضي الأوربي ذاته الذي ظهرت فيه الرأسمالية في الأصل في وقتٍ عرفت فيه البلدان الأوربية إصلاحات دينية، وربطت التنمية بانتشار الأيديولوجية الدِّينية؛ كما حدث في كلٍّ من بريطانيا وأمريكا الشمالية وهولندا...

استدلَّ الكنز أيضًا باليابان في الحاضر المعاصر التي تربَّعت على عرش الاقتصاد العالمي مقابلةً بالصين، فاليابان ربطت الدِّين بالمجتمع والدولة ربطًا عضويًّا، وفعلت الصين المستحيل لمنْع ذلك[21].

ويُشِير الكنز في مثالٍ آخَر إلى الكاثوليكيَّة التي أثارَت العمَّال والشعب البولوني لِمُحارَبة الطبقة الحاكمة، وإلى الأيرلنديين ومُناهَضتهم للبروتستانت الإنجليز.

ويُوجِز الكنز ملاحظاته هذه معترفًا بقوله:
"وبإمكاننا تعداد هذا النوع من الملاحظات اللامنتهية، وتوضح اليوم - كما في الأمس - بأنَّ البُعد الدِّيني قد ساهم دومًا بشكل أو بآخَر في تبلور الهوية الجماعية، وبأنَّ انتشاره لم يرتبط في كلِّ زمان ومكان بفترات الانحطاط أو التطوُّر الاقتصادي الاجتماعي[22].

ويُعطِي (فرحان الديك) مثالاً آخَر من الواقع العربي على خطأ هذا الربط؛ فيقول: "... فظهور مثْل هذه الحركات لا يمكن ردُّه - كما يفعل البعض - إلى تردِّي الوضع الاقتصادي، وربْط ظاهرة الصحوة الدِّينية بالأزمة الاقتصادية؛ لأنَّ ما يُسمَّى بالمدِّ الدِّيني ظهر وتطوَّر في الفترة الزمنيَّة نفسها التي تميَّزتْ أيضًا بالطفرة أو الفورة الاقتصاديَّة التي عرفتها -ولكن بدرجات متفاوتة بالطبع - كلُّ المجتمعات العربية[23].

إلا أنَّ المُثِير للدهشة والعجب أنْ يدَّعي رجال الاجتماع بعد كلِّ اعترافاتهم بفشل تحليلاتهم أنَّ التيَّارات الوطنية والليبيرالية واليسارية والقومية هي المحاصرة في بلادنا، وأنَّ هناك تضييقًا على دُعاتها وتنظيماتها، وأنَّه لهذا السبب فإنَّ الساحة ستظلُّ شِبهَ خالية أمام الحركات الدِّينية الاجتماعية، وسيملأ فكرها وتنظيماتها الفراغ القائم[24].

لا أحدَ يشكُّ في عدم صحَّة هذا الادِّعاء، ولا أحد يُنكِر أنَّ التنظيمات الإسلاميَّة هي المحاصرة من الداخِل والخارج، وأنَّ هناك تضييقًا على دُعاتها، وأنَّ الساحة ليست خاليةً تمامًا أمامَها، ولا يردُّ هذا الادِّعاء إلا اعترافاتهم أنفسهم بفشل تحليلاتهم وتفسيراتهم وافتراضاتهم، وعلى رأسها نظرية الصراع الطبقي.

جاءَتْ هذه الاعترافات للماركسيين العرب من رجال الاجتماع إثْر دروسٍ قاسية تعلَّموها من الصحوة الإسلامية، كان أقسى هذه الدروس عليهم أنَّ تاريخ الوطن العربي ليس هو إعادةً ولا تكرارًا لتاريخ أوربا في القرن العشرين، عبَّر الماركسيون عن ذلك بِمَرارةٍ في قولهم: "وبكلِّ قساوةٍ تمكَّن الفكر العربي العقلاني اليوم من اكتشاف هذا الدرس الجدلي"[25].

أمَّا الفكر العقلاني ذاته فقد أُصِيب كما أوضحنا سابقًا بأزمةٍ عميقة أجبرت أصحابَه على ضرورة التفكير في نقده نقدًا جذريًّا، مع الاعتراف بأنَّ هذا الفكر العقلاني مأخوذٌ من الثقافة الغربية بطريقةٍ سيِّئة جدًّا بنص عباراتهم.

علَّمتهم الصحوة الإسلامية أنَّ عليهم التخلِّي عن الوضعية التي غُلِّفتْ لهم بغِطاءات ماركسيَّة متدنِّية ورَدِيئة بنصِّ عباراتهم أيضًا، وأنَّ الجماعات الإسلاميَّة ليست بطبقات اجتماعية، وأنَّ عليهم أنْ يلاحظوا هذه الصحوة بكلِّ رَصانة وبكلِّ سكينة - بنص عباراتهم كذلك - على أساس أنَّ هذا هو أوَّل شرط للتحليل العقلاني الذي أجبرَتْه هذه الصحوة على أنْ يُعِيد النظر في افتراضاته ومُنطلَقاته النظريَّة، وحتى إشكاليَّاته ومنهجيَّاته، على أمَل زائف من أنْ يتمكَّنوا من ضبْط ما يسمُّونه بالواقع التاريخي.

الصحوة الإسلامية عند الماركسيين العرب من رجال الاجتماع "تحديد سالب لكيان اجتماعي يستَعِيد حيويَّته، ويتبلور في حركة سياسية"[26].

تصوَّر رجال الاجتماع أنَّه ما زال بإمكان الفكر العقلاني مواجهة هذه الصحوة إذا نوَّع مجالات بحثِه وانفَتَح على هذه الصحوة، واعترف بها كواقع، وأنْ يتخلَّى عن منهجيَّته القائمة على أساس عالم متخيَّل.

إلا أنهم رغم ذلك يرَوْن أنَّ الصحوة الإسلاميَّة هي انحِرافٌ للوطن العربي عن مَسارِه الطبيعي وتجميدٌ لتطوُّره؛ ذلك لأنَّ هذه الصحوة رفضت رفضًا كليًّا الحداثة والعلمانية والليبيرالية والتقدُّمية؛ ولهذا رمَوْها بالانحِراف والجمود.

اعترف رجال الاجتماع بأنَّ فشل التجارب التنموية والوطنية تسبَّب في ثغرةٍ أدَّت إلى ما أطلقوا عليه بالهجمة الواسعة للتوجُّه الدِّيني الذي غاصَ في هذه الثغرة وحقَّق نجاحًا لامعًا وسريعًا.

تعلَّم الماركسيون العرب من الصحوة الإسلامية درسًا قاسيًا آخَر هو: أنَّ الدِّين يمكن أنْ يَنُوب عن رمزيتهم العقلانية والعلموية التي تشهد - كما يقولون - أزمة عميقة.

تعلَّموا أيضًا: أنَّ الإسلام بصفةٍ خاصَّة يمكن أنْ يستفيد بشدَّة من الاضطراب الذي تسبَّب عن التقنية الغربية وأزمة الأنظمة السياسية الغربية[27].

تعلَّموا أيضًا: أنَّ الإسلام - لا العقلانية - هو المطابق للوسط الثقافي المحلي، وللمرجع التاريخي الحضاري للشعوب وأخلاقيَّاتها، أمَّا الإسلام السياسي - كما يسمُّونه - فهو كالحوت في البحر بنصِّ عباراتهم[28]، وأنَّه يتميَّز بإستراتيجية وبتكتيك وبتقنيات الخطابة والدعاية، وأنَّه يستمدُّ سلطته من الجماهير[29].

علَّمتهم الصحوة الإسلامية أنَّ الدِّين يمكن أنْ يتغلَّب على غيره في كلِّ الفترات؛ سواء أكانت فترات صعود نحو العلمانية والعقلانية، أو فترات انحطاط وتدهور كما يتصوَّرون.

ودرسٌ آخَر شديد القسوة تعلَّموه من الصحوة الإسلامية هو: قُدرة الإسلام على الانتشار الواسع المحلي والوطني، وقُدرته على إفشال الأحزاب والحركات السياسية العلمانية التي تأسَّست في خضمِّ حركات التحرُّر والتشييد الوطني، وقُدرته على التحوُّل بسرعة خاطفة إلى أحزابٍ جماهيرية تستطيع توجيه أسلحتها الثقيلة حسب عباراتهم نحو مسألة شرعية السلطة السياسية وأنظمتها القائمة على الوطنية والتنموية[30].

يقول علي الكنز: "لقد بُنِيت الأنظمة العربية اليوم على أسس الوطنية والتنموية، ونَراها اليوم تنحسر وتنهار بوطنيَّتها وتنميتها في الوقت ذاته"[31].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] محمد قطب، واقعنا المعاصر، مؤسسة المدينة، جدة 1989، ص364.
[2] علي الكنز، الإسلام والهوية، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1990، ص 97.
[3] علي الكنز، الإسلام والهوية، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1990، ص 99.
[4] أول من استخدم مصطلح (الوضعية) هو سان سيمون ليشير به إلى منهج علمي يمتدُّ ليشمل الفلسفة أيضًا، ثم تبنَّاه بعد ذلك أوجست كونت ليُؤسِّس به حركة فلسفية كبيرة انتشرت بقوة في كل بلاد العالم الغربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والعقود الأولى من القرن العشرين.
تقوم (الوضعية) على مبدأ أنَّ العلم هو المصدر الصادق والوحيد للمعرفة والحقائق، وتتخذ (الوضعية) موقفًا عدائيًّا من الدِّين؛ ولهذا فهي تنكر كلَّ جوهر يذهب وراء حقائق وقوانين العلم، وترفض أيَّ نوع من الميتافيزيقيا، واستبدلت الدين المعروف بدِين وضعي، كما وضعت أخلاقاً وسياسة وضعية.
انظر: Nicola Abbagnano, Posivitism, The Encyclopedia of Philosophy Macmillan Publishing N. Y. Q London p 414.
هذا، وأطلق الشيخ مصطفى صبري على هذه الفلسفة بالفلسفة الوضعية (الإثباتية): الإلحادية، وعابَ على علماء الأزهر انخِداعهم بها وعدم إدراكهم لإلحادها، انظر: مصطفى صبري، موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين، دار إحياء التراث العربي، بيروت ج1/ ص148-149.
ويعتبر الشيخ فريد وجدي من أبرز العلماء في الأزهر الذين خدعتهم هذه الفلسفة، إلى درجة أنَّه أكَّد توافقها مع الإسلام، وكتب عنها قائلاً: "هذا هو رأى الفلسفة الوضعية التي أساسها الدليل المحسوس الذي لا ينقض في أيِّ عهد من العهود المستقبلة، وهو يُعتَبر أساسَ الحكمة الإسلامية: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾ [إبراهيم: 27].
انظر: محمد فريد وجدي، السيرة المحمدية تحت ضوء العلم والفلسفة - مجلة الأزهر ج3 ربيع الأول 1364/1945، مجلد 16، ص100.
[5] (العلموية) أو (النزعة التعالمية) مصطلح يعني: أنَّ العلم يستطيع أن يزود الجنس البشري بفلسفة شاملة في الحياة، ويحلُّ لجميع المشكلات، وينظر إليه كأيديولوجية تشتمل على أرفع القيم وأرقاها.
انظر: محمد عاطف غيث، قاموس علم الاجتماع، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية ص 403.
[6] على الكنز: ص 99-102.
[7] على الكنز: ص 99-102.
[8] على الكنز: ص 99-102.
[9] على الكنز: ص 99-102.
[10] على الكنز: ص 99-102.
[11] على الكنز: ص 99-102.
[12] على الكنز: ص 99-102.
[13] على الكنز: ص 99-102.
[14] على الكنز: ص 99-102.
[15] على الكنز: ص 99-102.
[16] على الكنز: ص 99-102.
[17] عاطف العقلة عضيبات، الدين والتغير الاجتماعي في المجتمع العرب الإسلامي، الدين والمجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ص 155.
[18] تابع ص 157.
[19] سمير نعيم أحمد، المحددات الاقتصادية والاجتماعية للتطرف الديني، الدين والمجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ص 223، 235، 237.
[20] تابع ص 234.
[21] علي الكنز ص 105.
[22] تابع 105-106.
[23] فرحان الديك، الأساس الديني في الشخصية العربية، الدين في التجمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ص 118.
[24] عضيبات ص 160.
[25] علي الكنز ص: 100-109.
[26] علي الكنز ص: 100-109.
[27] علي الكنز ص: 100-109.
[28] علي الكنز ص: 100-109.
[29] علي الكنز ص: 100-109.
[30] علي الكنز ص: 100-109.
[31] علي الكنز ص: 100-109.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
10-09-2014, 08:19 AM
لمتدينون والمرضى العقليون
ــــــــــــــ


اعترافات علماء الاجتماع
------------------

الحلقة السادسة عشر
--------------

المتدينون والمرضى العقليون
----------------------

لرجال الاجتماع في بلادنا مَقُولاتٌ تُثِير الدهشة والاستغراب منها ما يدلُّ على دَهاءٍ ومكر شديدَيْن؛ كقول (عضيبات) الذي أشرنا إليه في الحلقة الماضية أنَّ التيَّارات الوطنية والليبراليَّة واليساريَّة والقوميَّة مُحاصَرة في مجتمعاتنا، وأنَّ هناك تضييقًا على دُعاتها وتنظيماتها، وأنَّ الساحة شبهُ خاليةٍ أمام الحركات الدينيَّة التي سيَملأ فِكرها وتنظيماتها الفراغ القائم[1].

ومنها ما يدلُّ على سطحيَّة وسَذاجة تَفُوق الحدَّ، يقول سمير نعيم (أستاذ الاجتماع بجامعة عين شمس بالقاهرة) أنَّ الجماعات الإسلاميَّة جزءٌ من مُخطَّط إمبريالي تُسانِده قُوًى إقليميَّة ومحليَّة تَهدِف إلى ضرب التماسُك الاجتماعي وتفسيخ المجتمع من جهة، وتكريس تخلُّفه تدعيمًا لتبعيَّته من جهةٍ أخرى[2].

رغم أنَّ أبسط الحقائق تقولُ: إنَّه لا خطر أشد على الإمبرياليَّة والصهيونيَّة والقُوى الإقليميَّة والمحليَّة من الصحوة الإسلاميَّة وحركاتها وجماعاتها.

وحقيقةُ الأمر أنَّ الموقف العَدائي لرجال الاجتماع في بلادنا من الصحوة الإسلاميَّة يرتبطُ ارتِباطًا لا ينفَصِم بموقفهم العَدائي من الدِّين.

الدِّين - كما يَراه رجال الاجتماع في بلادنا - (وهْم) و(خيبة أمَل الزمن الراهن)، و(رد فعل سلبي للضمير الجمعي)، و(عصاب نفسي) و(مأوى لموت بطيء)![3].

طالَب رجال الاجتماع في بلادنا عَلَنًا وبلا حياء بتَرْكِ الاعتقاد بالدِّين.

يقول علي الكنز أستاذ الاجتماع بجامعة الجزائر: "قبل كلِّ شيء علينا ترك الاعتقاد بالدِّين؛ لأنَّه لم يبرهن على أنَّ الدِّين أصبح بمثابة رؤية للعالم، أو فهو وظيفة عكسيَّة للتطوُّر التاريخي والاجتماعي"[4].

أمَّا هؤلاء الذين يَدخُلون في دِين الله من خارج مجتمعاتنا - في الوقت الذي يخرُج رجال الاجتماع منه - فهم في نظرهم أفرادٌ منعزلون؛ ولهذا فالإسلام عندهم لم يظفر بمسلمين جدد، والصحوة الإسلاميَّة بناءً على هذا التصوُّر نوعٌ من التراكُم المكثَّف للتجربة الإسلاميَّة، شأنها شأن تراكُم رأس المال[5]، وكما أشَرْنا من قبلُ فإنَّ أحدَ الأسباب الرئيسة لكراهية رجال الاجتماع في بلادنا للصحوة الإسلاميَّة هو رفْضُ هذه الصحوة المفاهيمَ الجديدة إجمالاً؛ كمنظومة الحداثة ورفضها للعقلانية كنمطٍ للتفكير وكمشروع مجتمعي، كما أشار إلى ذلك (الهرماسي) أستاذ الاجتماع بالجامعة التونسيَّة الذي اعترف بفشل هذه المفاهيم في قوله: "... لا لسببٍ إلا لأنها فشلتْ في بعض الميادين"[6].

هؤلاء الذين يقولون: إنَّ الجماعات الإسلاميَّة جزءٌ من مُخطَّط إمبريالي صِهيَوْني، ورموا هذه الجماعات بالتطرُّف اشتقُّوا تعريفاتهم للتطرُّف من كُتَّاب يهود كتَبُوها في قواميس ودوائر المعارف الفلسفيَّة، وأضفوا عليها الطابع العلمي؛ ولهذا كان التمسُّك والالتزام بالدِّين أو العودة إليه - كما اعتبره رجال الاجتماع العرب - نقلاً من كُتَّاب يهود مثل (روزنثال ويادين) - جمودًا عقديًّا وانغلاقًا عقليًّا.

وهذا هو التطرُّف عندهم الذي اعتقَدُوا أنَّه جوهر الفكر الذي تتمَحْوَر حوله كلُّ الجماعات الإسلاميَّة التي هي الآن وبناءً على هذا التصوُّر جماعات متطرِّفة[7].

وطِبْقًا لتعريفات الكُتَّاب اليهود عن التطرُّف فإنَّ رجال الاجتماع في بلادنا يرَوْن أنَّ الشابَّ الذي لا يقبَلُ معتقدًا غير الإسلام، والذي يعتقد أنَّ الإسلام صادقٌ صدقًا مُطلَقًا وأبديًّا، وأنَّه صالِحٌ لكلِّ زمان ومكان، وأنَّه لا مجالَ لمناقشته والبحث عن أدلَّة تُؤكِّده أو تنفيه، هذا الشاب الذي يرى أنَّ المعرفة كلها بمختلف قَضايا الكون لا تُستَمد إلا من عقيدة الإسلام والذي يُدِين كلَّ عقيدة تُخالِف عقيدة الإسلام هو (شاب مُتطرِّف)!

ومن ثَمَّ كان الالتزامُ بالإسلام وتعاليمه تطرُّفًا لأنَّه - كما يرى سمير نعيم - حنينٌ إلى الماضي وعودةٌ إلى الوَراء، ومنحًى رجعي يجرُّ العلاقات الاجتماعيَّة إلى أوضاعٍ بالية لا تتناسَب مع تقدُّم العصر.

هذا هو الإسلام في نظَر رجال الاجتماع[8].

أمَّا الحجاب (الذي شرَعَه الله تعالى) والنقاب واللِّحَى والجلابيب القصيرة (التي في بعضها اتِّقاءٌ للفتنة والتزامٌ بسنَّة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم) وكذلك منع الاختلاط والمناظرات بين الإسلام والنصرانيَّة فهي - عند سمير نعيم - مظاهرُ سلوكيَّة تُعبِّر عن التطرُّف[9].

لكنَّ التبرُّج وحلق اللحية وارتداء الأزياء الأوربيَّة بمختلف تقاليعها والاختلاط بين الرجال والنساء وسِيادة النصرانيَّة وعبادة الصليب والتثليث على الإسلام فهي عين الاعتدال عنده.

أمَّا أشدُّ مقولات رجال الاجتماع إثارةً للدَّهشة والاستغراب فهي وصفُهم لشباب الجماعات الإسلاميَّة بأنهم يُمثِّلون شخصيَّات مريضة، وأنهم مَرضَى عقليُّون يُعانون من الجنون الدوري أو جنون الاضطهاد والعظَمَة - على حدِّ تعبيرات سمير نعيم[10].

وتمسُّك الشباب المتديِّن بتعاليم الإسلام المتعلِّقة بالمرأة - عند سمير نعيم - مرضٌ عقلي يُعانِي أصحابُه من أوهام حيوانيَّة الرجل وشهوانيَّته تُجاه المرأة، وأنهم - أي: هذا الشباب - يشكُّون في أنفسهم وفي الآخَرين، وأنَّ نظرتهم إلى المرأة تُسقط ما في أنفسهم من مشاعر شهوانيَّة مكبوتة ومشاعر دُونيَّة وعدم ثقة بالنفس[11].

بهذه الأوصاف الحادَّة والعنيفة ذات الطابع الفرويدي شنَّ سمير نعيم هجومَه الضاري على شباب الجماعات الإسلاميَّة الذين يريدون أنْ يحفَظوا للمجتمع نقاءَه وطهارته، وأنْ يقفوا في وجْه تيَّارات خطْف واغتصاب النساء وفساد العلاقات بين الجنسين واعتبار المرأة سلعةً للعرض والمشاهدة وإثارة المتعة على كافَّة الأصعدة من المنزل إلى الشارع إلى الإعلام إلى المجتمع.

إذًا ما هو البديل عند رجال الاجتماع في بلادنا إذا لم ينضمَّ الشباب إلى الجماعات الإسلاميَّة؟

هذه هي اعترافات سمير نعيم ذاته عن هذا البديل.

يقول سمير نعيم: من ملاحظة الواقع الاجتماعي وما تنشره الصحف اليومية يتَّضح ما يأتي:
1- يلجأ البعض إلى الهجرة إلى الخارج؛ هُروبًا من الضغوط الاقتصادية والمشكلات الاجتماعيَّة التي يعانونها، وهي بالطبع حلول فرديَّة، ولكنْ من الثابت أنها غير مُتاحة لجميع قِطاعات الشباب، فالفُقَراء منهم عاجزون حتى عن ذلك الحلِّ الذي يتطلَّب اتِّصالات وعلاقات للحصول على عقد عملٍ في أحد الأقطار العربيَّة ونفقات سفر لا تتوافَر للجميع، والبعض الآخَر يظلُّ يحلم بالهجرة كأملٍ زائف لمواجهة مشكلاته.

2- يلجأ البعض الآخَر إلى ممارسة أعمالٍ غير مشروعة؛ كالاتِّجار في المخدِّرات أو في العُملة والرشوة والتهريب... إلخ.

3- يلجأ فريقٌ آخَر إلى الجريمة التقليديَّة أو غير التقليديَّة؛ حيث تنتشر سرقات المساكن والسيَّارات والمحلات التجاريَّة والنصب والاحتيال والاغتصاب والاعتداء على الأراضي الزراعية وعلى أملاك الغير والدولة... إلخ.

4- يتَّجِه آخَرون إلى إدمان المخدِّرات كحلٍّ هروبي انسحابي للمشكلات التي يُعانونها.

5- يُصاب البعض - عندما يعجز عن كلٍّ من الحلول المشروعة وغير المشروعة؛ نظرًا إلى ما يتمتَّع به من قيم إيجابية قوية - بالاضطراب النفسي والعقلي؛ وبالتالي فإنَّ المجتمع المصري يشهَدُ تزايدًا في هذه الأمراض[12].

تعني السطور السابقة باعتراف سمير نعيم: أنَّ البديل لانضِمام الشباب إلى الجماعات الإسلامية هو الهجرة، أو التفكير فيها، أو ممارسة الأعمال غير المشروعة؛ كالاتِّجار في المخدِّرات أو العُملة أو، الرشوة والتهريب، أو ممارسة الجريمة التقليدية أو غير التقليدية، أو إدمان للمخدِّرات.

ونقف قليلاً عند النقطة الخامسة التي تُعتَبر أيضًا من المقولات المثيرة للدهشة والعجب، وهي القول بأنَّ القيم الإيجابية القوية التي يتمتَّع بها الشباب يمكن أن تُؤدِّي بهم إلى الإصابة بالاضطراب النفسي والعقلي؛ حيث يريد سمير نعيم هنا أنْ يثبت أنَّ شباب الجماعات الإسلاميَّة الذي لم يلجأ إلى السلوكيَّات اللاسويَّة ولجأ إلى الدِّين - مُصابٌ باضطراباتٍ نفسيَّة وعقليَّة بسبب هذه القيم الإيجابية التي يتمسَّك بها؛ لأنَّ رغبة هذا الشباب في العودة إلى نموذج المجتمع الفاضل باللجوء إلى الدِّين ما هي إلا هروب من الواقع ورفض له، وتعلُّق بأمل كاذب في الخلاص من المشكلات التي يُواجِهها[13].

الخطأ الفادح الذي وقَع فيه سمير نعيم هنا - وهو ربطه بين التمسُّك بالقيم الإيجابية، والإصابة بالاضطرابات النفسية والعقلية، طعنًا في شباب الجماعات الإسلامية - كشف وشهد به عن أنَّ معلوماته في علم النفس وتشخيص الاختلالات العقلية وقفتْ عند حُدود الخمسينيَّات.

لم يطَّلع سمير نعيم على جهود جمعية الطب النفسي الأمريكيَّة (APA) التي بدَأت منذ عام 1983، في محاولةٍ طموحةٍ مُثِيرة الجدل للإسراع بتطوير علوم وتشخيصات الأمراض العقليَّة؛ لإعادة تنقيح كتيبها عن هذه الأمراض، وقد أثمرت هذه الجهود بإصدار كتيب جديد في عام 1980 شارك في إعداده المئات من العلماء والمهنيين في ميدان الصحَّة العقليَّة.

ويعرف هذا الكتيب (بالوجيز التشخيصي والإحصائي للأمراض العقلية - الطبعة الثالثة) ويُشار إليه اختصارًا DSM-III.

ويُعتَبر هذا الكتيب تطوُّرًا عظيمًا في حقل التصنيف والوصف العلمي لهذه الأمراض، وكان له أكبر الأثر - كما يرى هؤلاء العلماء - في علاج مختلف أنواع الاختلالات العقلية.

الذي يهمُّنا في شأن هذا الكتيب - الذي لم يتابع سمير نعيم مراحل تطوُّره فاتَّهم شباب الجماعات الإسلامية بالتطرُّف وبالاختلال العقلي - هو هذا الإسهام الذي اعتبره المختصُّون في هذا الميدان من أعظم اكتِشافاتهم، وهو: (الفصل بين الأمراض العقلية والسلوكيَّات) تلك التي حدَّد منها الكتيب مباشرة وبوضوح (سلوكيَّات التطرُّف) التي يرى الكتيب أنها مشتقَّة من المعايير المجتمعية، وليست ناتجةً بالضرورة عن الأمراض العقلية[14].

فماذا عسى أنْ يقول سمير نعيم بعد ذلك؟

نُسجِّل بعد ذلك على سمير نعيم شهادته واعترافه بأصالة القِيَم التي يحملها شباب الجماعات الإسلاميَّة، واعترافه أيضًا بأنَّ التجاء هذا الشباب إلى الدِّين حَماه من الدَّمار الشامل الذي أُصِيب به غيره من الشباب:
أولاً: يعترف سمير نعيم بأنَّه بالرغم من أنَّ شباب الجماعات الإسلامية يعيشُ في مناطق تُعانِي من التخلُّف والفقر والحِرمان من إشباع الحاجات الأساسية، وبالرغم من انسِداد طرق الهجرة أمامهم؛ لصغر سنهم وقلة خبرتهم وعجزهم عن توفير مصاريف السفر وعدم الحاجة إليهم في البلاد النفطية، وبالرغم من صُعوبة إمكانيَّة حدوث أيِّ تغيير في أوضاعهم وأوضاع أُسَرهم وقُراهم، وبالرغم من أنهم يخبرون الفقر والمعاناة طوال سِنِي حياتهم، مع مشاهدتهم للتفاوت الهائل في حُظوظ البشر في مصر، واختلال توزيع الثروة بها لصالح الأغلبية الميسورة، بالرغم من كلِّ ذلك فإنَّ القِيَمَ التي يتمتَّع بها هذا الشباب منعَتْه من الانخِراط في الأعمال الإجراميَّة وغير المشروعة واللاأخلاقيَّة[15].

هذا، ويحاول سمير نعيم جاهدًا أنْ يربط بين انضِمام الشباب إلى الجماعات الإسلامية وبين حالة الفقر والحِرمان والمعاناة التي يُواجهونها، ولما وجد أنَّ افتراضاته ستسقُط بوجود شبابٍ ينتمي إلى أسر ميسورة الحال من بين شباب الجماعات الإسلاميَّة فسَّر ذلك بقوله: "... وفي رأينا أنَّ هؤلاء جميعًا - مهما ارتفعَتْ دُخولهم - فهم يعتبرون من ذوي الدخل المحدود (موظفي حكومة)، ويعانون أيضًا الإحباطَ بفعل التضخُّم وارتفاع الأسعار والتطلُّعات الطبقية والاستهلاكية والتفاوت الاجتماعي الحاد)؛ أي: إنَّه أرجع انضِمام هذا الشباب إلى الجماعات الإسلاميَّة إلى تدهور الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وهذا ما أبطلناه في الحلقة الماضية.

لكنَّه اعترف هنا مؤكدًا أصالة القِيَم التي يتمتَّع بها هذا الشباب فقال: ".. وامتناعهم عن مسايرة دروب الفساد المختلفة كالرشوة والاختلاس... إلخ، استنادًا إلى ما يتمتعون به من قيم أصيلة"[16].

ثانيًا: اعترف سمير نعيم بأنَّ الالتجاء إلى الدِّين كأسلوبٍ لمواجهة المشكلات الشخصية والمجتمعية دون غيره من الأساليب اللاسوية التي أشار إليها - هو حمايةٌ من الدمار الشامل.

يقول سمير نعيم: "إنَّ اللجوء إلى هذا الأسلوب لمواجهة المشكلات الشخصية والمجتمعية دُون غيره من الأساليب السابق ذكرها إنما هو - في رأينا - وسيلةٌ دفاعية لحِماية الذات من الدَّمار الشامل؛ وذلك باللجوء إلى المخدِّرات أو الجريمة، أو الجنون أو الفساد"[17].

إلا أنَّ عَداء سمير نعيم للدِّين جعَلَه يُصوِّر التسلُّح بالتعاليم الدينيَّة مصيدة دَمار للشباب وللمجتمع[18]، وجعَلَه يرى أنَّ المساجد تقومُ بأدوار تضليليَّة[19].

هذا، وقد كشَف رجال الاجتماع عن خَشيتهم من أنْ يتسبَّب نموُّ التيَّار الإسلامي وتعاظُمه في مصر إلى أنْ تتحوَّل مصر إلى مجتمعٍ يَسُودُه الطابع الإسلامي، خاصَّة بعد أنْ لاحَظوا تأثُّر العامِلين المصريين وأبنائهم في السعودية بهذا الطابع الإسلامي الذي يحملونه معهم إلى مصر بعد عودتهم.

هذا، وعبَّر رجال الاجتماع عن عدائهم الصارخ لهذا الطابع الإسلامي على النحو التالي: يقول سمير نعيم: "ومن اللافت للنظر حقًّا المقابلة بين اتِّجاه حركة التيَّار الإسلامي المتطرِّف أو حتى المعتدل في الفترتين: ففي الفترة الأولى تحرَّكت هذه الجماعات وتلك الاتجاهات إلى خارج مصر، فهرب أعضاؤها أو لجؤوا إلى أقطار عربيَّة وبخاصَّة السعودية؛ فاتَّسمت تلك المرحلة بطرْد هذه التيَّارات.

وفي الفترة الثانية تحرَّكت هذه التيَّارات والجماعات من الخارج إلى الداخل، فجاءَتْ ومعها (أكثر التيَّارات رجعيَّةً وتطرُّفًا من تلك المناطق العربيَّة) إلى داخل مصر، فاتَّسمت هذه المرحلة بالغزو والتغلغُل والجاذبيَّة الداخليَّة"[20].

ويعتَبِر رجال الاجتماع أنَّ الطابع الإسلامي طابع غريب عن المجتمع المصري وليس أصيلاً فيه؛ ولهذا فهم يخشَوْن من تأثير الطابع الإسلامي الذي يحمله العائدون المصريون وأبناؤهم منها على الأسر والأبناء الذين لم يذهَبوا أصلاً إلى السعوديَّة، فينتقل إليهم هذا الطابع عبر التداخُل الأسري، وتقديم النماذج السلوكيَّة.

يقول سمير نعيم: "وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ الآباء أنفسهم الذين يذهَبون إلى الأقطار العربيَّة يعودون وقد تشبَّعوا هم أنفسهم باتِّجاهات دينيَّة كانت غريبةً عنهم وعلى المجتمع المصري، بما يتبع ذلك من نماذج سلوكيَّة جديدة ولا تنعكس تأثيرات ذلك على أسر المهاجرين وحدَهم، بل تمتدُّ لتشمل أسرَ غيرِ المهاجرين أيضًا.

ومن خِلال ما يعقده أفراد الأُسَر الأخيرة من مقارنات بينهم وبين أفراد الأُسَر المهاجرة، وما يُقدِّم أعضاؤها من نماذج اتِّفاقية وسلوكية من جهة، ومن خِلال التداخُل الأسري من جهةٍ أخرى"[21].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
[1] عاطف العقلة عضيبات، الدين والتغير الاجتماعي في المجتمع الإسلامي، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة، بيروت، 1990، ص155.
[2] سمير نعيم أحمد، المحددات الاقتصادية والاجتماعية للتطرف الديني في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1990، ص 98.
[3] علي الكنز، الإسلام والهوية، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1990، ص98.
[4] تابع ص105.
[5] تابع ص91.
[6] عبدالباقي الهرماسي، علم الاجتماع الديني، المجال والمكاسب والتساؤلات، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1990، ص30-31.
[7] سمير نعيم، تابع ص217.
[8] تابع ص218-229.
[9] تابع ص218-229.
[10] تابع ص218-229.
[11] تابع ص218-229.
[12] تابع ص218-229.
[13] تابع ص218-229.
[14] Josef Julian and William Kamblum,Social Problems,Practice,Hell Inc ,New Jersy,1982,P.48
[15] سمير نعيم، تابع ص229.
[16] تابع ص230-237.
[17] تابع ص230-237.
[18] تابع ص230-237.
[19] تابع ص230-237.
[20] تابع ص230-237.
[21] تابع ص230-237.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
10-09-2014, 08:21 AM
رجال الاقتصاد وثغرة في جدار الصحوة
ــــــــــــــــــــــ


اعترافات علماء الاجتماع
--------------

الحلقة السابعة عشر
--------------

رجال الاقتصاد وثغرة في جدار الصحوة
--------------------------------

وجَّه (جلال أمين) -وهو أحدُ رجال الاقتصاد العرب- اتِّهامات إلى رجال الاجتماع في بلادنا، مُؤدَّاها أنهم أسهَمُوا في تخريب النسيج لبلادنا؛ لعدم توَخِّيهم الحرصَ فيما ينقلونه؛ بحيث لم يعرف ما إذا كانوا ينقلون إلينا علمًا أم أيديولوجية، وخصَّ رجال الاقتصاد بالذكر مفهوم (النسبية الأخلاقية)، وهو المفهوم الذي يعتبر أنَّ الأخلاق نسبيَّة وليست مطلقة؛ بمعنى: عدم استنادها إلى الله أو الدِّين (حسب فهمهم للمطلق)، وتغيُّرها بتغيُّر الزمان والمكان، ومُسايَرتها لأغراض الحياة، يقول رجل الاقتصاد: إنَّ أوَّل درس يتلقَّاه طلاب علم الاجتماع في بلادنا لا بُدَّ وأنْ يتضمَّن الإيحاء بهذه النسبيَّة، وينتهي الطالب وقد استقرَّ في ذِهنه الاحتقار أو اللامُبالاة على الأقل بتُراث أمَّته، دون أنْ يُقال له ذلك صراحة أبدًا[1].

أصاب رجل الاقتصاد في مقولته هذه، عدا تصوره أنَّ مفهوم النسبيَّة الأخلاقيَّة هذا لا يُقال لطلاب علم الاجتماع عندنا صراحة، إنَّه يُقال لهم صراحةً وفي إطارٍ أكثر عموميَّة هو (نسبية القيم)، ويعتَرِف أساتذة علم الاجتماع في بلادنا بأنهم تعلَّموا هذه النسبيَّة من علم الاجتماع؛ ومن ثَمَّ وجَّهوا طلابهم إلى التخلِّي عن قيمهم التي يتمَركَزون حولها، وألا يعتَبِروها حكمًا على صحَّة أو خطأ القيم الأخرى التي هي غير إسلامية بالطبع.

ولا يقف الأمر عند هذا الحدِّ، بل أعلم الأساتذة طلابهم أنَّ التخلِّي عن قيمهم هو الشرط الأساس لتفهُّم القِيَم الغريبة عنَّا وعن إسلامنا؛ استعدادًا للانتِقال بهم إلى مرحلةٍ أخطر؛ وهي المشاركة والتعاون مع أصحاب هذه القِيَم الغريبة على حساب قِيَمِنا نحن.

عبَّر محمود الجوهري -أستاذ الاجتماع بجامعة القاهرة- عن ذلك كله في قوله: "لا شكَّ أنَّ علم الاجتماع هو العلم الإنساني القادر على توعيتنا بنسبيَّة القِيَم وأساليب السُّلوك الشائعة في مجتمعنا وفي عالمنا الخاص، وإدراك هذه الحقيقة هو بداية الطريق نحو إكسابنا القدرةَ على فهْم القِيَم وأساليب السلوك الشائعة عند أبناء مجتمعات غريبة عن مجتمعاتنا، وتمكننا من الإحساس بحقيقة مشاعر غيرنا من أبناء البشر، وليس هذا بالأمر الهيِّن؛ فهو بدايةٌ للتخلِّي عن مشاعر التمركُز حول السلالة، وهو شرطٌ أساس لقيام أي تعاون على كافَّة مستويات التعاون الممكنة، الأساس في كلِّ هذا بطبيعة الحال ليس مجرَّد المعرفة بواقع الآخَرين، وإنما الأساس أنْ تتحوَّل هذه المعرفة إلى نوعٍ من التفهُّم والاستعداد للمشاركة والتعاون...

ويجب أنْ نُؤكِّد هنا على شيءٍ ضروري، وهو ضرورة توقِّي أنفسنا الوقوع في أخطاء ما يُعرَف بالتمركُز حول السلالة؛ وأعني: أنَّ نجعل من معايير وعادات وخِبرات مجتمعنا وثقافتنا معيارًا نقيسُ به الطبيعة الإنسانيَّة، ونُحدِّد لها به ما تقدر عليه، أو ما نتوقَّع أنْ تصل إليه"[2].

قبل أنْ يُروِّج محمد الجوهري لمفهوم (نسبية القِيَم) بسبعين عامًا، كان عُلَماء الغرب أنفسهم قد أدرَكُوا الهوَّة التي وقَعُوا فيها بسبب هذه النسبيَّة، هذا (لويس ديكنسون) كتَب في عام 1908 عن التأثير المدمِّر لعِلم الاجتماع على الأخلاق فقال: "إذا أراد علمُ الاجتماع أنْ يتحدَّث عن الأخلاق فإنَّه سيكون أيَّ شيء آخَر غير أنْ يكون علمًا... إنَّ علماء الاجتماع الذين أعرفهم مُشوَّشون بين علم الاجتماع والأخلاق"[3].

وهذه (روزماري جوردون) كتبتْ قبل رُبع قرنٍ سبق لما كتَبَه الجوهري مُروِّجًا (لنسبية القِيَم) تُحذِّر لا من الأثَر التدميري لعلم الاجتماع فقط على الأخلاق، بل للعلوم الاجتماعيَّة برمَّتها فقالت: "إنَّ العالم الاجتماعي قد أثَّر تأثيرًا كبيرًا، وساعَد على التعجيل بالانهِيار الشامل في الاعتقاد بوُجود قِيَم أخلاقيَّة مُطلَقة، كما تحدَّى الجزاءات الأخلاقيَّة... إنَّ السؤال المطروح الآن أمام الإنسان المعاصر هو: إذا كان الدين قد هُجِرَ، وإذا كانت القواعد الأخلاقيَّة الصادقة والمطلقة قد أُنكِرت، فمَن يَهدِي الإنسان إذا خُيِّرَ بين فعلين ممكنين؟ هل نترُكه لدوافعه وغرائزه بعد أنْ سكت ضميره؟... إنَّ علوم الإنسان وإنْ كانت قد زادتْ من قُدرة الإنسان على التحكُّم في مصيره، فإنها في الحقيقة قد هدَمتْ إيمانه، وتركَتْه بلا هادٍ أو مرشد لحياته المستقبليَّة... إنَّ عدم الارتياح السائد بسبب فشَل العلوم الاجتماعية أدَّى ببعض العلماء الاجتماعيين إلى العودة إلى المفاهيم الدينيَّة عن الحياة، ورأَوْا أنَّ الإنسان بدُون هذه المفاهيم سوف يهلك لا محالة، وأنَّ عليه أنْ يستعيد الإيمان بالله، ويعود إلى الاعتقاد في الجانب الروحي داخِل نفسه، وأنْ يُعِيد قبول وجود قاعدةٍ أخلاقيَّة إلهيَّة مطلقة، تلك التي هاجمَتْها العلوم الاجتماعيَّة من الأساس"[4].

وفي توقيتٍ متزامن تقريبًا مع ما كتَبَه الجوهري عن (نسبية القِيَم) كتب تشارلز ماك جي -أستاذ الاجتماع بجامعة (سنترال واشنطن) الأمريكيَّة-: "إنَّ العِلم الاجتماعي الحديث يَسرِق إنسانيَّتنا من خِلال تزييفه للقِيَم والدوافع الإنسانيَّة، واستبدالها بمنظورات علميَّة... إنَّني غير مرتاحٍ لاتِّجاه العلوم الاجتماعيَّة عامَّة، وعلم الاجتماع خاصَّةً، إنَّ وجودنا كعُلماء اجتماعيين يتوقَّف على تزييفنا للقِيَم والدوافع والأنظمة الاجتماعيَّة، ولكن إلى متى؟ أنا لستُ متأكدًا... إنَّ علماء الاجتماع يفخَرون بأنفسهم وقُدرتهم على رؤية ما بداخل الأشياء، إذا أردت أنْ تعرف ما الذي يجري اسأل عالِم اجتماع، إنَّ العديد من طلابنا يأتون إلينا يتوقَّعون منَّا نظرةً جديدة إلى العالم؛ لأنهم سَئِمُوا النظرة القديمة، لقد أصبح الكثيرون علماءَ اجتماع لذات السبب، ولكن ماذا فعلنا مقابل ذلك للعالَم؟ لقد مزَّقناه وحطَطْنا منه، وحفرنا فيه ثقوبًا، وزيَّفناه... إنَّه مع فقْد الصلة بالقِيَم الرُّوحية التي هي المبادئ الأساسيَّة، بدَأ الإنسان يفقد إنسانيَّته، إنَّه الآن يفقدها لحساب المفكِّرين الذين يدرسوه... إنَّ دورنا كعلماء اجتماع تجاه طلابنا هو أنْ نتعامَل مع قيمهم الروحيَّة؛ لأنَّ علم الاجتماع ينشُر بينهم مفاهيم الاغتراب والوهن.. إنَّنا حطَّمنا حياة طلابنا الذين كانوا يتعاطَفون مع الناس قبل دِراستهم لعِلم الاجتماع، وكانوا على درجةٍ عالية من الثقة بالنفس، لكنَّهم الآن متعبون"[5].

هذا، وقد كتبنا إلى ماك جي بعد تسع سنوات من نشره لهذه المقالة؛ لنستَفسِر منه عن الدوافع التي حرَّكته نحو التركيز على القِيَم الروحية، فردَّ علينا قائلاً: "لقد رأيتُ النفاق يَسُود كلَّ شيء، وأردت أنْ أفعل شيئًا ما؛ ربما لأسبابٍ أخلاقية، فقد وصلت إلى استنتاجٍ مُؤدَّاه أنَّنا كنَّا بالفعل نُحقِّق شيئًا ضارًّا وليس بالحسَن، إنَّ طلابنا الآن أكثر اغتِرابًا عمَّا أتونا لأوَّل مرَّة، وإنَّه إذا كانت قيمهم ضعيفةً قبل دِراسة علم الاجتماع، فإنهم الآن يفتَقِدون القيم كليَّةً؛ ولهذا فإنِّي حاولت في محاضراتي لطلابي ألا أُدمِّر كلَّ شيء حولي، بل أعطيهم الإحساس بالأمل، وأعمل على وصلهم بالقِيَم الروحيَّة التي كتبتُ عنها في مقالتي"[6].

هكذا أساتذة الاجتماع في الغرب يَعُودون للقيم الروحية، ويحاولون بثَّها بين طلابهم، وأساتذة الاجتماع في بلادنا يُروِّجون لنسبيَّة القيم، ويدعون طلابهم إلى الانخِلاع من رِبقة الإسلام، وإنْ لم يقولوها صَراحةً.

نعودُ إلى رجال الاقتصاد، اتَّهم (جلال أمين) رجالَ الاجتماع في بلادنا بافتِقار دِراساتهم إلى الابتكار الحقيقي؛ سَواء أكان هذا الابتكار متعلقًا بإيجاد منهج جديد في البحث، أو بإثارة الشك في بعض المسلَّمات، أو بتقديم تفسيرٍ جديد لظاهرةٍ اجتماعيَّة معقَّدة.

اتَّهم رجال الاقتصاد باحِثينا الاجتماعيين بالهزيمة النفسيَّة، وبالخُضوع، وبالاحتِرام المبالَغ فيه لكلِّ مُنجَزات الأجنبي؛ بحيث سهَّل على هذا الأجنبي أنْ يبيع بضاعته الماديَّة والفكريَّة على أنها إنتاجٌ (إنساني) عامٌّ، أو أنها ثمرة التقدُّم التكنولوجي والمادي الذي لا يُنسَب لحضارةٍ دون أخرى، بعد أنْ نجح هذا الأجنبي في إخفاء تحيُّزاته وميوله ونزعاته التي تطبَع إنتاجه المادي والفكري، قَبِلَ باحثونا الاجتماعيون النظريَّات الأجنبيَّة دون مُساءلةٍ، وافتُتِنوا بها كما افتُتِن المستهلك العادي بالكفاءة التكنولوجية العالية للتليفزيون الملوَّن، دون أنْ يَنظُر هذا أو ذاك في مدى مُلاءَمة النظريَّة أو السلعة لمناخٍ اجتماعي وثقافي مختلف تمامًا عن المناخ الذي أبدع تلك النظرية أو السلعة.

وكما أصابَ رجل الاقتصاد في اتِّهاماته السابقة لرجال الاجتماع، أصابَ كذلك في قوله بأنَّنا (تابعون) في مختلف جوانب حَياتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بكلِّ ما تحمل هذه الكلمة من معنى؛ فالدراسات الاجتماعية في بلادنا تهتمُّ بقَضايا نظرية أو تطبيقية ذات أهمية فقط في البلاد التي نشَأتْ فيها، وليست ذات أهميَّة في بلادنا، نقل باحثونا الاجتماعيون هذه النظريَّات إلينا دُون إعمال الفكر في مَدَى انطِباقها أو مُلاءَمتها لمجتمعاتنا، ودُون حتى محاولة جديَّة في التحفُّظ على ما تحمِله من أفكار.

وأصابَ رجل الاقتصاد مرَّةً أخرى في اتهامه لباحِثينا الاجتماعيين وكتاباتهم بالتبعيَّة في (لغة التعبير)، إلى درجة أنَّ هذه الكتابات اكتفَتْ في كثيرٍ من الأحيان بكتابة اللفظ الأجنبي بحروفٍ عربيَّة، فأصاب هذا اللغةَ العربيةَ بالتشويه بسبب اختلاط الألفاظ العربيَّة بالأجنبيَّة، كما أصبَح الكُتَّاب الاجتماعيُّون يقبَلون وُجود ألفاظ غربيَّة حتى ولو كان هناك مُقابل عربي يُؤدِّي نفسَ المعنى أداءً أفضل، كما زاد الميل إلى إقحام الألفاظ الأجنبية الغربية في هذه الكتابات، وكأنها دليلٌ على سعة الاطِّلاع وتنوُّع الثقافة.

وردَّ رجُل الاقتصاد على الادِّعاء بأنَّ المهمَّ هو التعبير عن الفكرة على أيِّ نحوٍ كان، فأثبت أنَّ الكتابات الاجتماعيَّة ركيكة الأسلوب، وهي في نفس الوقت أكثر غُموضًا وأكثر تخبُّطًا وتناقضًا، في حين أنَّ أسلافنا كانوا أدقَّ تعبيرًا وأدقَّ فكرًا، وأشار رجُل الاقتصاد إلى أنَّ رَكاكة التعبير وغُموضه يُستَخدم اليوم كوسيلةٍ لإخفاء ضَحالة الفكر وضعف الاستيعاب.

رفَض رجل الاقتصاد الادِّعاء بأنَّ اللغة ما هي إلا وسيلة للتعبير وليست غاية في ذاتها، وأنها طريقةٌ للاتِّصال ولا يهمُّ أمر التبعية فيها، وإنما المهمُّ أنْ يصل المعنى بأيَّة طريقة ولو عن طريق استخدام اللغة الأجنبية.

أكَّد رجُل الاقتصاد أنَّ التبعيَّة في لغة التعبير وثيقة الصلة بالتبعيَّة في مضمون الفكر، تؤدِّي كلٌّ منهما إلى الأخرى وتُقوِّيها، وأنَّ مَن كان تابعًا لفِكر غيره استَسهَل التضحية بلغته، والاستسهال بالتضحية باللغة يُؤدِّي إلى التورُّط أكثر فأكثر في قبول ما لا يتعيَّن قبوله من الفكر الأجنبي؛ لأنَّ اللغة نفسها تعكس في كثيرٍ من الأحيان مواقف قيميَّة وتفضيلات خاصَّة، وأنها لا تتمتَّع دائمًا بدرجة الحِياد التي تَزعُم لها، واستشهد هنا بمصطلحات مثل: (الدول المتخلفة، والدول النامية، أو التنمية)، فكلها ليستْ مصطلحات حياديَّة، وإنما تتضمَّن إقرارًا بالموافقة على نمط التغيير الذي يحدُث في بلادنا، وعلى أنَّ المطلوب منَّا في التنمية هو التكاثُر والزيادة فحسب.

ومن أهمِّ ما لفت رجلُ الاقتصاد الانتباهَ إليه هو قبول باحثينا الاجتماعيين للمَقُولات الاجتماعية التي تطوَّرتْ في المجتمعات الصناعية، دون التنبُّه إلى المسلَّمات التي تقومُ عليها، والتي تشكَّلت في ظروفٍ مختلفة تمامًا عن بلادنا، وأنَّ هذه المقولات والنظريَّات الغربية تحمل قِيَمًا ومواقف وأخلاقًا فلسفيَّة نقَلَها باحثونا إلى مجتمعاتنا على أنها (علم محايد)، ومن ثَمَّ هربت إلينا قِيَم وفلسفة وأخلاق الغرب على حساب قِيَمِنا وأخلاقنا.

اتَّهم رجُل الاقتصاد باحثِينا الاجتماعيين بأنهم سارُوا وراء الغرب حتى في مشكلة ما أسماه بـ(الأناقة النظريَّة)، التي هي نوعٌ من الترف الفكري لا يختلف عن استِهلاك السِّلَع الكماليَّة، في حين أنَّ مجتمعاتنا ليستْ في حاجةٍ إلى مِثل هذه الأناقة النظرية.

وكشَف رجل الاقتصاد عن عجْز العُلوم الاجتماعيَّة عن تقديم تشخيصٍ لبعضٍ من أهمِّ المشكلات الاجتماعيَّة التي واجَهَها الغرب؛ كمشكلة العنف وانتشار المخدِّرات.

ولفت النظر أيضًا إلى أنَّ لعلماء الغرب مصلحةً في أنْ يظلَّ الناس عاجِزين عن فهْم ما يجري في السياسة والمجتمع، وأنْ ينصَرِف الاجتماعيون إلى القضايا الجزئيَّة، وألاَّ يتعرَّضوا للمشكلات الجوهريَّة بحيث يتحوَّلون إلى باحثين مُتخصِّصين ضيِّقي الأفق.

هذه هي مُجمَل اتِّهامات (جلال أمين) لرجال الاجتماع في بلادنا ولباحِثينا وكِتاباتنا الاجتماعيَّة: تخريب النسيج الاجتماعي والثقافي لمجتمعنا، ونقل مفاهيم وأخلاق وفلسفة ونظريَّات الغرب إلينا على أساس أنها (علمٌ محايد)، والافتقار إلى الابتكار الحقيقي، والهزيمة النفسية، والخُضوع والاحترام المُبالَغ فيه لكلِّ مُنجزات الأجنبي، والتبعيَّة له في كلِّ شيءٍ؛ بدءًا من لغة التعبير إلى الأناقة النظرية.

نأتي بعدَ ذلك إلى رجل اقتصادٍ آخَر وهو (عادل حسين)، الذي وجَّه انتقاداته لرجال الاجتماع وباحثينا الاجتماعيين أيضًا، مع التركيز على بَيان قُصور النظريات الغربيَّة ومُعاداتها لنا، وذلك على النحو التالي[7]:

أولاً: بالنسبة للنظريَّات الغربيَّة:
1- إنَّ المستوى الأيديولوجي الأعلى الذي يَحكُم نظريَّات الغرب ومَدارسه هو (الدنيوية)[8]، وإنَّ الخِلافات بين مختلف هذه النظريات والمدارس ومحاولات حلِّ التناقُضات بينها ستظلُّ مرتبطةً بهذه (الأيديولوجية الدنيويَّة)، وإنَّه لا شأنَ لنا نحنُ في مجتمعاتنا بهذه المشكلات وهذه الحلول.

2- إنَّ العلوم الاجتماعية الغربية ليست علومًا عالمية، وإنَّ زعمَها بذلك لا يستَنِدُ إلى مشروعيَّة معرفيَّة أو تاريخيَّة؛ ومن ثَمَّ فليس لها الحق في المطالبة باعترافٍ عالمي بمصداقيَّة وعلميَّة نتائجها، إنَّ هذه العلوم لا تستَنِد إلا على معرفة أهل الغرب عن مجتمعاتهم في العصر الحديث، وهي لا تقَع إلا في حُدود شريحة رقيقةٍ من التاريخ، وعلى مساحةٍ محدودةٍ من الأرض، وإنَّ البناء النظري الغربي بالإضافة إلى أنَّه لا يمكن أنْ يكون علمًا مقبولاً عالميًّا، فإنَّه وُلِدَ قاصرًا ومُشوَّهًا مهما كانت الكفاءة الفكريَّة لصانِعِيه، كما أنَّ هذه النظريَّات تُعالِج أسئلةً ليستْ أسئلتنا ولا ترتبط بنا.

3- إنَّ هذه النظريات ليست محايدةً قبلنا، بل هي مُعادِية لنا وتُعبِّر صراحةً أو ضِمنًا عن مُخطَّط السَّيْطرة الغربية على النظام الدولي، وتَقُوم على مُسلَّمة تفوُّق الغرب ومشروعية سَيْطرته على العالم، وانعَكَس ذلك في كتابات مُعظَم روَّاد النظريات الغربية الذين أظهروا نظرة السَّيْطرة والاستعلاء؛ كما هي عند فولتير، ومونتسكيو، وكوندرسيه، وهوبر، ولوك، وروسو، وهيوم، وميل، وسان سيمون، ودوركايم، وماركس... وغيرهم.

أمَّا هؤلاء الذين دافَعوا عن الحضارة الإسلاميَّة من رجال الغرب مثل رودنسون، فقد أقنع تابِعِيه من المثقَّفين المسلمين بأنَّ الإسلام كان صالحًا في الماضي أمَّا الآن فإنَّه فقَدَ هذه الصلاحية.

4- جاءت النظريَّات الغربيَّة لتُعِيد تركيبَ التاريخ على نحوٍ يضَعُ الحضارة الغربيَّة كغايةٍ وحيدة للتقدُّم العالمي المنشود، كما جاءتْ نظَراتهم المستقبليَّة لتُبشِّر بمستقبلٍ أسود ينتَظِر مجتمعاتنا.

5- سرَّبت النظريَّات الغربيَّة إلينا مفهومًا مُقتضاه أنَّ الفردوس الأرضي الذي يقومُ على الدنيويَّة سيكون عبرها، أمَّا الثورة العلميَّة والتكنولوجيَّة فلا تحمل فقط وُعودًا بالرفاهية، وإنما حملت نذيرًا بالدَّمار الشامل وخَراب البيئة، ولم يتحقَّق من هذا الفردوس إلا تحلُّل القِيَم بسُرعةٍ متزايدة، وزيادة الإحساس بالاختناق والاغتراب.

6- إنَّ هذه النظريَّات الغربيَّة لا تُعادِينا فقط، بل تزدَرِينا، وإنَّنا حينما نستخدمها فإنما نخضع لتَحرِيضها لنا على احتِقار تاريخنا، ونبتَلِع مسلَّمة أنَّنا أدنى، كما تصدر إلينا نظريَّات خاصَّة مثل (نظريات التنمية) التي صمَّمتها عمدًا لضَمان استِمرار السَّيْطرة الغربيَّة علينا، وعلى نحوٍ لا يمكننا من إحداث تغييرٍ جذري في بنية النِّظام الدولي، وتهدف هذه النظريَّات المصدَّرة إلينا إلى إلحاقنا بالغرب في كلِّ النواحي: الاجتماعيَّة، والسياسيَّة، والثقافيَّة، وليست الاقتصاديَّة فقط، بدعوى أنَّ التحديث مفهومٌ مُركَّب بالضرورة[9].

ثانيًا: بالنسبة لرجال الاجتماع وباحِثينا الاجتماعيين الآخَرين:
1- أدانَ رجل الاقتصاد محاولةَ رِجال الاجتماع إخضاعَ ما هو غير عِلمي كالقِيَم والأيدلوجيَّة لشُروط الفرض العلمي، واتَّهمهم بأنهم تابعون مُتأثِّرون بشدَّةٍ بطُموحات أهل الغرب، وغير قادِرين على التمييز بين الإنسان وثاني أكسيد الكربون، وبيَّن أنَّ هذه المحاولة مستحيلةُ التحقيق، ولا تهدف إلا لتحويل المجتمع إلى آلةٍ كبيرة محكومة الحركة ومضبوطة الأزرار، كما تسعى إلى فرْض قواعد وقوالب على الحركة الاجتماعيَّة، ولا تخرج برمَّتها عن مجرَّد رياضة ذهنية تضرُّ ضررًا بليغًا بمعرفتنا بحقيقة المجتمع الحي.

2- أدانَ رجل الاقتصاد هؤلاء الذين انبهَرُوا بما قِيل عن (العقلانيَّة) وسيادة العلم في الغرب، والذين نظَرُوا إلى التطوُّرات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة بعين العقلانيَّة الغربيَّة، وأدانَهم أيضًا لاحتِفائهم بمراحل النهضة والتنوير الغربي -الذي كُنَّا نحن ضَحاياه- وأظهر أنَّ انتشار أفكار عصر التنوير وما صاحَبَها من تقدُّم علمي صناعي قد رسخ المفاهيم والنظريات الغربية التي تتمَحوَر حول التفوُّق الأوربي.

3- أدانَ رجل الاقتصاد المفكِّرين والكُتَّاب المتفرنجين والمتغرِّبين، المستوعِبين تمامًا للفكر الغربي، والذين عَمِلُوا للغرب كمستشرقين محليِّين، ووصفهم بأنهم تربَّوا على استخدام المنتج الجاهز؛ سواء كان سلعةً استهلاكيَّة أو نظريَّة اجتماعيَّة، والذين تقرَّبوا إلى السُّلطة للحِفاظ على أنماط حَياتهم ومعيشتهم، ورأى أنَّ هذه القِطاعات من المفكِّرين والكُتَّاب صُمِّمت بحيث تكون عيقمةً لا تنجب، تُشبِه أهل الغرب في كلِّ شيءٍ إلا في القُدرة على الإبداع.

4- أدانَ رجل الاقتصاد هؤلاء الكُتَّاب والباحثين التلفيقيين الذين يخدَعُون أنفسهم ويستخدمون المفاهيم الغربيَّة مع تغيُّرٍ في المصطلحات الدالَّة عليها، ثم يدَّعون أنَّ لهذه المفاهيم أصلاً في تُراثنا يُبرِّر الأخْذ بها.

أصابَ رجل الاقتصاد في كلِّ ما قالَه، خاصَّة فيما عبَّر عنه بقوله:
إنَّ النظريَّات الغربيَّة تجعل (الإنسان محور الكون) بدلاً من (الله تعالى) كما هو في عقيدة التوحيد الإسلاميَّة، وانتهى إلى بَيان أنَّه يؤمن بالصِّيغة الإسلاميَّة التي تقومُ على الإيمان بالله الواحد الخالق كمفهومٍ محوري، وأنَّ الدنيا ليست كلَّ شيء، وأنَّ بعدها حِسابًا.

هذا صحيح، لكن رجل الاقتصاد وقَف عند هذا الحدِّ، ثم أطلق مَقُولات أخرى يُعتَبر الأخذُ بها تدميرًا لعقيدة التوحيد الإسلاميَّة، وهدمًا لكلِّ ما قالَه من قبل، فوقَع في الدائرة التي حدَّدَها الشيخ مصطفى صبري: (بأنَّ التمسُّك بالدِّين مع ضعف وشبهة في العقيدة مساوٍ لعدم الدِّين).

أوَّل ما هدَم به رجلُ الاقتصاد عقيدةَ التوحيد الإسلاميَّة هي قوله: إنَّ الإسلام لا يتَلخَّص في القضيَّة المحوريَّة (لا إله إلا الله)، في حين أنَّ عُلَماء المسلمين -لا العُلَماء الاجتماعيين- يُجمِعون على أنَّ (لا إله إلا الله) هي أصل الدِّين ورأس الإسلام، وهي التي بُعِثَ بها جميعُ الرسل، وهي الحقيقة الأولى التي يقومُ عليها التصوُّر الاعتقادي في الإسلام، فبِخِلاف أنَّ الإنسان وفْق هذا الأصل المحوري (لا إله إلا الله) لا يكون عبدًا إلا لله، ولا مطيعًا إلا لله، فإنها تعني أنَّ (الله تعالى) هو المُشرِّع للعِباد، ولا يكون تشريع البشَر مستمدًّا إلا من شريعة الله، وقِيَمُ الحياة كلها لا تكون إلا من الله، ولا شرعيَّة لوضْع أو تقليد أو تنظيم يُخالِف منهجَ الله؛ ولهذا فإنَّ زعْم رجلِ الاقتصاد بأنَّه من المؤمنين بالصبغة الإسلاميَّة مع قوله بأنَّ الإسلام لا يتلخَّص في (لا إله إلا الله) أمران لا يتَّفقان، يقول -عزَّ وجلَّ-: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا ﴾ [النساء: 60].

هذا إنكارٌ من الله -عزَّ وجلَّ- على مَن يَدَّعِي الإيمان بما أنزَلَ الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدَمِين، وهو مع ذلك يريدُ أنْ يتحاكَم إلى غير كتاب الله وسنَّة رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم.

إنَّ إقرار رجل الاقتصاد بمفهوم الإيمان بالله الواحد الخالق، واعتقاده بأنَّ الله وحدَه خلَق العالم، ثم ظنه بأنَّ هذا هو غاية التوحيد، لا يعني أنَّه قد أصبَح (مُوحِّدًا)، إنَّ مشركي العرب كانوا مُقرِّين بأنَّ الله وحدَه هو خالق كلِّ شيء، وكانوا مع هذا (مشركين).

إنَّ رجل الاقتصاد لم يقرَّ بالتحاكُم إلى شريعة الله وحدَه، بل أنَّه فتح الباب بقوله: إنَّ الإسلام لا يتلخَّص في (لا إله إلا الله) لتلقي تصوُّرات وقيم وموازين وأخلاق وآداب واجتماع وسياسة واقتصاد من غير شريعة الله، وبذلك يكونُ قد خرَج من الشريعة الخاصَّة التي بُعِثَ بها محمدٌ -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى القدْر المشترَك الذي فيه مُشابهةٌ مع اليهود والنَّصارَى والشيوعيين وغيرهم.

يقول الله -تعالى-: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65].

إنَّ الله -تعالى- هنا قد أقسَمَ بنفسه الكريمة المقدَّسة ألا يؤمن أحدُكم حتى يُحكِّم الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- في جميع الأمور، فما حكَم به هو الحق الذي يجبُ الانقياد له باطنًا وظاهرًا؛ ولهذا قال: ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ ﴾؛ أي: إذا حكَّموك يطيعونك في بواطنهم، فلا يجدوا في أنفسهم حرجًا ممَّا حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، ويُسلِّمون لذلك تسليمًا كليًّا من غير مخالفة ولا مدافعة ولا منازعة، وقد ورد في الحديث: ((والذي نفسي بيَدِه لا يؤمنُ أحدُكم حتى يكونَ هواه تَبَعًا لما جئتُ به))[10].

إنَّ رجل الاقتصاد لم يقرَّ ولم يُسلِّم ولم ينقَدْ، ورغم إيمانه فإنَّه خالَف ودافَع ونازَع.

لم يكن هوى رجل الاقتصاد تبعًا لما جاء به الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- وإنما تبعًا (للتكوينات الاقتصادية الاجتماعية) عند ماركس، وتبعًا (للمكونات الغربية) التي طوَّعَها (ماوتسي تونج) لظروف الصين، ثم أنشأ منها ما أسماه رجل الاقتصاد (بالبناء النظري المُحكَم)، ثم دعانا إلى الالتفات إلى ما أسماه أيضًا بالدرس العظيم لهذه التجربة الصينية، وطالَبنا بالاسترشاد به، وبالتجربة السوفياتية واليابانية.

كان النموذج الصيني عند رجل الاقتصاد هو النموذج القريب إلى واقِعنا والذي يجبُ علينا أنْ نتدرب على تصميم نموذج مثله، إنَّ قوله بأنَّه لا يقصد أنْ نستورد هذا النموذج الصيني لا يغفر له الهوى.

لم يكن هوى رجل الاقتصاد أيضًا تَبَعًا لما جاء به رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- وإنما كان تَبَعًا لما أسماه بمشروع (بناء الأمَّة في إطار المحددات الموضوعيَّة)، إنَّه لا يقصد بهذا المشروع كتاب الله وسنَّة رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- بالطبع.

ألم يكن رجل الاقتصاد هذا هو الذي أشادَ بتجربة (محمد علي) في مصر، واعتبَرَها نموذجًا على إمكانيَّة ابتداع ما أسماه بالأشكال الأصيلة للثورة الصناعيَّة التي تُخالِف الشكل الأوربي، ولعلَّه لم يغبْ عن ذهن رجل الاقتصاد إشادة (ماركس) بمحمد علي في ضرْب الإسلام، وقوله -أي: ماركس- في ذلك: "إنَّ محمد علي هو الشخص الوحيد القادر على إحلال رأس حقيقي محلَّ عمامة المراسم"[11].

وقول العلمانيين إشادةً بدور محمد علي في ضرب الإسلام: "إنَّ هذه التجربة حقَّقتْ إنجازًا عظيمًا في البِنَى الأساسيَّة والأفكار التي حملَتْها والنظريات التي نقلَتْها والرُّؤى التي قدَّمتها، التي تُخالِف في جُملتها ما جاء به رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم"[12].

وفي الوقت الذي شدَّد فيه رجلُ الاقتصاد هُجومَه على النظريَّات الغربيَّة، دعا في نفس الوقت إلى أنْ نأخُذ من هذه النظريَّات ما هو عام ومجرَّد وليس بخاصٍّ، فخرج بذلك من الشريعة الخاصَّة التي بُعِثَ بها محمد -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى ما اعتقد أنَّه القدر المشترَك الذي فيه مشابهةٌ مع اليهود والنصارى وماوتسي تونغ من قبل.

لم يكن هوى رجُل الاقتصاد تبعًا لما كان في عصر صدر الإسلام الأول، وقرنه الذي قال عنه الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم-: إنَّه خير القرون، وإنما كان هَواه تبعًا لما أسماه (بالأمَّة الصينيَّة العملاقة ذات التاريخ المجيد).

ولم ينسَ رجل الاقتصاد أنْ يُشِير إلى أنَّ هذه الأمَّة الصينية العظيمة -في نظَرِه- قد صاغَتْ نموذجًا شرع في دِراسة الطبقات غير متقيدة بالنموذج الماركسي، لكنَّها وضعتْ مع ذلك أوزانًا (للفلاحين والبورجوازية والملاك والبروليتاريا)، ثم لفت الانتباه إلى مُوالاة هذا النموذج للمصطلحات الماركسية بإصرارها على قيادة البروليتاريا للحركة والثورة بنصِّ عبارات رجل الاقتصاد.

هاجَم رجل الاقتصاد هؤلاء التلفيقيِّين الذين استخدَموا المفاهيم الغربية نفسها، ثم ادَّعوا أنَّ لها أصلاً في التراث يُبرِّر الأخْذ بها، ونحن معه في ذلك تمامًا، لكنَّه وإنِ اعترف من قبل بأنَّه ضلل بالعقلانية ها هو يُوفِّق بينها وبين الإسلام، بل يزيدُ قائلاً: إنَّ الصياغة الإسلاميَّة في إجمالها لا تتنافَى مع العقلانية، وإنَّ هناك عقلانية دنيوية غربية مقابل عقلانية إسلامية، وإنَّ العقلانية ليست باختراعٍ فريد للحضارة الغربية.

ألم يكنْ هو نفسه الذي قال: "إنَّ المفاهيم الدنيوية تتولَّد عنها في الأنساق الفكرية الغربية مفاهيمُ فرعيَّة في كلِّ مَناحِي المعرفة الاجتماعيَّة، تتعارَض دائمًا مع المفاهيم الفرعيَّة المتولِّدة مع المتغيِّرات التي أدخَلْناها (وخاصَّة الإيمان بالله - تعالى)؟

لِمَ لم يُطبِّق ذلك على العقلانيَّة الغربيَّة؟ ولِمَ حاوَلَ إثبات أنَّ للعقلانيَّة أصلاً في الإسلام بحصْره للعقلانيَّة في استخدام العقل؟ ألم ترتَبِط العقلانية بمفكِّري عصر التنوير في فرنسا، ذلك العصر الذي لامَ مثقَّفينا بسببه لاحتفائهم به، وقال: إنَّ شعوبنا من ضحاياه؟ ألم تُعْلِ العقلانيَّة من قيمة العقل لتقف في مواجهة الإيمان؟ ألا تعني العقلانية في أكثر معانيها شُيوعًا أسبقيَّة العقل فوق سائر الأشياء في فهْم الحقائق الجوهريَّة عن العالم؟ لِمَ حصر رجل الاقتصاد العقلانية في استخدام العقل، وقال: إنَّ الإسلام وجه العقلانية عندنا، فوصلت إلى نتائج مغايرة، وأنَّ بوُسْعِ العقلانيَّة الإسلاميَّة أنْ تجتهد وتُطوِّر هذه النتائج؟ ورفَع عن العقلانية ما وصَفَها به علماء الغرب بقولهم: "إنَّ روح عصر التنوير النقديَّة العقلانيَّة وجَّهت ضدَّ الحقائق المنزلة في الكتب المقدَّسة، وأنَّ العقلانية حركةٌ مُضادَّة للدين ذات نظرة نفعيَّة، تُعطِي وزنًا كبيرًا للمناقشات العلمية والتاريخية المضادَّة للإيمان؟"[13].

لِمَ حاول رجل الاقتصاد أنْ يخلط المفاهيم حتى ولو ادَّعى أنَّه فرَّق بين عقلانيَّة دنيويَّة وأخرى إسلاميَّة؟ لِمَ حاول أنْ يجعلنا نستسيغ العقلانية وننسى ارتباطاتها الإلحادية؟ إنَّ ذلك قد يصل بالبعض إلى تكرار ما حدث في الماضي بأنْ يكون العقل وحدَه هو الأصل، ويكون الإيمان بالقُرآن تابعًا له، وأنْ تكون المعقولات هي الأصول الكليَّة المستغنية بنفسها عن الإيمان بالقُرآن.

إذا كانت المسألة هي استخدام العقل فلننظر إلى ما قاله علماء المسلمين:
"العقل شرطٌ في معرفة العلوم وكَمال وصَلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، لكنَّه ليس مستقلاًّ بذاته، لكنَّه غريزة في النفس وقوَّة فيها بمنزلة قوَّة البصر التي في العين، فإن اتَّصل به نور الإيمان والقُرآن كان كنوز العين إذا اتَّصل به نور الشمس والنار... وإنِ انفَرَد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحدَه عن دركها، وإنْ عُزِلَ بالكلية كانت الأقوال والأفعال مع عدمه أمورًا حيوانيَّة"[14].

ألَمْ يكن رجل الاقتصاد رفيقًا بمجادِلِيه ولم يلزمهم بمفهومٍ محدَّد وصريحٍ عن الإيمان بالله تعالى، وترَك لهم الحريَّة حوله بدعوى أنْ هذه المسألة مناقشة فلسفيَّة؟

ألم يكن رجُل الاقتصاد هو ذلك الذي قَبِلَ في صِيغَته الإسلامية المقترَحة مفاهيمَ ماركسية مثل: الطبقة، والتراتب الاجتماعي، والصراع الاجتماعي، بدعوى أنها عالميَّة وعلى مستوى عالٍ من التجريد؟

ألم يكن رجل الاقتصاد رفيقًا (بالعلمانية) -رغم هجومه عليها- فلم يشرح معنى قوله بأنها لم تكفر بالله صراحةً أو بالضرورة، وأنها فقط جعلتْ قضيَّة الإيمان بالله مجرَّد مسألة شخصيَّة، ولا أهمية لها في بحث شُؤون المجتمع والعلاقات الاجتماعيَّة؟

لقد كان رجل الاقتصاد حريصًا على ألا يُدمِّر موقعَه بين المثقفين اليساريين وغيرهم، لو تطرَّق إلى الميتافيزيقا اللاعلميَّة بصورةٍ أشد، وتحدَّث عن تحكيم كتاب الله وسنَّة رسوله -صلَّى الله عليه وسلَّم- لذلك لم نستَغرِب استِقبال الماركسيين العرب من رجال الاجتماع لمشروعِه بالإطراء والثناء والانتقاد اللطيف[15].

بل وصَفُوا مشروعَه بأنَّه متميِّز وثريٌّ يستحقُّ المناقشة، لم يهاجموه ويتَّهموه بالدعوة للحاكمية القطبية، أو بأنَّه جمَع ما لم يأتلف، ولم ينظُروا إلى مشروعه على أنَّه شديد العموميَّة، أو بالعجز عن بعث الخصوصيَّة المطلوبة التي تُوضِّح التفاعُل الإيجابي بين الإسلام والعصر الحديث.

لقد اعتَرَف الماركسيون العرب من رجال الاجتماع بأنَّ الصحوة الإسلاميَّة أسقطَتْ تلك (العقلانية) التي تمسَّكوا بها، وأثبتَتْ عجزَها على الصعيدين: النظري والمنهجي، بعد أقل من ستِّ سنوات من محاولة رجُل الاقتصاد ربطَها بالإسلام ليوجد بها ثغرةً في جِدار الصحوة، وليجدَ مكانًا على الساحة الإسلاميَّة بتخريب مفهوم (لا إله إلا الله) والتهوين من حقيقة (العلمانيَّة)، والدعوة إلى أخْذ العام والمجرَّد في النظريَّات الغربيَّة والماركسيَّة، والاقتداء بنماذج ماوتسي تونغ، فيُحافِظ في نفس الوقت على موقعه بين أعداء الدِّين والصحوة الإسلاميَّة[16].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر تفصيلاً: جلال أمين، بعض مظاهر التبعية الفكرية في الدراسات الاجتماعية في العالم الثالث، إشكالية العلوم الاجتماعية في الوطن العربي، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، القاهرة 1984، ص: 231-241.
[2] بوتومور، تمهيد في علم الاجتماع، ترجمة: محمد الجوهري وآخرين، دار المعارف، القاهرة، 1978، ص: 9-18.
[3] G.Lowes Dickinson,sociology and Ethics, the sociological,1-2,1908-1909,PP.174-177 Review
[4] Rosemary Gordon, The impact of social sciences on Ethics, Sociological R.,1954,PP.57-75.
[5] Charles Mcgehee, spiritual Values and sociology, The American Sociologist, 1982, V.17(FEB.) PP.40-46.
[6] رسالة أرسلها إلينا ماك جي في 4 يونيو 1990.
[7] عادل حسين، النظريات الاجتماعية الغربية قاصرة ومعادية، إشكالية العلوم الاجتماعية في العالم الثالث، ص: 243-275.
[8] استخدم عادل حسين مفهوم (الدنيوية) بدلاً من العلمانية.
[9] انظر: وقفة مع إشارات أمريكية عن الإسلام والتنمية، الحلقة 32، الإسلام والكونجرس، وكذلك: مشكلة التنمية والهجوم على الإسلام، الحلقة 33، مجلة المجتمع، العددان: 948، 949، وبهما الخطة التي وضعها رجال الاجتماع في بلادنا لضرب العقيدة مستقاة من أحد المراجع الخاصة بالتنمية والتي تدرس على الطلاب في جامعاتنا.
[10] انظر معنى (لا إله إلا الله) وتفسير الآيات المذكورة في مختصر تفسير ابن كثير، وفي ظلال القرآن؛ لسيد قطب، ومجموع فتاوى ابن تيمية مجلد (1) ص 76، وفتح المجيد شرح كتاب التوحيد؛ لعبدالرحمن حسن آل الشيخ ص16-17.
[11] ز.ا.ليفين، الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث، ترجمة: بشير السباعي، دار ابن خلدون، بيروت، الطبعة الأولى، 1978، ص: 26.
[12] معن زيادة، معالم على طريق تحديث الفكر العربي، سلسلة عالم المعرفة 15، المجلس الوطني للثقافة، الكويت، 1987، ص174.
[13] Ninlan Smart, Rationalism, the Encyclopedia of Philosophy, Macmillan Publishing, N.Y.m London, P.69.
[14] تقي الدين ابن تيمية، الرد على المنطقيين، الجزء الأول، مكتبة الأزهر الشريف، القاهرة ص344.
[15] محمد عزت حجازي، الأزمة الراهنة في الوطن العربي، نحو علم اجتماع عربي، مركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة كتب المستقبل العربي (7)، 1986 ص: 37.
[16] انظر: الحلقة الأولى: علماء الاجتماع والعداء للدين وللصحوة الإسلامية، العدد 40.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ

عبدالناصر محمود
10-09-2014, 08:24 AM
هل تحتاج بلادنا إلى علماء اجتماع ؟
ــــــــــــــــــــ


اعترافات علماء الاجتماع
-------------------

الحلقة الثامنة عشر
-------------

هل تحتاج بلادنا إلى علماء اجتماع؟
-----------------------

الإجابة بـ(لا) قطعًا.

لكنَّ هذه الـ(لا) ليست من عندنا.

إنها من أفواه وأقلام عُلَماء الاجتماع أنفسهم.

كان رجال الاجتماع في بلادنا وما زالوا يتصوَّرون أنهم طليعةُ هذه الأمَّة وضميرها، وأنهم القُدوة والنموذج، وأنهم الطلائع والضمائر.

كانوا -وما زالوا- يعتقدون أنهم لا يُبالِغون إذا تصوَّروا أنهم يملكون في أيديهم (عناصر الترشيد الضروريَّة) للمجتمع، وأنهم يستطيعون توصيفَ المراحل التي يمرُّ بها هذا المجتمع وتحليل قُواه الاجتماعيَّة الفاعلة، وأنَّه بإمكانهم تقديم البدائل المتاحة أمامَه[1].

لقد وصَل الأمر برجال الاجتماع في بلادنا إلى الاعتقادِ بأنَّ الخبير منهم يجبُ التبرُّك به[2].

نبَع هذا التصوُّر الذاتي الوهمي المُبالَغ فيه عند رجال الاجتماع من نظرتهم إلى المجتمع الذي لا يخرج عندهم عن مجتمعٍ من الجهَلَة والأميِّين والمرضى والجائعين والمتأخِّرين، الذين على رِجال الاجتماع تنميتهم وعِلاجهم وعصرنتهم أو تغريبهم، والإنسان العربي عندهم إنسانٌ تقليدي مُتأخِّر مُتخلِّف[3].

ما هي عناصر الترشيد الضرورية هذه التي يعتقد رجال الاجتماع أنهم يملكون مفاتيحها؟ إنها أيُّ شيء يمكن أنْ يكون إلا (الإسلام).

إنَّ من أبرز صِفات هذا الإسلام أنَّ الدِّين والعلم فيه مُتَساندان ولا يتَصادمان كالحال في بلاد الغرب.

ومع ذلك فإنَّ من مُسلَّماته الجوهريَّة (الإيمان بالغيب).

الله -تعالى- نفسه (غيب)، والملائكة والجن والشياطين والجنة والنار والبعث والحساب واليوم الآخر، كلُّ ذلك (غيب)، ولن يستقيم الإيمان إلا بالاعتقاد في هذا (الغيب).

وإذا كان علم (الغرب) قاصرًا عن إثبات هذا الغيب فإنَّ هذا ليس لعيبٍ في الدِّين، وإنما لعيبٍ وقصورٍ في العلم ذاته.

سارَ رجال الاجتماع في بلادنا وراء الغرب (حذو القذَّة بالقذَّة) ودخَلوا وراءَه (جحر الضب) الذي تحدَّث عنه الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- ففصلوا بين الدِّين والعلم، ورفضوا الإيمان بالغيب؛ بحجَّة أنَّه لا يستقيم مع العلم.

الدكتور (أحمد الخشاب) هو أحد رُوَّاد علم الاجتماع في بلادنا، تتَلمَذ على يدَيْه مُعظَم مَن يشغلون الآن كراسي علم الاجتماع في جامعاتنا العربيَّة.

لقد علَّمَهم أحمد الخشاب عناصرَ الترشيد الضروريَّة، هذه التي يتحدثون عنها الآن.

علَّمَهم فصلَ الدِّين عن العلم، ورفْض الإيمان بالغيب الذي يعدُّه أيديولوجيَّة تُمثِّل إطارًا مَرجِعيًّا لتفسيرٍ تبريري تحكُمُه عقليَّة تسلُّطيَّة رجعيَّة.

يقول أحمد الخشاب في كتابه الذي خصَّصَه لهذا الترشيد: "على أنَّه يجب أنْ نُؤكِّد أنَّنا نرفُض النظرة التقليديَّة للقِيَم الروحيَّة التي تتمثَّل في مجموعة التصوُّرات الطقوسيَّة التي تَحوِيها الساحة الدينيَّة وتغذيها الأيديولوجيَّة الغيبيَّة؛ ذلك لأنَّنا نعلَمُ عن يقينٍ أنَّ الأيديولوجيَّة الغيبيَّة كانت ولا تزال تمثِّل الإطار المرجعي للتفسيرات التبريريَّة للعقليَّة التسلُّطيَّة الرجعيَّة"[4].

ويُعتَبر أحمد الخشاب من أوائل الذين حاوَلوا صِياغة نظريَّة اجتماعيَّة عربيَّة، وكان ذلك في عام 1970.

وأوَّل مُسلَّمات هذه النظريَّة هو الإطاحة بما أسماه بـ(الأطر العقائديَّة التقليديَّة) التي رأى أنها تُعبِّر عن (طبيعة غير علميَّة).

اعتبر الخشاب أنَّ هذه العقيدة من أهمِّ العثرات التي تَقِفُ في وجْه هذه النظريَّة المنشودة[5].

ولنَعُدْ قليلاً إلى مرحلة ما قبل الخشاب.

كان عام 1908 هو عامَ تأسيسِ أوَّل جامعة أهليَّة علمانيَّة في مصر أُلقِيتْ فيها أوَّل محاضرات في علم الاجتماع (القانوني).

وكانت الفترة من عام (1924 إلى عام 1936) هي فترة التحوُّل التدريجي لما يُسمُّونه بـ(علم الاجتماع العلمي).

وبفِعل تأثير الأفكار التي حملها (رفاعة الطهطاوي) والاحتكاك بالغرب في الحرب العالمية الأولى، تدفَّق إلى مصر كمٌّ من الأفكار الجديدة التي قال عنها رجال الاجتماع في بلادنا إنها: "تحدَّت الأفكار القديمة وأعدَّت لمرحلة الانقِطاع عن الماضي"؛ أي: (الإسلام).

شهد عام (1924) تأسيسَ الجامعة المصرية (جامعة القاهرة حاليًّا) وهي جامعةٌ حكوميَّة حلَّت محلَّ الجامعة الأهليَّة.

ألقيت في هذه الجامعة أوَّل محاضرات منظَّمة في عِلم الاجتماع.

وكان من المنطقيِّ مع تأسيس الجامعة الأمريكيَّة في القاهرة في مُنتَصف العشرينيَّات تقديم برنامجٍ منظَّم في علم الاجتماع، وبذلك أحكَمَ الأمريكيُّون مع العلمانيين في مصر ضبْط خُيوط تحقيق هذا الانقِطاع عن الإسلام.

أمَّا أوَّل كراسي الأستاذية في علم الاجتماع فقد شغلها بالطبع أساتذة أجانب بارزون وعلى رأسهم إيفانز برتشارد (1932-934)، وآرثر موريس هوكارت (1934-1938)، أمَّا في جامعة الإسكندرية فقد شغل كراسي الأستاذية في علم الاجتماع أساتذة غربيُّون بارزون على رأسهم (راد كليف براون) و(ردنك أورلخ).

لقد شَهِدتْ هذه الفترة انتشارَ الأفكار (الإلحاديَّة) للفلسفة الوضعيَّة لـ(أوجست كنت)، وللمدرسة الفرنسية في علم الاجتماع، وأفكار المدرسة الأنتربولوجية البريطانية، والأفكار التحرُّرية السائدة في الغرب[6].

وعن موقف هؤلاء الأساتذة الأجانب من الدِّين يكفي هنا أنْ نستَشهِد بمقولةٍ مهمَّة قالها قطب الأنتربولوجيا الشهير (إيفانز برتشارد) الذي كان أوَّل مَن شغَل كرسي الأستاذية في جامعة القاهرة، والذي أشَرْنا إليه في الفقرة السابقة، يقول برتشارد في عام 1959: "إنَّ الأنتربولوجيين بصفةٍ عامَّة ذووا اتِّجاهات سلبيَّة عدائيَّة كئيبة ضد الدِّين".

إنَّ العلماء الأوائل الذين أثَّروا في الفكر الأنتربولوجي لأكثر من قرنٍ كامل يُوقِنون تمامًا بعدَم مصداقيَّة الدِّين المنزَّل، وأنَّ كلَّ العقائد نسبيَّة.

ورأى عُلَماء القرن التاسع عشر أنَّ الدين غير حقيقي، وعديم الفائدة، ويجب استئصاله والتقليل من آثاره وإنقاص هيبته بالتقدُّم العلمي، وحينما تحقَّقوا من الوجود العام للدِّين عبر التاريخ الإنساني حاوَلوا أنْ يشرَحُوا ما اعتبروه وهمًا بردِّه إلى عوامل نفسيَّة.

إنَّ معظم البارزين من علماء الأنتربولوجيا لم يكن لهم اعتقادٌ دِيني؛ لأنَّ العقائد كلها عندهم مُضلِّلة[7].

نما علمُ الاجتماع في بلادنا بصورةٍ سريعةٍ لتحقيق هذا الانقطاع عن الدِّين وعن الإسلام.

عرَّف علم الاجتماع موضوعاته وأهدافه وإمكانيَّاته.

وإذا قِيسَت الفترة الزمنيَّة التي رسخ فيها هذا العلم في الجامعات العربيَّة فإنَّ نموَّه ولو مقيسًا فقط بعدَدِ خرِّيجيه لَيُشكِّلُ تقدُّمًا ملحوظًا لم يصل إليه نظيره في الجامعات الغربية والشرقية قي الفترة نفسها[8].

شهد علم الاجتماع في تطوُّره الأكاديمي التنظيمي مراحلَ توسُّع ضخمة تركَّز أكثرها خلال السبعينيَّات؛ حيث أُنشِئ عددٌ كبير من أقسام الاجتماع في الجامعات العربيَّة سواء في مصر على امتِداد رُقعتها من القاهرة حتى أسوان، أو على امتداد الوطن العربي من الكويت وبغداد والدوحة والإمارات شرقًا حتى فاس والرباط غربًا، مرورًا بكلِّ الجامعات الكبيرة والصغيرة حتى تلك الجامعات التي يُطلِق عليها (محمود الجوهري) - أستاذ الاجتماع بجامعة القاهرة - (الجامعات الدينية) كجامعة الأزهر وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية[9].

وهنا تكمن الكارثة الكُبرَى وهي غزْو علم الاجتماع لما يُسمُّونه بالجامعات الدينيَّة.

وسنستشهد هنا بنموذجٍ واحد لبيان ضَخامة حجم هذه الكارثة.

هذا "زيدان عبدالباقي" أستاذ علم الاجتماع بكلية البنات بجامعة الأزهر يقول لطالباته: "هذا، وتُواجِه البلاد الإسلاميَّة مشكلة مختلفة تمامًا تَدُور حول جمود التقاليد الدينيَّة، الأمر الذي يتعارَض مع التغييرات التكنولوجيَّة.

ذلك أنَّ الإسلام قد فرَض كثيرًا من الأوامر والنواهي على مُعتَنقِيه، الأمر الذي يتعارض مع أيِّ تغيير يستهدفه التقدُّم العلمي والتكنولوجي، وإذا كان من المتَّفق عليه أنَّ العقيدة الدينيَّة تتطابق مع كلِّ نموذج معقول من الفكر، فإنَّ غاية واحدة لطيف أنوار العقيدة الدينيَّة تجعل ***** بمثابة العنصر السائد للدِّين"[10].

لم يكنْ باستطاعة علم الاجتماع في بلادنا أنْ ينمو دون أنْ يقدم مَزاعم عريضة عن فائدته المجتمعيَّة العامَّة وأهليَّة مُمارِسيه واحترافهم، فلم يتردَّد مُؤسِّسوه ودارسوه أنْ يُعلِنوا منذ البداية أنَّ علمهم يُعَدُّ (وصفة طبيَّة ناجحة) لعلاج جميع أمراض مجتمعهم[11].

ولهذا فإنَّه في خلال نِصف القرن الأخير دخَل علم الاجتماع ضِمن مناهج الدراسات الجامعيَّة في أقسام وشُعَب مُتخصِّصة يصل عددها إلى حوالي ثلاثين شعبة، وبعد أنْ كان يدرس في البداية على أيدي هواة من المتخصِّصين في فُروعٍ معرفيَّة أخرى سرعان ما أصبح تدريسُه على أيدي مُتخصِّصين في علم الاجتماع ذاته، يصلُ عددهم بمعيار الحصول على الدكتوراه إلى حوالي المائتين.

ويصل عدد الطلاب المتخصِّصين في علم الاجتماع في الجامعات والكليات العربية حتى الآن إلى حوالي "عشرة آلاف" طالب يتخرَّج منهم سنويًّا حوالي "ألفي" طالب.

كما يوجد في الوطن العربي ما لا يقلُّ عن "خمسة عشر" مركزًا بحثيًّا في علم الاجتماع أو بعض فروعه.

ويظهَر في المتوسط حوالي "مائة" كتاب سنويًّا يُؤلِّفها أساتذة الاجتماع العرب، بالإضافة إلى "مئات" من الأوراق المقالات والتقارير البحثيَّة والاستشاريَّة، علاوةً على "عشر" مجلات أكاديميَّة مُتخصِّصة في علم الاجتماع[12].

وبعد سبعة وسبعين عامًا من هذا النموِّ والازدهار والتضخُّم الكمي والمؤسَّسي في علم الاجتماع (المنقطع عن الإسلام) اجتَمَع رجال الاجتماع العرب في تونس وبالتحديد في يناير 1985؛ لمناقشة محصلة هذا الانقطاع، وهل أثمر التخريب المتعمد للنسيج الاجتماعي في بلادنا، وذلك في ندوة بعنوان (نحو علم اجتماع عربي).

كان أهم نتائج هذه الندوة الاعتراف الصريح بالفشل الذريع الذي تجسَّد في إجاباتهم على سؤالٍ طرَحُوه بأنفسهم هو: (هل يستطيع الوطن العربي أنْ يعيش ويزدَهِر بدون علماء اجتماع؟)، اعترف رجال الاجتماع ويعتصرهم الألم الشديد اعترافًا جليًّا بأنَّ بلادنا ليست في حاجةٍ إليهم، وأنها ليست في حاجةٍ إليهم الآن كما لم تكن في حاجة إليهم في الماضي.

وهذا هو نصُّ اعترافات سعد الدين إبراهيم الأستاذ بالجامعة الأمريكيَّة بالقاهرة يقول فيها مجيبًا على السؤال السابق: "راوَدَنِي هذا السؤال منذ سنوات وأنا أُفكِّر في كتابة هذه الدراسة التي أُشارِك بها زُمَلائي المشتغِلين بعلم الاجتماع في الوطن العربي.
وكنت قد قرَّرت أنْ تكون مساهمتي المتواضعة في هذه الندوة جولة صريحة في أعماق الضمير السوسيولوجي، إنْ كان ثمة ضمير سوسيولوجي.

وحتى لا أطيلَ في المقدمات فإنَّ إجابتي الشخصية عن السؤال بكلِّ الصدق المؤلم هي أنَّه (نعم).

نعم؛ يستطيع مجتمعنا أنْ يعيش ويتقدَّم بلا علماء الاجتماع العرب، ولكي أُخفِّف على نفسي ألم هذه الإجابة حاوَلتُ توجيهَ هذا السؤال نفسِه بالنسبة إلى فئاتٍ أخرى في المجتمع، وخلصت إلى أنَّ هناك فئات عديدةً لا يستطيع المجتمع أنْ يعيش بدونها أهمها: الفلاحون والعمال ورجال الإدارة والجيش، وأنَّ هناك فئات أخرى لا يستطيع المجتمع أنْ يتقدَّم بدونها أهمها: المهندسون والأطباء والعلماء وخبراء التكنولوجيا والاقتصاد... أمَّا علماء الاجتماع والأنتروبولوجيا والنفس والسياسة والإعلام والآثار وفئات أخرى عديدة فيُمكِن للمجتمع أنْ يعيش ويتقدَّم بغيرهم.

وبشكلٍ آخَر لو وضَعْنا السؤال: ماذا يحدُث للوطن العربي إذا اختفى كلُّ علماء الاجتماع فجأة؟

والإجابة هي: لا شيء سيحدث للمجتمع سلبًا أو إيجابًا، وينطبق ذلك على فئاتٍ مهنيَّة أخرى كما ينطبق على مجتمعات أخرى عديدة.

وبالمقابل هناك مجتمعات تقدَّمت في العصر الحديث دون أنْ يوجد فيها فئة مهنيَّة تُسمَّى علماء الاجتماع؛ مثل اليابان إلى ثلاثينيَّات هذا القرن، والصين إلى عُقودٍ متأخِّرة من هذا القَرْنِ.

كذلك ليس هناك ما يثبت قطعيًّا أنَّ بريطانيا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة ما كان لها أنْ تتقدَّم خِلال القرنين الأخيرين لولا وجودُ علماء الاجتماع فيها.

وما أريد أنْ أخلص إليه هو أنَّ علماء الاجتماع كفئةٍ مهنيَّة مُتخصِّصة ليست ضروريَّة في المجتمع الحديث، وبالطبع لم تكن ضروريَّة في المجتمع التقليدي"[13] أ.هـ.

لم يكن هذا الاعتراف الصريح والمؤلم هو الاعتراف الوحيد لمحصِّلة (الثورة على الدِّين والانقطاع عن الإسلام)، إنما كانت هناك لرجال الاجتماع اعترافاتٌ أخرى لا تقلُّ شدَّةً في إيلامها وقسوتها عن هذا الاعتراف.

أولاً: الاعتراف بأنَّ علم الاجتماع يُوجَّه إلى مستهلكين عاجِزين عن رَفْضِه، وأنَّه نما وترَعرَع على هامش المجتمعات العربيَّة دون أنْ يحسَّ به سوى أتْباعه ومُرِيديه وأصحاب المصالح الحيويَّة فيه، أمَّا رجُل الشارع فلا يَدرِي عنه شيئًا.

يقول محمد عزت حجازي أستاذ الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة: "لن نقفَ طويلاً عند الحقيقة المحزنة التي تتلخَّص في أنَّ جانبًا -يبدو لنا كبيرًا- من البحث والدراسة والكتابة في علم الاجتماع يُوجَّه إلى مستهلكين عاجزين عن رفضه، هم طلبة الجامعات والمعاهد العُليا"[14].

ويُضِيف (سالم ساري) أستاذ الاجتماع بجامعة الإمارات العربيَّة المتحدة: "ولكنَّ المتتبِّع لتاريخ علم الاجتماع في الوطن العربي يُلاحِظ بدائل شتَّى.

إنَّه نما على هامش المجتمعات العربية.

نما وترعرع نصفَ قرن من الزمان أو يزيد دون أنْ يرعاه أو يحسَّ به سوى أتْباعه ومُرِيديه وذوي المصالح الحيويَّة فيه"[15] أ.هـ.

ويقول (ساري) في موقع آخر: "وأودُّ أن أضيف تحدِّيًا يتمثَّل في الهوَّة التي تفصل بين علماء الاجتماع وأفراد المجتمع العاديين وكذلك القضايا الاجتماعية المعاصرة"[16].

ثانيًا: الاعتراف بأنَّ علم الاجتماع نشَأ وتطوَّر وما زال هزيلاً، غير قادر على توفير نظريَّة خصبة ومناهج تَقُود إلى نتائج صلبة الأساس، وأنَّه كان -وما زال- مغتربًا عن الواقع الاجتماعي، وأنَّ المتخصِّصين لم يُسهِموا إلا في صِياغة مُشكلات المجتمع العربي وتفسيرها وليس في اقتراح الحلول لها.

يَصُوغ محمد عزت حجازي هذا الاعتراف بقوله: "إنَّ نظرة تحليليَّة نقديَّة لواقع العلم تنتهي بنا إلى أنَّه يمرُّ بأزمةٍ؛ فقد نشَأ وتطوَّر وما زال هزيلاً لا يُوفِّر مقولات نظريَّة خصبة قادرة على الإيحاء بأفكارٍ تُعِين على النَّماء والتجدُّد ومناهج يمكن أنْ تقود إلى نتائج صلبة الأساس نافذة الدلالة، وكان مُنعَزلاً أو مُغترِبًا عن الواقع الاجتماعي الحي"[17].

أمَّا سعد الدين إبراهيم فقد عبَّرَ عن ذلك في موضعين قال في أولهما: "وبالنسبة للوطن العربي فمنذ الحرب العالميَّة الأولى واستقلال البلاد العربيَّة لم تظهر مساهمة علمية نظرية يعتدُّ بها الوطن العربي".

وقال في الموضع الآخَر: "إنَّ المتخصِّصين لم يساهموا بالقدر الكافي أو بالدرجة المطلوبة في صِياغة مشكلات المجتمع العربي المعاصر وتفسيرها أو في اقتراح الحلول المطلوبة لهذه المشكلات"[18].

ثالثًا: الاعتراف بأنَّ المعرفة التي أنتَجَها رجال الاجتماع معرفة هزيلة، وأنَّ وُجودَهم هامشي، وتأثيرهم على المجتمع محدود، وأنهم غير ذوي مِصداقيَّة أو فاعليَّة، وأنَّ طالب المعرفة عن الواقع الاجتماعي يمكن أنْ يجدَها في كتابات غير كتابات علم الاجتماع.

يشرَحُ سعد الدين إبراهيم قضيَّة نجاح علم الاجتماع في إثبات وُجوده على مستوى الجامعات والمجتمع فيقول: "إلاَّ أنَّ هزال ما أنتَجوه من معرفةٍ قد جعَل هذا الوجود هامشيًّا، وجعل فاعليَّتهم في التأثير على المجتمع محدودة إنْ لم تكن معدومة.

وطالب المعرفة عن الواقع الاجتماعي العربي المعاصر قد لا يجدها إلا في الكتابات الأدبيَّة والصحفيَّة أو في أعمال بعض المشتغلين بالتاريخ والجغرافيا أو الفلسفة والدِّين، وقد لا تكون هذه المعرفة بالضرورة دقيقة أو عميقة، ولكنَّها على الأقل متوفرة ومفهومة"[19].

ويتحدَّث سعد الدين إبراهيم أيضًا عن هامشيَّة علماء الاجتماع فيقول: "ليس صدفةً أنَّ هامشية علماء الاجتماع تُواكِب هامشيَّة الفرد والمجتمع المدني في أقطار العالم العربي"[20].

أمَّا عن عدم مصداقيَّة وفاعليَّة رجال الاجتماع فيقول عبدالوهاب بوحديبة في ندوةٍ أُقِيمت في (أبو ظبي) في أبريل عام 1983 تحمل نفس العنوان: (نحو علم اجتماع عربي): "حتى الآن في البلاد العربية ليس لنا مصداقيَّة، وبما أنه ليس لنا مصداقيَّة فليس لنا فاعليَّة.

أمَّا قضيَّة المصداقيَّة يمكن أن نقول: إنَّنا نتقدم إلى الأوساط العلمية (مؤتمرات وندوات) ونتكلَّم، أمَّا الأيدي فهي فارغة، أو اليد اليمنى لا تدري ما في اليد اليسرى"[21] أ.هـ.

رابعًا: الاعتراف بأنَّ المتخصِّص في علم الاجتماع نادرًا ما يأتي إلى دِراسَتِه بمحض رغبته وإرادته، وأنَّ المناهج وأساليب التدريس وهزال الكم من المعرفة في علم الاجتماع لا يُساعد على تنشئة المتخصِّص فيه تنشئةً سليمة.

يقول سعد الدين إبراهيم: "يندر أنْ يأتي التخصُّص في هذا الميدان طالبٌ بمحْض رغبته وإرادته، وإنما غالبًا ما يأتي الطلاب إلى علم الاجتماع إمَّا بمحض الصدفة أو لعدَم وُجود بديل أفضل مُتاح أمامهم.

والقلَّة التي تأتي بمحض إرادتها غالبًا ما يختلط في عقلها مفهومُ علم الاجتماع بمفهوم الخِدمة الاجتماعيَّة أو النزعات الخيريَّة والإصلاحيَّة والإنسانيَّة، ولا تُساعِد المناهج وأساليب التدريس وهزال الكم من المعرفة السوسيولوجية في الجامعات العربيَّة على تنشئة سويَّة للغالبيَّة العُظمى من الطلاب الذين يقضون أربع سنوات في دراسة علم الاجتماع، ويتخرَّجون بمفاهيم غير ناضجة عن العلم ومَناهجه ومَفاهيمه ونظريَّاته"[22] أ.هـ.

أمَّا عزت حجازي فيُشِير إلى نفس هذه النقطة قائلاً: "إنَّ التعليم في مرحلة الليسانس والبكالوريوس والدراسات العُليا لا يهتمُّ بنوعيَّة الطلبة ولا ما يُقدَّم لهم من برامج وما يُوفَّر لهم من فُرَصِ الإعداد والتنشئة؛ وهذا بسبب التركيز على التلقين من (كتاب مدرسي) ونتيجة للعمل من موقف التعالي على الواقع أو الانفصال عنه على الأقل ينهي الدارسون تعليمَهم وهم ناقصو الإعداد، غير فاهمين للواقع وعاجزين عن التعامُل معه"[23].

خامسًا: الاعتراف بأنَّ المؤلفات العربيَّة في علم الاجتماع سيِّئة ومُتخلِّفة وسطحيَّة ومترجمة ومُستعارة من واقعٍ آخَر ومن فِكر مُؤلِّفين آخَرين تنمُّ عن اضطرابٍ وخلْط شديدَيْن، بالإضافة إلى أنها سريعةُ الإنتاج ومُؤلَّفة أساسًا لتحقيق الكسب المادي السريع.

يتحدَّث أصحاب المؤلَّفات العربيَّة في علم الاجتماع عن مؤلَّفاتهم، ويَصِفُونها وصفًا دقيقًا.

هذا "محمد الجوهري" يقول: "ولم تلتفتْ -أي: الدولة- إلى أنَّ الأستاذ الجامعي صاحب الخبرة الميدانيَّة الناقصة في فرع لعلم الاجتماع سيكون بالضرورة والقطع مُؤلِّفًا لكتب سيِّئة ومتخلِّفة ومُستعارة من واقِع آخَرين ومن فكر مُؤلِّفين آخَرين"[24].

ونقلاً عن "إياد القزاز" يقول "محمد الجوهري" عن كتابات رجال الاجتماع: "إنَّ تلك الكتابات.. علاوة على طابعها النظري فإنها ليست منهجيَّة دقيقة في طريقة العرض، بل إنَّ بعضها ينمُّ عن اضطرابٍ وخلط شديدَيْن، وهي تُقدِّم للقارئ معالجة سطحيَّة للموضوع.

ويلاحظ فضلاً عن هذا أنَّه على الرغم من أنَّ تلك الكتابات ليست ترجمات مُباشِرة للكتب الدراسيَّة الإنجليزيَّة، إلا أنَّ التأمُّل الدقيق لها يكشف لنا أنَّ الجانب الأعظم منها عبارةٌ عن ترجمات غير مباشرة مع إدخال بعض التعديلات عليها والملاءمة مع ظروف القارئ والإيجاز هنا وهناك نقلاً عن بعض الكتب الدراسيَّة الإنجليزيَّة، خاصَّة الكتب المعتمدة منها"[25].

هذا، ويُدلِي عبدالباسط عبدالمعطي أستاذ علم الاجتماع بجامعتي القاهرة وقطر، وأحد قادة حزب التجمُّع الشيوعي المصري، وأحد الماركسيين البارزين في علم الاجتماع، ورئيس الجمعية العربية لعلم الاجتماع، يُدلِي بدلوه في القضيَّة معترفًا: "إنَّ معظمنا يُعِيد إنتاج الفكر الغربي؛ استسهالاً للاستهلاك، وهذه مسألةٌ حجمت العمل المنتج على مستوى أداء علم الاجتماع.

هناك تشابُهٌ بين إنتاج (السفن آب) أو ترجمة الأفلام الأجنبيَّة والاقتباس منها وبين تصنيع (الجينز)، وبين ترجمة كتاب مدرسي مأخوذ عن المكتبة الأمريكيَّة أو الإنجليزيَّة.

التشابُه يأتي من قِيَم الاستسهال وبذْل الجهد ومُتطلَّبات السوق -سوق التدريس والتوزيع- الذي يلهَثُ البعض خلفَه كسبًا للكسب المادي في وقتٍ قصير نسبيًّا.

الجماهير التي يتعامَل معها المشتغِلون بعلم الاجتماع هي جمهور الطلاب والباحثين الشباب والمبحوثين.

بالنسبة لطلاب مراحل الليسانس هم المستهلك للمؤلَّفات المدرسيَّة التي ينتجها المشتغِلون بالعلم، وهم بالتالي مصدر دخل أساسي للقائمين بالتدريس في الجامعات العربيَّة.

لقد بيَّنت الدراسات التي اهتمَّت بتحليل ممارسات التدريس وتقويمها في الجامعات العربيَّة أنَّ من بينها زيادة الاتجاه إلى الأعمال المترجمة التي هي في جَوْهرها إعادة إنتاجٍ لأعمال آخَرين، وأيًّا كان جهد الترجمة فهو أقلُّ عناءً من التأليف.

كما يُلاحظ أنَّ المؤلَّف الواحد يُكتَب في معظم -إنْ لم يكن جميع- أبعاد التخصُّص وفُروعه.

معنى هذا بالتأكيد -خاصَّة إذا ما وضعنا في الاعتبار التسلسُل الزمني للأعمال المنشورة- تأليف سريع يستجيب لمتطلَّبات السوق، سوق التدريس وملاحقته، وتبدو الغاية هنا الكم الذي يلاحق الطلب والعائد من كلِّ طلب، وإذا أضَفْنا إلى هذا أنَّ المؤلف هو صاحب القَرار في إلزام الطلاب بشِراء مؤلَّفه، فهو الذي يُقرِّر وضع الامتحان؛ وأنَّه يترتَّب على هذا فرض رسائل الدكتوراه المنشورة على طلاب الفرقة الأولى، وفرض مؤلَّفات في بعض الفرق لا علاقة لها بمواصفات المقرَّر ومُقرَّراته وتغيير الكتاب المقرَّر كلَّ عام أكاديمي..."[26].

أمَّا سعد الدين إبراهيم فيقول في قضيَّة المؤلفات العربيَّة في علم الاجتماع: "... نادرًا ما يجدُ طالب المعرفة إنتاجًا سوسيولوجيًا عربيًّا يطفئ ظمأه لفهم الواقع العربي المعاصر بصورةٍ منضبطة أو موضوعيَّة أو شاملة أو حتى جزئيَّة، فأكثر من ثمانين بالمائة من إنتاج أساتذة الاجتماع يَكاد ينصرف كُليَّةً إلى الكتب المدرسيَّة التي تُحاوِل أنْ تعلِّم الطلاب مَبادئ العلم وفُروعه وتاريخه ونظرياته، ورغم أهميَّة هذا الجانب من إنتاج أساتذة الاجتماع العرب للعمليَّة التعليميَّة والتربويَّة إلا أنَّ الشاهد هو أنَّ معظم هذه الكتب المدرسية تتَّسم بما يأتي:
1- تضخُّم الوعود بقُدرات علم الاجتماع على فهْم الواقع والتعامُل الفعَّال مع المشكلات الاجتماعيَّة.

2- الاعتماد شِبه الكامل على مَصادر المعرفة الأجنبيَّة والترجمة المباشرة أو من خِلال آخَرين.

3- التعقيد اللغوي والمعنوي في طرْح مفاهيم ومقولات علم الاجتماع؛ إمَّا للإيحاء بجهبذة فكريَّة، أو في الأغلب لعدم الفهم والاستيعاب لما يتمُّ نقله من مصادر أجنبيَّة.

4- ندرة ما يَرِدُ في هذه الكتب عن الواقع العربي (قطريًّا أو قوميًّا).

5- سطحيَّة وتجزيئيَّة القليل النادر الذي يرد في هذه الكتب عن الواقع العربي، وعدم استِناده إلى قاعدة صلبة من المعلومات التقريريَّة أو الأمبيريقيَّة"[27] أ.هـ.

سادسًا: الاعتراف بأنَّ مجتمع المشتغِلين بعلم الاجتماع في بلادنا لا يُشكِّل مجتمعًا مهنيًّا حقيقيًّا، وإنما هم جماعات مصالح وشللٌ تتصارَع مع بعضها ويُسَيطر أحدها على الآخَر، وأنَّ تنشئتهم المعيبة أدَّتْ بهم إلى اللامبالاة والسلبيَّة، وعوَّدتهم على الوصوليَّة والانتهازيَّة.

يقول محمد عزت حجازي: "أمَّا بالنسبة للمُشتَغِلين بعلم الاجتماع في الوطن العربي؛ فمن الصعب أنْ نقبَل فكرة أنهم يكونون مجتمعًا مهنيًّا، فهم في الحقيقة ينتظمون في جماعات مصالح متغيِّرة أو شلل.

ويزيد الوضع سوءًا التنشئة المهنيَّة المعيبة المشوَّهة التي تكفُّ في الإنسان إمكاناته وقُدراته الحقيقيَّة واستعداده للمُبادرة والانتماء، وتُربِّي فيه اللامبالاة والسلبيَّة، وتُعوِّده على الوصوليَّة والانتهازيَّة، وتركز أهم القِيَم والتوجُّهات، وتدور معظم أنماط السلوك والتصرُّفات حول الذات والأسرة والشلَّة، وفي نُظُمٍ تُسَيطِر عليها وتستغلُّها عناصر طبقيَّة طفيليَّة، وتُشجِّع فيها الكسب المادي بأيِّ ثمن وشكل والاستهلاك في سفه.

ولهذا لا تعرف حركة الفكر الاجتماعي في المنطقة العربيَّة الموضوعيَّة والحوار التي تساعد في إنضاج الأفكار وتصحيح الأخطاء وكف تأثير الطرف المتحيِّز"[28] أ.هـ.

وهذا سعد الدين إبراهيم يتحدَّث عمَّا أسماه الحرب الأهليَّة بين قبائل وعشائر وبُطون رجال عالم الاجتماع في بلادنا فيقول: "وفي المرحلة الأولى التي حاوَل فيها علم الاجتماع أنْ يشقَّ مكانًا له في الجامعات (1940-1960 تقريبًا) كان جزء كبير من طاقة المشتَغِلين به ينصرف إلى محاورات لإثبات علميَّته وموضوعيَّته وأهميَّته للمجتمع.

وقد تجاوَز المشتغِلون العرب بعلم الاجتماع هذه المعارك الخارجيَّة مع الذين عارَضوا أو شكَّكوا في أحقيَّة هذا العلم الجديد بمكانٍ تحت الشمس الجامعيَّة.

لقد انتصروا في تلك المعارك إمَّا لأنهم نجحوا في إقناع الآخَرين، أو لأنَّ الآخَرين سَئِمُوا استمرارَ تلك المعارك.

ولكنَّ أساتذة الاجتماع سرعان ما دخلوا مع بعضهم البعض في معارك أهليَّة في المرحلة الثانية (1960-1985)، إمَّا بالأصالة عن أنفسهم، أو نيابةً عن أطراف سوسيولوجيَّة متعاركة مع مجتمعاتٍ أخرى، وساد تلك المعركة ما يمكن تسميتُه بمرض البداوة السوسيولوجيَّة.

فقد قسم المشتغِلون العرب بعلم الاجتماع أنفسَهم إلى قبائل اتَّخذت أسماء ومسمَّيات مختلفة (فهناك النظريون والتطبيقيون، وهناك الماركسيون والوظيفيون، وهناك أتباع المدرسة الإنجليزية أو الأمريكية أو السوفياتية... إلخ) وكلُّ قبيلة سوسيولوجيَّة جرى تقسيمها إلى عشائر (وظيفيون، ووظيفيون جدد، وماركسيون جدد.. الخ) وجرى تقسيم كلٍّ عشيرة إلى بطون وحتى أفخاذ.

لقد أصبحت البَداوة أفيون علماء الاجتماع العرب"[29] أ.هـ.

ويتحدَّث عبدالباسط عبدالمعطي عن مجتمع رجال الاجتماع من الداخل من زاويةٍ أخرى فيقول: "هناك جماعات مصلحة وجماعات ضغط على مستوى مؤسسة علم الاجتماع، هي جماعاتٌ تَكاد تقوم بالممارسات والضغوط التي تأتيها الطبقات المسيطِرة داخل البِنَى الاجتماعيَّة، لكنها تأتيها على مستوى العمل الرسمي.

هناك باحثون جمعوا في أيديهم خُيوطًا كثيرة مؤثِّرة في مَسِيرة العلم: التدريس، الإشراف على الرسائل الجامعية، الترقيات، السلطات الإدارية والتنفيذية، اللِّجان الحكومية، العمل في البحوث الأجنبيَّة... إلخ؛ وبالتالي ركَّزوا كثيرًا على مزيدٍ من الكسب أعلى من غيرهم، فأسهموا في خَلَلِ التوزيع على مستوى المجتمع وعلى مستوى مؤسسة العلم"[30] أ.هـ.

هذا هو واقِعُ علم الاجتماع وواقِعُ المشتغِلين به، بعدَ ما يقرُب من ثلاث وثمانين سنة من دخوله إلى بلادنا وإعلانه انقطاعَه عن الإسلام.

علمٌ هامشي هزيلٌ لا يَرعاه ولا يحسُّ به إلا أتْباعه ومريدوه وأصحاب المصالح الحيويَّة فيه، لم يُسهِم في صياغة مشكلةٍ واحدة ولا تفسيرها، ولا في اقتراح حلٍّ لها.

طالب المعرفة عن واقع المجتمع يجدُها في أيِّ كتاباتٍ أخرى إلا كتابات علم الاجتماع التي تتميَّز بالتخلُّف والسُّوء والخلط والاضطراب والنقل عن مجتمعاتٍ أخرى.

رجالٌ بلا مصداقيَّة وبلا فاعليَّة، وما هم إلا جماعات مصالح وشِلَل متصارعة متحاربة.

نحن ما تجنَّينا عليهم، وإنما هذا هو نصُّ عباراتهم، كتَبُوها بأيديهم وصاغُوها بأنفسهم، وهم الذين قالوا واعترفوا (بأنَّ بلادنا ليست في حاجةٍ إلى علماء اجتماع).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] سعد الدين إبراهيم، علم الاجتماع وقضايا الإنسان العربي، (نحو علم اجتماع عربي) الكتاب السابع من سلسلة كتب المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1986 ص209، انظر أيضًا: سعد الدين إبراهيم، تأمل الآفاق المستقبلية لعلم الاجتماع في الوطن العربي (نحو علم اجتماع عربي)، ص 356.
[2] عبدالوهاب بوحديبة، ندوة: (نحو علم اجتماع عربي) المنعقدة في (أبو ظبي) من 24-28 أبريل 1983، منشورة في الكتاب السابق (نحو علم اجتماع عربي)، ص 388.
[3] محمد شقرون، أزمة علم الاجتماع أم أزمة المجتمع، (نحو علم اجتماع عربي)، ص 77-78.
[4] أحمد الخشاب، الاجتماع التربوي والإرشاد الاجتماعي، القاهرة، ص 495-496.
[5] عبدلباسط عبدالمعطي، اتجاهات نظرية في علم الاجتماع، عالم المعرفة، الكويت 1981، ص 283-284.
[6] EZZAT HEGAZY, Contemporary Sociology in Egypt, Raji Maham and Don Martindale, Handbook of Contemporary Developments in World Sociology, London, 1975 p 380.
[7] John Saliba, Religion and Anthropology, Anthropologica, 18, 1976 p 179.
[8] سالم ساري، الاجتماعيون العرب ودراسة القضايا المجتمعية العربية، (نحو علم اجتماع عربي)، ص 185.
[9] محمد الجوهري، الكتاب السنوي لعلم الاجتماع، العدد الأول، دار المعارف - القاهرة، ص 11.
[10] زيدان عبدالباقي، ركائز علم الاجتماع، دار المعارف، القاهرة 1975، ص256-446.
[11] سلام ساري، المرجع السابق، ص 185.
[12] سعد الدين إبراهيم، تأمل الآفاق المستقبلية، المرجع السابق، ص 345.
[13] المرجع السابق، ص 343-344.
[14] محمد عزت حجازي، الأزمة الراهنة لعلم الاجتماع في الوطن العربي، (نحو علم اجتماع عربي)، ص 30.
[15] سالم ساري، المرجع السابق، ص 185-186.
[16] سالم ساري (ندوة نحو علم اجتماع عربي - أبو ظبي) المنشورة في (نحو علم اجتماع عربي)، ص 388.
[17] محمد عزت حجازي، المرجع السابق، ص 13.
[18] سعد الدين إبراهيم، علم الاجتماع وقضايا الإنسان العربي (نحو علم اجتماع عربي)، ص 349.
[19] سعد الدين إبراهيم، تأمل الآفاق المستقبلية (نحو علم اجتماع عربي)، ص 349.
[20] المرجع السابق، ص 356.
[21] عبدالوهاب بوحديبة (نحو علم اجتماع عربي)، ص 347، 348.
[22] سعد الدين إبراهيم، تأمل الآفاق المستقبلية، (نحو علم اجتماع عربي)، ص 347-348.
[23] محمد عزت حجازي، المرجع السابق، ص 35.
[24] محمد الجوهري، الكتاب السنوي لعلم الاجتماع، العدد الأول، ص 11.
[25] محمد الجوهري، المرجع السابق، العدد الخامس أكتوبر 1983.
[26] عبدالباسط عبدالمعطي، في استشراف مستقبل علم الاجتماع (نحو علم اجتماع عربي)، ص 370-371.
[27] سعد الدين إبراهيم، تأمل الآفاق المستقبلية، ص 346.
[28] محمد عزت حجازي، المرجع السابق، ص 36.
[29] سعد الدين إبراهيم، تأمل الآفاق المستقبلية، ص 346-347.
[30] عبدالباسط عبدالمعطي، في استشراف... ص 371.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ