المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لا قدس شرقية بعد اليوم


عبدالناصر محمود
10-20-2014, 07:32 AM
لا قدس شرقية بعد اليوم
ـــــــــــــ

(أحمد فايق دلول)
ــــــــــ

26 / 12 / 1435 هــ
20 / 10 / 2014 م
ــــــــــــــ

http://albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/710519102014094751.jpg

*ـ ما يحدث في المدينة يندرج في سياق محاولات الاحتلال الإسرائيلي لتفريغ المدينة من محتواها البشري ومحو أي من المعالم التي تشير إلى الإسلام أو المسيحية في المدينة، من أجل تهويدها بشكل كامل والقضاء على مصطلح "القدس الشرقية" الذي يتمسك به المفاوض الفلسطيني، وجعلها العاصمة الأبدية للمشروع الصهيوني أو "إسرائيل الكبرى" تمهيداً لنزول المسيا (المسيح المنظر) الذي يحكمهم لمدة ألف عام من السلام والأمن وفق تعاليم المشيئة الإلهية التي تنص عليها التوراة والتلمود المحرفين الذين وضعهما حاخاماتهم أثناء السبي البابلي.
إذ تكاد لا تمضي ساعة واحدة دون أن تشهد مدينة القدس حدثاَ أو اعتداءً من المستوطنين أو شرطة الاحتلال وأجهزته الأمنية على سكان المدينة مسلمين كانوا أم مسيحيين، على مرأى ومسمع العالم بأسره وأمام التغطية الحية لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة، ولكن في ضوء صمتهم شبه المطبق أو حتى تحالفهم مع الاحتلال الصهيوني في خطواته العنصرية.
أما المسجد الأقصى على وجه الخصوص فهو الآخر يخضع لعملية تهويد ممنهجة منذ عدة سنوات، فالهدف الصهيوني واضح جداً ويتمثل في إنهاء المسجد الأقصى عن الوجود، وهذه المحاولة بدأت منذ احتلال المدينة إثر نكسة 1967م، وما زالت مستمرة إلى أن يشاء الله، وتجدر الإشارة إلى تقارير جيولوجية صادرة عن معاهد أبحاث صهيونية قد تحدثت بعد عام 2007م عن قدوم هزة أرضية كبيرة أو زلزال، سيكون من نتائجه انهيار المسجد الأقصى بالكامل، وهو ما يفسر قيام سلطات الاحتلال بحفر الأنفاق تحت المسجد الأقصى وبشكل مهول جداً.
وما يلفت الانتباه أن تاريخ المدينة القديم والحديث والمعاصر لم يشهد بحدوث أي من الهزات الأرضية، كما أن فلسطين بصفة عامة من أقل بلدان العالم فيما يتعلق بحدوث هزات أو زلازل، وبالتالي فإنه من المستبعد أن يحدث زلزال بشكل طبيعي. لكن دولة تستطيع سرقة الغيوم من أجواء الأردن وسوريا ولبنان وتعيد توجيهها إلى بعض المناطق في الأراضي المحتلة، ومشهود لها بمثل هذه التصرفات غير السوية؛ تستطيع أيضاً إحداث بعض الهزات الأرضية في مناطق مختلفة من فلسطين المحتلة، والقنابل الارتجاجية التي كانت تلقيها جنوب قطاع غزة (على الحدود بين رفح الفلسطيني ورفح المصرية) خير دليل على ذلك.
ولعل من اليسير التساؤل: لماذا لم تفتعل دولة الاحتلال هزة أرضية حتى اليوم وتهدم المسجد الأقصى؟ من المؤكد أن العامل الزماني في صالح الفلسطينيين، حيث تشهد مدينة القدس زيادة سكانية طبيعية لدى المقدسيين في ضوء الهجر العكسية للصهاينة، وهو ما يجعل الصهاينة بحاجة أكبر إلى هدم المسجد الأقصى، لكن هذا الأمر يتوقف على مسائل داخلية وخارجية، أما الداخلية فيتمثل أبرزها في مخاطر حدوث أي تسرب من مفاعل ديمونة النووي، وهو واحد من سبعة مفاعلات داخل فلسطين المحتلة. أما المسائل الخارجية فتتمثل في احتمالية توتير المشهد العام بين الصهاينة والفلسطينيين والعرب من ناحية، والصهاينة والغرب من ناحية ثانية، حيث لم يعد للمستوطنين ومنتجاتهم ذاك القبول لدى المجتمع الأوروبي.
ولعل أبرز برامج التهويد تتمثل في "مشروع تقسيم المسجد الأقصى" زمانياً ومكانياً بين المسلمين والصهاينة، حيث يقضي التقسيم الزماني بتوزيع ساعات وأيام الاسبوع والسنة بين الصهاينة والمسلمين، فيكون لليهود أيام خاصة بهم وحدهم داخل الأقصى خلال أعيادهم، ويكون لهم أوقات أخرى طوال أيام الأسبوع خاصة بهم، كان أبرزها كل يوم صباحا من الساعة 7:30 حتي 11:00، وفي فترة الظهيرة من الساعة 13:30 حتى 14:30.
أما التقسيم المكاني؛ فيقضي باقتطاع مساحات خاصة باليهود داخل المسجد الأقصى بزعم ضمان حركة مستوطنيهم وتنظيم حركة العرب، لكن الحقيقة أن اقتطاع أماكن داخل المسجد الأقصى يهدف لبناء الهيكل المزعوم وكنيس توراتي خاصة بشعائرهم.
ماذا يحدث؟
شهدت المدينة المقدسة خلال الشهر الجاري (تشرين أول/أكتوبر) عشرات الاعتداءات، منها على سبيل المثال: فرض قيودٍ على دخول المصلين للمسجد الأقصى تتمثل بمنع الرجال دون الخمسين عاماً من أداء صلاة الجمعة في رحابه بذريعة عدم "الاخلال بالنظام". ثم منع النساء من دخول الأقصى "عقاباً" على دورهن القوي في التصدي للمستوطنين الذين يقتحمون باحاته، واستهدافهن وإصابة ما يقارب 7 منهم بقنابل الصوت والغاز المسيل للدموع قرب باب المجلس في الأقصى.
وقمع المصلين والمرابطين والاعتداء عليهم والعبث والتخريب فيه وتدمير أبواب المسجد الأقصى ونوافذه، والقيام بجولات استفزازية في مرافقه وباحاته الطاهرة، وأداء الطقوس والصلوات التلمودية فيه، بعد إخلائه تماماً من المصلين المسلمين والمرابطين الذين أخرجوا بقوة السلاح والاعتداء عليهم بالضرب. والقيام بحملة اعتقالات طالت عشرات الطلاب المقدسيين.
ومناقشة إمكانية تفعيل طائرات بدون طيار في سماء المدينة المقدسة، إضافة إلى مناطيد مزودة بكاميرات تصوير، ووسائل تكنولوجية أخرى، وذلك لجمع المعلومات الاستخبارية ومتابعة ورصد تحركات المواطنين المقدسيين والمرابطين والمصلين الذين يتصدون لاقتحامات الأقصى، ومن يواجهون قوات الاحتلال الإسرائيلي وتمنعهم من دخول باحات الأقصى المبارك للصلاة فيه. والشروع بإقامة 600 وحدة استيطانية في القدس.
لماذا الآن؟
يشهد المجتمع الصهيوني انقسامات سياسية حادة لدى أطيافه المختلفة، وهو ما يُنذر بتفكك المجتمع، وهذا يستلزم من قادة الاحتلال القيام بسلسلة من الإجراءات العنصرية تجاه الفلسطينيين وفق ما اصطلح على تسميته ب"تصدير الأزمات"، وهو ما من شأنه أن يعيد توحيد أطياف المجتمع الصهيوني تجاه "المخاطر" التي تهددهم من الفلسطينيين، وبالتالي تذوب خلافاتهم في محاولة التصدي للفلسطينيين.
أما المشهد الفلسطيني فهو الآخر يعاني من انقسامات سياسية كبيرة، حيث خرجت غزة للتو من عدوان صهيوني ألحق بما خسائر تقدر ب4 مليار دولار وأنهك فصائل المقاومة الفلسطينية واستنزف الكثير من طاقاتها، مع محاولتها لضمان إعمار ما دمرته الحرب. في حين أن الضفة الغربية منشغلة بالتنسيق الأمني مع الاحتلال، ودخلت مؤخراً على خط البحث عن عناصر تنظم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وهو ما يعني أن الأجهزة الأمنية في الضفة ستنشغل في البحث عن عناصر داعش، مع ما يلحق ذلك من محاصرة أي نشاط مُعادٍ للاحتلال، وهو ما بدى واضحاً حينما قمعت الأجهزة الأمنية (يوم الجمعة، 18 أكتوبر) مسيرة مناهضة للاعتداءات على الأقصى.
وللإنصاف؛ خرجت الفصائل الفلسطينية في مسيرات حاشدة نصر للقدس والأقصى، لكن هذه المسيرات لا ترقى إلى المستوى المطلوب، ولا تتناسب مع حجم الاعتداءات المتكررة بحق القدس، وغلب عليها طابع انشغال الفصائل في مسائل فصائلية أخرى غير قضية القدس.
ولا يختلف الوضع العربي كثيراً عن الحالة الفلسطينية، حيث تشهد المنطقة توترات كبيرة، خاصة في سوريا والعراق واليمن وليبيا، هذا في ضوء الحشد الأمريكي الكبير للتدخل في المنطقة وإعادة التموضع وترتيب الأولويات والمصالح الأمريكية بدعاوى محاربة تنظيم داعش. ويؤكد استفحال الاعتداءات الصهيونية المتكررة على المسجد الأقصى أن الصهاينة مرتاحون للصمت العربي والتواطؤ الدولي لتنفيذ مخططاتهم الهادفة إلى هدم المسجد الأقصى وإقامة هيكلهم المزعوم مكانه.
وتُشدد دولة الاحتلال على أهمية وضرورة محاربة تنظيم داعش، وذلك لصرف الأنظار عمّا يجري في المسجد الأقصى المبارك.
وعلى ما سبق؛ يبدو واضحاً أن هذه الأوقات تشكل الفرصة الذهبية للاحتلال الصهيوني كي ينفذ مخططاته في المدينة المقدسة، وبالتالي يمكن القول إن التوترات والاعتداءات مرشحة للتصاعد والزيادة، وهو ما يستلزم من الجانب الفلسطيني ومن خلفه العربي والإسلامي التحرك العاجل والسريع لوقف الاعتداءات بما أمكن من وسائل.

-------------------------------------------