المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإسلام بين الشرق و الغرب..


عبدالناصر محمود
10-26-2014, 08:11 AM
الإسلام بين الشرق و الغرب.. خارطة للقراءة
ــــــــــــــــــــــ

(عمار سليمان)
ـــــــ


2 / 1 / 1436 هــ
26 / 10 / 2014 م
ــــــــــــ

http://nama-center.com/ImagesGallary/photoGallary/reading/14-10-2014%20(3).jpg

إن الكلام عن شخصية بقدر علي عزت بيجوفيتش تحتاج إلى حشد هائل من المادة والفكر، ولا أجد أصدق مما قاله الدكتور المسيري في محاضرته "اللحظة الفارقة" عن بيجوفيتش، حيث قال: (كان بيجوفيتش مجاهداً ومجتهداً)، ومما يدلل على دقة هذا الوصف حياة بيجوفيتش نفسها والتي سطرها في كتابه "سيرة ذاتية وأسئلة لا مفر منها"؛ فقد كانت نضالاً ومدارسة حتى في أدق لحظات النفس عتمة، وفي عزلة السجن و ظلمه؛ فكان يؤلف الكتب ويكتب الاستدعاءات للسجناء بحكم كونه محامٍ، وغير هذا الكثير، بثَّ أكثره في كتابٍ على شكل خواطر سماه "هروبي إلى الحرية"، ومما يوضح هذه الحركة المتصلة بين الوعي والفعل عند بيجوفيتش قول الأستاذ محمد الأحمري : "لم تكن فكرة الحرية عند بيجوفيتش بحثاً علمياً ولا ترفاً فكرياً، بل كانت حاجة ملحة ومشروعاً لأمة ولشخص عمل لها وبحث عنها وخاض معركتها لتحرير روحه وعقله وبدنه "(1)، فشخصية حيوية مثل هذه تستحق البحث عن أصول وتطبيقات أفكارها بلا شك.
وفي هذه المقالة سأتجاوز الكلام عن الكتاب من الناحية الوصفية وعرض الأفكار(2)؛ لأن هذا مبثوث في كثير من المقالات بإسهاب، وإنما في هذه الورقات الصغيرة سأحاول البحث عن منطلقات علي عزت بيجوفيتش وأصول اجتهاده وقواعد جهاده، وعن تلك الأصول الكبرى التي ساعدت في ظهور سفره الشهير "الإسلام بين الشرق والغرب".

أصل و تمهيد

الانطلاق من مفهوم (الرؤية إلى العالم) وأهميته.

يوضح الدكتور الطيب بو عزة أهمية هذا المفهوم فيقول: "إن ضرورة اعتماد مفهوم الرؤية إلى العالم آتية من محورية المعنى الكلي في حياة الكائن الإنساني من جهة، وعمقه الوظيفي كبُعد نظري شارط للوعي والسلوك من جهة ثانية، الأمر الذي يؤكد أن فهم الظاهرة الإنسانية والظاهرة الفكرية على وجه أخص ومن باب أولى؛ مرهون بشروط أهمها فهم ذاك المعنى الناظم للوعي والفعل الإنساني"(3).
ويعنينا هذا المفهوم في هذه المقال من جانبين:
(1) بحثنا عن المعاني الكلية التي كان ينطلق منها بيجوفيتش والتي كانت تحركه على مستوى الوعي والفعل (الجهاد والاجتهاد كما يسميها المسيري)، وما لها من أثر على نظرته لنفسه والآخر؛ فعلي عزت = تفاعل مستمر بين الفكرة - الوعي - وأثرها على الحركة - الفعل - .
(2) والجانب الثاني استخدام علي عزت لهذا المفهوم، ومما يؤكد حضوره كأداة إجرائية عنده قوله: "لكي نفهم العالم فهماً صحيحاً لابد أن نعرف المصادر الحقيقة للأفكار التي تحكم هذا العالم ونعرف معانيها"(4).
ويؤكد هذا قول الأستاذ محمد عدس في مقدمته للكاتب: "يؤكد بيجوفيتش بتحليلاته الدقيقة أن الفشل الذي أصاب الأيدولوجيات الكبرى في العالم يرجع إلى نظرتها إلى الإنسان والحياة نظرة أحادية (5).

مملكة النبوة (بقايا الوحي)

ولتعميق نقطة البحث في هذه الأداة (الرؤية إلى العالم) أحاول ربطها وتأصيلها بمفهوم أعمق قليلًا نجده عند شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم فيما يسمياه (مملكة أو بقايا الوحي) حيث يقول في الصارم المسلول: "ليس في الأرض مملكة قائمة إلا بنبوة أو آثار نبوة، وإن كل خير في الأرض فمن آثار النبوات" (6).
ويقول رحمه الله: "الرسالة ضرورية للعباد، لا بد لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟ والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة، وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة، ويناله من حياته وروحها؛ فهو في ظلمة، وهو من الأموات، قال الله تعالى:}أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا{ ]الأنعام من الآية:122]، فهذا وصف المؤمن كان ميتاً في ظلمة الجهل فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان "(7).
والسؤال هنا: هل حضر هذا الأصل العظيم
والذي من ممكن أن نطلق عليه (أصل الأصول) في كتابات بيجوفيتش؟
أزعم أن الإجابة نعم؛ ودليل ذلك قوله: "إن الأخوة و المشاعر والتضامن هي مشاعر دينية في صميم جوهرها" (8). وقوله: "يوجد ملحدون على أخلاق، ولكن لا يوجد إلحاد أخلاقي، والسبب هو أن أخلاقيات اللاديني ترجع إلى الدين ... دين ظهر في الماضي - مملكة نبوة - ثم اختفى في عالم النسيان، ولكنه ترك بصمته قوية على الأشياء المحيطة" (9).
وللنظر للتقارب بين قول بيجوفيتش وابن القيم رحمه الله حيث قال: "فلولا النبوات لم يكن في العالم علم نافع ألبتة، ولا عمل صالح ولا صلاح في معيشته ولا قوام لمملكة، ولكان الناس بمنزلة البهائم والسباع العادية والكلاب الضارية التي يعدو بعضها على بعض(10). ويقول بيجوفيتش: "إن هذا الجانب من الإنسانية الذي نحن بصدده ( الخير و الشر ، الصراع الدائم بين المصلحة والضمير، التساؤل عن وجودنا) هذا الجانب يظل دائماً دون تفسير عقلاني مادي، ومن الواضح البين أن الإنسان لم يستجب للعالم حوله بالطريقة الدارونية - الحيوانية - "(11). وهنا تلازم بين اتخاذ الفكرة الدارونية - الحيونانية - كأصل وبين انعدام الخير والصلاح والمساواة.
ومن أكبر النصوص التي تقرر اعتماد بيجوفيتش على أصل بقايا الوحي قوله: "فالإسلام ليس مجرد دين - بمعناه المسيحي - أو طريقة حياة، وإنما هو بصفة أساسية مبدأ لتنظيم الكون، (لقد وجد الإسلام قبل الإنسان)، وهو كما قرر القرآن بوضوح المبدأ الذي خُلق الإنسان من أجله"(12).
إذا اتضح هذا الأصل العظيم (بقايا الوحي) وأثره في تكوين أداة الرؤية إلى العالم = يسهل دراسة المتبقي من أصول بيجوفيتش في الإنسان ومتعلقاته من أخلاق وثقافة وفن وغيرها. وهنا بعض الأمثلة التطبيقية التي ستتخذ ما سبق منطلقاً لبيجوفيتش في بث رؤيته ونقده حتى يكتمل التنظير بالتطبيق.
الإنسان
يقول الدكتور المسيري في محاضرته آنفة الذكر: "إن داخل كل ظاهرة إنسانية قبس من الله ، وعلى هذا تدور معركة بيجوفيتش كلها = والتي هي بحث في معنى الإنسان، فالمعنى في حياة الإنسان خصيصة تميز نمطه في الكينونة إلى درجة يصح معها تعريفه بأنه كائن رامز أو كائن منتج للرموز والدلالات؛ فهو يرمز نفسه والطبيعة من حوله"(13).
يقول بيجوفيتش: "إن أصل الإنسان هي حجر الزاوية لكل أفكار العالم"(14).فهنا رؤية للعالم من خلال معنى الإنسان، ومن هنا ينطلق بيجوفيتش لفحص المعاني والقيم حسب نظرة الفكرتين المتصارعتين للإنسان؛ الفكرة الدينية والفكرة المادية.

الأخلاق

نعود هنا إلى قول بيجوفيتش أنه: "يوجد ملحدون على أخلاق ولكن لا يوجد إلحاد أخلاقي". إن بقايا الأخلاق عند الملحد تحتاج إلى تفسير لنبني عليه صحة موقفه، فإن شيدها الملحد على ماديته ونزع القداسة والتجاوز عن الإنسان فهنا يتسق مع ذاته، ولكن الواقع يشهد أن هناك من الملحدين من هم على الأخلاق بل ويحتجون بها على إنسانيتهم. والحل لهذا التعارض يكمن في العودة عند بيجوفيتش للأصل العظيم "لقد وجد الإسلام قبل الإنسان"، أي بقايا الوحي والنبوة في الناس، وهذه تحل إشكالية دائماً ما يسأل عنها؛ أن هناك من الملحدين من هو على خلق عظيم، فكيف هذا؟ نجيب أنه نعم ولكن لا يمكن تبرير فعلهم إذا طبقناها على أصولهم، وإذا طبقناها على ما تبقى من الدين لدى البشرية فالأمر يصح، وهذا ما يضرب النظرة المادية في مقتل.

العدل و القانون

لا تنفك نظرة بيجوفيتش حول القانون والعدل عن حياته التي سردها في سيرته؛ ففي أشهر محاكمة له بسراييفو علق قائلاً: "ماذا عسى المرء أن ينتظر من قضاة ومدعين عامين وضباط تحقيق بدؤوا خبراتهم القانونية بالتعريف الماركسي للعدالة على أنها "ترجمة إرادة الطبقات الحاكمة إلى قانون" وهي معادلة تناقض تماماً مفهوم العدالة"(15).
فما تعريفه للقانون؟!
أفضل مقاربة أراها هو قوله: "القانون وسيلة الضعيف الدائمة في مواجهة القوي"(16).
ولكن كيف يبرر بيجوفيتش هذا التعريف؟ يقول: "كيف يتسنى شجب سلطة القوي في غياب مبادئ الدين (بقايا الوحي)؟". الإجابة تكمن في بقايا الوحي والقبس الإلهي في النفوس "فالقانون موضوع مغموس في السياسة والمجتمع، موجه كلياً نحو هذا العالم، ولكنه في الوقت نفسه ينطوي على معايير أخلاقية، ويهدف إلى إقامة مبدأ العدل في العالم، وبما أنه أخلاقي فهو ليس من هذا العالم - أي العالم المادي - "(17).
فالقانون متصل بالأخلاق، والأخلاق متصلة بمعنى الإنسان، والإنسان تتجذر فيه القبسات الإلهية وما يتعلق بها من أنوار الوحي، فهنا تتضح هذه الوحدة التأصيلية المتينة التي ينطلق منها بيجوفيتش ويبني عليها رؤيته للعالم.
التسليم لله و الحرية
يعقد بيجوفيتش نهاية كتابه على مفهوم التسليم لله، أي القدر بمعناه العام والشامل، ولا يخفى ما لهذا المفهوم من تداخل ولبس مع معنى الحرية، فكيف ينطلق منها بيجوفيتش حسب رؤيته وأصله المستند على تجذر الوحي وبقاياه في الناس. يقول بيجوفيتش: "للطبيعة حتمية تحكمه وللإنسان قدره، والتسليم بهذا القدر هو الفكرة النهائية العليا للإنسان"(18). ويقول: "لا يعني التسليم لله سلبية في موقف الإنسان كما يظن كثير من الناس الخاطئين، في الحقيقة كل السلالات البطولية كانوا من المؤمنين بالقدر، إن طاعة الله تستبعد طاعة البشر والخضوع لهم، إنها صلة جديدة بين الإنسان والله، وبين الإنسان والإنسان"(19). ثم يختمها: "إن الحرية يكتسبها الإنسان بمواصلته الإيمان بقدره"(20).
فالحرية من المعاني الإنسانية المتعلقة بقبس الله ووحيه وتكليفه، ولا يمكن تفسيرها من وجهة النظر المادية الطبيعية الحتمية، فالقدر هو الاستسلام أن الإنسان نبت الأرض ولكنه من حيث المعنى ابن السماء.
والخلاصة؛ أنه لم يكن هدفي اسقراء كافة الكتاب وفحص قدرة مفهوم الرؤية الى العالم الأصل الأكبر (بقايا الوحي)، فهذا عسير، ولكن كان الهدف محاولة لفهم هذه الأصول والقواعد التي جعلت بيجوفيتش يكتب سفره الرائع "الإسلام بين الشرق و الغرب" وينطلق بقوة المحكمات ورسوخها ليواجه جنون هذا العالم.
وينبغي ملاحظة أن بيجوفيتش لا ينفي المادية مطلقاً، بل هو يفند أنتكون لوحدها قادرة على تفسير الإنسان.

____________________________________
(1) نبت الأرض و ابن السماء، الحرية والفن عند علي عزت بيجوفيتش، لمحمد بن حامد الأحمري.
(2) لمن يريد ملخصاً وقراءةً لهذا الكتاب يراجع:
· محاضرة عبد الوهاب المسيري (اللحظة الفارقة)
· لقاء قراءة في كتاب الإسلام بين الشرق والغرب الأستاذ الدكتور مصطفى حلمي.
· ثنائيات بيجوفيتش في الإسلام بين الشرق والغرب ، للأستاذ محمد عبد العزيز: http://www.noonpost.net/content/2018
(3) مفهوم الرؤية إلى العالم بوصفه أداة إجرائية لقراءة تاريخ الفكر الفلسفي، مجلة تبيُّن العدد الثامن - ربيع 2014 للدكتور الطيب بوعزه ، ولتوسع في دراسة هذه الأداة وفعاليتها يرجع لكتاب: "الفلسفة اليونانية ما قبل سقراطية، الفلسفة الملطية أو لحظة التأسيس"، للدكتور الطيب بوعزة ، إصدار مركز نماء للبحوث والدرسات.
(4) الإسلام بين الشرق والغرب ، صفحة 17.
(5) الإسلام بين الشرق والغرب، صفحة 18.
(6) الصارم المسلول ، صفحة 250.
(7) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (93-94/19) .
(8) الإسلام بين الشرق والغرب ، صفحة 115.
(9) الإسلام بين الشرق و الغرب، ص209.
(10) مفتاح دار السعادة، ابن القيم رحمه الله، 2/118.
(11) الإسلام بين الشرق والغرب، صفحة 60 .
(12) الإسلام بين الشرق والغرب، صفحة 41.
(13) مفهوم الرؤية إلى العالم بوصفه أداة إجرائية لقراءة تاريخ الفكر الفلسفي".
(14) الإسلام بين الشرق والغرب 47.
(15) علي عزت بيجوفيتش ، سيرة ذاتية وأسئلة لا مفر منها، صفحة71.
(16) الإسلام بين الشرق والغرب، صفحة 330.
(17) الإسلام بين الشرق والغرب ، صفحة 333.
(18) الإسلام بين الشرق والغرب، صفحة 393.
(19) الإسلام بين الشرق والغرب، صفحة 394.
(20) الإسلام بين الشرق والغرب، صفحة 394.
---------------------------