المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دراسة جديدة بعنوان (حالة العراق)


Eng.Jordan
02-24-2012, 07:32 PM
حالة (حالة العراق)
الخميس, 16 فبراير 2012 04:32 د. نعمة العبادي
إرسال إلى صديق طباعة pdf

د. نعمة العبادي

ضمن سلسلة (أوراق كارنيغي)،أصدرت مؤسسة كارنيغي للسلام العالمي ومقرها واشنطن ، في الأول من شباط عام 2012 ،دراسة جديدة بعنوان (حالة العراق)،كتبها الباحثة الأولى لبرنامج الشرق الأوسط في المؤسسة،مارينا اوتاوي، وهي متخصصة في قضايا التحول السياسي في منطقة الشرق الأوسط وأمن الخليج ،ودانيال قيسي وهو نائب مدير تحرير نشرة الإصلاح العربي،التي تصدر عن المؤسسة دوريا.
الدراسة متماسكة وثرية بالأفكار الجدلية، ومتخمة بالآراء والأحكام المتعلقة بــ( الشخصيات والمؤسسات والأحزاب والمواقف والأحداث والشؤون) العراقية.ويمكن أن تتلمس في كل سطر من سطورها قضية أو فكرة تؤسس لرأي أو موقف أو تحليل.
توجد إشكالية تأتي على معظم هذه الدراسات التي صدرت عن العراق وخصوصا بعد نيسان 2003، تتعلق بطبيعة المصادر التي تعتمد عليها هذه الدراسات ،وحقيقة الحيادية المدعاة بشأنها.فعنوان حالة العراق يشي بوصف الواقع من كل جوانبه (السلبية والايجابية)،ويفترض مزيداً من الشمول وبلورة وتوضيح الوقائع والأحداث،وقليلاً من الأحكام وخصوصا الجزمية منها،إلا أن حالة العراق جاءت على خلاف ذلك.
يفتتح الكاتبان دراستهما بعبارة خطرة تقول:"في غضون أيام من انتهاء الاحتفالات الرسمية التي سجلت نهاية مهمة الولايات المتحدة في العراق،تحرك نوري المالكي رئيس الوزراء لمقاضاة نائب الرئيس طارق الهاشمي بتهم الإرهاب،وسعى إلى إطاحة نائب رئيس الوزراء صالح المطلك من منصبه،ما أشعل أزمة سياسية كبرى كشفت تماما وضعية العراق على انه بلد غير مستقر وغير ديمقراطي تسوده التنافسات القاسية،وعلى انه أيضا بلد بالكاد أثرت عليه الترتيبات المؤسسية.وهكذا،انفجرت أعمال العنف واسعة النطاق"،وختمت الدراسة بعبارة أكثر خطورة جاء فيها:"بعد ثماني سنوات من الاحتلال ومقتل (4500) أمريكي وجرح (33)ألفا آخرين، وعدد غير معروف إلى الآن من الضحايا العراقيين،ليس لدى الولايات المتحدة سوى القليل لإظهاره في مقابل استثمارها في العراق.فالبلد غير ديمقراطي وغير مستقر،والعنف يشتعل مرة أخرى،واحتمال أن يتم تقسيم البلاد صار حقيقيا مرة أخرى.ومن الواضح أن النظام السياسي الذي فرضته الولايات المتحدة على العراق لا يعمل".
يعالج الكاتبان حالة العراق عبر فقرات هي:جذور النزاع ،الجيران يزيدون المشكلة سوءاً،الانقسامات تؤدي إلى تعددية متنوعة السطوح،ليست ديمقراطية،أزمة ما بعد الانسحاب،المعركة حول حقوق المحافظات،سلطات المحافظات والصراعات الطائفية،وأخيرا المضي قدما.
لا نحتاج إلى مزيد من التحليل لحالة العراق لكي يتضح للقارئ والمتابع، ما هو السياق الذي رسمته الدراسة لنفسها لتتحرك فيه.فالبداية والخاتمة وأبواب الدراسة تشي بشكل واضح بالنتيجة التي يراد للدراسة التوجه إليها.
لا يستهدف هذا النقد أو المناقشة الدفاع عن الأخطاء أو الأحوال السيئة الموجودة في العراق،فالدراسة وقفت بوعي على بعض الحالات وشخصتها وحللتها بدقة، ولكنه يفترض من الجهة المنهجية والموضوعية ،أن تشمل الدراسة مساحة أوسع لعكس حقيقة حالة العراق، وعلى أن تكون العناوين حيادية،ولا تستبطن أحكاما مسبقة،وكأنّ هناك فكرة ورأياً محدداً ومفروغاً منه، ثم تم اختيار العنوان ليعكس هذه الفكرة بلون أسطع.
لا يسلم أحد ولا جهة ولا دولة، بما فيها الولايات المتحدة في هذه الدراسة من النقد واللوم، إلا دولة واحدة وشخصيتين.فأما الدولة فهي تركيا حيث تشير الدراسة :"الواقع انه ليس ثمة طرف خارجي،بما في ذلك الولايات المتحدة،نجح في لعب دور حاسم في العراق،فباستثناء تركيا مؤخرا،الكل حاول التلاعب بالتوترات الإثنية والطائفية بوسائله المختلفة،ويساهم في تعميق مشاكل بلد منقسم على نفسه"،وأما الأشخاص، فهما السيدان أسامة وأثيل النجيفي،حيث وصفت الأول بأنه:"شخصية قوية وعمل مع بعض أعضاء البرلمان للحد من سلطات رئيس الحكومة ولتشجيع المحافظات على لعب دور اكبر" وفي موضع آخر وصفته بــ"وسطيا راسخا" وأما عن السيد أثيل فقالت عنه:"كما أن بعض محافظي المحافظات،بما في ذلك أثيل شقيق أسامة،محافظ نينوى،برزوا أيضا كشخصيات قوية".
أما حصة الدستور العراقي من هذه الدراسة فهو بحسبها:"فالدستور،الذي وضع في غضون أسابيع وفق الخبراء الذين شاركوا في هذه العملية،صيغ بشكل ضعيف وكان بمثابة وثيقة غامضة تتطلب التفسير باستمرار"،وأعقبت القول في وصفها للمحكمة الاتحادية العليا:"ثم إن المحكمة الاتحادية التي كانت تقوم بهذا التفسير أثبتت مرارا أنها تتأثر بالسياسات،إذ كانت قراراتها تدعم دوما موقف المالكي".
استفاضت الدراسة في نعت المالكي بالنعوت السيئة في كل موقف تتعرض له فيه ومنها:"على أي حال سلوكيات المالكي تشي بأنه مستعد لليّ عنق الدستور حين يلائمه بذلك.ولاستخدام عملية اجتثاث البعثية كورقة ضد منافسيه" ،وفي وصف آخر:"سعى رئيس الوزراء أيضا إلى تشويه سمعة سلطات المحافظات في نظر مواطنيها" و"تجاهل المالكي بصورة غير مشروعة،طلبات محافظتي البصرة وواسط" ،و"يكفي القول هنا إن المالكي تلاعب بالعملية السياسية والقانونية بطريقة أدت إلى تكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة" ،و"المالكي مصمم على تقليص هذه التعددية من خلال تحسين صورته"،و"المالكي ليس السياسي الوحيد الذي يعتبر التزامه بالديمقراطية موضع شك في أحسن الأحوال.فمقتدى الصدر،الذي تعتبر منظمته حزبا ومليشيا في آن، والذي ينغمس بشكل دوري في التهديد بإطلاق جيش المهدي من عقاله،ليس ديمقراطيا،ولا أيضا إياد علاوي،رئيس ائتلاف العراقية".
يعتبر العراق في نظر الدراسة،"كان دوما بلدا منقسما"،و"كردستان لم تندمج قط في العراق"،و"جيران العراق ليسوا متفرجين سلبيين على التوترات الطائفية والإثنية في البلاد.لا بل هم يحاولون استغلال هذه التوترات لتحقيق مصالحهم الخاصة"،طبعا تستثني تركيا من هذا الدور،وان"العملية السياسية التي تكشفت بعد الغزو الأمريكي,أحيانا بتحريض من الأمريكيين وأحيانا أخرى على رغم جهودهم،خلقت مشهدا سياسيا تعدديا للغاية له مراكز سياسية متعددة،لكن من دون اتفاق على القواعد لمنع هذه التعددية من الانحدار إلى النزاع.فالسلطة مجزأة للغاية ويحتمل أن تصبح أكثر انقساما في المدى القصير"،و"على الرغم من أن المطالبات بقدر اكبر من السلطات للمحافظات لم تقتصر أصلا على المناطق السنية،إلا أن مسالة اللامركزية سرعان ما أصبحت رمزا للمقاومة السنية"،و"فيما إذا كان بمقدور العراقيين تصميم هيكل سياسي يمكنهم التعايش معه جميعا ، وأن تنقسم البلاد في نهاية المطاف،فإن أمام العراق صراعا طويلا قبل أن يستقر على شكل من أشكال النظام السياسي".
لا إشكال في أن الدراسة، وإن حادت عن الموضوعية في تصميمها ،وطريقة تناولها الوضع العراقي،وحدة تناولها المواقف والأشخاص،فإنها فتحت الباب واسعا أمام نقاشات جادة لمن يهتم بالعراق وشأنه،ويريد الوقوف على جذور الأشياء وبواعثها الجوهرية،ولها فضيلة إثارة الكثير من الأسئلة غير المفكر فيها، أو المصاغة بطريقة مخطوءة، وبغض النظر عن دقة إجابة الدراسة أو عدمها عن تلك الأسئلة، فإنها أتاحت لمن يريد محاولة الخوض في البحث عن الإجابات الصحيحة ،أن ينطلق من دائرة التساؤل الصحيح.
إن هذه الدراسة وغيرها من الدراسات التي انغمست بشكل جدي وعميق في مناقشة المشكلات العراقية، تؤكد الحقيقة التي كنا ومازلنا نطالب بها،أن العراق مازال بلدا ليس مدروسا بالشكل الكافي، وأن الكثير، مما يطرح من جهات عراقية تحصل على دعم وتمويل كبير لأجل انجاز عملها،لا يرقى إلى الدرجة التي تقف عند الجزئيات وتحاكمها بوعي وصرامة،وتنسج النص بكتلة صارمة مملوءة بالأفكار والنقاشات والآراء والحلول،بل يغلب عليها طابع الوصف ،والإسراف في التنميق اللفظي،وتخلو غالبا من التحليل العميق ،الذي يلامس جذور القضايا وجوهرها،طبعا يمكن استثناء البعض الجاد منها.
يجري الحديث متواتراً عن ترتيبات لعقد المؤتمر الوطني ،الذي من المفروض (وبحسب الجهات الناطقة باسمه)،هو قراءة نقدية لمسيرة العملية السياسية ،ومشروع بناء الدولة الجديدة،للوصول إلى تفاهمات، وخريطة طريق جدية وعملية وممكنة ،من اجل تجاوز الأزمة الحالية وتجنب الأزمات المستقبلية. وينخرط النقاش مطولا ،في المكان والأشخاص والجهات وجدول الأعمال،الذي ينبغي عرضه في هذا المؤتمر،إلا أن الأمر الأكثر أهمية وتأثيرا في الوصول إلى النتائج ،لم يجر الحديث عنه، وهو تسمية لجان خبراء ومهنيين ومحللين استراتيجيين،يتمتعون بالحياد(ولو نسبيا)،لوضع تصورات علمية وعملية عن الأزمات والحلول،وبحث المشكلات من جهة المصلحة العراقية العامة، وليس من جهة التنافس الفئوي والجهوي والصراع على السلطة.
يجادل البعض على ،انه لا قيمة للحديث عما ينبغي فعله،فالجميع مصرّ على صحة موقفه ومترفع عن الاستماع،ويقول البعض ،إن السلطة أيام النظام السابق، تضع قطناً في أفواه الناس وتمنعهم من الحديث،وان التغيير الوحيد بعد نيسان 2003،أن السلطة أخرجت هذا القطن من أفواه الناس ووضعته في آذانها.
نتفق نسبيا مع هذه المقولة ،إلا أننا نؤكد ضرورة الحديث الحيادي الهادف لتصحيح المسيرة وتعديل الأمور،مهما كانت فرص الاستماع إليه أو الانتفاع به.

مدير المركز العراقي
للبحوث والدراسات