المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : انتخابات تونس وقراءة أولية


عبدالناصر محمود
10-28-2014, 08:21 AM
انتخابات تونس وقراءة أولية لمؤشرات نتائجها*
ـــــــــــــــــــــــ

4 / 1 / 1436 هــ
28 / 10 / 2014 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8751.jpg

بعد قرابة أربعة أعوام من الحدث الأكبر في التاريخ التونسي الحديث وهو ثورة 17 ديسمبر 2010 أقيمت ثاني الانتخابات البرلمانية لمرحلة ما بعد نجاح الثورة أو بالأحرى مرحلة ما بعد هروب ابن علي وتسلم الثوار السلطة.

والتجربة التونسية تجربة حتى الآن غير مكررة في العالم العربي بعد مرحلة ما سمي بالربيع العربي، بل ويمكن القول انه ليس هناك تشابه في مآلات الدول بعد ثورات الربيع العربي، فتونس تختلف عن مصر وعن ليبيا وسوريا واليمن، وان كانت كل المؤشرات تقول أن تونس هي اكبر المستفيدين منها والأقل تضررا بالمقارنة مع هذا الكم الهائل من الدماء التي سالت في البلدان الأخرى والتي لم تصل رغم هذه الدماء لشيء.

ولقد أقيمت في تونس انتخابات برلمانية سابقة للفترة من(2011-2014)، وأسفرت عن فوز من يتبنون منهج الإسلام السياسي بأغلبية كبيرة، فحصلوا على 89 مقعدا أي حوالي 42% من المقاعد متفوقين على العلمانيين والدولة العميقة التي لا تزال على فكر ورؤية الرئيس السابق زين العابدين ابن علي، أما نداء تونس الذي تشكل بزعامة قايد السبسي في عام 2012 بعد انتخابات المجلس التأسيسي الانتقالي، فقد شكل كتلة من 11 نائبا عام 2013، وبهذا دخلت النهضة في ائتلاف حاكم مع حزب المؤتمر من أجل الجمهورية العلماني والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات.

وتصدى الإسلاميون للحكم لكنهم توافقوا على منح الرئاسة لرئيس يمثل الفكر الآخر في تجربة نادرة في العالم العربي والإسلامي، وكانت للإسلاميين أخطاؤهم الناتجة عن نقص خبرة التجربة الأولى وربما عدم تمسكهم ببعض الثوابت، فلم يرضوا العلمانيين، ولم يقنعوا الإسلاميين، إلا أنهم في مجمل أدائهم لم يكونوا على المستوى السيئ الشديد ولكنها كانت تجربة مفيدة للعمل الإسلامي ويمكن استخلاص الدروس منها.

وبالطبع لم تهدا القوى الأخرى طول الثلاث سنوات بل ظلت تعمل بصورة حثيثة في تشويه الإسلاميين إعلاميا وافتعال الأزمات لهم ومحاولة إلصاق كل التهم بهم في ظل حضور إعلامي قوي للقوى العلمانية والدولة العميقة وفي نفس الوقت في ظل بعض الصور السلبية التي يقدمها بعض الإسلاميين التي تساعد على نشر وزيادة التشويه لهم بأخطاء منهم أو بتضخيم أحداث أخرى ومن أبرزها اتهام الإسلاميين بالضلوع في ارتكاب بعض الاغتيالات والجرائم.

وعلى الرغم من هذا لم يتدخل الجيش بصورة مباشرة في العملية السياسية بل كان دوره – إن لم يكن منحازا بالطبع ضد الإسلاميين – إلا انه لم يتدخل بصورة مباشرة في الصراع السياسي حتى أكمل المجلس التأسيسي دورته وحان موعد انطلاق الانتخابات الجديدة في أكتوبر 2014، والتي لم تعلن نتائجها الرسمية بعد، ولكن دلت النتائج غير الرسمية عن تراجع في نسب حصول الإسلاميين على المقاعد البرلمانية في مقابل ارتفاع في الكتلة التي ضمت الدولة العميقة والعلمانيين وبعض القوي الشيوعية وغيرها في تكتل تحت اسم "نداء تونس" بقيادة السبسي احد ابرز رجالات ابن علي.

ففي البرلمان المؤلف من 217 مقعداً ظهرت المؤشرات الأولية للنتائج غير الرسمية بحصول حزب "نداء تونس" ذي التوجهات العلمانية على أكثر من 80 مقعداً في حين جاءت حركة النهضة ذات التوجه الإسلامي في المركز الثاني بحصولها على 67 مقعداً وتقاسم الآخرون باقي المقاعد.

وبحسب هذه النتائج الأولية غير الرسمية تظهر العديد من القراءات التي يمكن التوقف عندها مثل:

- كان لعلمانيي الدول العربية شغف كبير بالنتائج، وصوروها على إنها إسقاط للتجربة الإسلامية وان الشعوب التونسي لفظ الإسلام السياسي، وان تونس خلعت عباءة الإسلاميين وغير ذلك من الشعارات الكثيرة التي اتخمت بها الكثير من العناوين الرئيسية للصحافة العربية وزادت أيضا في تعليقات العلمانيين على صفحاتهم الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي لتؤكد أنهم ينتظرون يعتبرون بان التصويت هو انتصار لفكرة على أخرى وهو المنطق الذي ينكرونه تماما إذا جاءت النتائج لصالح الإسلاميين، فسمعنا منهم العجب مثل مصطلحات " الأغلبية القليلة والأقلية الكثيرة "، وغير ذلك من التعليقات الرافضة لكون نتائج التصويت تأييدا لفكرة، ومنهم من اتهم شعوبه بالغباء والجهل وأنها شعوب غير مؤهلة للديمقراطية أو أن الإسلاميين يستغلون حاجات الناس للوصول لأصواتهم، فاظهر ذلك تباينا وتضاربا بين مواقفهم.

- وضحت خطورة عدم الثبات على المواقف وما يسمى بالليونة والمرونة التي مارستها النهضة في عدة مواقف من تعاملاتها السياسية والشرعية، فمن ينتهج هذا النهج يخسر في الحالين، فلا يكسب ود خصمه ولا يحتفظ بأنصاره بمن أعطوه أصواتهم تقديرا لما يحمله من أفكار، وهذا وضح في تغير الناخبين من مؤيدين للنهضة إلى المؤيدين للعلمانيين.

- أوضحت النتائج أن للإعلام دورا كبيرا في قيادة الناس والتأثير عليهم انتخابيا، وأوضح أن المحرك الفعلي والمؤثر الأول في العملية الانتخابية ليس ما تنجزه وليس بما تحمله من أفكار بل بكيفية تقديمك لنفسك إعلاميا، فالشعوب الآن صارت تحكم من القنوات والمواقع الإخبارية التي يمكن أن تسوق لها الإجرام على انه فضيلة وتبغضها في الفضيلة على أنها إرهاب، وبالتالي فالإسلاميون مطالبون بإعادة النظر في خطابهم الإعلامي وتربية كوادرهم إعلاميا حتى يمكن للقضية الناجحة أن تجد محامين مهرة، فلا يربح الميدان منهم المهرة إعلاميا حتى لو كانوا يسوقون لفكرة فاشلة.

- استفادت تونس حتى الآن ككل، ففكرة تداول السلطة والحفاظ عليها كمبدأ بانتخابات سليمة ونزيهة فكرة جيدة تصلح للعمل الإسلامي وربما يزيد من فرص العمل والانتشار وتغيير العقائد والأفكار ببطئ، فالعلمانيون يعلمون بشكل منظم في كل البلاد الإسلامية منذ زمن طويل، بينما الإسلاميون لم يمكن لهم من العمل العام إلا منذ وقت قليل ويضيق عليهم كثيرا، فينبغي الحفاظ على الفكرة حتى ولو كان الأمر عن طريق المشاركة الفاعلة المؤثرة، فوجود هذا العدد في المجلس التأسيسي التونسي لن يسمح بمرور قانون إلا بموافقتهم مما يعني حتى لو تكن هناك حكومة توافق سيكون لهم حضور كبير في القوانين والتشريعات، وهذا ما يجب الحفاظ عليه، فتكون الحركة الإسلامية متحكمة لا حاكمة وربما هذه الحالة أفضل للعمل الإسلامي حاليا من كونها حاكمة تتقى كل الطعنات.

- أظهرت النتائج أن الحزب الفائز المسمى بـ"نداء تونس" هو حزب تلقى كل وسائل الدعم والمساندة وجمع كل الأطياف السياسية التي لم يكن لها لتجتمع إلا تحت راية واحدة وهي كراهية التوجه الإسلامي وأصحابه، وهنا لا بد من معرفة أن هناك دعما داخليا وخارجيا غير محدود لإفشال أي خطوة للأمام في اتجاه تولي الإسلاميين مقاليد الحكم في أي دولة، ولابد أيضا من الاعتراف بان القوة المدعومة لم تكن وحدها كافية لنيل هذا الخليط العشوائي من الأفكار والاتجاهات على مثل هذه النسبة التصويتية العالية لولا ضعف الأداء الإسلامي وقصور التصورات تجاه عدد من القضايا.

ربما تكون هذه النتائج أفضل للعمل الإسلامي رغم أن الواضح أن الحزب العلماني لن يشرك الإسلاميين في الحكم كما فعلت النهضة بالمثالية السياسية، ولكن النتائج لم تخرج الإسلاميين من الميدان، ولكن الأخطر أن يتولى العلمانيون السلطة ثم يبدأ سيناريو آخر يجعل من هذه الانتخابات آخر الانتخابات النزيهة، وآخر انتخابات يتم فيها تداول السلطة، وهذا غير بعيد عن ممارسات الكثير من العلمانيين أو ممن يوصفون بالدولة العميقة في كل قطر، فلا مكان عندهم لحرية تأتي بإسلاميين، والحرية الوحيدة المسموح بها هي إسقاط الإسلاميين فقط.

-------------------------------------------------
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــ