المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الديمقراطية العرجاء في تونس


عبدالناصر محمود
10-31-2014, 07:46 AM
الديمقراطية العرجاء في تونس
ــــــــــــــــ

7 / 1 / 1436 هــ
31 / 10 / 2014 م
ـــــــــــ

http://albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/830102014112654.png

إذا كنا نريد الشعور بالسعادة ونشوة انتصار الشعب التونسي على نفسه لأن العملية الديمقراطية تمت بسلام فهذا جيد، لكن مخرجات العملية الديمقراطية هل هي صحيحة أم لا؟ هذه هي المعضلة التي نعاني منها في عالمنا العربي، الديمقراطية الأمريكية التي دائما تنجح إذا أريد لها النجاح وتفشل إذا أريد لها الفشل، رفض زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي قانون العزل السياسي إيمانا منه بتسامي رسالة الديمقراطية و أن الشعب التونسي شعب متعلم يعي ما يدور حوله، فعلا في الحقيقة نسبة الأمية في تونس البالغ عدد سكانها قرابة 11 مليون نسمة، 13 بالمائة وفقا للمنظمة العربية للعلوم و الثقافة. لكن هل التعليم العربي يمنح الناخبين حالة من النضج السياسي ؟! قطعا لا.
ما أسر المرء في تونس أن الخصومة السياسية بين الأطراف جميعا كانت تتم بشكل حضاري لا يزيد عن التظاهرات السلمية و الصخب الإعلامي، لم يصل الأمر إلى درجة العنف الدموي الذي شهدته بعض الدول العربية و أخيارا ليبيا، لكن في المحصلة فإن عدة عوامل تتحكم في نجاح مخرجات العملية الديمقراطية و أولها، أن لا تكون نتائجها أسيرة لضغوط راجعة للفقر و الحاجة الاقتصادية، أو الترهيب الأمني و الفوضى و شل الحياة العامة، أو كذلك الإقصاء الوظيفي و غيرها من الممارسات القذرة التي تمارسها أحزاب نافذة في البناء الإداري و السلطوي للدولة، وما حدث في تونس أن عوام الناس وهم أصحاب القرار تعرضوا لحرب إعلامية رهيبة بهدف التأثير على نتائج الإنتخابات، بالإضافة إلى الرشوة المالية و التضليل بكافة أنواعه الذي تمت ممارسته أمام صناديق الانتخابات، وخصوصا على العجزة و كبار السنة و المعاقين. وذلك لم يطعن في صحتها، لأن الحالات كانت غير كافية أو غير موثقة.
الديمقراطية الصحيحة تمنح الفرصة للمؤهلين من أبناء الشعب، لكن دائما في عالمنا العربي، الديمقراطية تؤهل الفاسدين لتولي المناصب القيادية في الدولة، لذلك شرع الإسلام الشورى بين أهل الحل و العقد، و ليس عوام الناس، فكيف يستوي رأي الفقيه و العالم و الطبيب و الأكاديمي بالأمي و و الغير متعلم و ... إلخ.
ما أظهرته نتائج الإنتخابات الرسمية أن حركة نداء تونس التي يتزعمها الباجي قائد السبسي و معها عدد من رفقاء العهد القديم من اليسار و التيار العلماني الذي قدس الرئيس السابق زين العابدين بن علي حتى رحيله عن الحكم هم الذين تصدروا نتائج الفائزين في الإنتخابات سواء تحت مظلة نداء تونس أو غيرها من الأحزاب.. وحصلت تلك الأحزاب على أكثر من 60 بالمائة من مقاعد البرلمان التونسي. يدلل ذلك إما على خلل في الإجراءات و آلية الإقتراع وفساد منظومتها أو فقدان الثقة في الإسلاميين من قبل الشارع و ذلك بفعل عدة عوامل و أهمها سوء الإدارة للأزمات الداخلية أو ملف " الإرهاب" الذي تصاعد بشكل مقصود بعد تشكيل "حكومة التريكا" برئاسة حماد الجبالي وشراكة حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، و التكتل الديمقراطي حيث أصبحا في ذيل قائمة الفائزين في نتائج البرلمان الأخيرة.
و أخيرا و الحالة الثالثة التي تؤثر على مخرجات العملية الإنتخابية، و الأهم فساد الرأي العام التونسي و عدم قدرته على التمييز بين الفاسد و الصالح، وهذه ليست طامة الشعب التونسي وحده بل طامة الشعوب العربية بأسرها، إذ أن حالة الفقر و الحاجة تجعل الناس مسيرين في كل شيء في حياتهم، وليس فقط أمام صندوق الإقتراع، نحن نعيش حالة من الشح في الوعي السياسي و الفكري.. حتى أصبحنا نتقبل الفاسد أكثر من الصالح و نرجو منه إصلاح حالنا و تنمية إقتصادنا، و تطوير بنيتنا التعليمية، النهضة حصلت على 31.79 بالمائة من مقاعد البرلمان، و حصلت عليها من قاعدتها التنظيمية في أغلبها و من الإسلاميين الآخرين، لكن هذا لا ينفي الحقيقة القائمة وهي أننا بحاجة إلى مناهج تعليم تصحح مسار حالة الوعي الثقافي و الفكري في بلادنا.. أمام تونس طريق واحد الآن و هذا ما تراهن عليه النهضة و الأحزاب الأخرى المناهضة لتيار النظام السابق، أن يفشل نداء تونس في تقديم جديد و حل الأزمات التي تعصف بتونس مثل الإقتصاد و الأمن، و أعتقد أن مشكلة الأمن ستحل لأنها مفتعلة بدرجة أولى، أما قضية الإقتصاد فحلها لن يكون بجلب المزيد من الاستثمارات و المنح المالية الخارجية، فتلك الخاصية سيستفيد منها الطبقة الأرستقراطية القديمة و اللصوص الكبار في البلاد، أما الطبقة الناخبة من العاطلين عن العمل فلن يستفيدوا إلا بتطوير البنية التحتية للبلاد سواء على صعيد التنمية الاقتصادية الشاملة أو التعليم و التأهيل، وكل ذلك مرتهن بصلاح الفئة الحاكمة..
في نهاية المطاف، سيكون سقوط نداء تونس مدوي في الإنتخابات البرلمانية المقبلة إن لم يتم إقصاء الفاسدين وهذه استحالة في قاموس الليبرالية العربية، يبقى أمام الآخرين تحدي واحد وهو أن يشكلوا معارضة مؤثرة وحامية للحريات في البرلمان التونسي و عدم السماح بالتجرؤ على الثوابت العامة لحقوق المواطنين.. وعدم العودة للنظام القمعي الذي حرم التونسيين من أبسط حقوقها وهو الصلاة في المساجد، و الانتظار لفرصة أخرى في مسلسل الديمقراطية الأمريكي، إن عادت الفرصة مرة أخرى.

---------------------------------------------------

عبدالناصر محمود
10-31-2014, 07:49 AM
الديمقراطية العرجاء في تونس*
ــــــــــــــــــ

*(أحمد أبو دقة)
---------------