المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السعادة بين المفهوم المادي والإسلامي


عبدالناصر محمود
11-02-2014, 08:39 AM
السعادة بين المفهوم المادي والإسلامي*
ـــــــــــــــــــ

9 / 1 / 1436 هــ
2 / 11 / 2014 م
ـــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8770.jpg

في الوقت الذي يبحث فيه جميع البشر في هذه الحياة الدنيا عن السعادة، ويبذلون الغالي والنفيس من أجل تحصيل أكبر قدر مستطاع منها، لا يدرك كثير من الناس شيئا من حقيقة السعادة أو سرها، وإن ظنوا أنهم سعداء أو زعموا ذلك، نظرا لاختلاف مفهوم السعادة بين المادية الغربية والحقيقة الإسلامية.

لقد أخضع الغرب جميع مظاهر الكون والحياة للتجربة المادية، حتى زعم بعض الباحثين في العلوم الوراثية أنهم اكتشفوا أخيرًا سر سعادة الإنسان، متمثلًا في جينٍ معين يرسم ملامح حياة الإنسان منذ ولادته، فإما أن يكون سعيدًا أو تعيسًا، فكلما كان هذا الجين أطول كان الإنسان أكثر سعادة، وكلما قصر الجين عاش الإنسان حياته تعيسًا مهما فعل ومهما حقق من نجاحات.

وبغض النظر عن حيثيات وتفصيلات هذه الدراسة، فإنها لا تبدو مقبولة دينيا ولا واقعا، إذ هي تجعل من بعض الشعوب سعداء وبعضهم أشقياء منذ الولادة حسب طول هذا الجين المزعوم، وهو ما يتعارض مع عدل الله تعالى المثبت له في جميع الأديان السماوية، ناهيك عن تناقضه مع الواقع الذي يؤكد وجود كثيرين سعداء في دول صنفت بذات الجين القصير، وآخرين أشقياء في دول صنفت بأنها ذات جين طويل!! ناهيك عن الإحصائيات التي تؤكد ارتفاع نسبة الانتحار في الدول الغربية.

ومن كان من الغرب أقل تعصبا لهذا المفهوم المادي لكل شيء في هذه الحياة، الذي وصل إلى منطقة المشاعر والأحاسيس عند الإنسان، والتي لا يمكن أن تقاس بأي حال من الأحوال بتلك المادية البغيضة يقول:

إن الأمر يتعلق بعوامل خارجية، بالحياة الاجتماعية والاقتصادية، بل حتى السياسية أكثر مما يتعلق بالجينات، أي أن السعادة – بهذا المفهوم الغربي - تنال بالأسباب المادية المعروفة، من مال وفير يلبي جميع رغبات الإنسان في هذه الحياة، ومن إشباع جميع الشهوات دون أي قيد او حد، ومن توفير جميع أسباب الرفاهية المادية، من استقرار سياسي و خدمات اجتماعية، وحالة اقتصادية جيدة.

وعلى هذا الأساس والمفهوم الغربي للسعادة، يقول علماء الاجتماع في تقرير سُمي بـ"الدول الأكثر سعادة": إن الدنمارك تحتل المرتبة الأولى عالميًّا من حيث سعادة سكانها قبل النرويج وسويسرا وهولندا، وإن الإمارات وعمان وقطر هي الدول الأكثر سعادة عربيًّا في المراكز 14 و23 و27 عالميًّا، وسوريا هي الأكثر تعاسة بالمرتبة 148 عالميًّا بعد اليمن ومصر في المرتبتين 142 و130 على التوالي.

والحقيقة أن التقرير الذي استند على إحصاءات جرت بين عامي 2010 و2012 من قبل "شبكة الأمم المتحدة لحلول التنمية المستدامة" لم يكن يستطيع أن يفسر سبب السعادة سوى بمقاييس تعتمد على الناتج المحلي الإجمالي وطول الحياة والدعم الاجتماعي وحرية اتخاذ القرار وغيرها من المؤشرات الخارجية.

فقد وجد تقرير مؤسسة "غالوب" الذي شمل على 133 ألف شخص حول العالم خلال عام 2014، أن السوريين - برفقة الأفغانيين - هم الأكثر تعاسة على الإطلاق في العالم، وذلك استنادًا على مؤشرات قيم فيها المشاركون درجة سعادتهم، تتعلق بالهدف من الحياة، والحالة الاجتماعية والوضع المالي والعلاقة بالمحيط والحالة الصحية.

في مقابل هذا المفهوم المادي الغربي للسعادة، يأتي المفهوم الإسلامي للسعادة المرتبط بشكل رئيسي بالإيمان بالله سبحانه وتعالى وتوحيده والعمل الصالح، والتي تتمثل في سكينة النفس، وطمأنينة القلب، وانشراح الصدر، وراحة الضمير والبال نتيجة لاستقامة السلوك الظاهر والباطن – المدفوع بقوة الإيمان .

قال تعالى : {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} الرعد/28، وقال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً.....} النحل/97، وقال تعالى : {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا..} طه/124-125

فالسعادة في المنظور الإسلامي ليست قاصرة على الجانب المادي فقط كما هو الشأن عند الغرب - وإن كانت الأسباب المادية من عناصر السعادة - وإنما يعتبر الجانب المادي وسيلة وليس غاية في ذاته، ولذا كان التركيز في تحصيل السعادة في الإسلام على الجانب المعنوي كأثر مترتب على السلوك القويم الملتزم بأوامر الله تعالى واجتناب نواهيه.

فشتان بين المفهومين.

ـــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــ