المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في مقاومة العولمة الراهنة


عبدالناصر محمود
11-11-2014, 08:29 AM
في مقاومة العولمة الراهنة
ــــــــــــــ


(مراد ليمام)
ـــــ

18 / 1 / 1436 هــ
11 / 11 / 2014 م
ــــــــــــ

http://nama-center.com/ImagesGallary/photoGallary/magalat/11-11-2014.jpg


برزت العولمة قوية منيعة مع الولادة المزدوجة للأسواق العالمية والشبكة العنكبوتية، ابتداء من النصف الثاني من القرن العشرين. فتحت مبدأ التنافسية الذي قام عليها الاقتصاد، وتم الكشف الخارق عما تعنيه العولمة عندما تستخدم من أجل تجفيف الينابيع العميقة التي يستقي منها الإنسان وعيه بذاته وللعالم المعروض فيه. فالتنافسية لم تأت عن هوس في الرفاهية، أو عن رغبة في مطابقة السماء للأرض بإحلال الإنسان محل الإله الميت، بل حلت رافعة لواء التقدم لتغزو كل المجالات الإنسانية والرمزية والمادية، حينها أصبح للتقدم مرادف واحد يفيد معناه: إذا لم تستطع المضي نحو الأمام، وإذا لم تبتدع أشياء جديدة؛ فمصيرك التلاشي، وبتعبير أدق؛ أضحى التقدم المسكون بقوانين التنافسية يدفع نفسه بنفسه، ويحصد ما يحصد من إنجازات، مستبدًا بمركزيته، مستعبدًا الإنسان في دائرة مغلقة من الإنتاج الهادف إلى الاستهلاك دون علة غائية.
كل ذلك يطرح بحدة نوع التحولات المستقبلية التي تنتظر الإنسان، لذا نجد لوك فيري (Luc ferry) يشبّه النظام الاقتصادي بالانتقاء الطبيعي للنزعة التطورية عند داروين (Darwin). فكل فصيلة لم تستطع التكيف مع متغيرات العالم مصيرها الانقراض. كذلك الأمر في عالم محموم أمسى التقدم فيه هو المعادل الموضوعي لفكرتي التجديد اللامتناهي والاختراع المقترنين بعملية التكيف الدائم. بات الإنسان مفعولاً لفعل وفاعل يتمتعان بأسبقية وجودية، ففعل العولمة يتقوم بفاعل التنافسية، وما تنتجه يتحمله إنسان فقد القدرة على فعل التفكير والوجود بالمعنى الديكارتي.
ولا نغالي إن قلنا إن انغلاق نسق العولمة وعدم ارتباطها بالإنسان الكفيل بضخ المعنى أضفى قيمة أنطولوجية على مسيرة تحولاتها وانتصاراتها، وهو ما فطن إليه عدد لا يستهان به من المفكرين حين إعلانهم موت الإنسان. فكل الصروح التي شيدها الإنسان ما لبثت أن تزلزلت تحت وطأة العولمة، فنجم عنها تصدعات عميقة في نظم القيم التي أخذت طريقها في التلاشي شيئا فشيئا، فحتى مفهوم التاريخ لم يلبث أن تشققت وتفتت حركيته، إذ لم تعد هذه الأخيرة قادرة على تعمير قيم ترسم أبعادها الغائية، بل تم الزج بها في عالم هاديس (Hadès) السفلي مثوى الأموات، أصبحت حينها عاجزة عن رسم نهاية منشودة، مادامت تتغذى من نزعة آلية عمياء ترادف تنافس الكل ضد الكل في زمن العولمة.
والحق أن مفهوم العولمة لابد وأن يتجاوز البداهة الظنية القائمة في سيادة الاعتقاد القائل بأن نشاطها محصور في المؤسسات المالية العالمية بالمعنى الاقتصادي الصرف، إذ امتدت لتشمل جوانب الحياة السياسية والثقافية والحضارية، فالانتشار العالمي لكل شيء وأي شيء هو في أبسط معانيه تبعثر وتفكك إلى ما لا نهاية، انتحرت معهما الفكرة فصار التاريخ أجوف لا يملك سببًا أو معنًى نهائيًا. وبما أنه لم يعد كذلك؛ فلا غرابة من أن يفرز كل ضروب الانبثاث الإنساني، ذلك الإنسان الذي لا يملك غايته في ذاته، وإنما هو منذور لإنتاج وابتكار موضوعات عبثية.
إن وهم التقدم والابتكار المسكونين بهواجس التنافسية قد بلغا حد فقدان الإنسان الجذر الوتدي والعلة الغائية للوجود، فضاع المعنى. لا مفر إذًا من الإقرار بأن التنافسية في زمن العولمة قد أطبقت فخاخها على العالم المعيش متوحدة بجميع مناحي الحياة الإنسانية، تدير حياتنا في البيت والإدارة والمقهى صاغرين، وتعمل على تطويعها متوغلة نحو نزوعاتنا الدفينة في دهاليز اللاوعي، مكيفة أذواقنا واختياراتنا وطرائق تفكيرنا.
لقد أمست التنظيمات المالية ووسائل الإعلام والاتصال والدعاية تمهد لقيام أشكال من الاعتقاد حول الحياة، ظل معها المعنى شبه مغيب، وتحته كانت قيمة الإنسان أكثر تغييبًا، قاد ذلك إلى تشظي الذات الإنسانية وتفككها. فالممارسات الاقتصادية والتجارية والتسويقية أسقطت المجتمعات في شراك الاستهلاك المجاني ورحى الدلالات الواهية، ويرى لوك فيري أن السنوات الأخيرة عرفت نقلة نوعية في نمط الاستهلاك تمثل في الانتقال من الاستهلاك الجماعي نحو الاستهلاك الفردي، تعكسه الشاشات المتضاعفة بالبيت الواحد. ويقر الفيلسوف الفرنسي بأن الاستهلاك أصبح من أشكل المصطلحات وأكثرها زئبقية، حينما امتد مجال فاعليته ليشمل مجالات لم تكن بالأمس القريب محط اهتمام له.
فلقد تفنن صناع الإشهار في التسليع لما عمدوا تقديم شخصيات في مجال الدين والسياسة والثقافة، باعتبارها نجومًا هوليودية تحرك الخيالات والأحلام من خلال التركيز على مشاهد إنسانية من حيواتهم الخاصة تصنع في أذهان المتلقي عالم السعادة الموهوم. كما أننا لم نعرف قط كاتبًا لا يريد رواجًا لإصداراته، ولم نسمع أبدًا بصحفي لا يهتم لبث برامجه، أو سياسي لا يعير اهتمامًا لصورته في ذهن منتخبيه، بل ندفع بالقضية إلى حد القول إن هذه الشخصيات وما تنتجه في مجالاتها قد تحولت إلى سلع معروضة تصنع أنماط حديث الاستهلاك داخل المجتمع، فكل فئة منه تواكب الجديد حسب اهتماماتها بأسلوب تترجم ملفوظاته عبارات من قبيل: آخر ما صدر، أفضل ما يمكن مشاهدته، أحسن منه حاليا لا يوجد...
تمنهج طرائق القول هذه نفسية الحيوان الاستهلاكي = الإنسان الذي أصبح يلاحق أمنيات الظفر بالمنتجات، ويبقى اللهاث وراء المعروض الجديد أحد الأسس القاعدية الجوهرية للتدافع نحو الابتكار والتنافسية الدائمين لكبريات الشركات والمؤسسات. لكن سرعان ما انتقلت حمى التنافسية وعدواها لتصنع طرائق القيم المستهدفة في الحياة، وذلك حينما تهمش الوظيفة الاستعمالية فتهيمن الدلالة.
فمثلاً نحن لا نشتري سيارة من أجل تخفيف عبء التنقل، بل نشتري وضعًا اجتماعيًا، ولعل هيمنة الدلالة على حساب الوظيفة سيصبح مبدأ مبادئ التنافسية القائم على فن التباهي والتعالم بين الأفراد، إذ نعاين بجلاء تفنن الأفراد داخل مجتمعاتنا في التباهي والتعالم المحموم بمبدأ التنافسية. فاللهاث نحو الجديد والسعي لا شعوريًا وراءه؛ يصنعان في أذهان الأفراد مشاهد نجومية لمن استطاع الظفر به، إلى جانب هيمنة مقولتي الجيد والرديء، وما يصنعه امتلاك الجيد في نفسية صاحبه من لبوس جذابٍ ومغرٍ.
هكذا تخلق شبكات الإعلام والإنترنت تحت وطأة العولمة واقعًا لا واقع له، أو بالأحرى واقعًا إيهاميًا تضليليًا يصور للمشاهد نماذج تضليلية استرقتها عيون الكاميرا برأي جان بودريار (Jean Baudrillard).
انطلاقًا مما سبق؛ هل يلزم الادعاء بأنه لم يعد ثمة شيء يستحق الذكر بعد أن تم تفريغ كل القيم والنظم السابقة من محتواها فاضطرب المعنى؟ هل فعلاً ضاع المعنى بعد أن ضاعت البراديغمات وتفرقت، فتاه الأصل في كل الاتجاهات؟ أنعيش فعلاً في ثقافة فسيفسائية فاقدة للعمق والسيرورة؟
توجد فرضية أساسية، ولعلها قناعة تخترق أغلب مؤلفات لوك فيري وجان لوك ماريون (Jean-Luc-Marion)؛ تفيد أن العالم الراهن رغم نزوعه نحو إبادة ما ألفناه من مشاهد جدلية ونقدية وما استتبعها من قيم أضحت تقليدية، توجد بالمقابل ثورة في مجال القيم دفعت بالفرنسي لوك فيري حد تسمية مؤلفه بذلك: ثورة الحب (La révolution de l'amour). ولعل الخيط الناظم لكلا الباحثين في إحلال النزعة التفاؤلية محل النزعة التشاؤمية يتمثل في مفهوم الحب، إذ يحتل هذا الأخير مكانة مهمة في دراسة الباحثين. فمن ناحية يجعل فيري من مفهوم الحب نسقًا مرجعيًا للقيم الجديدة التي اكتسبت صفة المقدس، على أن معنى هذا الأخير لا صلة له بالمجال الديني، بل يفيد في أبسط معانيه ما يدفع الإنسان للمخاطرة بحياته في سبيل الدفاع عن شيء ما.
من هذا المنطلق يتسائل فيري: من شباب اليوم لديه الرغبة في الموت من أجل قيم جماعة أوحزب أوأي ثقافة تسلطية خارجية عن الفرد؟ طبعًا القليل فقط، مادام فعل التضحية أصبح مؤشرًا على أهمية من نحب أوما نود من أجله الموت، بل أصبح يشكل بوصلة داخلية تهب المعنى لكل ما نفكر فيه أونفعله أونبحث عنه.
فمن إحدى مزايا هذا العصر الموسوم بالاقتصاد الرأسمالي؛ نشوء قيم، من قبيل الفردانية والاستقلالية والحياة الخاصة، سيكون لها بالغ الأثر في نشوء مؤسسة الزواج المؤسسة على الحب عوض مؤسسة الزواج القائمة على فكرة الواجب، من هنا كان من الطبيعي أن يرتبط مفهوم التضحية الجديد بمن نحب. ومن ناحية أخرى؛ تفيض دراسات جان لوك ماريون في مؤلفه: الظاهرة الإيروسية (Le phénomène érotique) ببدائل من شأنها فك إسار الإنسان من بوتقة هباء المعنى. فما نتلقطه من مظان دراسته، دعوة صريحة إلى الانفتاح على الآخر والتعبير عن الرغبة فيه، مادام هو المطلب وحيث الفرد متلقي استجابة مطلبه.
ضمن هذا المنظور،يتسأل الفيلسوف الفرنسي عن الباعث الحقيقي وراء إحساس الإنسان المعاصر بالقلق إزاء إحداثياته، في حين تمده العلوم والوسائط التقنية بفيض من المعلومات تسهم في فك العديد من رموزه وما يحيط به من غموض.
على هذا الأساس، ينطلق الفيلسوف الفرنسي من فرضية تقوده نحو الإقرار بأن مصدر قلقنا يتمثل في البحث عن اليقين فيما لا يمكن أن يغدوموضوعا لليقين، مادام عصيا ومنفلتا. فهذه (الأنا) لا يمكن أن تصبح أبدا موضوعا لليقين. ولعل هذا الأمر، هو ما ينقص مكونات الثقافة الراهنة والذي يظل مصدر خيباتها ؛ خيبة اليقين في موضوعها الذي اجتاحه القلق فغمره محدثا الفراغ.
إن ما يعوز الإنسان المعاصر هو الإحساس بالأمان، وما لهاثه وراء الجديد سوى سعي نحو طريق رحبة من الاستهلاك تعكس عمق الرؤى الفردية والجماعية التي ترغب في الأمان انطلاقا من حب الأشياء.
لذلك يوجه الفيلسوف الفرنسي نداء يطالب فيه بنقل الحب من حب للأشياء نحو حب للآخر ؛أي جعل الحب يتجلى من خلال حياة الآخر بشكل يجعلني ممكنا ومتحققا بوصفي صورة مكررة من وعيي بالذات.
من الممكن أن تصبح مفاهيم من قبيل الحب والآخر والغيرية وغيرها أكثر أدوات التحليل قوة لضخ المعنى في زمن استأسدت فيه العولمة. فربما الحب هو مفتاح الأسرار الكاشف للغز بما لديه من كوامن تكتيكية وإستراتيجية تسمح بإعادة التفكير في معضلات زماننا. إنه مطلبي في الآخر باعتباره حياة أجد فيه ما يطمئني ويؤمنني.
لكن، أليس السعي إلى توطين الإشكالية - حين إقامة العلاقة بين مفهوم الحب والآخر - ضربا من التأثيث ل (أنا) فقد كل صلة مبتكرة بين الإنسان والله؟ ألا يغدوهذا الحقل المفاهيمي مفخخًا حين انسيابه العفوي في الوجود العربي الإسلامي؟ ثم، هل ينطوي الفكر الإسلامي على قابليات تستثمر منجزات الأنا الغربي وتستدمج إمكانات نظره الفلسفي بشكل يرتقي نحو مقام الإفصاح الأنسب عن الإعضال الوجودي للذات العربية في زمن العولمة؟
لا بد أن نذكر بأن الثورة التكنومعلوماتية وما تلاها من انبساط للتقنية وتماهيها مع مناحي الحياة، هو القدر المحتوم للبشرية في العصر الراهن. ومرد هذا الأمر، إلى أن عصر الثورة المعلوماتية أضحت على نفس القدرة والقوة التي كانت للطبيعة فيما مضى، مما يجعلنا الآن في مفترق الطرق. إذ من الممكن أن يؤدي ذلك إلى نتائج باهرة في حياة الإنسان أوخلق بيئة مضطربة وقلقة، تعصف بالحدود الأخلاقية الموروثة وتضع مصير الإنسانية على شفى حفرة.
فطغيان الجانب الإنساني على الممارسة العقلية الغربية - باعتبارها شكلا انتقائيا لكيفية فهم المصير الإنساني في زمن العولمة - هز ما تبقى عند الأنا الغربي من إحساس بالأمان، فقلب منطق الأشياء التي ورثها عن عصر الأنوار وزمن الروايات الكبرى.
إن الأخطار التي جعلت الإنسان يهاب على المصير الإنساني ويقلق بشأنه، كانت مقدمة للإعلان عن قانون الصراع بين الأقطاب المتضادة في الغرب برأي عبد الوهاب المسيري. فهو قانون يفيد معناه هيمنة قطب تقتضي ضرورته نفي باقي الأقطاب.
ومن تجليات القانون، تجريد العالم والإله من صبغة القداسة باعتبارها عقبة أمام تحقيق حرية الفرد. بل أن الفرد لن يصبح حرا إلا في اللحظة التي يقتل فيها آخر إله - برأي مرسيا إلياد -، تعقبها عملية تحويله إلى إله في شكله البشري الحقيقي ؛ حيث برومثيوس يسرق القداسة من الآلهة ليهبها للإنسان.
ويطمح الإنسان الغربي - في توقه الأبدي لكشف كل ما هو غامض في إطار محيطه الحاضر - إلى تأسيس مقدس ورسم لوحة متكاملة للوجود تعيد إنتاج ديانة وطقوس مغايرة تحت عبارات أخرى من قبيل: الحب، والآخر، والغيرية، والعقل... يصبح عندها الدين أشد الحاضرين حضورًا؛ لأنه مبدأ مبادئ التصنيف كلها.بل إن كل محاولة لملء الفراغ في قصور المقدس السابق هي افتراض حد جديد لمقدس آخر. فتبنى جبهات وتشيد قلاع وتقام متاريس للإيمان بالإنسان - الإله وعبادته مقابل التشكيك في الوحي والديانات المنزلة.
لكن، كيف يمكن للإنسان المتصف بالمحدودية أن يتربع على عرش الإله؟ وهل من الممكن أن يحور مطلب الإنسان من حب الإله نحو حب الإنسان في ظل وضعية المحدودية التي تعتري ارتباطه بالوجود؟
ليس غرضنا في هذا المقام الطعن في التصورات الغربية أوالاقتيات الطفيلي من تناقضاتها لإبراز مدى صوابية تصوراتنا الدينية وجديتها، بل هدفنا محاولة الاستفادة من منجزاتها بغية إضاءة جوانب مهمة في دينينا أهملت فأصابها الصدأ.
إن وضعية المحدودية التي تكتنف الإنسان، هي في حقيقة الأمر محدودية إيجابية. إذ تحكم ارتباط الإنسان بعالم يشهد على الحضور الإلهي من خلال آثاره المتجلية به من جهة، كما تفترض الانتساب إلى الإله المطلق الذي يترادف والعلة الفاعلة لخلق الكون من جهة أخرى.
إزاء هذا الوضع، تنتفي تجليات الحب باعتبارها حياة أخرى أجد فيها ما يطمئنني مادام وضع الآخر - شأنه شأني - يتسم بالمحدودية. من هنا، يتحول موضوع مطلبي من الرغبة في الآخر نحو الرغبة في الإله وآثاره المتجلية في العالم. ولما كان مطلب الرغبة يعكس حب الله وآثاره، فإن موضوع الحب سيغدوموضوعا للعبادة طبقا للمقولة الشهيرة: أن تعبد شيئا هو أن تحبه أوتحب موضوع عبادتك. لذا فأصدق شكل للعبادة يعبد به الحق سبحانه هو الحب، مصداقًا لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165].
إن موضوع الحب هنا مجال للتناهي حين تقفي آثار الخالق في العالم، ومجال للاتناهي حين حبه عز وجل في ذاته ؛ يسعى الإنسان عن طريق حبه إلى سلسلة من الاستيهامات تضفي رموزا تخييلية ينقلب بها الحس إلى طيف منفلت.
فالحب الإلهي موضع للانتظام الأصلي للإنسان في ارتباطه المتلازم بالوجود، وهو المحدد لمحبة الواحد الذاتية التي تسهم في إعادة اكتشاف الذات الإنسانية. ويقودنا هذا المنطلق نحو تصور محيي الدين بن عربي القائل بـ: (إننا نحب الله؛ لأنه الجميل الأوحد، وسبحانه يحبنا ويحب كل ما خلق). فالجميل هو ما يسعى إليه الحب تماشيًا مع الحديث الشريف: «إن الله جميل يحب الجمال».
الجمال إذًا، روعة الوجود واكتماله. لذلك نجد أبونصر الفارابي يميز بين واجب الوجود بذاته أي الله، وهو الجميل في ذاته، وبين ممكن الوجود بغيره وهو مشروط بواجب الوجود.
فالحب علة الخلق والإبداع طبقًا للحديث القدسي: «كنت كنزًا مخفيًا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق فبه عرفوني». فأشياء العالم تحجب الحضور المحسوس للخالق عز وجل مادام الكون في حد ذاته تجليًا من تجليات القدرة الإلهية وعنايتها.
ختامًا؛ يحمل الإنسان المعاصر في العالم العربي عناصر القوة والسعادة إن اتجه قدما نحو الحب الإلهي، وعناصر الوهن والشقاء إن نزع بهذا الحب نحو الأشياء والآخر. فالحب الإلهي يسهم في سبر أغوار الذات بالنفاذ اتجاه تخومها، لأنه ينطوي على قابليات تدفع بالذات إلى امتلاء أصلها الكياني مستثمرة إمكانات النظر العقلي.

--------------------------------------