المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إسلاميو تونس والخيارات الصعبة


عبدالناصر محمود
11-11-2014, 08:40 AM
إسلاميو تونس وانتظار الخيارات الصعبة*
ــــــــــــــــــــ

18 / 1 / 1436 هــ
11 / 11 / 2014 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8802.jpg


أسفرت النتائج البرلمانية التونسية للمجلس التأسيسي التونسي عن نتيجة فوز حزب "نداء تونس" بأغلبية المقاعد وبخسارة حزب النهضة لأغلبيته السابقة التي مكنته من تشكيل الحكومة السابقة، مما شكل مفاجأة كبيرة تمثلت أيضا في أن الأحزاب المشاركة مع النهضة في الحكومة السابقة على مراكز متأخرة جدا في السباق الانتخابي، مما دفع بالحزب المحسوب على النظام السابق والموالي للرئيس التونسي قبل الثورة زين العابدين بن علي إلى صدارة الحياة السياسية التونسية مرة أخرى.

وستمكن هذه الأغلبية التي حصل عليها نداء تونس من فرض رؤيته للمرحلة المقبلة حيث سيوضع الحزب أمام عدة خيارات، وفي كل منها مغانم ومغارم مختلفة، وسيكون لكل بديل من البدائل مصالح سياسية في مقابل أثمان سيدفعها عن اختياره.

وغني عن القول أن الممارسة السياسية التي تعاملت بها حركة النهضة والتي اتسمت بالرقي السياسي لا يبدو في الأفق أن حزب نداء تونس سوف يتعامل بها إلا في وضع الاضطرار، وهو الأمر الذي اجتهد قادة نداء تونس في نفيه حتى الآن.

فبعد أربع سنوات من الابتعاد القسري عن الحكم نتيجة الثورة التي قامت على نظام ابن علي عاد "الباجي قايد السبسي" احد ابرز رجالات النظام القديم إلى سدة الحكم مرة أخرى، لتزيد احتمالات عودة النظم القمعية مرة أخرى ولاحتمال إنهاء التجربة الثورية التونسية التي بدأت الربيع العربي والتي تميزت بأنها كانت الأوفر حظا من الدول الأخرى التي قامت فيها الثورات التي تلتها.

وتتعدد احتمالات الاختيار التونسي للفترة المقبلة، والتي يكون الأسوأ منها بالنسبة للإسلاميين هو الاختيار الأوفر حظا، حيث أن العلمانيين والنظم القمعية لا ترحب بالإسلاميين بوجه عام للعمل في الميادين السياسية، وعادة ما تتم المحاولات للتخلص منهم على المدى القريب والبعيد على حد سواء.

وتصب كافة الترجيحات إلى إبعاد نداء تونس للإسلاميين تماما عن المشاركة في الحكم أو الحكومة والانفراد به مع تحالف مع الأحزاب العلمانية الأخرى، لمحاولة إخراج الإسلاميين من المشهد السياسي مع محاولة التغلب على العقبتين الأساسيتين في هذا الاختيار وهما:

- العقبة الأولى تتمثل في أن في هذا الاختيار تحملا للمسئولية السياسية والاقتصادية والأمنية كاملة لحزب ابن علي، وذلك في ظل أزمات حقيقية عانت منها حركة النهضة إبان تصدرها للمشهد، وتسببت كثيرا في فقدانها لكثير من أنصارها.

- والعقبة الثانية هي أن حركت النهضة لا يمكن إزاحتها في الوقت القريب على الأقل، فبنسبتها في المجلس التأسيسي يمكنها إيقاف العديد من القرارات الهامة التي يمكن أن تستهدفها وتستهدف وجودها من الأساس.

ويعد الاختيار الثاني أن يتم تحالف بين نداء تونس وحركة النهضة هو الاختيار، وحيث تمثل النهضة الحالة الثورية والمعارضة القوية لعودة حزب ابن علي من جديد، وبالتالي احتمالات انضواء النهضة ونداء تونس تحت راية واحدة هو الاحتمال الأصعب، والذي استبعده نداء تونس على السنة قياداته، لكن في نفس الوقت لم ترفضه النهضة.

وهذا الخيار مع كونه مستبعدا إلا انه ربما يتم على ضوء عدم رغبة حزب نداء تونس تحمل مسئولية إدارة ملفات الأزمات التونسية بمفرده، إلا ان قوى خارجية ستحاول تقديم كل الدعم الممكن للسبسي لحثه على جعل هذا الاختيار أصعب الاختيارات وأبعدها عن ذهنه.

وهناك اختيار ثالث قد يكون الأفضل حظا للدولة التونسية، وهو ان يقوم حزب نداء تونس بتشكيل حكومة تكنوقراط، لتقوم بإدارة البلاد بمنهج علمي وتخصصي لتشبه الاختيار الأخير الذي استقرت عليه النهضة في أواخر فترتها، ولكن نداء تونس لن يكون بأي حال كالنهضة في رقيها السياسي وفيه إعلائها لمصلحة تونس، وخاصة أن القبول بهذا الاختيار يعني ضمنيا تقليص نفوذ نداء تونس تماما ولا يعتقد أبدا أن السبسي ومن معه سيوافقون على هكذا اختيار.

وبالتالي فان اقرب الحلول للمنطق وللرؤى السياسية الحالية هو الاختيار الأول مع تحمل كلفته المادية بالدعم الخارجي الموجه والمعنوية بمساعدة الضغط الإعلامي القوي لمحاولة إلصاق التهم للإسلاميين ومحاولة جرهم إلى معارك دائمة تستنزف قوتهم وتنال من رصيدهم الشعبي لتتضاءل أمامهم فرص العودة مرة أخرى لسدة الحكم.

على كل الأحوال لن تترك القوى الدولية وخصوصا المحيطة أي بارقة أمل لأي ثورة عربية من ثورات الربيع العربي أن تحصد أية ثمار لتموت هذه المرحلة نهائيا ولتختفي من كتب التاريخ ملامح مرحلة سميت بمرحلة الربيع العربي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــ