المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تسييس فقر الفكر العربي


عبدالناصر محمود
11-12-2014, 08:59 AM
تسييس فقر الفكر العربي
ــــــــــــ

(راشد الوصيفي)
ــــــــــ

19 / 1 / 1436 هــ
12 / 11 / 2014 م
ــــــــــــ

https://encrypted-tbn0.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcQAUWcS8Ic9rpSc8AIpDC1MKEufkcEBc x7y_TBi2hc3NEHcuk-r



تسييس فقر الفكر العربي
-------------

إن الظروف التاريخية تؤكد أن أمريكا هي جزء مكمل للعالم الغربي؛ فلسفته، وعقيدته، ونظامه، وذلك يجعلها تقف مناظرة للعالم الشرقي الإسلامي؛ بفلسفته.

وعقيدته المتمثلة في الدين الإسلامي، ولا تستطيع أمريكا إلا أن تقف هذا الموقف المناظر من العروبة والإسلام إلى جانب العالم الغربي والدولة الصهيونية، إننا ندرك، بل نتأكد من ذلك، ولكن نماري أنفسنا على الطاعة العمياء، والتقليد الأهوج الأعوج، بل قد افتُتنا في بيوتنا، وشوارعنا، وكل مياديننا، بل زاد ذلك في لباسنا، وتخلينا عن هندامنا، وعروبتنا التي توارثناها؛ من الشجاعة والإقدام منذ العصر الجاهلي، فما كان يتميز به العرب خلال العصر الجاهلي من الشجاعة، والإقدام، والمروءة، وإكرام الضيف، وتسييس فكر القبيلة، الذي كان يعلو دائمًا فوق فكر الدولة، أو قل: هو فكر الدولة، نعم، لقد انجرفنا وراء تيار برَّاقٍ نجتر ونسعى إليه، رغبنا أو أَبَيْنا، وكأننا قد عصبنا عيوننا، ولم نرَ في الغرب إلا المُثل العليا، وهم أعداء لنا، يتربصون بنا الدوائر، فكان حُبنا لهم صَغارًا لنا، بل انقياد القطيع وراء الراعي الذي لا نعرف اتجاهه إلا من خلال إما اللهو، وهو متمثل في نَايِهِ حينما ينشد قطعًا موسيقية قد ألفناها، وفهمنا مغزاها، إما هي للمبيت في الحظيرة، وإما للطعام، وإما لنَرِد حوض ماء لنشرب، وأما الأخرى فهي العصا التي يجلد بها كل مَن يخالف القطيع، أو يتخلف عنه، أو مجرد أن يفكر في خلاف ما يفكر فيه القطيع، وهو ما تم تسييسه مِن قِبَل الراعي الأجنبي، لقد فطن الراعي الأجنبي إلى حِيَل عدة لكي يسيس هذا القطيع ويسلسل فكره، وطبع عليه سياسة التخلف والجمود والرجعية، وقد جعل العصا في يده اليمنى، والجزرة في يده اليسرى، يلوح بالجزرة؛ لإعطاء بريق من الأمل، ويرفع العصا إن لم يسمع ويُطاع، عمد العالم الغربي بسياسته الملتوية وفكره الكاذب إلى تسييس فقر الفكر العربي، وجعله ملكًا في يديه، فتسابق في شتى المجالات؛ لكي ينتزع العقول العربية التي ربما يكون وراءها رجاء في التطور والتقدم، كيف لا وهو صاحب فكرة "العولمة"؟! أو ما أسموه بـ "الأمركة" في شتى مناحي الحياة المختلفة، سواء كانت سياسية، أو اجتماعية، أو فكرية، أو ثقافية، حتى إنهم ليظنون بصَلَفهم وطغيانهم أنهم يستطيعون عولمة الدين والعقيدة، والذين لا يدركون أن عالمية الإسلام ليست للبشر على اختلاف أجناسهم وألوانهم واختلاف لغاتهم فحسب، بل للجن أيضًا، قال تعالى: ﴿ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ﴾ [الجن: 1، 2]، فقد قابلوا العولمة بالعالمية، فهم مخطئون بضيق فكرهم، وماديتهم المحسوسة، التي لا تتعدى ما في أيديهم، وما تحت أرجلهم، وانطلقوا يُسخِّرون فكر الشعوب لمصالحهم المزعومة، فكم عقول عربية هاجرت من بلاد العرب، وتقدمت على العقول الغربية، وفاقتها، وقدمت الكثير الكثير! ها هم قد استغلوا خيرات العرب من نفط خام، وغاز طبيعي، وشتى محاصيل زراعية أنتجتها الأيادي العربية، وطورتها - أيضًا - عقول عربية، ولكن في بلاد الغرب، وزعموا أنهم هم أصحاب الحضارة، وهم أرباب الفكر، وساسة الرأي، والعولمة.

أمريكا هي جزء من العالم الغربي، ذلك الذي يختلف بفلسفته وعقيدته ونظامه، عن فلسفتنا وعقيدتنا ونظامنا، فكيف لا تكون هناك تلك المعاداة ما دام هناك الاختلاف البيِّن الواضح في مناحٍ فكرية كثيرة؟! إن تسييس فقر الفكر العربي يعني طمسًا لهُويته، وتركه يحجُل في الفقر المدقع، الذي لا يتقدم قِيد أُنملة، ولأن الفكر العربي صار خاملاً، كسولاً، مقلدًا، يحب الركود، مفتتنًا بما يمليه عليه الراعي، فلا بد أن يحجل في فقرٍ مدقع، كما وُضع له من سياسة وتسييس؛ ألاَّ يكون إلا فكرًا فقيرًا؛ حتى لا ينهض، ويكون لأصحابه الغلبة والسؤدد، نعم، إن الوعي العربي يعيش فقر فكر، وفقر ثقافة، وفقر انتماء وهوية، لقد نجح الغرب في فهم مرامي فلسفة تفكيرنا فقد ضحوا من أجل النَّيْل منا، إنها سياسة استعمارية تقوم عليها الدراسات الإستراتيجية في المعركة، وهي إما أن تفهم عدوك أو عدوك يفهمك، فيكون النصر حليف مَن يفهم الآخر، فليس ببعيد أن نستقرئ التاريخ؛ لنعيد ما وقع فيه العالمان العربي والإسلامي تحت الحكم التركي، وما أفرزه الحكم فيما بعد من الثالوث الخطير المدمر، والمتمثل في: الفقر، والجهل، والمرض، والظلم الذي استشرى في كل مناحي الحياة العربية الإسلامية آنذاك، فكان انهيار الخلافة العثمانية، ثم الخضوع والنكوص إلى معاهدة سايكس بيكو، التي قسَّمت العالمين العربي والإسلامي من جديد، وما آل إليه حال الأمة العربية الإسلامية من تشرذم وتفتت وانهزامية في شتى مناحي الفكر المختلفة، فكان تسييس فقر الفكر العربي، يقول تعالى: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ [البقرة: 120]، صدق الله العظيم.


--------------------------------------------