المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المشاركات السياسية المعاصرة


عبدالناصر محمود
11-15-2014, 09:07 AM
المشاركات السياسية المعاصرة في ضوء السياسة الشرعية*
ــــــــــــــــــــــــــــ

22 / 1 / 1436 هـ
15 / 11 / 2014 م
ـــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3990.jpg


المشاركات السياسية المعاصرة في ضوء السياسة الشرعية

تأليف الدكتور: محمد يسري إبراهيم

طباعة: دار الكتب المصرية 2011م

ـــــــــ

أمام الأحداث المعاصرة المتتالية في العالم العربي والإسلامي, وخاصة ثورات ما بات يعرف بالربيع العربي, وأمام ثورة 25 ينايرالمصرية تحديدا, كان لا بد من سماع كلمة علماء الأمة الشرعية حول ما يجري من مستجدات, وفقا لمنهج الوسطية وبعيدا عن التعصب والتشدد والتطرف.

وفي هذا الإطار انعقد المؤتمر الأول للهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح تحت عنوان "ثورة 25 يناير من منظور شرعي" برئاسة الدكتور نصر فريد واصل مفتي الديار المصرية الأسبق ورئيس الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح, وكان من بين أهم ما ناقشه المؤتمر موضوع "حكم المشاركات السياسية المعاصرة في ضوء السياسة الشرعية" الذي تحول فيما بعد إلى كتاب هو محل قراءتنا هذه.

وقد تضمن الكتاب بعد هذه المقدمة ثلاثة فصول وخاتمة, تناول المؤلف في الفصل الأول بعض المقدمات التمهيدية في فقه السياسة الشرعية, ليدخل في الفصل الثاني إلى أصول وركائز فقه السياسة الشرعية, ليأتي الفصل الثالث للحديث عن حكم المشاركات السياسية المعاصرة.

في الفصل الأول أوضح المؤلف ارتباط السياسة في أذهان كثير من المثقفين والمتدينيين بالنفاق والكذب والانتهازية, حتى غدا النفور من السياسة عند بعض المنتسبين للدين دينا وديدنا, إضافة لإعراض البعض الآخر عنها بكونها لا تشكل أولوية في قائمة الإصلاح, بينما جنحت طائفة ثالثة لدعم بعض الساسة والعسكر -بعد أن انطلت عليهم حيلة الحكام- لينقلبوا عليهم وينكلوا بهم, ولعل محمد علي باشا وعبد الناصر خير مثال على ذلك كما يقول المؤلف.

وبعد تعريف السياسة لغة واصطلاحا إضافة لتعريف السياسة الشرعية, تناول المؤلف العلاقة بين السياسة الشرعية والفقه الإسلامي, مبينا أنه جزء منه, موضحا فائدته بالوفاء بمطالب الإنسانية المتجددة, والمرونة والسعة في الشريعة الإسلامية.

وعن أنواع السياسة الشرعية تناول المؤلف السياسة الدستورية الشرعية التي تتعلق بعلاقة الحاكم بالمحكومين "القانون الدستوري", إضافة للسياسة الدولية التي تنظم علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول "القانون الدولي", والسياسة المالية المتعلقة بالضرائب وجباية الأموال ونظام بيت المال, إضافة للسياسة الاقتصادية والقضائية.

بعد ذلك انتقل المؤلف للحديث عن خصائص النظام السياسي الإسلامي, موضحا تقيده بالشرع المتمثل بالكتاب والسنة, والتزامه بنظام الشورى وأداء الأمانة وإقامة العدل, إضافة لازدواجية أهدافه الإصلاحية لأمور الدين والدنيا معا, ناهيك عن بعده كل البعد عن الثيوقراطية "أو الدولة الدينية", فصحيح أن السيادة للشرع في النظام السياسي الإسلامي, إلا أن السلطان فيه للأمة, فهي تختار حاكمها وتراقبه وتحاسبه.

وعن مشروعية العمل السياسي في الإسلام أكد المؤلف أن الإسلام دين ودولة, وأن الإمامة العظمى منصب شرعي وهي موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا, وإذا كان عقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع, فهذا يعني أنها أعلى درجات المشروعية, وأن العمل السياسي مشروع رغم أن مفاسده كثيرة ومشاكله عديدة.

وأوضح المؤلف أهم أهداف العمل السياسي الإسلامي المعاصر وأغراضه وهي:

1- استئناف الحكم والتحاكم إلى الشريعة الإسلامية.

2- حماية الحقوق والحريات الإنسانية الفردية والجماعية.

3- استفاضة الدعوة إلى الله وحمايتها.

وأيا كان موقف أهل العلم والدين من السياسة في بلادنا, أوضح المؤلف أن الحد الأدنى من مطالب الجميع لا يخرج عما يلي:

1- تعديل الدستور بما يوافق الشرع الإسلامي.

2- إلغاء العمل بقانون الطوارئ سيء السمعة.

3- إعادة تنظيم العملية الانتخابية.

4- إتاحة الفرصة لتطوير العمل الحزبي وتكوين الأحزاب السياسية.

5- القبول بالتيار الإسلامي بكل طوائفه المنضوية تحت راية أهل السنة والجماعة كقوة فاعلة بالمجتمع.

6- تحرير الدعوة إلى الله على منهج أهل السنة من قيود الممارسة.

7- إتاحة الفرصة لمراقبة ومحاسبة السلطة التنفيذية.

في الفصل الثاني تناول المؤلف أصول وركائز فقه السياسة الشرعية, ومن أهمها:

1- فقه النصوص: التي تعتبر عمدة استدلال الفقيه والمجتهد, نظرا لكون القرآن والسنة وحي الله ومحفوظة بحفظه وحجة على خلقه, كما أنها طريق العلم وواجبة الاتباع والتسليم, ولا يجوز تقديم الرأي عليها لكونها إن وجدت بطل الاجتهاد والرأي.

2- فقه المقاصد: فالشريعة وضعت لحفظ مقاصدها من الضروريات والحاجيات والتحسينيات, وهناك إجماع بتعليل الأحكام بالمصالح ودرء المفاسد, وهو ما يوجب على علماء الأمة الاجتهاد جماعيا بالأحوال المستجدة المعاصرة في ضوء إعمال تلك القواعد والأصول للوصول إلى تأصيل النوازل السياسية شرعا.

3- فقه الترجيح عند التعارض: حيث تتشابك اليوم المصالح والمفاسد بشكل معقد, حتى قل أن تصفو منفعة إلا ويشوبها ما يعكر عليها, وبالتالي لا بد من تقديم الأولى والأرجح من المصالح المتعارضة, ضمن قاعدة الضروري فالحاجي فالتحسيني, وهكذا أيضا تدفع المفسدة الأعظم إذا تعارضت المفاسد, مبينا أدلة قاعدة "الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف" وأمثالها من الكتاب والسنة.

4- فقه الواقع: حيث من المعلوم أن الأحكام الاجتهادية المبنية على أعراف أو مصالح أو عادات لا ينكر تغيرها واختلاف الفتيا فيها باختلاف الأماكن والملابسات التي تكتنفها, ذاكرا الكثير من الشواهد التاريخية التي تؤكد اختلاف الفتيا باختلاف الزمان أو المكان أو أحوال المكلفين.

5- فقه التوقع: الذي قال عنه الشاطبي "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا", وبالتالي فعلى المجتهد الناظر بمسائل المستجدات والنوازل أن يراعي مآلات الأفعال ونتائجها بما يتفق مع مقصد تشريع تلك الأفعال والتصرفات, فإذا كان الفعل في مآله لا يتفق مع مقصد الشرع منعه المجتهد ابتداء قبل وقوعه لأن "الدفع أسهل من الرفع", وقد ذكر المؤلف أدلة هذه القاعدة من الكتاب والسنة أيضا.

ثم ختم المؤلف هذا الفصل بذكر ضوابط الاجتهاد بالنظر في المآلات.

وقبل دخول المؤلف غمار مسألة "حكم المشاركات السياسية المعاصرة" في الفصل الثالث, مهد لذلك ببيان أن العمل السياسي في صورته المعاصرة أعم من أن يكون تكوينا لحزب سياسي أو مباشرة لعمل نيابي أو إنشاء لمؤسسات سياسية علمية أو إعلامية, أو تكوينا لجماعات ضغط سياسي ..., إضافة لاستحالة الإجماع على حكم نازلة من النوازل نظرا لارتباطها بمتغيرات كثيرة تجعل كفة المصالح والمفاسد متدافعة, مما يؤثر على اختلاف الأنظار والآراء والأحكام, وبالتالي فمن اختار أحد الترجيحين لم ينكر على من خالفه.

وتحت عنوان: أمور يتعين استحضارها عند النظر في هذه النازلة ببلادنا "ثورة 25 يناير" لتأثيرها في الحكم الشرعي, استعرض المؤلف الساحة الخارجية والداخلية ومدى تأثريهما على الحكم الشرعي.

وعن حكم المشاركة النيابية في المجالس التشريعية والشورية أكد المؤلف وجود اختلاف بين العلماء والمفكرين المعاصرين في حكمها الشرعي بين الجواز والمنع, مؤكدا بعض الأمور المتفق على حكمها بين الجميع, كوجوب تحكيم شريعة الله, وحرمة التحاكم إلى شريعة غير الإسلام, إضافة لحرمة موالاة الكفار والركون للظالمين.

بعد ذلك استعرض المؤلف أدلة المجوزين للمشاركة السياسية النيابية, ومن أهمها من القرآن الكريم قوله تعالى: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} يوسف/55-56, ووجه الدلالة في الآية جواز طلب الولاية إذا كان الطالب ممن يقدر على إقامة العدل وإجراء أحكام الشريعة.

كما استشهد المؤلف بحديث: {من رأى منكو منكرا فليغيره بيده ....) إضافة لحديث : (إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون ,فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم, ولكن من رضي وتابع) والحديثان في صحيح مسلم.

ثم ذكر المؤلف بعض القواعد الشرعية الحاكمة لأمر المشاركات السياسية المعاصرة, مع ذكر أدلة هذه القواعد من أعمال السلف الصالح, ومنها: لا سياسة إلا ما وافق الشرع, وتحصيل أعظم المصلحتين ودرء أعظم المفسدتين عند التعارض, فالمشاركة المنضبطة بضوابط المشروعية مع توقي المحاذير والمفاسد ما أمكن أعظم خيرا وأبعد عن المفسدة المترتبة على انفراد العلمانيين واللادينيين بالحكم والتشريع.

كما استشهد المؤلف بقاعدة: اعتبار الذرائع فالطريقة المفضية إلى الحلال حلال وبالعكس, وكذلك قاعدة اعتبار المآلات ومراعاة نتائج التصرفات, إضافة لقاعدة الأمور بمقاصدها.

ومن أدلة المجوزين للمشاركات السياسية المعاصرة: "المعقول" فدخول البرلمان من وجه نظرهم سبيل لتحكيم الشريعة وإقصاء القوانين الوضعية, إضافة لفتاوى كثير من العلماء بجواز ذلك, إضافة لفتوى مؤتمر علماء الشريعة في أمريكا الشمالية عام 1999م , وفتوى المجلس الأوربي للإفتاء.

ولا يعني تجويز المشاركة السياسية المعاصرة عند البعض إطلاقها, بل هي مقيدة ببعض الضوابط ومنها:

1- ألا يترتب على المشاركة إقرار للتقنين الباطل وبيان أن حق التشريع مقصور على الوحي.

2- بيان أن المشاركة لا تستلزم الرضا بواقع القوانين المخالفة للشرع.

3- أن تكون مصلحة المشاركة ظاهرة متحققة لا خفية موهومة.

4- عدم إلغاء المشاركة مبدأ الولاء والبراء الإسلامي, وليست بديلا عن المنهج النبوي في إقامة الإسلام وتغييير الواقع.

5- ألا تفضي المشاركة تضخيم العمل السياسي على الدعوي والعلمي, وألا يترتب عليها استدراج لتنازلات لا تقابل بمصالح راجحة.

وبعض عرض الأدلة خلص المؤلف إلى نتيجة مفادها: أن المشاركة السياسية على ما يحقق المصالح ويدفع المفاسد واجبة وجوبا كفائيا بالجملة, مع ترجيح أصلح المشاركين والتنسيق بين أهل الدعوة في هذا السبيل.

وفي ختام الكتاب أجاب المؤلف عن بعض الأسئلة التي وجهت له في المؤتمر حول نفس الموضوع وما يدور حوله من مسائل وتعليقات واستيضاحات, وهي أجوبة أثرت الكتاب وجعلته أكثر واقعية, حيث مما لا شك فيه أن الأسئلة في هذه المجال تشغل بال كل مسلم, والإجابة المضبوطة بالدليل الشرعي يزيد من أهمية الكتاب وضرورة قراءته لكل مهتم بأمور مشاركة المسلمين المعاصرة في السياسة.

جزى الله المؤلف على هذا الكتاب القيم الذي يحتاح الوقت المعاصر المزيد من أمثاله, لتوضيح الحكم الشرعي الصحيح حول النوازل المعاصرة التي تؤرق وتهم كل مسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــ