المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رعاية الإرهاب في العالم


عبدالناصر محمود
11-20-2014, 09:01 AM
الولايات المتحدة ورعاية الإرهاب في العالم*
ـــــــــــــــــــــ

27 / 1 / 1436 هــ
20 / 11 / 2014 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8833.jpg

رغم أن الولايات المتحدة هي أكثر دول العالم حديثا عن خطورة الإرهاب، ورغم أنها تبرر حروبها خارج حدودها التي لم تتوقف من اجل محاربة الإرهاب كما يزعمون، ورغم أن الإعلام الأمريكي يوجه ويقود العالم الآن لحرب يسميها ضد الإرهاب، إلا أنه من الواضح للكثير من المحللين السياسيين والتاريخيين أنه ما من دولة رعت الإرهاب وغذته وتعاملت به على المستويات الحكومية أكثر من الولايات المتحدة ذاتها.

ومفهوم مصطلح الإرهاب غامض لا يملك تفسيره إلا أصحاب القرار في الإدارة الأمريكية، وبالتالي يكون الاصطلاح الأكثر دقة أن الإرهاب صفة تلتصق بكل من لا ترضى عنه ولا عن أفكاره وسياساته الولايات المتحدة، فمن معها فهو حليفها، ومن لا يتوافق معها ولو جزئيا فهو إرهابي وجب على العالم كله – وليس أمريكا وحدها - محاربته والتعاضد ضده وإلا سيصنف هو أيضا في دائرة الإرهابيين.

إن الولايات المتحدة تقود العالم اليوم لحرب شاملة ضد كل من لا يدعم المشروع الأمريكي والتوجه الأمريكي تحت وصف الإرهابيين، فلا بقاء لرأي ولا لفكر ولا لشخص ما لم يوافق المعسكر الأمريكي وما لم ترضى عنه الولايات المتحدة، ومخدوع من يظن انه بمأمن عنها – من الدول والجماعات والتنظيمات والأفكار – ما لم يتوافق معها كلية، فما هي إلا خطوات فقط ومراحل تنفذ.

وتعالت الأصوات من كبار المحليين السياسيين في العالم للتحذير من الخطر الداهم التي تمثله تلك الأفكار الأمريكية على العالم والذي تقود فيه الولايات المتحدة حربا شرسة على العالم كله – حتى على حلفائها الدائمين كالاتحاد الأوروبي وغيره- من اجل فرض تصوراتها عن العالم ولتحقيق أحادية الرؤية الأمريكية للعالم وذلك بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة.

ففي تقرير رئيسي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" كتبه نعوم تشومسكي [1] الذي تعد كتاباته لها قيمتها الفكرية والتاريخية بصرف النظر عن معتقداته التي نختلف معها، حيث بحث في التاريخ الإرهابي الرسمي المظلم للولايات المتحدة في ظل تعاقب إداراتها التي لم تفرق بين جمهوري وديمقراطي في نشر الإرهاب الرسمي ودعمه في العالم بما يحقق المصلحة الأمريكية لا غير.

فذكر تشومسكي ثلاثة أمثلة رئيسية في ثلاث حالات تدخلت الحكومة الأمريكية بشكل ما شديد ومؤثر في دعم عمليات إرهابية حقيقية في دول خارجية وهي أنغولا، ونيكاراغوا، وكوبا، وبالطبع لتوجهات الكاتب لم يذكر ما فعلته الولايات المتحدة في دول إسلامية أخرى كثيرة منها أفغانستان والعراق تحت نفس الدعوى وهي محاربة الإرهاب.

ففي انجولا وفي العام 1988، " تعرّضت أنغولا للغزو من قبل جنوب أفريقيا، والتي، وبحسب واشنطن، كانت تدافع عن نفسها في وجه واحدة من أكثر الجماعات الإرهابية، سيئة السمعة في العالم – بحسب التصنيف الأمريكي لها حينئذ – وهي منظمة المؤتمر الوطني الأفريقي بقيادة نيلسون مانديلاّ، فوقفت إدارة ريغان الرئيس الأمريكي حينئذ إلى جوار جنوب أفريقيا في تقديم الدعم لجيش يونيتا الإرهابي بقيادة جوناس سافيمبي في أنغولا حتى بعد هزيمة سافيمبي الساحقة في انتخابات حرّة أجريت تحت رقابة مشدّدة، فمات من جراء ذلك الدعم أكثر من مليون نصف إنسان في الدول المجاورة فضلا عن وفاة عدد كبير جدا في جنوب أفريقيا نفسها.

والحدث الثاني كان في كوبا، حيث أدى التدخل الأمريكي الرسمي بعد فشل غزو "خليج الخنازير" في العام 1961، حيث وافق الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور علي اقتراح CIA بدعم المعارضة الكوبية ضد النظام الشيوعي الجديد في كوبا بزعامة كاسترو لإحداث حالة من الفوضى والقتل والدمار وذلك تمهيدا لغزو أميركي للجزيرة، وحال بينها وبين ذلك وضع الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف الصواريخ في كوبا، مفتعلاً الأزمة (أزمة الصواريخ الكوبية) التي اقتربت من أن تصبح حرباً نووية، فتراجعت الولايات المتحدة عن عملية الغزو لكنها واصلت العمليات الإرهابية.

فتواصلت الهجمات الإرهابية الأميركيّة ضدّ كوبا لأكثر من 30 عاماً والتي كلفت الكوبيين عددا لا حصر له وخسائر أخرى كثيرة بدا الإعلان عنها في كتب ودراسات مثل الدراسة التي أعدّها الباحث الكندي، كيث بوليندر في العام 2010، بعنوان "أصواتٌ من الجانب الآخر: تاريخ شفهيّ من الإرهاب ضدّ كوبا " والباحث الفرنسي سليم عمراني في كتابه "الحرب الاقتصادية ضدّ كوبا"، الذي صدر في العام 2013.

أما نيكارجوا فلا يحتاج الإرهاب الأمريكي فيها إلى دليل اضافي بعد حكم محكمة العدل الدوليّة بإدانة الحرب الإرهابيّة التي قادها الرئيس رونالد ريغان في ذلك البلد، ومطالبة الولايات المتحدة بإنهاء "الاستخدام غير القانوني للقوّة"، ودفع تعويضات كبيرة.

وهناك حروب أخرى كثيرة وأعمال إرهابية أكثر قادتها أو نفذتها الولايات المتحدة خارج حدودها مثل حروب الولايات المتحدة الإرهابية في أميركا الوسطى في الثمانينيات، فحتى الآن لا يزال المهاجرون غير الشرعيين يفرّون من تبعات تلك المذابح للولايات المتحدة نفسها لكن يتم دوما ترحيلهم منها ليعيشوا في ما تبقّى من حياتهم على أنقاض بلدانهم التي دمرتها السياسات الأمريكية الإرهابية.

وتتعالى صيحات التحذير من صنع أعداء الداء للولايات المتحدة كنتيجة مباشرة لتلك السياسات، فيقول محلّل وكالة الاستخبارات المركزية السابق بول بيلار، محذرا من "تأثير توليد الاستياء جراء الضربات الأميركية في سوريا، والتي قد تحفّز المنظمات الجهاديّة مثل جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية على إصلاح أخطائها وبدء القيام بحملات ضد التدخل الأميركي، بتصويرها على أنها حربٌ ضدّ الإسلام ".

وفي نفس السياق يقول المحلّل السابق في وكالة الاستخبارات المركزيّة غراهام فولر: "أعتقد أنّ الولايات المتحدة هي أحد المبتكرين الرئيسيين لهذا التنظيم، فتدخلاتها المدمرة في الشرق الأوسط، وحربها في العراق، كانت من الأسباب الأساسية لولادة داعش".

ويحذر فولر من قيام أوباما بأكبر حملة إرهابية في العالم، وهي مشروعه العالمي لاغتيال "الإرهابيين" عن طريق الطائرات من دون طيار والقوات الخاصة.

ويختم المحللون السياسيون تقاريرهم التي لا تجد لها آذنا واعية في الإدارات الأمريكية بقولهم " ذلك ملف يجب التفكير فيه ملياً، مع قدر من الرهبة ".

وهو ما يجب أن نفكر فيه أيضا – كمسلمين - مع قدر اكبر من الاستعداد والتيقظ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] أستاذ لسانيات وفيلسوف أمريكي إضافة إلى أنه عالم إدراكي وعالم بالمنطق ومؤرخ وناقد وناشط سياسي. وهو أستاذ لسانيات فخري في قسم اللسانيات والفلسفة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والتي عمل فيها لأكثر من 50 عام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــ