المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصعود الصعب في موريتانيا


عبدالناصر محمود
11-21-2014, 07:53 AM
الصعود الصعب للإسلاميين في موريتانيا
ــــــــــــــــــــــ

(عبدالرحيم بلشقار بنعلي)
ـــــــــــــ

28 / 1 / 1436 هـ
21 / 11 / 2014 م
ـــــــــــــ

http://albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/820112014112237.png


تتصدر الحركات الإسلامية اليوم المشهد في جل الأقطار الإسلامية، وتحتل موقعا متقدما في ساحة التدافع السياسي والمجتمعي خصوصا في مرحلة ما بعد ثورات ما سُمي بـ "الربيع العربي"، حيث تمكنت أحزاب سياسية خرجت من رحم الحركة الإسلامية من الوصول إلى موقع السلطة والقرار في عدد من البلدان العربية، غير أن الحركة الإسلامية في موريتانيا ما تزال متأخرة عن ما وصلت إليه نظيراتها في الجوار الإقليمي.
ورغم أن موريتانيا لم تشهد حراكا شعبيا قويا على نظامها السياسي الحاكم على غرار ما حدث في مصر وتونس والمغرب والجزائر قبل أن تتصدى لها السلطات في مرحلتها الأولى بمجموعة من التدابير الأمنية والاجتماعية، إلا أن النظام الحاكم شن حملة أمنية واسعة على حزب التجمع الوطني للإصلاح وجمعية المستقبل بالتزامن مع الخريف العربي الذي استهدف الإسلاميين في عديد من البلدان العربية بدعم من قوى إقليمية عربية وغربية.
ففي شهر آذار مارس الماضي أغلقت السلطات الموريتانية وبشكل مفاجئ جمعية المستقبل للدعوة والثقافة والتعليم، المقربة من حزب التجمع الوطني للإصلاح (تواصل)، والتي يرأسها العلامة المعروف، الشيخ محمد الحسن ولد الددو، خطوة رأت فيها قيادة الحزب استهدافا مباشر له عقب الانتخابات النيابية والمحلية التي جرت أواخر العام الماضي، واستطاع فيها حزب "تواصل" تقوية حضوره في المشهد السياسي الموريتاني ومزاحمة الحزب الحاكم، حيث حل ثانيا في تلك الانتخابات التي قال رئيس الحزب محمد جميل ولد منصور أنذاك إنها شهدت "خروقات كبيرة".
تطور مطرد
دخل إسلاميو موريتانيا معترك التنافس الانتخابي لأول مرة سنة 2006، تحت يافطة "مبادرة الإصلاحيين الوسطيين" بعد رفض الترخيص لهم بإنشاء حزب سياسي حيث كانت البلاد لا تزال تعيش تداعيات انقلاب أغسطس 2005، الذي أطاح بنظام الرئيس الأسبق معاوية ولد سيدي حمد الطايع بعد أكثر من 20 عاما، قضاها حاكما مطلقا للبلاد، وقد حصل الإسلاميون خلال هذه الانتخابات على 5 مقاعد فقط من أصل 94 مقعدا في الجمعية الوطنية (البرلمان) الموريتاني.
وفي سنة 2007 وبعد نهاية المرحلة الانتقالية تم الإعلان عن تأسيس حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية، عقب الانتخابات الرئاسية التي وصل فيها أول رئيس مدني للحكم في الجمهورية الإسلامية الموريتانية، وهو سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، والذي سيتعرض هو الآخر لانقلاب عسكري في 2008 من طرف الرئيس الحالي الجنرال العسكري محمد ولد عبد العزيز.
إثر عملية الانقلاب دخلت البلاد في أزمة سياسية دامت عدة أشهر قبل أن تطوى باتفاق دكار بين المجلس العسكري الذي قام بالانقلاب وقوى المعارضة، حيث تم بموجبه إجراء انتخابات رئاسية في تموز 2009، وخلال هذه الانتخابات رشح حزب تواصل الإسلامي محمد جميل منصور للتنافس على منصب الرئاسة، غير أنه حل في المرتبة الرابعة من بين تسعة مرشحين، حيث لم يتمكن من الحصول سوى على 4.76 بالمائة من مجموع الأصوات.
لكن في الانتخابات النيابية والبلدية لسنة 2013 سيحقق حزب التجمع الوطني للإصلاح المفاجأة الكبرى بحلوله في المرتبة الثانية خلف الحزب الحاكم "الاتحاد من أجل الجمهورية" متجاوزا بذلك قوى المعارضة التقليدية المتمرسة في الانتخابات، حيث حصل حزب "تواصل" على 16 مقعد برلماني و18 بلدية، حيث مكنتهم نتائجها من رئاسة مجلس الإشراف على زعامة المعارضة، وهي مؤسسة ظلت جامدة عن مهامها منذ 2008 قبل أن يتم تفعيل مهامها بعد مطالبات ومراسلات وضغوط من طرف قوى المعارضة.
يرى محمد الهادي ولد محمدي، وهو كاتب موريتاني، أن حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية الذي يرأسه محمد جميل ولد منصور، يتوفر على كل المقومات التي تخول له أن يكون في صدارة المشهد السياسي في موريتانيا إذا ما حصل أي تغيير سياسي وأجريت انتخابات نزيهة، فحزب تواصل يقول محمد الهادي منذ نشأته جعل منطلقه من الشورى، والتي يعتبرها ملزمة حتى يكون القرار موافقا ومحققا للمصلحة العامة، كما يضيف الكاتب، "الحزب الوحيد الذي حافظ على خطه السياسي رغم تقلب السياسة والسياسيين في البلد".
ويؤكد محمد ولد محمدي أن حزب تواصل يتمتع بسمعة حسنة تؤهله لقيادة المرحلة المقبلة، حيث يجمع الحزب بين الأمانة والتدين والاستقامة والصدق والاعتدال في المواقف- فلا تدفعه المبادئ إلى التجنيح، ولا تستدرجه الواقعية إلى التميع، ويضبط كل ذلك بالموازنة بين المصالح والمفاسد، كما أنه يتبنى منهج الوسطية ويعتبرها مقصدا شرعيا ومبدأ أخلاقيا أصيلا، تقوم عليھا جميع مظاهر الحياة بمختلف أبعادھا الروحية والمادية، كما يعتبر الوسطية منھجا علميا وضابطا عمليا للفھم والممارسة يقوم بين الإفراط والتفريط والغلو والتقصير والتساھل والتشدد، وهذا الفهم الشامل للحزب هو ما مكنه من اقتناع الكثيرين به وتشكيل قاعدة حزبية عريضة تحمل فكرته وتؤمن بمنهجه.
فرق جوهري
لماذا إذن رغم كل هذه القوة التي يتمتع بها حزب التجمع الوطني للإصلاح لم يتمكن من تحقيق تقدم مُهم في المشهد السياسي الموريتاني؟ فلغة الأرقام تفيد بأن حزب (تواصل) لم يحصل في الانتخابات النيابية التي جرت سنة 2013 إلا على 16 مقعدا من أصل 147، فرغم أنه حل ثانيا خلف الحزب الحاكم "الاتحاد من أجل الجمهورية" الذي حصد 56 مقعدا، إلا أن تمثيليته لم تتجاوز 10 بالمائة وهي نسبة جد محدودة لا تُساعد على تحقيق تطلعات وآمال الناخبين التواقة إلى التغيير السياسي والاجتماعي.
محمد غلام الحاج الشيخ نائب رئيس حزب تواصل ونائب رئيس مجلس النواب الموريتاني، أرجع أسباب وضع حزبه الحالي في المشهد السياسي إلى أن الحزب الحاكم في البلاد والعسكر الذي يسنده ويرعاه وسطوة الدولة الدافعة للنخبة نحوا حزبها ترغيبا وترهيبا، بالإضافة إلى ترهيب المواطن وتخويفه من الإسلاميين، ثم عمليات التزوير البدائي في الصناديق لمصلحة الحزب الحاكم عن طريق حشد القبائل والوجهاء وموظفي الدولة ورجال الاعمال والإعلام.
ويضيف محمد غلام في تصريح له مع مجلة البيان أن هناك فرقا جوهريا بين الوضع في تونس ومصر والجزائر والمغرب والتي يشكل فيها الإسلاميون رقما صعبا في المشهد العام، وبين موريتانيا التي يحكم العسكر قبضته على مقاليد السلطة فيها، مشيرا إلى أن النظام الحالي يعيد إنتاج كل تلك المثالب آنفة الذكر ومع ذلك استطاع حزب (تواصل) رغم كل الضغوط أن يكون المنافس الأساسي له من شرق البلاد إلى غربها وفي مناطق كانت محصنة وبعيدة عن الوعي والاهتمام بالتغيير، وأصبح "تواصل" اليوم الحزب الأول بعد حزب الدّولة، يورد المتحدث.
واعتبر محمد غلام أن ما ألجأ النظام الحاكم لاستهداف جمعية المستقبل للدعوة والثقافة والتعليم، التي يرأسها العلامة المعروف محمد الحسن ولد الدودو، المقرب من الحزب إلا شعوره بقوة حضور التجمع الوطني للإصلاح والتنمية وتوسع حضوره في المشهد الوطني وقابلية ذلك الحضور للتطور بسرعة، وأوضح أن حزبه منظم ومنتشر في كافة أرجاء البلد ويتشرف بكوكبة من الأُطر الأكفاء والمثقفين رجالا ونساء ومن كافة الأعراق، كما يمتلك رؤية مسطرة لكافة مشاكل البلد وطرق حلها ولديه علاقات جيدة مع الساحة السياسية بكافة تلاوينها وله قابلية في المجتمع التقليدي والحديث.
التغيير والبناء الديمقراطي
يطمح حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية بموريتانيا أن يكون له موقع متقدم في المشهد السياسي، وقد أكد محمد غلام الحاج، في حديثه للبيان أن هذا الرهان متوقع بنسبة كبيرة بمجرد غياب حزب الدولة الذي يدفع لَهُ الناس بالإكراه، وإلى حين تحقق شروط وأجواء التنافس الديمقراطي بعيدا عن تحكم النظام الحالي، فإن حزب "تواصل" يتطلع في الأفق الحاضر إلى الشراكة الوطنية من أجل بناء دولة العدل والقانون التي ترحم الجميع وتوفر الحرية والفرص لكل المواطنين بدون إقصاء أو تهميش، يقول القيادي في الحزب.
وأوضح غلام أن حزبه لا يخطط للاستفراد بالسلطة عن باقي الأحزاب السياسية الجادة، قائلا "لا نخطط لأن نكون منفردين بالشأن عن الآخرين بل كل ما نريده في الأفق الحاضر هو الشراكة الوطنية "، معتبرا أنه في حال وصول أي كان للحكم فإن أمامه عقبتان أساسيتان، أولهما "إيجاد تصور واضح لشراكة في الحكم تتسع لقاعدة تشمل كافة الفرقاء السياسيين بغض النظر عن خلفياتهم الأيدلوجية والعرقية والمطلبية"، وثانيهما إيجاد رؤية متكاملة للتنمية والبناء الديمقراطي تحوز القدر المطلوب من القوة والحسم في التنفيذ وعدم تضييع الوقت على الوطن والشعوب.
وإذا كانت العلاقة بين السلطة الحاكمة والإسلاميين في موريتانيا تتراوح بين التضييق والانفراج، فإن المتغيرات الأخيرة التي تشهدها البلاد خصوصا بعد تمكنهم من انتزاع رئاسة مؤسسة المعارضة الديمقراطية، بالإضافة إلى عوامل خارجية تتمثل في الحضور القوي الذي بات يلعبه التيار الإسلامي في تونس والمغرب والجزائر، تفتح الطريق أمام حزب "تواصل" للاستفادة من كل ذلك من أجل تعزيز موقعه في المشهد السياسي والوصول إلى السلطة.

----------------------------------------------