المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التعريض في القرآن الكريم


عبدالناصر محمود
11-21-2014, 08:16 AM
التعريض في القرآن الكريم*
ــــــــــــ

28 / 1 / 1436 هــ
21 / 11 / 2014 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3991.jpg


التعريض في القرآن الكريم

الدكتور إبراهيم محمد عبد الله الخولي

كلية اللغة العربية – جامعة الأزهر الشريف

ــــــــــــــــ

القرآن كلام الله سبحانه ينفصل عن كلام البشر تماما والفارق بينهما كما الفرق بين الخالق والمخلوق كما جاء عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من شغله قراءة القرآن عن مسألتي وذكري أعطيته أفضل ثواب السائلين وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه" [1], وكلام البشر يحمل صفاتهم كنسبية علمهم وقلته بالقياس للمجهول لهم وكلام الخالق سبحانه يحمل خصائص الإلوهية ومنها الإطلاق وفيه كلمة الفصل في الماضي والحاضر والغيب وكل كلام لغير الله مستهلك تنضب دلالاته ويجف منبعه وكلام الله متجدد عطاؤه دوما لا يخلق على كثرة الرد.

إن الثقافة الإسلامية كلها بفروعها وشعابها نشأت لخدمة النص القرآني في البحث عن دلالات الألفاظ والتراكيب, ولكن ما اتجه منها نحو مستتبعات النص المعجز قليل, وفي إطار هذه الدلالة الاستتباعية يقع التعريض وهو على كثرة وقوعه في القرآن لم ينل من العناية بعض ما نالته الظواهر الأسلوبية الأخرى.

لهذا جاء هذا الكتاب من الكاتب في أربعة فصول بعد هذه المقدمة وقسم كالتالي:

الفصل الأول: مفهوم التعريض
-------------------------

التعريض هو خلاف التصريح وهو نقل الشئ عن معناه الحسي إلى معنى تجريدي يبدو فيه قصد الإخفاء وعدم الإفصاح يفهمه كل فطن, واصله قوله تعالى في شأن من يريد نكاح المعتدة "وَلَا جُنَاح عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَة النِّسَاء", ولذا فهو "إمالة الكلام إلى عرض يدل على الغرض ويسمى التلويح لأنه يلوح بما يريده"[2], وهو يختلف عن الكناية.

والتعريض قسمان: قسم يراد به معناه الحقيقي ويشار به إلى المعنى الآخر المقصود وقسم يراد به معناه الحقيقي ويشار به إلى المعنى المقصود, وقسم لا يراد به معناه الذي يدل عليه وضعا بل يضرب مثلا للمعنى الذي هو مقصود التعريض كقول إبراهيم عليه السلام "قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ".

الفصل الثاني: دلالة التعريض
--------------------

هناك دلالتان للتعريض دلالة اللفظ على معناه الحقيقي وضعا ودلالته على معناه المجازي تأويلا بواسطة قرينة مانعة من إرادة معناه الحقيقي ودلالته على المعنى الكنائي.

وآية نبي الله إبراهيم عليه السلام من التعريض عند جمهرة المفسرين منهم الزمخشري والرازي والنيسابوري وابو السعود وغيرهم وساقها السبكي شاهدا على التعريض كما نقله السيوطي عنه من كتاب "الإغريض في الفرق بين الكناية والتعريض".

الفصل الثالث: عناصر الدلالة في التعريض
----------------------------

حصر البلاغيون دلالة اللفظ فيما سموه حقيقة ومجازا وكناية ثم وجدوا دلالات لا تدخل تحت أي من هذه الثلاثة فلم يترددوا من إخراجها من الدلالات اللفظية وحملها على السياق.

وكان توزيعهم للكلام على هذه الثلاثة على ثلاثة محاور؛ فالحقيقة بإزاء المطابقة والمجاز بإزاء التضمن والالتزام والكناية بإزاء الأخير على توسع في دلالته ليشمل صورا من الكناية لا يشملها الالتزام بمفهومه المنطقي الضيق, وبقيت ثغرات, فأين توضع دلالة المجاز المركب (الاستعارة التمثيلية) وأين توضع دلالة الكناية عن "نسبة"؟

العبارة في أسلوب التعريض
--------------------------

العبارة أو اللفظ أو التركيب لا دلالة لها من حيث هي لفظ دال على المعنى التعريضي, فالمعنى التعريضي ليس مدلولا لها من طريق الحقيقة والوضع ولا من طريق المجاز والتأويل ولا من طريق الكناية والإرداف, وإنما دلالتها عليه دلالة استتباعية تفهم عن اللفظ سياقا لا به وضعا أو تأويلا, كقوله تعالى عن نوح مع قومه فردوا عليه قائلين "فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشراً مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين", فهم يعرضون بأنه ليس أحق منهم بالرسالة على فرض تسليمهم بها, فهو بشر مثلهم ولم يتبعه إلا أراذلهم وبالتالي فلا فضل يرى له أو لمن اتبعوه عليهم, وكونه مثلهم في استحقاق الرسالة أو كونهم أحق بها منه لا دلالة للعبارة عليه لا حقيقة ولا مجازا ولا كناية, وربما يكونون قد عرضوا أيضا بكذبه – حاشاه – في دعواه بالرسالة حيث كانوا يعتقدون بان البشرية تتنافى مع الرسالية وانه لا يزيد باعتباره بشرا عنهم في شئ مع كون هذا احتمال ضعيف لأنهم صرحوا بتكذيبه مما يغنيهم عن التعريض.

والدلالة التعريضية بسبب كونها دلالة سياقية لا تزاحم أيا من الدلالات الأخرى ولا تتنافى معها كما لا تتنافى دلالة المجاز مثلا مع المعنى الحقيقي للفظة.

الفصل الرابع: القيمة الفنية للتعريض
---------------------

التعريض في لغات البشر مظهر تقدم لغوي وحضاري وهو من خصائص اللغات الراقية التي هذبتها الحضارة وانه مقياس يمكن تطبيقه والاطمئنان لنتائجه في مجال المقارنة بين اللغات من هذه الزاوية.

وهو وسيلة بيانية لا تظهر إلا في بيئة نالت حظا صالحا من التهذيب الاجتماعي والخلقي وأصبح من بين أهلها من بفرض على نفسه – في مخاطبة الآخرين – قيودا تخرج من تحت عبارته فهي مصفاة مما يجرح المشاعر ويخدش الحياء مبرأة من جفوة البداوة وخشونة البداة.

وهو من نتاج الطبقة المهذبة التي تعد طليعة التقدم اللغوي والحضاري ورائدة الفن القولي في بيئتها, وهو فن عصي لا ينقاد ولا يسهل لكل من رامه أو حام حول حماه, ولذا فهو في كتاب الله يتصاعد ويعلو ويدق حتى أنه لا ينتبه إليه إلا من آتاه الله بصيرة ينفذ بها إلى حيث يرى من دلالات العبارة القرآنية ما وراء الحدود التي تنتهي لها بلاغات البشر وهناك يستشرف آفاقا يطل منها على الإعجاز كأنما يراه بإذن الله رأي عين.

والتعريض كثير الوقوع في القرآن الكريم.
-----------------------

ثم ختم الكاتب كتابه بجانب تطبيقي تحليلي لعدد من الآيات التي وقع بها تعريض في القرآن الكريم.

جزى الله الكاتب الكريم خير الجزاء وجعل هذا الكتاب في صالح ميزانه.

ـــــــــــ

[1] الراوي: أبو سعيد الخدري - خلاصة الدرجة: صحيح أو حسن - المحدث: ابن الملقن - المصدر: تحفة المحتاج - الصفحة أو الرقم: 2/173

[2] الكشاف 1/282
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــ