المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رؤية علمانية نحو إعادة الأزهر لدوره


عبدالناصر محمود
11-22-2014, 08:30 AM
رؤية علمانية نحو إعادة الأزهر لدوره كمؤسسة دينية!!*
ــــــــــــــــــــــــــــ

29 / 1 / 1436 هــ
22 / 11 / 2014 م
ــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8836.jpg

للأزهر الشريف مكانة علمية مرموقة يعلمها القاصي والداني، فلعلماء الأزهر منذ القدم دور كبير في إثراء الحياة العلمية الإسلامية والدعوية على السواء، ولجهودهم دور بارز في مواجهة حملات التغريب التي مُنيت بها أمتنا الإسلامية، سيما في العصور المتأخرة.

لكن رغم ذلك ففي الأزهر- كغالب المؤسسات والكيانات- بعض الهنات والسلبيات سواء على المستوى العلمي الأكاديمي أو على المستوى المنهجي الفكري أو على المستوى الدعوى التطبيقي، لكن ذلك على أية حال لا يُنسى ما لهذا الصرح من مكانة ودور وأثر.

ونظراً لعظم الدور الأزهري وما له من آثار سواء على المستوى المحلي (المصري) أو الإقليمي (العربي و الإسلامي) أو على المستوى الدولي (العالمي)، فالأضواء مسلطة عليه من قبل الكثيرين، على اختلاف في الأهداف والغايات.

فهناك من يبتغي تقويض هذا الصرح وإنهائه، وعلى رأس هؤلاء الغرب بما يحمله من أفكار صهيومسيحية أو لا دينية، وهناك من يبتغي إعادة تشكيله بمنهجية جديدة وفق ما يحمل من أيديولوجيات كالعلمانيين والليبراليين وغيرهم من أصحاب الأفكار الهدامة، وهناك من يبتغي الإصلاح له ولما يعتريه من هنات، ومن هؤلاء علماء ينتمون إلى ذات المؤسسة (الأزهرية) أو من خارج الأزهر.

ولكل ممن سبق خُطط ومشروعات لتحقيق ما يبغي من أهداف وغايات، وخلال هذه الإطلالة سنسلط الضوء على رؤية علمانية تهدف إلى إعادة الأزهر لدوره كمؤسسة دينية!!- زعماً- وسنقوم باستخلاص هذه الرؤية من مقال لأحد الأقلام العلمانية وهو الدكتور محمد منير مجاهد.

ففي مقال للكاتب تحت عنوان "نحو إعادة الأزهر لدوره كمؤسسة دينية" نُشر مؤخراً بموقع الحوار المتمدن- لسان العلمانيين المُثقل بالبذاءات على شبكة الانترنت- يسعى الكاتب إلى تقديم خطة لإعادة تشكيل الأزهر- أو تحرير الأزهر بحسب ما جاء في المقال- بحيث يصلح ما فيه من فساد بحسب الرؤية العلمانية!!

فبعد مقدمة طويلة تحسر فيها على تكفير الأزهر لرفاقه وأساتذته من الملحدين أو العلمانيين، أشار الكاتب إلى ما في بعض الكتب الأزهرية من أخطاء ومثَّل على هذه الأخطاء بأخطاء لا تتجاوز أصابع اليد، ولو استطاع أن يأتي بالمزيد لحشا به مقاله، لكن على ما يبدو أن مصادره التي تلقى منها هذه المعلومات اقتصرت على هذا أو لم تجد غير هذا بعد بحثها.

ولأن الكاتب منسق مجموعة "مصريون ضد التمييز الديني" التي لعبت دوراً هاماً في مناهضة التمييز بين المواطنين على أساس الدين منذ 2006م وحتى الآن- بحسب موقع الحوار المتمدن- تركز جل هذه الأخطاء في علاقة المسلم بغير المسلم، انتصاراً منه للنصارى بحجة مناهضة التمييز، والحقيقة أنها مناهضة للإسلام الذي حد حدوداً بين المسلم وغير المسلم، ورفع من شأن المسلم، ولم يجز لمسلم أن يقدم غير المسلم على المسلم أو يوالي غير مسلم ضد مسلم.

ثم يستمر الكاتب في منهجية البتر والقص واللصق والتزييف في بعض المعلومات الدينية والتاريخية والسياسية على السواء إلى أن يصل في نهاية المطاف إلى نتيجة يلخصها بقوله: "إذا كان الأمر كذلك لماذا استغربنا ظهور "داعش"؟ لماذا رأينا في ظهورهم الدامي وسلوكياتهم المتحجرة شيئا نكراً؟ ولماذا نتعجب من معاملتهم للمسيحيين وتهجيرهم أو فرض الجزية عليهم؟ أوليس هذا القانون في الدولة الدينية؟".

فالكاتب اختزل الأمر وفارق كل قوانين التفكير والمنطقية ليخرج بنتيجة مفادها أن التعليم الأزهري هو السبب في ظهور داعش، وليته يعلم رأي داعش في الأزهر، أو رأي الأزهر في داعش، إذاً لكان قد أراحنا وأراح نفسه من هذا المقال البعيد كل البعد عن المصداقية والعلمية.

وفي الأخير ينتهي الكاتب إلى هدفه فيعرض لما اسماه بـ"الملامح الرئيسية لتحرير الأزهر"، وذلك في نقاط كالآتي:

أولا: دمج المعاهد الأزهرية ضمن منظومة التعليم المدني تحت إشـــــراف وزارة التربية والتعليم، وأن تعود جامعة الأزهر لتصبح جامعة دراسات دينية إسلامية يلتحق بها الراغبين بعد انتهائهم من التعليم الجامعي، مع تطوير الدراسات الدينية بحيث تعالج مشاكل وقضايا الحاضر والمستقبل بدلا من حبسها في إطار الماضي السحيق، إلغاء التعليم الديني قبل الجامعي، وفصل الكليات المدنية عن جامعة الأزهر.

ثانيا: إدماج دار الإفتاء ووزارة الأوقاف في الجامع الأزهر، مما يؤدي إلى ضم وظيفة الإفتاء إلى شيخ الجامع الأزهر، وعودة الأوقاف الإسلامية إلى الأزهر مما يضمن استقلاله المالي ويفصل ميزانيته عن ميزانية الدولة، وملكيته للمساجد التي تديرها وزارة الأوقاف وانفراده بتعيين أئمة هذه المساجد.

ثالثا: تنظيم الأزهر على أسس تراتبية من أعلى إلى أسفل، أي من شيخ الأزهر المنتخب من هيئة كبار العلماء، غير القابل للعزل، ثم شيخ المحافظة، ثم شيخ القسم/المركز، ثم شيخ الحي/القرية، وصولا إلى شيخ مسجد الشارع، وهي الوظيفة التي يتولاها رجل الدين بعد تخرجه من كلية العلوم الدينية التابعة للجامع الأزهر، وكلما زادت خبرته، ودراساته الدينية يصبح مؤهلا للارتقاء إلى المستوى الأعلى، ويمكن في هذا الإطار الاستفادة من خبرات الشيعة أو الكنيسة القبطية.

قد يجادل البعض أنه لا وجود لـ"آيات الله" ولا "قساوسة" في الإسلام السني، وأنه من الخطأ تحويل رجل الدين السني إلى شخصية مقدسة كآية الله أو القس، ولكن الحقيقة أنه في الواقع وفي الوجدان الشعبي لا يختلف عنهما ولا يقتصر الأمر على عادة تقبيل يد الشيخ وبالذات في القرى، ولكن اللهث وراء الفتاوى يجعل هؤلاء المشايخ مصدر قوة وتأثير ومن الأفضل تنظيم هذه القوة بدلا من تركها نهبا للعشوائية كما هو الحال حاليا

رابعا: يمكن أن يتزامن مع إلغاء تدريس الدين في المدارس أن ينشئ الأزهر في المساجد مدارس الجمعة على غرار مدارس الأحد في الكنائس لتنشر قيم الإسلام في الخير والحق وتشجع على العمل العام والبذل للمجتمع والعطاء من أجل تحسين وتطوير المجتمع المحلي ومصر في عمومها.

فبهذا النفس الصليبي يسعى الكاتب في نسج خطته الإبليسية لا لهدم الأزهر والتعليم الديني فحسب، بل ولخلط ما تبقى منه بالعادات الشيعية والنصرانية، ولهذا فلا تعجب من انتشار هذا المقال في المواقع النصرانية وصفحات التواصل الاجتماعي النصرانية.

إن ما سبق من أفكار "إبليسية" لم يرض طموحات الكاتب بل ذهب إلى أبعد من هذا للإسراع في تنفيذ أهدافه مطالباً بالآتي:

1- تعديل الدستور بما لا يعطي للأزهر أي مساحة تفضيلية علي أي من مؤسسات الدولة وبما يحول دون أي دعاوي لمنحه سلطات عليا لمراجعة القوانين للتحقق من مدي مطابقتها للشريعة، بالإضافة إلي تعديلات ترسخ من استقلالية الأزهر بألا يتبع السلطة التنفيذية.

2- تعديل الدستور إما بإلغاء المادة الثانية(1)، أو بإلغاء المادة السابعة(2)، أو بإلغائهما معا.

3- حظر أن يشغل أي من الأزهريين أثناء عملهم به أية مناصب سياسية بأي من الأحزاب القائمة.

فهل توجد فاشية وعدوانية وسلطوية أبعد من هذا؟ وهل يوجد تجني على الدين باسم الحرية ومناهضة التمييز أعظم من هذا؟

ومع هذا؛ فهذا العلماني- رغم ما طرحه من زور- ربما يكون الأكثر عقلانية بين أقرانه الذي يناضلون الليل والنهار لإسكات أي صوت يخالف أيدلوجياتهم التغريبية ومناهجهم المادية الإلحادية؛ المعادية للإسلام ولكل ما هو إسلامي، فهذه رؤية علماني لهدم الأزهر- وهو للأسف الشديد مسلم- فما بالك- أيها القارئ الكريم- بالعلمانيين من اليهود والنصارى؟ بل ما بالك بالملحدين الماديين وما يبطنون من رؤى وخطط؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ

الهوامش:

(1) تقول المادة الثانية من الدستور المصري: الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع.

(2) تقول المادة السابعة: الأزهر الشريف هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على كافة شئونه، وهو المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشئون الإسلامية، ويتولى مسئولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية في مصر والعالم . وتلتزم الدولة بتوفير الاعتمادات المالية الكافية لتحقيق أغراضه. وشيخ الأزهر مستقل غير قابل للعزل، وينظم القانون طريقة اختياره من بين أعضاء هيئة كبار العلماء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــ