المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ماذا تريد وماذا تحتاجه


عبدالناصر محمود
11-23-2014, 08:50 AM
ماذا تريد حماس وماذا تحتاجه إسرائيل؟*
ــــــــــــــــــــــ

غرة صفر 1436 هــ
23 / 11 / 2014 م
ــــــــــــ

http://nama-center.com/ImagesGallary/photoGallary/translate/22-11-2014B.jpg


نشرت مجلة شؤون خارجية الأمريكية المعنية بنقل آراء كبار المسؤولين وأهم المؤثرين في القرار السياسي الأمريكي بتاريخ 11 يويليوز الماضي مقالة مهمة لناتان ساش الباحث بمركز سياسات الشرق الأوسط والمتخصص في السياسة الخارجية الإسرائيلية، ونظرًا لأنها تتمايز كثيرا من حيث خلاصاتها على ما اعتادت الدراسات الغربية الانتهاء إليه من خلاصات وتوصيات، فإننا في مركز نماء ننقل وجهة نظره إلى اللغة العربية، ونقدمها للقارئ حتى يطلع على جانب مهم من الآراء التي تنتجها مستودعات التفكير الأمريكية بخصوص قضايا الشرق الأوسط.



نص المقــال:
------------

ماذا تريد حماس وماذا تحتاجه إسرائيل؟
-----------------------

ناتان ساش
-----

11 يوليوز 2014م / سياسة خارجية
-----------------------



حرب الاستنزاف، التي عرفت مدًا وجزرًا بين إسرائيل وحماس منذ سيطرت هذه المجموعة الراديكالية بالقوة على السلطة في قطاع غزة سنة 2007، عادت بجولة ثالثة: إنها عملية الجرف الصامد.

الدمار هو بالفعل شنيع، ويتوقع أن يكون أسوأ. يواجه ملايين من الناس الخوف الدائم من الهجمات الجوية: وقطاع واسع من الإسرائيليين يرى صواريخ حماس تستهدفهم، والصواريخ المضادة نصبتها القبة الحديدية للتصدي، في حين أن تقتل ضربات القوة الجوية فوق قطاع غزة الصغير والمزدحم عددا كبيرا من الأبرياء، إلى جانب المقاتلين الذين تستهدفهم.

بدون أي حل للتقليل من هذه المعاناة، تقارير حول هذا النزاع يمكن أن تعطي الانطباع بأن هذا الصراع أضحى مشهورا بشكل معكوس. يبدو أن شبكات التواصل الاجتماعي تقول شيئا واحدا، لكن بصوتين: عدوي هو الشيطان.

لا يمل الإسرائيليون من التذكير بالفرق بين الذين يحاولون قتل المدنيين، وبين الذين يريدون تجنب ضربهم.ولا يكل الفلسطينيون أيضًا من التذكير بالعدد الهائل من المدنيين الذين يتم قتلهم أو إصابتهم بجروح بليغة، وهم في ذلك على أتم الاستعداد لاتهام إسرائيل بكل شيء، حتى ولو كان الأمر بشكل غير معقول، مثل اتهامها بالإبادة الجماعية للفلسطينيين على حد تعبير الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن.

إذا أردنا أن نتجنب المعاناة الإنسانية في قطاع غزة بدل استثمارها لأهداف سياسية من الجانبين، فإن السؤال الحقيقي ليس هو ما إذا كانت إسرائيل قوية من حماس (وهي كذلك، وتحس بعدم وجود أي حاجة تدفعها للاعتذار) ولا إذا ما كانت حماس تنفق جميع طاقتها في بذر الإرهاب (وهي تقوم بذلك، ولا تدعي حتى خلاف ذلك) بدل إدارة حكم غزة وتطويرها.

لدى مواجهة النتائج الكارثية للحرب، فإن السؤال الحقيقي الذي نواجه اليوم، هو متى ستنتهي هذه الجولة من العنف؟ وكيف سيكون موقف الطرفين بعدها؟

المأساة الخاصة لهذه الجولة من الحرب هو أنه لا أحد من الطرفين يمتلك أهدافًا أو رؤية واضحة قابلة للتحقق.

إسرائيل، منذ البداية، لم تكن راغبة في اجتياح غزة، وكانت تتمنى عزل الأحداث في الضفة الغربية والقدس عن الجبهة في قطاع غزة، وكانت تحاول أن تراهن على الوساطة المصرية قبل البدء الرسمي في العمليات العسكرية.

وفي المقابل، وفي مبادرة نادرة من حماس، نقلت إسرائيل رغبة حماس في التصعيد.فقد أوضح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رغم شدة الانتقادات الموجهة له من اليمين، بأن هدفه الأول هو إنهاء القتال.وإلى الآن، لا زالت الحرب مستمرة مع تزايد عدد الضحايا المدنيين.

الهدف الإسرائيلي المتواضع المتمثل في استعادة الهدوء قد يتطور الآن إلى شيء أوسع وأكثر فتكًا.مع عدم وجود نهاية في الأفق للقتال، فإن إسرائيل تفكر اليوم في الدخول بقواتها البرية إلى غزة، وربما تهدف إلى تقطيع القطاع إلى اثنين أو ثلاثة أجزاء، والحد من حرية حماس في الحركة، وفي نفس الوقت ضرب مخزونها من السلاح.

إسرائيل ينبغي - وستستمر- في محاولة تدمير الأنفاق التي بنتها حماس.بينما وجه الجيش المصري ضربة قوية للأنفاق بين قطاع غزة وشمال سيناء، وهناك محاولات مستمرة من جانب حماس لعمليات الحفر تحت الحدود الإسرائيلية.

فقد تم تدمير أحد هذه الأنفاق في وقت مبكر من الحرب طبقًا لمعلومات استخباراتية عن عملية بنائه، لما تخوفت إسرائيل، من أن يستعمل لضرب قواتها والمدنيين عبره، حسب ما أفادت.

اجتياح بري إسرائيلي ستكون له كلفة كبيرة، وبخاصة على الجانب الفلسطيني.في عملية الرصاص المصبوب التي قادها الجيش الإسرائيلي سنة 2008 و 2009، دخلت إسرائيل، التي كان يقودها وقتها يهود أولمرت، قطاع غزة فيما بات يعرف وكما كان متوقعًا، بعملية بشعة تم إدانتها دوليًا.وفي سنة 2012، وخلال عملية "عمود الدفاع"، التي قادها نتنياهو ، استدعت إسرائيل عددًا كبيرا من جنود الاحتياط، معطية بذلك إشارات لجاهزيتها للحرب البرية، ولكن نتانياهو امتنع عن القيام بذلك.

وبالرغم من الانتقادات الموجهة له من اليمين، وبالرغم من الإحباط الذي أصاب الآلاف من جنود الاحتياط الذين يشعرون بالرغبة في استخدامهم في خدعة، فقد اختار نتنياهو الحذر.

وكما سجل الكثير، انخراط نتنياهو، الرجل الثاني من حيث سنوات خدمة إسرائيل كرئيس الوزراء بعد مؤسس الدولة دافيد بنغوريون، فقط في عمليتين عسكريتين صغيرتين نسبيًا: العملية العسكرية الجوية في سنة 2012، والحرب الحالية. ورغم تصريحاته المتفائلة، فإن نتنياهو اليوم حذر، محافظ في الحرب كما هو محافظ في السلام. هذه العملية يمكن أن تتحول إلى أول استعمال رئيسي للقوات البرية الإسرائيلية خارج الحدود الإسرائيلية.

لماذا إذن ترفض حماس مبادرة إسرائيل برفض التصعيد؟ أو كما يقول الرئيس الفلسطيني عباس لحماس: "ماذا تحاول حماس تحقيقه من خلال إطلاق الصواريخ؟"..

يبدو أن القادة السياسيين لحماس انجروا لهذا الصراع عبر الأحداث التي تجاوزتهم، وأيضًا عبر نشطائها في الميدان، بحيث لم يكن تصرفها دائمًا تحت سيطرة جناحها السياسي.

وكما أعلن عن ذلك رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل: "نحن نريد التهدئة، ولا نريد التصعيد، ولم نقم بأي تصعيد. نتنياهو فرض عنفه علينا". تطالب حماس الآن بفتح معبر رفح، والإفراج عن السجناء الذين اعتقلتهم إسرائيل مؤخرًا.

وجدت حماس نفسها في وضعية جد صعبة، وذلك منذ سنوات عديدة. منذ سنة 2012 ومنذ أن قاد مصر رئيس من الإخوان المسلمون، تراجعت حظوظ حماس بشكل كبير.

يحتقر النظام الحالي في القاهرة الإخوان، وليس لديه سوى قليل من الود لفرعهم في فلسطين.

التراجع البين للفاعلين الداعمين للإخوان، بما في ذلك قطر وتركيا، يبدو أنهم اليوم أكثر محافظة. المملكة العربية السعودية ودول الخليج عدا قطر اتخذوا موقفًا قاسيًا اتجاه الإخوان ودعموا النظام الجديد في القاهرة.

والجيش المصري اتجه لتدمير شبكة الأنفاق الواسعة التي تربط سيناء بقطاع غزة، والتي عبرها يتم تنقيل الحاجيات الغذائية والسلاح معًا. حماس كانت ت*** دخلاً مهما عبر فرض ضرائب على استعمال هذه الأنفاق.

الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، وأيضا النظام المصري الجديد دفع حماس إلى الزاوية الضيقة، إذ فقدت أهم مصادر دخلها. وحتى تشكيل الحكومة الموحدة مع حركة فتح لم يساعدها: فالدعم المالي المخصص لغزة موجه للسلطة الفلسطينية وليس لحماس، والبنوك لا تستطيع أن تحولها لقطاع غزة خوفًا من العقوبات الإسرائيلية.

يمكن للعمليات التي تقيمها حماس في غزة أن تدفعها للتفكير في حل، خصوصًا وأنها تشعر أن لديها القليل مما يمكن أن تخسره. والراجح أنها فقدت سيطرتها على كوادرها الخاصة.

حرب غير مقصودة ليست أمرا جديدًا، هذه الجولة من العنف جاءت على خلفية أربع أسابيع دامية تم فيها اختطاف وقتل ثلاث شباب إسرائيليين من قبل ناشطين من حماس (للإنصاف فقد نفت حماس أن تكون قد خططت لهذه العملية أو أمرت بها، لكنها أثنت عليها)، وكانت هناك عملية إسرائيلية لتحريرهم خلفت وراءها العديد من القتلى الفلسطينيين، واعتقلت عشرات من المتعاطفين مع حماس وأودعتهم السجن. بلغت جرائم الكراهية ضد العرب من قبل الإسرائيليين ذروتها بقتل شاب فلسطيني. وتسببت في انتشار موجة من العنف بين الفلسطينيين والعرب الإسرائيليين في القدس والضفة الغربية إلى درجة أن البعض بدأ يتحدث عن بداية انتفاضة ثالثة.

هذه الأحداث الرهيبة الجارية كان لها تداعيات فوضوية. فلا إسرائيل ولا حماس يمكن أن تستفيد من ذلك اللهم أن تزيد المأساة تعقيدًا. يمكن أن تكون هناك بعض المبادرات والحلول التي تتضمن أفكارًا حول معبر رفح، لكن من المرجح أن تلح كل من إسرائيل ومصر على أن يكون رجال من السلطة الفلسطينية هم المسؤولين عن الجهة الفلسطينية كما كان الوضع قبل أن تستحوذ حماس على السلطة سنة 2007، وذلك حتى يتم تفادي التهريب أو مكافأة حماس على عنفها.

في جميع الحالات، فالتفاوض حول مبادرة معينة يبدو بعيدًا الآن.

على المدى المتوسط، سيسعى كل جانب إلى إثبات قدرته على الردع ضد أي خرق أو تدخل عسكري.حتى ولو قررت إسرائيل الاجتياح البري لغزة، فمن غير المرجح أن تحاول تدمير نظام حماس، وذلك خوفًا من الكلفة الكبيرة في جانب المدنيين الفلسطينيين أو القوات الإسرائيلية.

وفي المقابل، تفضل إسرائيل أن تضعف قوة الردع لدى حماس، وأن تكون فعالة في ذلك. ومع وجود أنفاق مقفلة بين سيناء وغزة، فإن ضربة للقدرات العسكرية لحماس ولمخزونها من السلاح سيعطي فرصة للبقاء أطول من محاولات التدخل السابقة. وسيكون حينها صعبا على الإسلاميين تعويض السلاح المفقود.

لكن، حتى لو تم ضرب القدرة العسكرية لحماس، فسيكون لدى حماس الحافز لإثبات مقاومتها لإرادة إسرائيل في البقاء في قطاع غزة.

وأكثر من ذلك، فهذه الجولة من العنف لديها القدرة على تعزيز وضعية الاضطرابات التي كانت هدأت في الضفة الغربية والقدس. يمكن لانتفاضة شاملة أن تهب، ومن الممكن أيضًا أن تتعرض إسرائيل لعدد من الهجمات من لبنان أو أي مكان آخر، وهذا يمكن أن يجعل هذه الجولة من العنف تبدو بالمقارنة مروضة.

إلى الآن، يوفر فقدان الأهداف الحقيقية من الجانبين في هذه المواجهة أيضا بعض الأمل. بربح جد قليل، يمكن لوقف إطلاق النار، إن تم التوصل إليه، أن يشكل بداية للحل. إذا استطاعت حماس أن توقف إطلاق صواريخها، من المرجح أن تتجاوب إسرائيل. والتحدي الأفضل، يكمن في البحث عن قنوات يتم عبرها البحث عن وسيط ذي مصداقية مع منشقين من حماس. كما تقوم به الولايات المتحدة حسب ما نقل عنها.

لكن من دون تغيير جوهري في النظام داخل غزة، والذي لا تريد إسرائيل أن تقوم به بنفسها، فإن حرب الاستنزاف بين الطرفين ستستمر.

اليوم يكبر أجيال من الفلسطينيين والإسرائيليين وسط المعاناة من واقع مر يكتفون فيه بلوم الآخر، وفي الوقت ذاته، أصبحت الساكنتان معًا - الفلسطينية والإسرائيلية - لا تباليان بالمعاناة الإنسانية، وعرضة لكي تتنامى لديهما نفسية الانتقام من الآخر. وهذا للأسف هو الاستنزاف بمعناه المنحط وهذه هي الوحشية العبثية.



__________________________
*{نماء للبحوث}
ــــــــ