المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الجهل


محمد خطاب
11-23-2014, 09:56 PM
الجهل :
وردت كلمة الجهل بصيغة المفرد والجمع والصفة والاسم والمبالغة في عشرين موضعا في القران الكريم .
وعُرّف الجهل على انه خلو النفس من العلم ، أي أن الجهل ضد العلم وهذا هو المعنى القريب ،وهذا هو المعنى اللغوي
وقال الصحابة رضوان الله عليهم في معنى الجهل قال قتادة : أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل ما عصي به الله فهو جهالة عمدا كان أو لم يكن ، وكل من عصى الله فهو جاهل . وكأن هذا هو الاعتبار في الدين لمعنى الجاهل وما يتصل بها جمعا ومفردا وصفة واسما .
وقد وردت كلمة جاهل مرة واحدة في القران الكريم وذلك في قوله تعالى : (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (البقرة 273) .
فكان المعنى هنا للجهل ان الغير عارف ببواطن الأمور والغير متعمق في الحال لابد يخرج بنتيجة خاطئة فيكون الحكم خاطئا نتيجة لذلك فيكون جاهلا . والجهل هنا يكون اعتقاد شيء او الجزم بشيء يكون الأمر على خلافه .
ووردت كلمة جهولا وهي صيغة مبالغة من الجهل في قوله تعالى (إنا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ) [الأحزاب: 72
وجهولا هنا صيغة مبالغة من جهل كون الانسان اختار ان يحمل الامانة التي اختلف المفسرون حولها ولكن ليس كثيرا فقالوا هي التكاليف الشرعية التي فرضها الله على عباده وقال البعض أنها العقل فهو مناط الاختيار والتكليف فهداه الله النجدين يختار منهما ما يراه الانسان دونما جبر . وكأن الأمر هنا يعني ان الانسان حمل شيئا لم يستطع صيانته فكان له في ذلك حساب وعقاب شديدين لم يدركهما حين حمل الامانة فكان في ذلك جاهلا مبالغا في جهالته .
فكأن الجهل هنا أتى بمعنى الاختيار على غير قدرة في ***** وحفظ اختياره ، وجاهلا بتبعات هذا الاختيار وما يترتب عليه .
وجاء الجهل في القران الكريم بقوله تعالى ( إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) الحجرات .
وجهالة هنا اسم مصدرها ( جَهِلَ ) وجاءت في معنى التحقق من الخبر الذي فيه اتهام لطرف آخر ، لأن الحكم بدون تثبت يؤدي بالتأكيد الى خطأ بحق البعض والذي يؤدي بدوره الى الظلم وغمط الناس حقهم وضياعه مما يؤدي الى الندم بعد ظهور الحقيقة ، فكانت العجلة في بث الامور جهلا ، ففي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول (: العجلة من الشيطان والتأني من الله ) .
وجاء الجهل في الاية الكريمة بقوله تعالى ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بقرة قالوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِين ) 67 البقرة .
حيث جاءت بمعنى ان المستهزئ بالناس والمستهين بهم لاشك انه في جهل وهو من الجاهلين .
كما وردت الجهل في قوله تعالى (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) الأعراف 199 .
وقد قيل في ان معنى الآية هو العفو عمن ظلم ووصل الارحام وإن قطعها الآخرون من جانبهم ، والعرف ما تعارف عليه الناس من الأخلاق ما لم يخالف الدين وشرعه ، وكأن السلوك بخلاف ما يوافق الدين وما أنزل الينا لا شك جهالة والمخالف من الجاهلين وإن أتي بأسبابه الخاصة فكان لزاما أن نتعامل مع الناس بأخلاق أقرها الاسلام وليس بأخلاق البشر الوضعية .
وهكذا يكون التعامل بغير ما فرض الله من حسن خلق وسيرة جهالة ولا شك .
وفي الحديث ( إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك ) .
كما ورد الجهل في الاية الكريمة ( قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين 46 ) .) .
والاية هنا اختلف في تفسيرها المفسرون كونها تحمل الكثير من المعاني المترابطة والمفسر انما يحاول ان يربط المعاني في الايات السابقة واللاحقة ليخرج بالمعنى المطلوب ، ومن المعلوم ان ابن نبي الله نوح عليه السلام كافر رفض اتباع ابيه فكان من المغرقين ، وكان نوح قد دعا قبل ذلك على الكافرين بقوله ( وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً (26) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّار ) 27 سورة نوح . ولعل سياق الاية هنا أن نوح قال مخاطبا ربه أن ابني من أهلي أي الدعاء كان بدعوى عدم ادخاله في زمرة الكفار ، فكان الرد كما ورد في الآية الكريمة السابقة ( إني اعظك أن تكون من الجاهلين ) أي تدعو سابقا بهلاك الكفار ثم تسأل نجاة ابنك وهو كافر وقد سماه القران الكريم يـ ( عمل غير صالح ) ، فقد خرج من أهله أي نوح بكفره ولذلك حق عليه العذاب والنار .
وكأن معنى الآية الكريمة هنا يدور ان القاء الود والمحبة للكافر والمخالف لله امر غير محمود يدخل الانسان في خانة الجهل والجاهلين ، لان في الاسلام يكون حب الله ورسوله فوق كل حب وهو كمال الايمان .
ووردت ايضا كلمة الجاهلين في سورة يوسف قال تعالى (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (يوسف:33 ) .
وكان المعنى هنا ان الانغماس في الرذيلة وما حرم الله من الجهل والجهالة .
فكان معنى الجهل في سياق الآية الكريمة هو أن يفعل الانسان فاحشة نهى الله سبحانه وتعالى عنها بعلمه انه فاحشة ولكن تغلبت عليه الشهوة فساقته الى الرذيلة .
كما ورد معنى الجهل في قوله تعالى (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ. [القصص:55) .
فكان المعني يدور في سياق عدم مشاركة أهل اللغو لغوهم ( واللغو الكلام الذي لا خير فيه ولا منه ) . وعليه فإن صاحب اللغو جاهل لا تجوز مجالسته أو الحديث معه أو البقاء في مجلس هو فيه .
وقد نبه الله سبحانه وتعالى على هذا الأمر في موضع آخر فقال تعالى (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ) .
ويكون الجهل إذا بالحديث اللغو الذي يخلو من الفائدة وكذلك الجلوس ومجالسة أهل اللغو .
كما وردت كلمة جاهلون في الآية الكريمة (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64)الزمر .
فكان المعنى هنا واضح لا لبس فيه فإن عبادة غير الله جهل والدعوة الى عبادة غيره جهل ايضا ولذلك سميت مرحلة ما قبل الاسلام بالجاهلية ، وقد اكد القران الكريم على ذلك بقوله تعالى (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138 ) الأعراف
وكانت اشارة للجهل في القران الكريم حيث الحوار ومجادلة الجاهل لا طائل منها سوى اللجاجة وجدل لا يفضي إلى شيء وكذلك إن جهل عليهم حلموا لقوله تعالى (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً )(63) الفرقان .
كما ورد معنى الجهل في قوله تعالى (قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ (89) يوسف .
وكان المعنى هنا يصف من يفعل الشر والكيد بالجهل فكأن من معاني الجهل هو الكيد والتآمر والحسد والذي يؤدي بدور إلى التآمر والكيد بهدف الإيذاء و*** المضرة للآخرين .
وكان الجهل ايضا ايضا بمعنى مخالفة فطرة الله في خلقه وتغيير اتجاهها مما يؤدي الى دمار المجتمع وروابطه ويؤدي الى خرق قانون الحياة التي خلق الله الناس عليها فينهار مجتمع تعمه الفاحشة وتظهر الأمراض فيه وذلك في قوله تعالى (ائِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) النمل 55
وهكذا مخالفة طبيعة الانسان وتغير ما طبع عليه هو جهل وجهالة
محمد خطاب سويدان