المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مسلم اللّامبالاة


عبدالناصر محمود
11-24-2014, 08:02 AM
مسلم اللّامبالاة
ـــــــ

(. محمد أمين المقراوي الوغليسي)
ــــــــــــــــ

2 / 2 / 1436 هــ
24 / 11 / 2014 م
ـــــــــ

http://albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/823112014011305.png

كانت العرب في الجاهلية غارقة في الفوضى وهائمة في التوحش، لا تعرف انضباطا في سلوكها، ولا رشدا في تفكيرها، و لا انتظاما في تدبيرها، حيث تعودت القبائل العربية على حياة النهب السلب والسبي، و ألِفت الإغارة على بعضها البعض، فكان قانون الغاب هو القانون الحاكم فيهم، و سادت فيهم نفسية التوحش حتى أكلت فطرتهم، إلى أن جاء الإسلام و نشر روحه السمحة الحضارية فيهم، فغيَّرهم تغييرا تاما، فصاروا رعاة الأمم بعد أن كانوا رعاة الإبل، و صار هَمُّ الواحد فيهم نشر مبادئ الإسلام و رسالته، في أصقاع الأرض، لا يدخر في ذلك جهدا، و لا يشح بمال، فغيَّر الله الأرض على أيديهم، و ملأها عدلا و سعة، بعدما غرقت في الظلم و الاستعباد قرونا، حتى سرت هذه الروح في عمق النفس المسلمة، و صارت جزء محركا لها، و لا ينفصم ذلك عن تكوينها، فالمسلم هو التقدمي المتحضر، الذي لا يقبل السكون والقعود، بل حيثما كان غيَّر و أثَّر، و ظل الأمر كذلك ،إلى أن ابتلينا بهذه اقرون العقود الأخيرة، التي لم يعد المسلم فيها، يشابه سلفه الأول، إلا في الاسم، و بعض التقاليد، إنه مسلم التبعية و الركود و اللامبالاة، مسلم غارق في التسيب إلى رقبته، مهمل لأدنى الواجبات، معرض عن أغلى المهمات من حراسة الدين و الدنيا.
و لا شك أن هذا الخَلْفَ نتاج لهذه المنظومات المتخلفة المستبدة، التي أخرجت أجيالا قاعدة عن البذل و العطاء، بل و كرّست فيهم التسيب و الإهمال و التواكل على الأخر، بل صار الواحد فيهم يتفوه بعبارات مثل ( من العمل إلى المنزل) ( تبعد عن راسي) .. لو تأملنا هذه العبارات ووقفنا أمامها وقفة تأمّل و تحميص، لوجدناها عبارات معبرة عن واقع الحال، من تردٍ في نفسية المسلم، و انحطاط في الهمة، و شلل في الإرادة، و قصور في الفكر، إنها تعنى أن هذا المسلم لا يعنيه ما يقع حوله، و أنه مستقيل من تبعات الحياة، و أنه قد أقال نفسه من عملية التغيير و الإصلاح و الانجاز، و هو مسلم يخالف في ذلك أدنى ما كان يطلبه منه الإسلام، فقد كان النبي عليه الصلاة و السلام يديم الاستعاذة من العجز، و كان يفعل ذلك كل صباح، حتى يربط الأمة بحياة العمل ونفسية البذل، و حمل همّ مواجهة الحياة، أما اليوم فان المسلم قد جمع العجز في الفكر و اللسان و اليد، بعد أن تنكّب هدي النبي عليه الصلاة و السلام في خوض معترك الحياة و تبعاتها الجمّة، لقد جعل الإسلام إماطة الأذى من الطريق من شعب الإيمان، و علامة واضحة على حركيته في قلب المسلم- رغم أنه سلوك يحتقره الكثير من المسلمين - فكيف يفسر -اليوم- موقف المسلم المتخاذل حتى عن نصرة نفسه و عرضه ،و ***** ماله، و هو الذي يتلو آيات البذل و العطاء، و يمر بقصص أولي العزم، و يقرأ أحاديث العمل و أدعية القوة و النشاط .؟
إن الأسباب كثيرة، و لكن السبب الرئيس هو هذه المنظومات، التي مجدت و قدست شخص الحاكم عبر عقود طويلة، و همشت و ألغت دور الفرد من الحياة، حتى لم تعد له غاية سوى الأكل و الشرب و النوم ،و تم ترسيخ أفكار هدامة لكل محاولة توثب إيجابي في الحياة، فقضايا المسلمين من اختصاص الحاكم وحده، و تقرير مستقبل الأجيال من صلاحيات الحاكم وحده، و هو وحده المخول في التصرف في ثروات الأمة و مقدراتها، وفق ما يراه هو و يشتهيه، وهو صاحب الشأن الأوحد في التعامل مع المنظومات التربوية تبديلا و إلغاء و تلاعبا، و هو صاحب الأمر الوحيد في تحديد المنكر، وأما الرعية الضائعة، فان مهمتها تقتصر على الجلوس خلف شاشات التلفاز ،و الإشادة بإنجازات فخامته و عصابته، أو الجلوس وراء جدران الجريدة وقد سلمها عقله طواعية و سلما، تشكل له المشهد وفق رغبات صاحب الجلالة و حاشيته، و هكذا تتوالى الأيام على المسلمين تصفيقا و قعودا، فلا دور لهم، بعد أن ترسخ ما أرادته هذه المنظومات في نفوسهم المنسحقة، من أنه لا أهمية لهم في الحياة ،و لا دور لهم في تحريك دفة السفينة، إنما عليهم الخضوع و السكون، وترك الأمر للحاكم الراشد و عصابته الشريفة، فذلك سر بقاءهم و استقرار أمنهم، و أي محاولة لأخذ زمام مبادرة راشدة، أو إحياء فقه الحياة الصالح، فإنها تعني الفوضى، و الجوع ، والأمن، و بالتالي الضياع في غياهب المجهول، و الانحدار في غير ما هو مأمول.
لقد بنت هذه المنظومات جدرانا متعالية في حياة المسلمين، مادتها التسيب، وأساسها التميع، و اسمنتها الركود، و لبناتها اللّامبالاة، و أعمدتها التقاعس، فحالت بين المسلم و بين الحركية في الحياة ، و التفاعل الايجابي معها، تغييرا و تقريرا و إصلاحا و ترشيدا، فصرنا نقرأ احصائيات رهيبة عن ارتفاع عدد الجرائم في المجتمع، و تفشي ظاهرة الانتحار، و ظهور الشذوذ و كثرة الطلاق ، و تغلغل الاكتئاب و الادمان في حياة المسلمين بشكل مخيف، ولذلك وجب أن نساهم جميعا في هدمها من نفوسنا ،و أسرنا ، ومدارسنا ،و جامعاتنا ،و مساجدنا ،و مؤسساتنا، و إزالتها عن كل مساحات الحياة، قبل أن يعم القحط روح المجتمع ، و قبل أن يزحف الخراب على الضمائر المتبقية ،و يفسد الأجيال القادمة.
أخي المسلم أختي المسلمة.. لقد علمنا الإسلام أن لا نترك أهم الواجبات في أحلك الظروف، فشرع لنا الصلاة على الفرس حال الحرب و النزال، و شرع لنا تغيير الأوطان إن حالت بيننا و بين ديننا و حياتنا فقال تعالى " ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها" و علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم غرس الفسيلة حتى و إن قامت القيامة ،و أُغلق باب العمل و الأمل، فقال "إن قامت الساعة و بيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل" صححه الألباني. فلا يليق بنا بعد هذا أن نرضى بحياة التسيب و التيه عن دورنا الحضاري الحركي النافع فيها، و يتأكد دورنا اليوم أكثر فأكثر مع ما تعانيه أمتنا من ضياع و تشتت، و قد تداعت عليها الأمم تنهشها طولا و عرضا.
فالله الله أخي المسلم في منطق البذل والعطاء، وحياة الجد و العمل " و قل اعملوا فسيرى الله عملكم و رسوله"

---------------------------------------------