المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فكرة القومية بين اليهود والقوميين العرب


عبدالناصر محمود
11-25-2014, 08:56 AM
فكرة القومية بين اليهود والقوميين العرب*
ــــــــــــــــــــــ

3 / 2 / 1436 هــ
25 / 11 / 2014 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8852.jpg


القومية -عدا قومية الدين- فكرة علمانية، سعى الغرب إلى تصديرها مع ما صُدِّر إلينا من أفكار علمانية والحادية، والقومية إيديولوجية وحركة اجتماعية سياسية نشأت مع مفهوم الأمة في عصر الثورات (الثورة الصناعية، الثورة البرجوازية، والثورة الليبرالية) في الفترة من أواخر القرن الثامن عشر بحسب ما جاء في الموسوعة الحرة.

والقومية ما جاءت إلا لهدم الحضارات المؤسسة على أساس ديني، وقد استبدلت هذا الأساس بأسس أخرى تقوم على رابطة الدم واللغة والتاريخ، ومن هنا يُعرف مدى خطورة هذا المصطلح على كيان ديني كالكيان الذي تمثله الدول الإسلامية.

فتلك الدول- القائمة علاقتها على أسس إسلامية- صاحبة دم مختلف ولغة مختلفة وتاريخ مختلف في بعض مراحله، فكيف نجمع إذاً هذه الدول إن استغنينا عن رابطة الدين، كما يراد لنا، ويروج من قِبل العلمانيين من القوميين العرب.

إن هذا المعنى فهمه اليهود منذ تأسيس دولتهم، ولهذا فلم يرفعوا منذ هذه اللحظة شعاراً غير شعار الدين، ولا نسبوا أنفسهم إلى قومية إلا قوميتهم اليهودية، بل إن مسمى بلدهم "إسرائيل" يحمل دلالات قاطعة على دينية هذه القومية، وشدة التمسك بها.

والأمر عند اليهود لا يرتبط بمجرد الشعارات، بل للقائمين على سياسة هذا الكيان خطوات إيجابية في هذا الصدد، وقد أشرنا إلى هذا الأمر في متابعة فكرية منذ ما يقرب من خمسة أشهر؛ ذكرنا فيها نص كلام "بنيامين نتنياهو" رئيس الوزراء الإسرائيلي في مستهل جلسته الأسبوعية حينها، حيث قال: إن "دولة إسرائيل تمنح المساواة الكاملة بالحقوق، لجميع مواطنيها، ولكنها الدولة القومية لشعب واحد فقط، وهو الشعب اليهودي، وليس لأي شعب آخر".

وقال نتنياهو في بيان صادر عن مكتبه في الوقت ذاته: إنه "من أجل تحصين مكانة دولة إسرائيل كالدولة القومية للشعب اليهودي، أنوي سن قانون أساسي يرسي هذه المكانة، وستتم صياغة هذا القانون بالحوار مع جميع الأحزاب المشاركة في الائتلاف لكي يتم الحفاظ على القيم التي تعتنقها دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية".

وبالأمس صادقت الحكومة الصهيونية على قانون يعتبر إسرائيل دولة قومية لليهود. وكانت مقترحات بهذا الشأن قدمها كل من: يرون ليفين، وزئيف إلكين من "الليكود"، وأييلت شاكيد من "البيت اليهودي"، التي تدعو إلى تعريف إسرائيل باعتبارها الدولة "القومية للشعب اليهودي"، ومنح أفضلية للبعد اليهودي والهوية اليهودية على البعد الديموقراطي، لاسيما في حالة وجود تناقض بين الأمرين.

في الوقت ذاته أعلن نتنياهو أنّه سيقدم اقتراح قانون خاص به، وهو- بحسب تقارير صحفية- لا يختلف كثيراً عن قانون "شاكيد"، حيث لا يضمن المساواة للفلسطينيين في الداخل، بل يتحدث فقط عن حقوق فرديّة متساويّة.

والأخطر من ذلك أن قانون نتنياهو يطرح أولوية الرجوع للتشريعات اليهودية والموروث اليهودي، في حال عرضت على المحاكم قضية، لا جواب لها، في القوانين الإسرائيلية الحالية، أو في قرارات المحاكم... فأين رافعي راية العلمانية من هذه الأفكار؟

في مقابل هذا الحراك اليهودي، ضاع الحراك الإسلامي والعربي، فلم نعد نسمع غير التشنيع على الإسلام والدولة الإسلامية ورابطة الإسلام، وهو إرث علماني قديم، سعى العلمانيون العرب إلى دعمه من خلال فرض ما يعرف بالقومية العربية.

والقومية العربية حركة سياسية فكرية متعصبة، تدعو إلى تمجيد العرب، وإقامة دولة موحدة لهم، على أساس من رابطة الدم واللغة والتاريخ، وإحلالها محل رابطة الدين، والحقيقة أنها حركة مخادعة ما جنينا من ورائها إلا تمزيق العرب والمسلمين وتنحية الدين عن واقعهم ومحو تاريخهم..

إن قومية قوامها الجنس أو اللغة لا يمكنها الصمود بأي حال من الأحوال أمام قومية قوامها الدين والمعتقد، وهذا هو المعنى الذي فهمه اليهود، فاليهود لغاتهم شتى، وجنسياتهم شتى، وأوطانهم شتى، ومع ذلك اجتمعوا وصاروا قوة وأقاموا دولة..

ــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــ