المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القضية الفلسطينية والتيارات الفكرية


عبدالناصر محمود
11-29-2014, 09:02 AM
سؤال القضية الفلسطينية في خطاب التيارات الفكرية العربية
ــــــــــــــــــــــــــــ

(د. خالد يايموت)
ــــــــ

7 / 2 / 1436 هــ
29 / 11 / 2014 م
ـــــــــــ

http://nama-center.com/ImagesGallary/photoGallary/magalat/26-11-2014.jpg

شكلت القضية الفلسطينية مركز اهتمام التيارات الفكرية العربية القومية والليبرالية والإسلامية. فرغم تنوعها الفكري المذهبي، ظلت المسألة الفلسطينية مركز الاهتمام وفي كثير من الأحيان منطلقًا لتنسيق الجهود النضالية السياسية والفكرية لهذه التيارات. وقد أثرت مجموع التحولات الداخلية والدولية المتعلقة بفلسطين وطبيعة مواجهة الاستعمار الاحتلالي الصهيوني على الخطاب القومي والليبرالي والإسلامي العربي. وسنحاول هنا التطرق لمحددات سؤال القضية الفلسطينية عند التيارات الفكرية العربية المشار إليها أعلاه، معززًا ذلك برؤى بعض الرموز النخبوية الممثلة لتلك التيارات.
تعتبر التيارات العربية الثلاثة أن الواقع العربي يطغى عليه الانحدار الحضاري، الشيء الذي سهل مأمورية الحركة الاستعمارية في غزوها للوطن العربي، وزرع الكيان الصهيوني في قلب هذا الوطن بقرار دولي منذ 1948. إلا أن الإجماع على كون قضية فلسطين قضية تحرر وطني؛ لم يرسخ رؤية مشتركة لهذه التيارات تجاه القضية العربية الأولى، ذلك أن الاختلاف المرجعي لم يكن ترفًا سياسيًا وحزبيًا، بل خلقًا لرؤية للعالم وطبيعة الوجود والصراع والتدافع مع القوى الوطنية والدولية، وهذا ما يفسر التمفصلات والتناقضات الرؤيوية بين الليبراليين العرب واليساريين (الذين حافظوا على يساريتهم) وكذا التيار الإسلامي العام.

فعموم التيار الإسلامي لا يعتبر الصراع مع الكيان الصهيوني وتحرير فلسطين صراعا دينيا؛ لكنه يستحضر المكانة الدينية لفلسطين عامة والقدس أولى القبلتين، كما يعي دور المنطلقات الدينية الصهيونية في شرعنة الاحتلال الصهيوني ليس على مستوى الشخصية اليهودية المتصهينة فحسب بل على مستوى القوى الغربية المتبنية للطرح الصهيوني الديني لاستعمار فلسطين.

وبناءًا عليه؛ ينطلق التيار الإسلامي العام من كون القضية الفلسطينية قضية تحرر إسلامية لا قومية فحسب؛ فهي تتجاوز البعد القومي باعتبارها قضية أمة موحدة دينيًا وحضاريًا. وعليه فإن الدفاع عن فلسطين وإن كان واجبًا وطنيًا وقوميًا، فهو قبل ذلك كله جاهد وواجب ديني تعبدي، لا تؤطره الدائرة القطرية للدولة العربية المعاصرة، ولا النسب العربي المشترك، بل ينطلق من رؤية الجماعة المسلمة، باعتبارها أمةإسلامية جامعة موحدة العقيدة والقيم.

صحيح أننا نعيش في واقع منحط؛ إلا أن المفكر الإسلامي خالد الحسن (أبو السعيد)، يعتبر أن الأمة العربية الإسلامية أمة حية، وهي تنهض وحركة النهضة فيها"تتمحور حول استعادة الذات الحضارية بإلغاء أسباب الانحدار الذي أوصل إلى الانحطاط، سواء كان ذلك بسبب:

(1) الانخفاض المتوالي لفهم معطيات الذات الحضارية ( العقيدة وما ينبق عنها من أنظمة حياتية وثقافية فكرية ولغة قادرة على التعبير عن ذلك)، وفهم موقع القوة في حركة التطور إلى الأفضل في هذه الذات الحضارية.
(2) وما يترتب على ذلك ابتداء أو نتيجة من سوء تطبيق معطيات هذه الذات الحضارية وإخضاعها بالتفاعل بما يجري حولها في العالم.
وبالنسبة لفلسطين وتحريرها من الاحتلال، فإن أبو السعيد يذكرنا بما استقر عليه فقه الشريعة الإسلامية من ضرورة المقاومة والجهاد إذا احتُل ثغر من ثغور المسلمين" أصبح الجهاد فرض عين على كل مسلم ومسلمة"، فإذا عجز القطر المحتل على الدفاع عن نفسه أصبح الأمر واجبًا على عموم الأقطار المسلمة. فالعجز الحضاري ليس دائمًا، وقد علمنا التاريخ أن الأمم تتدهور كما تستعيد عافيتها وفق شروط معينة؛ وواقع اليوم أن حركة النهضة تتسع ودور التيارات المنطلقة من خارج الوعي الجماعي والحضاري للأمة العربية الإسلامية ينحصر.

وإذا كانت هذه محصلة الواقع الحضاري العربي الإسلامي، فإن الواقع الدولي كذلك لا يتسم بالثبات في توازناته وأطراف القوة فيه، غير أن الواقع الدولي يهتم كما يهتم الفلسطينيون بالسلام في الشرق الأوسط. ومن هنا يطرح أبو السعيد رؤيته للسلام بشروط أساسها، عودة اللاجئين، وحدة الأرض الفلسطينية، قيام دولة فلسطينية خالية من الإرث الصهيوني وأي شكل من أشكال تبني الصهيونية، قيادة العنصر العربي الفلسطيني لهذه الدولة باعتبارها جزء من المنظومة العربية الإسلامية، تاريخًا وحضارة.

أما التيار اليساري "الأصيل" والقومي، فهو وإن كان في عمومه يعتبر القضية الفلسطينية قضية تحرر وطني، فإنه يعتبرها قضية تحرر قومي من الهجمة الاستعمارية التقليدية والجديدة التي يرعاه المنتظم الدولي الحالي، وتسهلها الأنظمة الموالية للغرب. ومن هنا تطرح القضية الفلسطينية عند "القوميين الوطنيين" قضية التجزئة والدولة القطرية، ودور هذه الأخيرة في إعاقة تحرير فلسطين. كل هذا جعل من رؤية التيار اليساري "الأصيل" والقومي الوطني ترتكز على وحدة الأمة العربية، واعتبار تحرير فلسطين جزء من عملية أشمل وهي تحرير الوطن العربي.
من ذلك ما يذهب إليه المفكر اليساري عزمي بشارة مؤسس حزب «التجمع الوطني الديموقراطي» في أواسط تسعينيات القرن العشرين. حيث يعتبر أن عملية التحرر هي في حقيقتها سلسلة من العمليات، عملية تحررية من الداخل الفلسطيني، بما فيها أراض 1948م، وعملية قطرية تهم تحرير الدولة القطرية من التبعية والإلحاق الواقع لها بالمصالح الغربية، وعملية تتعلق بالأمة العربية وضرورة تحررها من الواقع الدولي المهيمن والراعي لمصالح الكيان الصهيوني والولاية المتحدة الأمريكية والغرب عموما.
فهذا الواقع الفلسطيني والعربي والدولي لا يبشر بقرب إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، كما أنه لا يجعل المقاومة المسلحة أو التسوية عبر المفاوضات حلا لهذه القضية.وربما هذا ما دفع بعزمي بشارة للمناداة بدولة واحدة ثنائية القومية تضم الفلسطينيين واليهود، دولة مرجعيتها علمانية. هل هذا الطرح يمثل فعلا حلا وتحررا من الاستعمار الصهيوني الغربي؟.


من جهته، ينطلق الاتجاه الليبرالي العربي من ثقافة غربية أنوارية، ورغم أنه جزء من الكل المناهض للاستعمار، الا أن مرجعيته جعلت من محدداته المتحكمة في النظر للقضية الفلسطينية مختلفة كثيرًا عن التيار اليساري والإسلامي. فالليبرالي العربي أكثر ايمانًا بالمشترك الإنساني وداعية للحرية من منظور عربي، وهو يرى أن القضية الفلسطينية قضية تفوق غربي قيمي، وأن التحرر العربي ومنه الفلسطيني لا يتم إلا بتبني هذه القيم الغربية التحررية العلمانية، على مستويات الثقافة والاقتصاد والاجتماع السياسي. فالغرب الذي زرع الكيان الصهيوني في قلب الأمة العربية، هو نفس من يملك قيم التحرر التي تحررنا من استعماره لنا.

من هذا المحدد الفكري لرؤية الليبرالية؛ لا يرى ساري نسيبة المفكر الفلسطيني، أي غضاضة في الاعتماد على الغرب الذي يتبني قيم العدل والمساواة والحرية، خاصة أمريكا وحلفائها في إيجاد حل القضية الفلسطينية. فهذه الأخيرة وجب إخراجها من الدائرة الدينية الإسلامية أساسًا، ومن الناحية السياسية إبعاد التيارات الإسلامية الفلسطينية خاصة والعربية عامة على لعب أي دور في حل هذه القضية، ورغم أنه كان يشاطر رؤية عزمي يشار فيما يخص "دولة واحدة لشعبن"؛ فإن نسيبة لا يمانع من سيطرة الطرف اليهودي عن الدولة واعتبار الفلسطينيين مواطنين من الدرجة الثانية. كما أنه لا يمانع من وصف هذه الدولة بالدولة العلمانية الديمقراطية الموحدة. أكثر من ذلك يرى هذا المفكر الليبرالي الفلسطيني أن الحل يمكن أن يكمن في "أن يتفق الطرفان (السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني) على البديل السياسي الذي يجب أن يبنى على أساس مبادئ المساواة والحرية والعدالة. يمكن تحقيق هذه المبادئ وتكريسها في إطار دولة واحدة أو دولتين أو حتى ثلاث دول أو حتى في إطار كونفيدرالية أو نظام فيدرالي".

لقد كانت الاختلافات المرجعية التاريخية، والتحولات السياسية الوطنية والدولية عوامل دائمة في استمرار التباين التصوري والسلوكي للتيارات الفكرية العربية الليبرالية واليسارية والإسلامية تجاه القضية الفلسطينية. ولا يبدو أن الانشغال المشترك والمركزي بهذه القضية قادر على إنهاء أسباب الاختلاف. فالأسباب لا تتعلق بالسياسة والممارسة السياسية ولا بالنظرة للسلام أو الحرب وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة، بل يتعلق برؤية للعالم ننظم تصوراتها شؤن الحياة الفردية والجماعية وعلاقة الدولة بمحيطها العربي والدولي، ويمكن القول أن المفكرين الفلسطينيين الثلاثة الذين تحدثنا عنهم يملون تلك المرجعيات والرؤى المتباينة للعالم.

__________________________