المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لم أعد إسلاميًا


عبدالناصر محمود
12-01-2014, 09:00 AM
لم أعد إسلاميًا.. قراءة في مأزق الطرق المسدودة
ـــــــــــــــــــــــــ

(أحمد سالم)
ـــــ

9 / 2 / 1436 هـ
1 / 12 / 2014 م
ـــــــــ

http://nama-center.com/ImagesGallary/photoGallary/magalat/30-11-2014M.jpg


لم أعد إسلاميًا.. قراءة في مأزق الطرق المسدودة
عن أزمة الحركات الإسلامية والمنشقين عنها


ليس سرًا أني أرى أحد أهم وجوه الإصلاح، والتجاوز لأخطاء الإسلاميين في مائة عام= هو التخلص من الجماعات المنظمة والأحزاب الأيديولوجية كطريق للعمل لدين الله والدعوة إليه؛ لما ثبت من كون الغالب عليها أنه يغلب ضرها نفعها وأن تركيبتها الموازية لصورة الدولة الحديثة لم تقتصر على المشابهة في الصورة بل هي أخذت من الدولة الحديثة أعظم آفاتها وأكثر جهات فسادها.

لكن ما تقدم ليس موضوع كلامي هنا، وإنما غرضي هنا هو قراءة ظاهرة تتقاطع بدرجة ما مع رؤيتي التي في الأعلى لكنها تختلف عنها اختلافًا مؤثرًا كما أن نتاجها سيكون سيئًا لو تتابعت متواليته الهندسية خاصة في ظل الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحالية.

سأقرأ هذه الظاهرة من خلال الواقع المصري وإن كنت أرى أنها ظاهرة مشتركة تتعرض لها كل تجارب العمل الإسلامي في خارج مصر كما أن هذا ليس أول حدوث لهذه الظاهرة بل هي ظاهرة متكررة عبر تاريخ الإسلاميين وإن كنت أرى تحققها الحالي سيكون أخطر تحققاتها على الإطلاق.



كلامي هنا عن صورة من التفلت من هذه التنظيمات لم تكن إلى ما هو أهدى وأحسن، بل أرى أنه كان تفلتًا لما هو شر منها من بعض الوجوه، وتفلت السوء هذا نفسه صار حجة لبعض الذين يجادلون عن هذه التنظيمات وأهمية استمرارها، وسأحاول بيان طبيعة هذا التفلت وإشكالياته فيما يلي:



(1)
......

التيار الإسلامي بصفة عامة والتنظيمي منه بصفة خاصة يعيش وهو يعتبر نفسه أقلية ثقافية وجماعة مهمشة بالنسبة لسائر المجتمع والدولة، وما يذكره بعضهم من أن هوية المجتمع إسلامية وأن المجتمع متدين بطبعه= هو نوع من الادعاء السياسي الذي يوظف في الصراع وربما بنوا عليه بعض الحسابات لكنهم عمليًا لا يتعاملون مع المجتمع بهذا الاعتبار وإلا فقدوا المبرر الكافي للانفصال عنه والإحساس بالنقاوة دونه.

ولأجل أنهم يعدون أنفسهم أقلية نقية تحمل همًا أضاعه المجتمع، وحملها لهذا الهم يوجب تميزها= كاوا يحرصون على تربية أبوية لرجالهم بحيث يحفظون نقاوتهم الفكرية والإيمانية من تلوث المجتمع!

فإذا كان الفرد من أفراد الجماعة ابنًا لأحد أفرادها اجتمعت له التربوية الأبوية مع تربية الجماعة الأبوية.

وكما هو الحال لابد أن تأتي مرحلة تتعرض فيها التربية الأبوية للامتحان من قبل الثقافة المسيطرة، ففي التربية الأبوية التي هي من الأب لابنه بالفعل، غالبا ما يكون الامتحان في فترة المراهقة حيث تجتمع العوامل الفسيولوجية مع الدخول في مجتمع جديد كمجتمع الجامعة أو سوق العمل، فيتفاجأ الابن بأن هناك عالمًا آخر خارج القوقعة التي رباه فيها أبوه، وليس عنده من المناعة النفسية والإيمانية والعقلية ما يعينه على مواجهة الثقافة الغالبة الجذابة التي تهجم عليه، وهذه هي المرحلة التي تحدث فيها غالبا إشكالية (أبناء الملتزمين).

وهنا يظهر تفوق التيارات التنظيمية نسبيًا؛ لأنها توفر محضنًا آخر خلال فترة الجامعة، سواء من خلال وجود تشكيلات تنظيمية داخل الجامعة أو من خلال استمرار العلاقة بين الجامعة وأفرادها خارج أسوار الجامعة وترتيب عمليات الاتصال والتواصل المنتظم.

فحقيقة بنية التيارات التنظيمية خاصة الإخوان المسلمين أنهم يحاولون إيجاد مجتمع بديل وموازي؛ ليعيش فيه أفرادهم فيخفف هذا من وطأة الإحساس بالغربة بل ربما انقلب هذا إلى إحساس بالتميز والتفوق والنقاوة وأنهم الصفوة المختارة وهو للمفارقة نفس الإحساس الذي يشتركون فيه مع منتج المؤسسات الأمنية كالجيش والشرطة يختلفون في الدرجة ونوع الاستجابة لإحساس النقاوة لا في نوع الإحساس نفسه.



(2)
.....

في السنوات العشر الأخيرة ولاعتبارات مجتمعية وسياسية ولتغيرات في التقنيات الإعلامية والإلكترونية= صارت موجة الثقافة الغالبة عنيفة جدًا، مما أدى لزيادة المساحات التي يختلط فيها أبناء الجماعات النقية بتيارات مجتمعية أخرى ملوثة في نظرهم، لاعتبارات تتعلق بالتحالفات السياسية أو بالحراك المجتمعي الذي أدى بالضرورة لهذا الاختلاط خاصة في السنوات الأربع الأخيرة، وهنا اصطدم شباب الجماعات بدرجات من الثقافة الجذابة شعروا معها بتضاؤل ما معهم وحملتهم به جماعاتهم سواء من ناحية المادة الثقافية والفكرية التي فوجئوا بتداولها وغربتهم عنها، أو من ناحية جاذبية بعض الأنماط السلوكية والعادات الثقافية التي أحسوا باقترابهم النفسي كشباب منها ولم تعد العدة الفقهية التي حملوا بها كافية لتحجبهم عنها.

ثم مع توالي التحديات السياسية والمجتمعية التي تعرضت تنظيماتهم لها= اقترن هذا الإحساس بالضعف أمام الثقافات المختلفة بالشعور بالغضب والنفور من بعض المواقف السياسية والتنظيمية السيئة للجماعات الإسلامية بحيث أحس بعض أفراد هذه الجماعات بالغربة عن جماعاتهم ومواقفها، فبدأ يحصل التفلت والانشقاق عن الجماعات.

أحد العوامل التي ساعدت على هذا التفلت وجود أشخاص من الإطار الإسلامي العام سبقوهم إلى هذا التفلت من التنظيمات، أو لم يكونوا أصلا جزءا من هذه التيارات وإن تقاطعوا معها في بعض أفكارها. شكل هؤلاء الأفراد أرضية جاذبة تخفف وطأة الإحساس بالإثم عن المتفلتين؛ فهم لن يتركوا الإسلامية وإنما سيتركون التنظيم الفلاني أو الجماعة المعينة إلى بديل سيبقون به داخل الإطار الإسلامي.

هؤلاء الأشخاص الذين شكلوا المحطة البديلة لم يكن عندهم جميع الحقائب العقدية والفقهية والفكرية والسياسية والإيمانية والنفسية والاجتماعية التي كانت تقدمها التيارات التنظيمية لأفرادها، ولا كانت عندهم القدرة الاقتصادية والعددية التي تعينهم على تقديم الدعم اللوجيستي الذي تقدمه الجماعات لأبنائها؛ لذلك لم يُقدموا للمتفلتين إلا شيئًا من الاختيارات الفكرية والسياسية وبعض الجلسات نخبوية النقاشات مع محاولات مجهضة لإنشاء تكتلات أو أحزاب سياسية لم تكتمل أو لم تجد مناخًا لتتطور فيه خاصة مع التغيرات الأخيرة، فخلاصة ما قدموه لهم: أنهم بينوا لهم فساد التنظيمات التي كانوا فيها وأخطاءها واستماتوا في استئصال الخلايا الميتة التي قتلها في نفوس هؤلاء الشباب سرطان الخلل في التنظيمات، لكنهم مع ذلك أضعفوا مناعة أولئك الشباب أمام أمراض أخرى قد تكون أخطر بكثير من أمراض التنظيمات التي تركوها.



(3)
.....

عندما طرح بعض الغربيين من دارسي الحركة الإسلامية فكرة ما بعد الإسلاموية= قصد بها باختصار أن التيارات الإسلامية غير العنفية، ستندمج أكثر في العملية السياسية مما يؤدي لتنامي جيل بدأ في الظهور بالفعل، وهذا الجيل يتخلى شيئًا فشيئًا عن المكونات الصلبة داخل الإسلاموية سعيًا نحو اندماج أكثر في الحداثة سواء بعد أسلمة هذه الحداثة أو حتى بعد تنحية فكرة وجوب الأسلمة جانبا والقبول بمعاني أكثر اتساعا لفصل المقدس الديني عن الممارسة السياسية سواء كان هذا الفصل اعتقادًا أو نوعًا من البراجماتية طويلة المدى.

كانت هذه الفكرة جذابة وصار الواقع يحشد بنفسه أدلة صدقها خاصة مع تأمل المسار الذي سارت فيه حركة النهضة بتونس، ثم حدثت التطورات الأخيرة في مصر والتي أدت لنوع من اهتزاز الصورة يصعب معه تحديد ما ستؤول إليه.



هل ستؤول إلى ردة فعل راديكالية تأكل الخطوات التي قطعتها الحركة الإسلامية نحو الحداثة وأدت لتنامي الشعور بأن حداثتها ستأكل إسلامويتها؟

أم ستؤدي إلى تهذيب أظافر الإسلاميين وعودتهم للاندماج السياسي بعد أن علمتهم التجربة أنهم كانوا أكثر تصلبًا مما ينبغي، وأن مسارهم نحو الحداثة ينبغي أن يكون أسرع إن أرادوا النجاة من المحرقة؟

أيًا ما كان ما ستؤول إليه الأحداث فلن يؤثر في حقيقة ثابتة وهي أن المنشقين عن التنظيمات والذين اختاروا عدم العودة قد انقسموا إلى فريقين اختار كل فريق منهما بالفعل أحد المسارين الذين في الأعلى بقطع النظر عن المسار الذي ستختاره الحركة الأم بعد انتهاء هذه الأحداث.

فاختار بعضهم مسار الإيغال في الحداثة بدرجات هذا الإيغال فمنهم خرج عن إسلاميته بالمرة بل ربما خرج عن أصل دينه إلى نوع من الريبية أو اللادينية أو الإلحاد ومنهم من ظل مسلمًا إلا أنه تبنى أيديولوجيات حداثية مختلفة إما ليبرالية وإما يسارية أو أمشاج مختلطة تجمعها العلمنة.

ومنهم من رأى الحل في تحديث الإسلاموية على النسق التركي الأردوغاني أو التونسي الغنوشي أو درجات أخرى من التحديث لا تبلغ العلمنة لكنها في الوقت نفسه تُعد تجاوزًا للأيديولوجية الإسلامية التقليدية للتنظيمات الإسلامية وتبني لقناعات بالقدرة على مزج الحداثة والإسلام وليست مجرد خيار براجماتي، فالفرق بين هذه الدرجة الأخيرة من درجات مسار تحديث الإسلاموية وبين الإصلاحيين من الإخوان هو أن المنشقين خرجوا برؤاهم هذه خارج التنظيم وخارج صناعة تنظيمات مشابهة في التراتبية، والفرق بينهم وبين المحافظين من الإخوان هو في أن تبنيهم لخيارات التحديث هو تبني عن قناعة وجعل هذه القناعة هي أساس التميز في هويتهم لإسلامية عن باقي الإسلاميين وليس كالمحافظين الذين ربما اختاروا خيار التحديث كمجرد خيار براجماتي ومكون الهوية عندهم هو نفس التنظيم والولاء له وليس أي مضامين أيديولوجية.

واختار البعض الآخر الإيغال في الاتجاه الأكثر راديكالية من النقطة التي ترك التنظيمات عندها، بدرجات هذا الإيغال فمنهم من انتقل إلى تبني آراء تيارات قتالية ومنهم من انتقل إلى تبني آراء قطبية تقف موقفا سلبيا من أية درجة اقتراب من الحداثة السياسية وتعد هذا وقوعًا في وحل الجاهلية وأن بناء الجيل النقي الذي ينجو من تلوث المجتمع الجاهلي هو الطريق، ومنهم من تبنى أيديولوجية ثورية طوباوية كنوع من أنواع لاهوت التحرير الإسلامي وهو يتقاطع مع القطبية في نظرتها إلا أنه يختلف عنه من حيث تبنيه للخيارات الحركية التي أضافتها إلى وعيه حقبة الثورات العربية، وكل هؤلاء يشتركون في شيء هو ما يفترقون به عن أصحاب المسار الأول وهو أن تصورهم لقضية علاقة المقدس بالدولة وبالعمل السياسي لا يختلف كثيرًا عن التصور النظري للتنظيمات الإسلامية الني فارقوها، وبالتالي هم فارقوا خياراتها الحركية وصورتها التنظيمية وتراتيبها الإدارية ولم يفارقوا الأيديولوجية الإسلامية الأم والتي نشأت في مقابل العلمنة ولحل مشكلة سقوط الحكم الإسلامي بسقوط الدولة العثمانية.

والمجموعتان الأخيرتان أي من اختاروا المسار الإسلامي التحديثي ومن اختاروا المسار الراديكالي هم مقصودي الأساسي بهذا المقال.



(4)
.....

نأتي هنا إلى بيان الفكرة الأساسية لمقالي هذا، وهي تحديد الإشكالية الأساسية في عمليات الانفلات من التنظيمات بقطع النظر عن المسار الذي ستسير فيه قوافل المنشقين.

الفكرة الأساسية التي تقوم عليها رؤيتي التقويمية للظاهرة: هو أن هذا الانفلات عن التنظيمات الإسلامية أخذ أسوأ ما في هذه التنظيمات معه وترك أحسن ما فيها فلم يحمله معه، وأن أصل الانفلات عن هذه التنظيمات وإن كنت أعده خيرًا= إلا أن خيريته مشروطة عندي بأن يحسن المنفلت تخير الحق الذي مع هذه التنظيمات فيحمله معه ويترك عنه الشر الذي فيها فلا يحمله معه، فكان العكس!



وسأبدأ بالكلام عن الشر الذي حملوه:
------------------------

إن شر ما في هذه التنظيمات هو رفع درجة الأيديولوجيا السياسية والموقف الصراعي المباشر مع الأنظمة الحاكمة فوق درجتها الحقيقية، سواء رفعها فوق درجتها الحقيقية التي ينبغي أن تكون فيها من ناحية التصور الأساسي للوحي، أو رفعها فوق درجتها الحقيقة التي ينبغي أن تكون فيها سياسة أي من حيث قدرتك على خوض هذا الصراع المباشر ومن حيث استيعابك لقابلية أهدافك الأيديولوجية للتحقق بقطع النظر عن حكم هذا الخوض في الشرع.

وهذا التصور الخطأ لمنزلة الأيديولوجيا السياسية والموقف السياسي الديني من الأنظمة= أدى بالضرورة لخلل كبير في أولويات التنظيمات الإسلامية وأدى لخلل كبير في علاقتها بمجتمعاتها وكيف يُقر الإيمان والدين العام فيها ، وأدى لخلل كبير في طريقة بناء الموارد المعرفية والبشرية والتقنية لهذه التنظيمات، فالموقف من المجتمع، وحظ هذه التنظيمات من الدعوة ومن المعرفة ومن الموارد البشرية والتقنية كل ذلك قد بنته هذه التنظيمات في إطار أنها تخوض صراعًا مع أنظمتها، مما أدى لهشاشة أبنيتها نتيجة لكونها بنيت في الأرض الخطأ ومن أجل الهدف الخطأ فكانوا كما بنى سفينة؛ ليعبر بحرًا كبيرًا إلى أرض يطمع فيها، فلا موارده ستبني السفينة المناسبة لعبور البحر، ولا الرياح تعينه ولو بنى السفينة ولا هذه الأرض بالتي لا تُبلغ إلا من هذا الوجه وفي هذا الزمن ولا هذه الأرض هي الهدف الذي لأجله خلق الله الناس وإنما هي مجرد وسيلة مهمة من وسائله لكنها ليست كل وسائله ولا حظها من مجموع وسائله هو الحظ الأعظم.



فما الذي أخذه المنفلتون من هذا الشر؟
------------------------

في الواقع أخذوه كله، فهم يطمعون في نفس الأرض (السلطة السياسية) ويمنون أنفسهم ببلوغها عبر هذا البحر (أنظمة الدولة الحديثة)، والصراع مع أمواجه. هم فقط يختلفون مع تنظيماتهم في طبيعة السفينة ومواد بنائها، أما نفس أوجه الخلل في الموارد والمعارف والتقنيات والعلاقة بالمجتمع والموقف من الهدف(إقامة الدين) الذي لا تزيد هذه الأرض عن كونها وسيلة لبعض وجوهه = فهم يشتركون مع تنظيماتهم في نفس وجوه الخلل في ذلك كله، بل يزيدون عليها في الخلل من جهة أنهم أخذوا هذا الشر ولم يأخذوا معه الخير الذي كان في التنظيمات ويقلل شرها.



ما هو هذا الخير؟
-------------

إن خير ما في هذه التنظيمات هو ما فيها من الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر. إن خير ما في هذه التنظيمات هو ما فيها من الدين الحق والإسلام العام من شعب الإيمان والصلاة وبذل المال والذكر والقرآن ومكارم الأخلاق وعمل الصالحات وحقوق المسلمين وحفظ اللسان والتعاهد بالنصح.

إن خير ما في هذه التنظيمات هو ما فيها من دعوة الناس إلى الله والتزام وحيه واتباع نبيه وحب الخير للمؤمنين.

ليست كل التنظيمات في هذا الخير سواء، ولا كلها وفته حقه، ولا كان هذ الحق فيها منتشرًا بالدرجة اللازمة، ولا كان هجرهم لهذا الحق وتضييعهم لبعضه على درجة واحدة، لكنها لا تخلو منه.



فما الذي حمله المنفلتون من هذا الحق؟
-----------------------

الذي رأيته بعد استقراء وتتبع وجمع = أن هذا الباب فيه عند المنشقين خلل كبير جدًا، حتى في من اتخذوا المسار الأكثر راديكالية بل ربما كان أصحاب المسار التحديثي من المنشقين أحسن حالاً في هذه الأبواب من أصحاب المسار الراديكالي.

ولهذا الخلل عوامل كثيرة جدًا أهمها ما في الاجتماع من خير وإعانة على الخير لا ننكره وإن كنا ننكر التنظيمات طريقًا لهذا الاجتماع بصورتها الحالية، فتفرد المنشقين وتحولهم لبيئات ليس فيها نفس القدر من التواصي بالحق والصبر، مع الدخول في الخصومات السياسية أدى لخلل كبير في رعاية أبواب الدين العام وشعب الإيمان وثواب دين محمد التي جاء بها ودعا إليها أول ما دعا.

يمكنك تتبع صور هذا الخلل عن طريق اختبار عدة معايير يقاس بها خطاب المنشقين الراديكاليين أو التحديثيين، وهذه المقاييس ترجع إلى محاولة معرفة حظهم من القرآن والذكر وصلاة الجماعة ودعوة عموم الناس إلى الخير، وحفظ اللسان من البذاءات وحفظه من أعراض الناس، والورع عن القول على الله بغير علم، ليس مطلوبًا هنا أكثر من محاكمة ذاتية يقيمها الواحد من هؤلاء على نفسه، ومدى الفرق بين حظه من هذه الأصول الآن وحظه منها عندما كان في تنظيمه، وقد طلبت إجابات كثير منهم على هذا السؤال= فكانت الإجابة كما توقعت، أنهم كانوا أيامها أحسن حالاً، ولذلك تجد بعضهم يحاول تعويض الفقر الروحي عن طريق الموسيقى والأغاني والسينما والتواشيح الدينية أو حتى القرآن لكن في صورة حفلات التلاوة للمقرئين الذين يعنون بجانب التطريب والمقامات في القراءة، كما يفزع أصحاب المسار الراديكالي الذي لا زلوا على تحريم الموسيقى إلى بدائل مثل الأناشيد الجهادية أو الأغاني الثورية أو بعض أبواب الفن والعمارة والأدب.

وليس كلامي هنا عن معايرة فقهية لتلك الأبواب التي لجأوا إليها، ولا أنا ضدها كلها لمجردها، ولا كلامي عمن فعل هذا مرات أو ترك ذاك مرات، وإنما كلامي عن أنها صارت وسيلة تعويض روحي عن حالة من اعتياد التقصير الإيماني والتفريط تعبدي وصلوا إليها بعد انتقالهم لبيئة مختلفة لم يحسنوا أن يحتفظوا فيها بالخير الذي أعانتهم التنظيمات عليه.



ما واقع المنشقين بعد أن تخلصوا من القدر المشترك الذي نكره التنظيمات معهم لأجله وهو التراتبية الإدارية والتنظيمية السلطوية، وتخلصوا مع ذلك من أحسن ما كان فيها وأخذوا شر ما كان فيها؟

لما أخذوا المحتوى السياسي الأيديولوجي للتنظيمات أخذوه وليس معهم وعاء الجماعة والتنظيم الذي يحمله، ومع فقدانهم للقوة الجماعية والتنظيمية والإدارية التي كانت تؤطر هذا المسار الحركي لتنظيماتهم وإجهاض أو عدم جدوى الأحزاب والكيانات البديلة التي حاولوا إنشاءها=آل أمرهم إلى نوع من الكلام و الجدل السياسي والتنظير الفكري ، وليس لهم معه اشتغال بأنواع أخرى من العمل الديني المعرفي والدعوي والمجتمعي متعدد الشُعب، فتحولوا إلى ظواهر إعلامية وحلقات اجتماعية مفتتة لا تربطها سوى جلسات نقاش ناقص الأدوات، ولا تحمل هذه الحلقات المفتتة للمنشقين من هم مجتمعاتها إلا هما سياسيا ضيقًا يحسبونه سيحل كل شيء، ثم هم بعد ذلك لا يملكون قوة على تحويل الهم السياسي إلى عمل منتج للتغيير، فصار واقعهم يشبه إلى حد كبير واقع الخلايا الشيوعية والاشتراكية وناشطي وسط البلد؛ فهو نوع من الكلام لا يجد متنفسًا من العمل إلا في حراكات فقيرة القوة على الأرض، وحتى من يتجه منهم لبعض شعب العمل الديني أو المعرفي قلما يجد أعوانًا بل يجد من يستهجن عمله، مما يؤدي مع الوقت ومع فقر الرصيد الإيماني إلى أنواع من الانقطاع والعزلة والاشتغال بهموم الحياة أو إلى النزول إلى دركات أسوأ من التنظيمات ومن حالته بعد ترك التنظيمات بحيث يبدأ في الابتعاد إلى خيارات أخرى لمنشقين آخرين دخلوا في العلمنة أكثر، وضعف تدينهم أكثر ، وصار القدر المشترك من الإسلام والوحي والتزام إقامة الدين الذي لا ينبغي أن يكون فيه نزاع وليس هو من خصائص التنظيمات= محل شك وريب عندهم.



(5)
.....

إن التحديات القادمة أعنف بكثير مما مضى، وإن كل مصيبة تهون ما لم تك مصيبة العبد في دينه وإيمانه، وإننا إذا كنا ندعو الناس إلى التخلص من الخلل العظيم الذي أورثته التنظيمات للعمل والدعوة= فإننا لا ندعو للتخلص من الباطل عن طريق تضييع الحق والباطل معًا، والعبد لا يستغني أبدًا عن وصل حبله بالله وطاعته والاعتصام بوحيه، فإن هذا الحبل إذا وهى= ترك الرجل كالريشة في مهب المحن، فبينما يعتصم العامة من الناس بالصبر ومحفوظ فطرتهم من الرضا بقضاء الله= تتناوشه هو الشكوك والوساوس فيسخط ربه فيضيع دينه.

والتاريخ في أكثر حقبه، والواقع في معظم صوره، والمستقبل في أغلب تحققاته= لم ولن تتعلق أغلب وأهم وأنفع صور إقامة الدين فيه إلا بالدوائر الفردية والخيارات المجتمعية.
أما إقامة الدين كواجب من واجبات السلطة الفوقية وأساسًا قيميًا تلتزم به السلطة السياسية=فنوع من أنواع إقامة الدين مهم، وله أثر ونفع لا شك فيه، وطلبه واجب ما دام من وجهه وممن يطيق مؤنته ويأخذه بحقه، لكنه في تاريخ الدنيا كلها لا الإسلام فحسب= ليس بالوزن الذي يتصوره الناس، وليس هو بوابة الطوبيا التي يحلم بها الناس، طوبيا أن يصير المثال واقعًا، طوبيا أن يصير المثال واقعًا لا تكون، وحلم أن تكون المسافة بين المثال والواقع أقل ما يكون= حلم يجب طلب تحققه، لكن تحققه أقل ما يكون، ولم يتحقق في تاريخ الإسلام كله إلا مددًا مفرقة لو جمعتها لا تكاد تبلغ ثلاثين عامًا، وهي تنقطع وتتفرق ثم لا تدوم؛ لأن هذه هي حال الناس والناس هم من يحملون سكينهم ليقطعوا استمرار أيام تحقق الحلم، ولو كانت حال الناس يمكن معها أن تطول تلك الأيام= لما كانت الدنيا دار ابتلاء.
وأنت إذا فقهت أن هذا الحلم نادر الوقوع، وأن شروط تحققه أعسر ما يكون= استطعت أن تضع نفسك وعملك وجهدك حيث ينبغي أن يكون؛ فإن أقل المسلمين في حقب معينة وشروط معينة هم فقط الذين سيكلفهم الله أن يكونوا جزءًا من الأيام القليلة التي يأذن الله فيها بتحقق الحلم ثم هي تزول ثانية؛ ليبلوكم أيكم أحسن عملاً.
وليس من حسن العمل أن تستحلب حلمًا لم تتهيأ أسبابه، فتمر أيامك أنت لتلقى بها ربك ليس معك مما كلفك إلا سعيك في غير ما كلفك.
وإن صراط الحق الذي ندعو إلإسلاميين إليه هو أن يعرفوا حدود ما يطيقون وحدود ما تطيق مجتمعاتهم وألا يستحلبوا أوهامًا، وأن يكونوا في العامة يحسنون نسيجهم ويدعونهم إلى الله لا على الجماعات وإلى الإيمان لا الأيديولوجيات، وإلى أصل إقامة الدين في أنفسهم ودوائرهم القريبة، وأن يعلموا مع ذلك أنهم هم أنفسهم بعض أولئك العامة وأنهم مخاطبون بما يدعونهم به، وأن حفظ الإسلام العام في الناس، ودعوة الناس إلى جمل الكتاب والسنة الثابتة، وتثبيت مكارم الأخلاق والصلاة والذكر والقرآن وتعظيم الله ووحيه واتباع نبيه= هو أجدى شيء وأنفعه في الدنيا والآخرة.
وإن أحد أسوأ أنواع الأيديولوجيا هي الأيديولوجيا اليوتوبية التي تحاول تركيب متخيل يسمح بتجاوز الواقع وذلك التركيب المتخيل يتم بمجرد رسم صورة زاهية الألوان وجعلها هدفًا لحملة الأيديولوجيا ؛ وتكون هذه الصورة حينها بمنزلة الحلم المتجاوز للواقع والمغيِب للواقع والمزيف له في الوقت نفسه، إنها كما يقول ريكور: تكتفي برسم معالم المأمول المستحيل لكنها لا تملك أداة لتحقيقه.
تحتوي الأيديولوجيا اليوتوبية على طاقة هائلة في الدفع إلى التغيير، خاصة عندما تتوسل بالشعارات أو بوصل نفسها بحقب تاريخية تحقق فيها هذا التركيب المتخيل، ورغم طاقة الدفع المبنية على الشعارية والتاريخ القديم إلا أن الأيديولوجيا اليوتوبية لا تملك الوسائل والسبل التي تسمح بتحقيق مشروع التغيير هذا؛ فوظيفة الشعارات: أن تُشعرك بأن من غذاك بها قد حصَّل مضامينها بالفعل، ليتطور هذا الشعور ويتم تصديره من صانع الشعار إلى المتكلمين به.
والواقع: أن الفجوة كبيرة جدًا بين الشعار وبين تحصيل مضامينه، والذي يقوم به الشعار هو أنه ينشئ علاقة إرجائية تامة بين المتكلم به، وبين مضامين الشعار.
والحقبة التاريخية التي تحقق فيها التركيب المتخيل بقطع النظر عن وجودها بالفعل ودقة تصور سماتها من عدمه= فإنها لم تحدث إلا بوسائل وأدوات وفي ظل ظروف وشروط، وهي غير قابلة للتكرار إلا بوسائل وأدوات وظروف وشروط مختلفة، اقتضى اختلافَها اختلافُ الزمان والمكان والإنسان
وبالتالي فالشعار والتاريخ القديم لا تزيد وظيفتهما على إشعال الحماس وبث الطاقة وتزويد الوقود لكن الحماس والطاقة والوقود لابد لهما من أشياء كثيرة أخرى ليحصل التحرك، والتحرك لابد له من أشياء كثيرة أخرى ليكون فاعلاً منتجًا وفي الاتجاه الصحيح، وكل ذلك لا يملك منه كهنة الأيديولوجيا اليوتوبية شيئًا؛ ما يؤدي في النهاية بحملة هذه الأيديولوجيا المتخيلة إلى إحدى حالتين:
إما الانعزال عن الواقع والهروب منه والعيش في دائرة تخدير ينتظرون قدوم المهدي ونزول المسيح.
وإما أن يمتزجوا بالواقع ويحاولوا سرقة وسائل أيديولوجيات أخرى وركوبها لتحقيق اليوتوبيا المستحيلة التي يحلمون بها فلا تخرج مصائرهم عن السقوط والانهزام إما بأن يذوبهم الواقع داخله وإما بأن يحرقهم في محارقه.

-----------------------------------