المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خارطة الحلفاء والأعداء


عبدالناصر محمود
12-02-2014, 08:24 AM
غزة والأمن القومي المصري: خارطة الحلفاء والأعداء
ـــــــــــــــــــــــــــ

(د. فهمي شراب)
ــــــــ


10 / 2 / 1436 هــ
2 / 12 / 2014 م
ـــــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/801122014023732.png


يعتبر قطاع غزة مدخلاً حيوياً للأدوار الإقليمية المتنافسة والطامحة للعب دور أساسي في المنطقة، كما ويعتبر بوابة مهمة من إحدى بوابات الأمن القومي المصري، وتمثل عملية ضبط حدودها مع غزة من أهم مرتكزات أمنها الحدودي، وهذا نجاح لها، مهما كان شكل ونوع النظام الحاكم في غزة، فقوات أمن حكومة حماس حرصت بشدة على ضبط الحدود بعد الموجة الثورية الثانية منتصف 2013 أكثر من أي فترة سابقة، نظراً للحساسية الشديدة بين النظام الجديد في مصر، وبين حماس التي لا تنكر جذورها ومرجعيتها الإخوانية - وان كانت القيادة المصرية تجرم بحق سكان قطاع غزة دون استثناء، وتضعهم في دوائر الاستهداف الإعلامي والسياسي والاقتصادي، إلا أن حماس التي تحكم غزة (التي لم تأتِ رياح هذه الموجة الثورية بما تشتهيه سفنها) نظرت إلى أهمية مصر الاستراتيجية، واضعة نصب أعينها محاذير القطيعة معها، حيث تتحكم مصر بمعبر رفح، المنفذ الوحيد لفلسطينيي القطاع نحو العالم الخارجي، حيث معبر بيت حانون، "ايريز" لا يسمح الإسرائيليون للغالبية الفلسطينية بالسفر، إلا بعض حالات الــ VIP من رجالات السلطة الفلسطينية، أو الحالات المرضية، ويتم اعتقال البعض أحيانا بمجرد وصوله.
إن استمرار توتر المشهد المصري، وصراع السلطة الحالية مع الإخوان، واتهام وسائل الإعلام المصرية لحماس بالتدخل في الشأن المصري، جعل النظام يتعامل مع حماس كعدو، ويضعها في سلة واحدة مع الإخوان، وأحيانا مع الفرق الدينية المتطرفة الأخرى، مغيرا خريطة الحلفاء والأعداء، وذلك بسبب التشابه الأيدلوجي بين الإخوان وحماس، ورفض الأخيرة إنكار صلة قرابتها بالإخوان، فبرغم حقيقة ذلك، إلا أن حماس التي تحكم غزة منذ 2007، تختلف عن الإخوان برغم تماثل الخلفية الأيدلوجية، حيث يعتبر تيار كبير من النخبة الفلسطينية والمستقلين أن حماس لها خصوصيتها، فيرون أنها حركة تحرر وطني بمرجعية إسلامية، في مواجهة دائمة ومكشوفة مع الاحتلال الإسرائيلي منذ نشأتها عام 1987، قدمت قياداتها قبل جندها شهداء المعركة مع الكيان الصهيوني.
وبالرجوع إلى أواخر عهد مبارك، فان حماس نفسها نجدها هي من واجهت –بالسلاح- بعض العناصر المتشددة قبل سنوات في غزة، وهي التي أشادت بها صحف غربية، ووصفتها بالاعتدال ومحاربة "الإرهاب" ، هذا في حين عملت حماس على ضبط الحدود مع مصر، خشية انزلاق علاقاتها بمصر لمستويات خطيرة، حيث الإجراءات المصرية الأخيرة بعد حرب 2014، من إغلاق معبر رفح وهدم الأنفاق، وتشديد الرقابة يحرم حماس من فرص التسلح ضد الاحتلال، ويحرم تنقل وسفر قياداتها إلى الخارج، ويخنقها ماليا، ويهدد بعد ذلك قاعدتها الشعبية في غزة. لذا، تنظر حماس لمصر وخاصة القيادة السياسية في الداخل والخارج بعين مختلفة، واعتبار أن الأمن القومي المصري خط احمر، وهو تمام امن مصر من تمام امن فلسطين، رافضين- في حماس - رؤية سقوط مصر في دوائر العنف والعنف المضاد.
إن تقارب النظام المصري مع دولة الاحتلال يعتبر اختراقاً للأمن القومي المصري، فمن الخطأ أن يتم اعتبار الكيان الصهيوني دولة صديقة، أو جزء من المنطقة، فيستحسن على أي نظام مصري مهما بلغت مشاكله الداخلية، أن لا يسمح أو يتبنى فكرة تغيير خريطة الحلفاء والأعداء التقليدية، فالعصابات الصهيونية قتلت عناصر الشرطة البريطانية أثناء الانتداب البريطاني على فلسطين، وقتلت القوات البريطانية التي وفرت لقوات "الهاجاناه" و"الأرغون" الصهيونية المواقع العسكرية، والسلاح الحديث للتغلب على أهالي فلسطين والثوار الفلسطينيون، وذلك عندما شعرت قوات الحركة الصهيونية أنها وصلت في قوتها إلى مرحلة الاكتفاء.
وهي التي قتلت المصريين في مذبحة "بحر البقر" وأعدمت أسرى الجيش المصري بدم بارد، وما زالت لها نشاطات في سيناء، وطيرانها يخترق الأجواء هناك بشكل منتظم، ويقصف أهداف مصرية.
إن الحكومة الصهيونية لا تحترم اتفاقياتها مع أي دولة، ولا تحترم أصدقائها و حلفائها، فقد وضعت الحكومة الصهيونية تركيا في موقف محرج، وذلك عندما كانت الأخيرة تبذل جهود دبلوماسية لتمكين سوريا و الحكومة الصهيونية من الوصول لاتفاق سلام أثناء المفاوضات غير المباشرة، والتي كان الأطراف تعقدها في مكتب اردوغان نفسه، حيث في اليوم التالي للقاءات ارتكب الكيان الصهيوني عدوانه العنيف ( 2008-2009) على غزة.
وفي العدوان الأخير على غزة 2014، فلو قُدِر للجيش الصهيوني الدخول لغزة والتوغل فيها عبر دباباته واستباحتها، لمثل ذلك اكبر تهديد للأمن القومي المصري، حيث إما أن تظهر مصر بوضوح كحليف للكيان الصهيوني، وشريكة في الحرب ضد الفلسطينيين في غزة، وإما ستكون أمام موقفين، الأول؛ أنها منعت الفلسطينيين من استخدام "حق الفرار" إلى أراضيها خوفا من الإبادة والاضطهاد، وهذا حق كفله " الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، أو ثانيا؛ لو سمحت لهم بالفرار إلى أراضيها قد لا تسمح الحكومة الصهيونية لهم بالعودة، وسيعتبرون "لاجئين جدد"، وسيرتب ذلك على الدولة المصرية مسؤوليات جديدة تجاههم، وهذا كله يمثل خطرا جديدا على الأمن القومي المصري.
قد يكون الشعار الذي ترفعه الدولة المصرية الآن، وهو؛ (محاربة الإرهاب)، يعتبر خطراً مرحلياً يتهدد الدولة المصرية، لكن الكيان الصهيوني سيظل هو الخطر الاستراتيجي الدائم، وان المعركة ستكون معه، فمهما احتمى الأخير خلف معاهدات السلام المصرية وأخواتها، من مدريد و أوسلو ووادي عربة، ومهما استمر التنسيق الرسمي العربي مع الحكومات الصهيونية بجميع أشكاله، فان القاعدة الشعبية العربية بجميع مكوناتها ترفض التطبيع، وما زالت العلاقات محصورة في أضيق الحدود.
إن انشغال الدولة المصرية بهمومها الداخلية ومسارها الذي اتخذته، يجب أن لا يمنعها من رؤية معالم الخارطة العربية و الإسلامية، فحقائق التاريخ تنبؤنا بان الجزائر قد استوعبت المعارضة والتيارات الإسلامية، وأصبحت الآن جزء من النظام السياسي الواحد، فان حاجة مصر لاستعادة قوتها ودورها الإقليمي لا يجب أن يكون على حساب شركاء التاريخ والمصير، بل كسبها للأطراف الفلسطينية جميعاً يمنع ادوار أخرى -تتنافس مع مصر- للعب دور في المنطقة، الأمر الذي سيعزز أمنها القومي، ويحقق مصالحها الوطنية.

-----------------------------------