المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة في انتخابات تونس الأخيرة


عبدالناصر محمود
12-04-2014, 07:56 AM
قراءة في انتخابات تونس الأخيرة
ــــــــــــــ

(م. علاء الدين البطة)
ــــــــــ

12 / 2 / 1436 هــ
4 / 12 / 2014 م
ـــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/803122014105827.png


لقد جرت الانتخابات الأخيرة في تونس في ظروف غير عادية، في ظل صراعات عديدة بين الدين والسياسة، وتدفق المال السياسي، وبين قوى الثورة والثورة المضادة ومفاعيل الدولة العميقة"، وبين الإسلام السياسي والقوى العلمانية المتشددة، وبين رغبات الناخبين وأهداف ومطامع الدول المجاورة والإقليمية، وبين الاعتدال والتطرف. وكان واضحا أن هذه الانتخابات لم يكن الشعب التونسي المشارك الوحيد فيها، وان اقتصرت عملية التصويت على أفراده.
تسونامي هزَّ الخريطة السياسية التونسية وأعادت ترتيب المشهد السياسي من جديد، حيث حصل حزب “نداء تونس″ على المرتبة الأولى وهو الحزب الذي تأسس منذ عامين بزعامة رئيس الوزراء الأسبق الباجي قايد السبسي، ويليه حزب النهضة الإسلامي، بينما حل في المرتبة الثالثة حزب الجبهة الشعبية اليساري القومي، وفي الرابعة حزب الاتحاد الوطني الذي يُعتبر “الحصان الاسود”.
فقد حصلت حركة النهضة على 69 مقعدا من أصل 217 بعد أن كانت قد تحصلت في انتخابات عام 2011 على 89 مقعدا (بتراجع بلغ 22,47 %) ، بينما فاز حزب "نداء تونس" بــ 85 الذى كان قد تحصل على 6 مقاعد، وحزب "الاتحاد الوطني الحر"، والذى حقق نجاحا بارزا بحصوله على 16 مقعدا بدلا من مقعدين عام 2011، وحزب "آفاق تونس" الذي حصل على 8 مقاعد بدلا من 4 فقط عام 2011، وعلى الرغم من أن عدد مقاعد هذه الأحزاب ليس كبيرا، فإنها ربما تلعب دورا محوريا في رسم ملامح المرحلة المقبلة التي تحتاج فيها كل من " نداء تونس" و "النهضة" للتحالف مع عدد من الأحزاب الأخرى لترجيح كفته.
نتائج هذا “تسونامي” كانت أكثر وضوحا في اختفاء عدد من الأحزاب التي جاءت بالبرلمان التأسيسي 2011م عن ساحة الفعل السياسى، مثل حزب المؤتمر بزعامة المنصف المرزوقي والذى خسر 79.3% من اصواته الانتخابية، وحزب “التكتل” برئاسة مصطفى بن جعفر رئيس البرلمان المؤقت والذى خسر ايضا 91.5% من اصواته الانتخابية، وحزب “المحبة” الذي برئاسة الهاشمي الحامدي والذى خسر 85 % من اصواته الانتخابية.
لا شك في ان حصول حزب النهضة على 69 مقعدا يمكن أن يوصف بـــ" الهزيمة الرمزية"، لكن الحزب يستطيع أن يشكل "الثلث المعطل" أو "أقلية قوية" ضاغطة، ويكون منافسا قويا لــ "نداء تونس"، حيث سيحول دون صدور الكثير من التشريعات والتعديلات الدستورية التي تتطلب أغلبية مطلقة، هذا في حال لم يكن شريكاً في الحكم.
وهنا من الأهمية بمكان التوقف عند عدد من المحطات والمواقف المهمة:
- كان من المهم جدا اقرار حركة النهضة كما جاء على لسان زعيمها الغنوشي، بتراجعها ومباركتها لحزب "نداء تونس" وهوما تمت قراءته باعتباره رسالة تطمين الى دوائر الفعل المختلفة محليا واقليميا ودوليا.
- أن الرابح الأول مما حصل هو الشعب التونسي الذي كرس تجربة التداول السلمي على السلطة، والذى ابرز معالمه وجود توافق وطني على ان الوطن اكبر من الاحزاب
- ان نتائج هذه الانتخابات عكست توجهات الناخب التونسي الذي صوت عقابيا ضد أحزاب الترويكا الثلاث الحاكمة (والتي خسرت مجتمعة أكثر من 51% من قاعدتها الانتخابية)وذلك في مؤشر واضح على غضبه على تسييرها خلال فترة حكمها، والتي لم تنجح في معالجة مشكلة البطالة وتدهور الحالة المعيشة التي كانت في الاساس سببا في الثورة
- أن حزب نداء تونس استطاع أن يضم تحالفا واسعا من القوى القديمة من بقايا النظام السابق وبعض القوى الجديدة فاقتنص بذلك ثقة الناخبين.
- اعتبر البعض نتائج الانتخابات الحالية "هدية من السماء"، بالنسبة لحركة النهضةوان التراجع في انتخابات التشريعي يعتبر فرصة للهروب من ارتدادات الثورة وهجمات الثورة المضادة التي تحركها قوى محلية واقليمية وازنة، ومن تكاليف الحكم وتبعاته.
- ومن المهم جدا الاشارة الى ان حزب "نداء تونس" سيستيقظ -يوما ما- على أزمة كبيرة، وقد لا يكمل فترته الدستورية، حيث يعاني ضعفا في تماسكه لأنه عبارة عن تحالف تشكل من مجموعة من الأحزاب الصغيرة الغير متناسقة في الفكر والتوجه والقناعات والأهداف.

ولعل من اهم أسباب تراجع حركة النهضة:
---------------------

1- المال السياسي الذي كان حاضرا بقوة في الانتخابات التونسية، ولعب دورا كبيرا في الحملات الإعلامية المؤثرة للقوى المضادة للثورة وفي تشويه حكم النهضة. هذا بجانب ارتباط بعض الأحزاب بأجندات خارجية، وخاصة "نداء تونس" الذين ندد احد اعضائه بإطلاق صاروخٍ على إسرائيل من غزة متناسياً ما فعلت إسرائيل بغزة

2- لم يعالج حزب النهضة ملف "العنف والإرهاب" بشكل حازم، وقد تزايد غضب الشارع التونسي لاتساع دوائر العنف والإرهاب التي ترتكب باسم الإسلام.

3- وهذا الملف نفسه ادخل النهضة في صراع بل وحرب مع التيار السلفى المتشدد مما افقد النهضة الكثير من أصوات التيار السلفي .

4- لم تحقق النهضة نجاحات على المستويين الاقتصادي والاجتماعي،الأمر الذي تسبب في تدني شعبيتها، وقد شهدت فترة حكمها أعلى معدل ارتفاع في "البطالة".

5- بعض التنازلات التي قدمها الغنوشي- تحديدا - قد تمت قراءتها بشكل خاطئ، وكان عليه أن يبدي بعض مظاهر القوة والثبات على المبادئ التي لطالما كان يدعو لها. فقد أبدى أنصار النهضة الموافقة على التصويت ضد مشروع قرار قدمه اليسار يجرم التطبيع مع الكيان الصهيوني، كما أن الحركة تراجعت عن قانون الحظر السياسي الذي يمنع رموز الرئيس المخلوع من تولى مناصب سيادية في الدولة.

6- مخاوف متعاظمة لدى الناخب التونسي من هيمنة حزب واحد على العملية السياسية في البلاد انعكست في الإقبال المتوسط على صناديق الاقتراع (62 %).

----------------------------------------