المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإكراه واليهودية لا تلتقيان في إسرائيل


عبدالناصر محمود
12-04-2014, 08:18 AM
الإكراه واليهودية لا تلتقيان في إسرائيل*
ـــــــــــــــــــ

12 / 2 / 1436 هــ
4 / 12 / 2014 م
ــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/RSC/Uploads/img/thumb/710503122014105933.jpg

(بقلم: الحاخام ارك يوفي)
_____________


أقيمت دولة إسرائيل على أساس أنها دولة يهودية، ولذا فهي لن تشبه النموذج الأمريكي حيث تنفصل فيه الدولة عن الدين. ولكن لا أحد يتنبأ بأن يقوم الأرثدوكسيون وباحتكار ديني ترعاه الحكومة بتحديد قيمها اليهودية.

تذكير لليبراليين الأمريكان اليهود: فصل الدين عن الدولة في النموذج الأمريكي لا يمكن أن يكون موجوداً في دولة إسرائيل. لقد كان الحاخام "آفي شافران" محقاً حيال تلك النقطة في مقاله الأخير الذي نشره في صحيفة هآرتس, على الرغم من أنه كان مخطئاً بشكل عملي فيما يتعلق بكل الأمور الأخرى.

إن إسرائيل وكما أشار الحاخام "شافران" تعتبر دولة يهودية. إنها تعتبر المكان الوحيد في العالم الذي يملك فيه اليهود قوة حقيقية. إنها المكان الوحيد في العالم الذي يقدم فيه يوم السبت المقدس والاحتفالات ايقاع التقويم حيث تعتبر لغة الكتاب المقدس لغة الحياة اليومية وتطبق التقاليد اليهودية على كل نواحي الحياة. إنها المكان الوحيد في العالم الذي يدرس فيه التاريخ اليهودي والكتاب المقدس والتلمود والشعائر الدينية اليهودية في المدارس العامة, وأنه يتم تقديم طعام "كوشير" (أي الموافق للمواصفات المعمول بها في الشريعة اليهودية) في مؤسسات الجيش والحكومة.

إن أولئك الذين يعتقدون أنه يمكن فصل الدين اليهودي عن الحياة اليومية في إسرائيل لا يفهمون حقيقة المشروع الصهيوني. فبيت القصيد والمغزى الحقيقي من التجربة الصهيونية يتمثل في خلق دولة يهودية يشكل فيها الغالبية اليهودية ثقافة يهودية حيوية وديناميكية وناطقة باللغة العبرية. وبالطبع سيرحب بغير اليهود في الدولة وسيتم منحهم كامل الحقوق, ولكن وضع الأقلية, وهو الوضع الذي يشابه مصير اليهود وقدرهم لألفي عام مضت, سيكون الآن العبء الذي سيتحمله الآخرين.

فإذن؛ القضية لا تتمحور حول إسرائيل فيما اذا كانت دولة يهودية أم لا. إنها دولة يهودية بالفعل. ولكن السؤال بالأحرى هو: ما شكل الدولة اليهودية التي ستصبح عليها إسرائيل؟. وهنا أصبح الحاخام "شافران" في ورطة. إن الفرضية الصهيونية دائما ما كانت تقول بأن الطابع اليهودي لدولة إسرائيل سوف يتطور مع مرور الوقت. فبعض مواطنيها سوف يحتضن الشعائر الدينية الصارمة والبعض سوف يختار حدود تقدمية للدين اليهودي والبعض الآخر سوف يخوض تجربة مع العادات والأعراف الثقافية اليهودية القديمة منها والجديدة, والبعض سوف يطور صيغ لا يمكن تصورها حتى الآن . وفي هذا المعنى وبالرغم من غياب منظومة فصل الدين عن الدولة, فإن إسرائيل دائما ما تمتلك تقاليد ليبرالية, على الأقل بالمعنى الكلاسيكي للمصطلح.

افترض "هرتزل" أنه سيكون لليهود مساحة من الحرية للتعبير عن يهوديتهم بطرق متنوعة وأن قوة المسؤولين المتدينين ستكون محدودة. لقد تمنى بن غريون أن تكون الثقافة اليهودية متجذرة في الإلحاد والاشتراكية وتعاليم الكتاب المقدس. لا يمكن لأحد أن يتصور أنه وعلى المدى الطويل ستكون الأرثودكسية القسرية والمتمثلة في الاحتكار الديني الذي ترعاه الحكومة مسؤولة عن القيم اليهودية في الدولة اليهودية.

هذا ما حدث بالفعل وهذا ما يصفق ويهتف له الحاخام "شافران", والنتائج كانت قابلة للتنبؤ تماماً. لم يسبق أن شهدت البشرية في تاريخها احتكاراً دينياً يدفع بقضية الدين الذي يزعم أنه يمثله الى الأمام. إن الاحتكارات القسرية تعمل على تقويض الدين وتجعل العادات الدينية تفقد سمعتها الجيدة. يفترض الحاخام شفران بأن إسرائيل ستكون بطريقة أو بأخرى دولة مختلفة, ولكن لماذا يجب عليها أن تكون كذلك؟.

يحاول الحاخام "شافران" أن يجعل قضيته النظام الديني الحالي في إسرائيل وذلك بالإشارة الى أن العديد من دول الغرب تجاهر وتفتخر بدين الدولة. ويشير الى أن لدى انجلترا دين دولة رسمي, وأن لديها أيضا حاخام أكبر. لكنه فشل في أن يذكر بأن الديمقراطيات الغربية تتجنب النموذج الديني القسري الذي تتبناه إسرائيل. كما أن بريطانيا ليست استثناءً, فالملكة تعتبر رئيسة كنيسة انجلترا, ولكن المعتقدات الدينية الأخرى تعمل هناك بحرية وبدون أي قيود قانونية. كبير الحاخامات في بريطانيا موظف من الطائفة اليهودية الأرثدوكسية وليس موظف من الدولة

كما أن الحاخامات من الإصلاحيين والمحافظين والليبراليين يتمتعون بحقوقهم كاملة بموجب القانون البريطاني, فمن حقهم تمثيل حالات الزواج المعترف بها قانونياً وحالات الطلاق والاغتصاب. وبمعنى آخر فإن بريطانيا العظمى تمثل نموذج قهري وذلك بالطريقة الوحيدة التي ربما يعمل بها الدين الواقع تحت رعاية الدولة.

ولأسباب تاريخية وأخرى ترجع إلى التقاليد فإنه ربما يتم اختيار أشخاص معينين كحالة رمزية على اعتبار أنهم قادة متدينين محليين, ولكن الحرية الدينية والاعتراف القانوني مضمون لكل الجماعات والطوائف الدينية.

إن الدعوى المشينة والمهينة التي أقامها الحاخام "شافران" تتمثل في أن جماعة الحريديم في إسرائيل وهي جماعة أرثدوكسية متطرفة قد حافظت وبدقة على المكانة الدينية الراهنة في حين أن جميع المشاكل الدينية في إسرائيل تأتي من أولئك الذين لديهم عزيمة ونية لتغيير الأمور. في الحقيقة لقد جاء التغيير من جانب الحرديم. فعدد طلاب يشيفا, وهي مدرسة يهودية دينية, الذين يتم اعفائهم من الخدمة العسكرية قد ارتفع من 400 طالب عند تأسيس الدولة الى أكثر من 50 ألف طالب. كما أن البطالة في صفوف جماعة الحريديم قد تزايدت من 10% في عام 1979 الى أكثر من 50% اليوم. إن البيروقراطية الدينية التي كانت ذات مرة متواضعة الحجم نسبياً ومعتدلة في نظرتها المستقبلية قد أصبحت الآن متطرفة ومغرورة وفاسدة. وبدلاً من يشير الحاخام شافران بأصابع الاتهام الى قادة الحريديم بسبب هذه التطورات فإنه اختار أن يتهم وبشكل فردي أنات هوفمان, وهي نفس الشخص الذي قاد ولربع قرن جماعة من النساء المعتدلات في لباسهن والتقليديات في صلاتهن في القسم النسائي عند الحائط الغربي, ويحملن أملاً عقيماً بأن تسمح سلطات الحريديم لهن للصلاة بسلام.

هذه أوقات عصيبة بالنسبة لدولة إسرائيل والتي يتفشى في جسدها داء الإرهاب بصمت وتضطرب من المأساة. وبناءً على ذلك فإنه الوقت الملائم لإعادة التأكيد على أساسات الصهيونية. نعم إسرائيل دولة يهودية. ونعم فصل الدين عن الدولة يعتبر أمراً مستحيلاً, ونعم يتوجب على إسرائيل أن "تحتفظ بالهوية اليهودية وأن تصون ما تستطيع أن تصونه من الوحدة اليهودية". لكني أذكر الحاخام "شافران" بأن هناك طريقة واحدة فقط للقيام بذلك ألا وهي: اتباع طريق ثيودور "هرتزل" وأن يتقبل الرسالة الحقيقية ل"ديفيد بن غوريون". وبالسماح لليهود في إسرائيل سواء المتدينين أو خلافهم باختيار طريقتهم الخاصة وذلك عن طريق رفض المصالح الدينية الضيقة للبيروقراطية المسيسة, فإن باستطاعة الدولة اليهودية أن تركز على الشؤون الدينية لكل الشعب اليهودي بدلاً من ذلك.

------------------------------------
*{مركز البيان للبحوث}
ــــــــــــــ