المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تيار التحديث


عبدالناصر محمود
12-04-2014, 09:08 AM
تيار التحديث
ـــــ

(د. الطيب بوعزة)
ـــــــــ

12 / 2 / 1436 هــ
4 / 12 / 2014 م
ــــــــــ

http://nama-center.com/ImagesGallary/photoGallary/magalat/3-12-2014a.jpg

نتج عن جدل الأنا مع الآخر (الغرب) حضور النموذج الغربي في وعي قسم هام من النخبة المثقفة، فضلاً عن تجسيده بعض قيمه وملامح عمرانه في واقع الحياة وأنماط العيش بفعل صيرورة تاريخية اتسمت بشروط صراعية مست نرجسية الأنا الحضاري وخلخلت وثوقه في ذاته.
وإذا كان طرح سؤال النهضة حصل بفعل الانهزام داخل ساح الحرب، فإنَّ ناتج التفكير في السؤال لم ينحصر في تأمل معركة، وتحليل أسبابها المباشرة، بل تخطاها إلى التفكير في حضارة المنتصر كمركب ثقافي ومادي. إذ لم يكن التحليل الذي أنتجه الوعي العربي النهضوي مجرد تحليل لهزيمة عسكرية، بل كان تحليلا لهزيمة نمط في التفكير والعيش، ولم تكن قراءة انتصار الغرب مجرد قراءة عسكرية لانتصار مدافعه وجنوده، وتحديد لعوامل ومقومات قوته في الحرب على وجه التخصيص، بل كان تحليلاً موسعًا يروم فهم مقومات القوة في كيانه الحضاري ككل.
من هنا نفهم سر انطلاق الرحلات الاستكشافية إلى الغرب لـ"تخليص إبريزه".
غير أن عمليات "تخليص إبريز" الغرب لم تكن متشابهة في الدلالة والمدى، بل كان فيها من اشترط تفاعل الأنا مع الآخر على نحو جدلي يتم فيه ضبط صيغة توفيقية لتحقيق المزج الحضاري؛ كما كان فيها من انساق إلى أمل استنساخ النموذج الغربي بأكمله.
وبذلك انقسم فكر التحديث إلى تيارين اثنين هما: تيار التحديث التغريبي، وتيار التحديث التوفيقي.

تيار التحديث التغريبي:
-----------------

أنتج الفارق الحضاري بين الأنا والآخر حالة انبهار بالنموذج الغربي؛ تبدت في الكثير من الكتابات التي تدعو صراحة إلى أن يتخلص العالم العربي من ذاتيته، ليتمثل نمط الوعي والعيش الأوربي، حتى اختزل جواب سؤال النهوض في مجرد محاكاة للغرب، بل صار التقدم والنهوض" يقاس – يقول زكي نجيب محمود - بمقدار لحاقنا بركب الحضارة العصرية في علومها وفنونها، ولا يجوز لنا أن نقول ولماذا نلحق بركب الحضارة العصرية رغم معارضتنا لها؟ لأنه لا يجوز ذلك، لأن المعارضة معناها أننا واقفون حيث نحن لا نتقدم إلى الإمام، إن لنا الحرية في الوقوف والسير إلى الإمام، وحتى الرجوع للخلف، ولكننا حين نسأل هل نتقدم؟ يكون الجواب نعم في حالة واحدة، هي أن تكون خطواتنا سائرة نحو اللحاق بتصورات العصر في شتى نواحي الحياة."([1]).

بل ضدًا على الجغرافيا والتاريخ تبلورت داخل تيار التحديث التغريبي دعوة صريحة إلى أن يتخلص الشرق من شرقيته ليصير غربًا، حيث بدت نزعة متشددة تجاه الماضي العربي الإسلامي، تنادي بتقليد النموذج الأوربي حتى في أدق تفاصيله وملامحه.
يقول سلامة موسى في كتابه "اليوم والغد":" إننا في النزعة أوربيون، إذ نحن أقرب الشبه في هيئة الوجه ونزعة الفكر إلى الانجليز منا إلى أهل الصين، فلماذا لا نصطنع جميعا الثقافة والحضارة الأوربية، ونخلع عنا ما تقمصناه من ثياب آسيا، أجل يجب أن نكون أوربيين"([2]).
صحيح إن هذه المقاربة الفسيولوجية تبدو بئيسة . لكنها تعبير صريح عن تلك الرغبة اللاواعية، بل الواعية، التي يعبر عنها سلامة موسى بقوله " يجب أن نكون أوربيين". لذا عندما أراد أن يثبت شبه المصريين بالغرب لم يجد في سحنة الوجه ما يؤكد ذلك، سوى استحضار سحنة الصينيين! ليثبت بمنطق المخالفة قرب السحنة المصرية للسحنة الغربية، ليس بقياس المشابهة بينهما، بل بالقياس إلى ملامح الصيني الأكثر مخالفة لهما معا!
وإذا كان اتجاه التأصيل، سواء الإسلامي أو القومي، حكمه محدد اللاتاريخية، بما تعنيه من عدم إدراك دلالة الصيرورة والتحول، فرفع من شأن ذاتيته الحضارية وماضيه على نحو لا يثمر سوى الإشباع العاطفي؛ فإن تيار التحديث التغريبي مسكون هو أيضًا بهذا الحس اللاتاريخي، حيث نراه مصرًا على عقد مقارنة لا زمانية تقفز على منطق التطور والصيرورة، عند مقابلته بين حضارة الغرب الحاضرة وحضارة العرب السابقة، ليؤكد خلل الاعتزاز بهذه، ووجوب محاكاة تلك . يقول سلامة موسى: "من البلاهة البالغة أن يظن أحد الشيوخ أن حضارة بغداد أو القاهرة كانت تبلغ من السمو عشر مما تبلغه الحضارة الأوربية الآن، لذلك يجب أن يكف كتابنا عن التنطع والزهو في انتقاد هذه الحضارة. ([3])"
وإذا كان التأصيلي السلفي يحرص على تسفيه الغرب، واستعمال لغة قيمية مستهجنة للاقتراب منه، فإن مفكر تيار التحديث الموغل في التغريب يحرص في المقابل على تسفيه الماضي العربي الإسلامي، وإطلاق عبارات قيمية مستهجنة لتمثله والانشغال به، حتى إنه يصل إلى وصف الاهتمام بالماضي بالعار ! وهذا جلي في فكر شبلي شميل الذي يقول: "ما يعتبره الجمهور حتى اليوم كنوز الأمة، هي في الحقيقة آثار مخلدة لضلال الإنسان، صارفة إياه عن النظر فيما لديه من حقائق، مانعة له عن السلوك في الصراط المستقيم، أو ليس من العار أن ترى الإنسان حتى الآن مشغولا عن حاضره بماضيه"([4]).
وإذا كان تيار التأصيل السلفي في تقييمه للغرب تمظهر بالانفعال لا بالتفكير فإن تيار التحديث المغالي في التغريب يتمظهر بذات السلوك العاطفي، ولا اختلاف سوى في ما يعكس عليه انفعاله ! فهو لا يضمر الإعلان صراحة عن كراهيته لذاته الحضارية، ومناداته بنبذها جملة وتفصيلا. يقول سلامة موسى: "كلما زادت معرفتي بالشرق زادت كراهيتي له، وشعوري بأنه غريب عني، وكلما زادت معرفتي بأوروبا زاد حبي لها، وتعلقي بها، وزاد شعوري بأنها مني وأني منها"([5]).
وإذا كان تيار التأصيل، الإسلامي وكذا القومي، قد أدرك أهمية اللغة كرابط بالماضي، فدعا إلى الاهتمام بها، فإن تيار التحديث المغالي في تغريبه، وعى هو أيضا أهمية اللغة في وصل العرب بماضيهم. لذا كان من أهم ما اتجه إليه نقده هو اللسان العربي: "إن اللغة العربية – يقول سلامة موسى - تبعثر وطنيتنا المصرية، وتجعلها شائعة في القومية العربية، فالإعجاب بالفصحى يجعلك تعجب بأبطال بغداد"([6]).
لكن المفارقة أن سلامة موسى لا يرفض الماضي إلا إذا كان عربيًا إسلاميًا، أما الماضي الفرعوني، الذي هو أكثر قدامة وإيغالاً في الزمن، فإنه يقبل به ويدعو إلى ابتعاثه.
وإذا كانت بعض نماذج تيار التأصيل، ذهبت في سلفيتها إلى حد استنساخ نموذج الماضي وديكوره في العيش، بملامحه وملابسه؛ فإن تيار التحديث المثقل بحس الارتحال الفكري والوجداني إلى الغرب، ساده الوعي ذاته لكن في الاتجاه المقابل، فتراه يدعو إلى وجوب تقليد الأوربي حتى في أدق تفاصيل ذوقه المعيش؛ بل تراه يحلم بأن يصبح العرب يوما ما يكتبون من اليسار إلى اليمين ! يقول زكي نجيب محمود، معبرًا عن لحظة من لحظات تطوره الفكري:
"إذا أردنا سياسة أو تعليمًا أو إصلاحًا للأسرة أو المجتمع، فأي طريق نختار؟ إن الجواب عندي واحد واضح ولا تردد فيه ولا غموض... هو أن نندمج في الغرب اندماجًا في تفكيرنا وآدابنا وعاداتنا ووجهة النظر إلى الدنيا، إنني في ساعات حلمي أحلم لبلادي باليوم الذي أشتهيه، بأن أصورها لنفسي وقد كتبنا من اليسار إلى اليمين كما يكتبون، وارتدينا من الثياب ما يرتدون، وأكلنا كما يأكلون، ونظرنا إلى الدنيا بمثل ما ينظرون"([7]).
لكن إذا كان الاتجاه التأصيلي الموغل في السلفية قد استشعر استعصاء الواقع، فخفف من غلواء ماضيته، فأثمر توفيقية تحاول إيجاد صيغة مازجة بين الأنا والآخر، بين الذاتية الثقافية الموروثة والحداثة الوافدة؛ فإن المأزق ذاته سيستشعره الاتجاه التغريبي الموغل في إنكار أناه الحضاري، النازع نحو استنساخ النموذج الأوربي . إذ سيحس بقوة العوائق الثقافية والسوسيولوجية المانعة لتحقيق فكرته, لذا سرعان ما نلاحظ داخل هذا التيار امتدادا لتيار توفيقي، بل إن بعض أشهر دعاته، مثل طه حسين وزكي نجيب محمود ... سينقلب عن موقف التغريب الجذري إلى موقف توفيقي .

تيار التحديث التوفيقي:
--------------
ولبيان هذا التحول من موقف التحديث التغريبي إلى التوفيقية، نقتصر هنا على تحليل نموذج زكي نجيب محمود، الذي يقول في كتابه "قيم من التراث" واصفًا هذا التحول الفكري:
"فأما المرحلة الأولى من حياتي فقد كنت لا أجد بديلا لصورة الحضارة الغربية كما هي في عصرنا، لأنها هي حضارة القوة والعلم والإبداع، وتحقيق السيادة على الطبيعة، وتسخيرها بما ينفع الجميع... أما بعد ذلك فرأيت أنها وإن لم تكن ضرورية ضرورة حتمية، إلا أنها لا تكفي وحدها، إذ لابد أن تضيف إليها كل أمة ما يميزها، من سمات ثقافية تميز هويتها، ليكون تاريخها تاريخا واحدا موصول الحلقات" ([8]).
إن زكي نجيب محمود الذي كان يعتقد من قبل بإمكان تحقيق موقف التأصيل التراثي، وموقف التغريب الجذري، وباستحالة التوفيقية، حتى أنه قال يوما: "إننا أحرار في أن نعيش عصرنا، أو نعيش تراثنا، ولكننا لا نملك الحرية في أن نوحد بين الفكرين"([9])، سينقلب ضدا على موقفه هذا ليقول ليس فقط بإمكان التوفيق بل بحتميته وضرورته:
"إن حاضرنا لابد أن يكون نسيجا من قديم وجديد، فمن يدعو إلى حاضر بلا ماضي مخطئ، ومن يدعو لماضي بلا حاضر مخطئ، فالدعوة إلى الماضي سير إلى الوراء، والدعوة إلى حاضر هي سير إلى الأمام، بلا أصول ثابتة"([10]).
لقد رادف التيار التوفيقي كما هو ملحوظ في هذا النص بين النهضة والتوفيق، معتقدا أن تجسيد الامتزاج بين التراث والعصر هو أهم قضية وأخطرها، وإنجازها هو مسار النهضة: يقول زكي نجيب محمود: "إن أم المشكلات في حياتنا الفكرية هي محاولة التوفيق بين تراث الماضي وثقافة الحاضر، فمن الماضي تتكون الشخصية الفريدة التي تتميز بها الأمة، ومن الحاضر تستمد عناصر البقاء والدوام في معترك الحياة، وقد استطاعت الأمة العربية الصمود في دوامة العصر بمقدار ما استطاعت أن تساير حضارته، وهي تقع بين ماضيها وحاضرها في مأزق حرج، فإن اقتصرت على الماضي جرفها الحاضر، لأنه له وسائله المادية التي لا قبل لها بدفعه، وإن اقتصرت على الحاضر ضاعت ملامح شخصيتها، فهل من سبيل إلى التقاء الطرفين ليكون مركب نطلق عليه اسم الثقافة العربية المعاصرة؟ هذا هو السؤال الهام في حياتنا الثقافية منذ قرن"([11]).
بيد أن عمق الإشكال لا يسمح بأن تكون المعالجة مجرد وصفة أسلوبية قائلة بالتوفيق، بل لابد من إيجاد تلك الصيغة القادرة على التوليف حقا بين التراث والمعاصرة (بمدلولها وتجسيدها الغربي) ؛ ويصح القول هنا بأن هذه الصيغة لم تتبلور على نحو من الوضوح المنهجي، بل كل الحيلة التي نجدها عند مفكر التحديث التوفيقي هو الالتجاء إلى آلية ذهنية قاصرة، هي آلية الانتقاء: "إن التراث ليس كثلة واحدة، بل عالم ليس له أول أو أخر، ولذلك – يقول زكي نجيب محمود مفصحًا عن تلك الآلية الذهنية الانتقائية - بدلاً من حمله لندخل العصر نختار ما يعيننا روحًا وعملاً في ممارسة حياتنا في عصرنا"([12]).

---------------------------------------------------
[1] زكي نجيب محمود، في فلسفة النقد، دار الشروق، القاهرة 1979، ط 1، ص 245.
[2] سلامة موسى، اليوم والغد، المؤلفات الكاملة، ج 1، سلامة موسى للنشر والتوزيع، القاهرة 1998، ص 526.
[3] المرجع السابق، ص 674.
[4] شبلي شميل، فلسفة النشوء والارتقاء، دار مارون عبود، القاهرة 1983، ط2، ص 50.
[5] سلامة موسى، اليوم وغدًا، مرجع مذكور، ص 525.
[6] المرجع السابق، ص 577.
[7] زكي نجيب محمود، شروق من الغرب، ط 2، دار الشروق، القاهرة 1984، ص218.
[8] زكي نجيب محمود، قيم من التراث، ط1، دار الشروق، القاهرة 1984، ص 167.
[9] زكي نجيب محمود، تجديد الفكر العربي،ط7، دار الشروق، القاهرة 1982، ص 188
[10] زكي نجيب محمود، هذا العصر وثقافته،ط2،دار الشروق، القاهرة 1982، ص 52
[11] زكي نجيب محمود، من زاوية فلسفية،ط4،دار الشروق، القاهرة 1993، ص 41 .
[12] زكي نجيب محمود، عربي بين ثقافتين،ط2، دار الشروق، القاهرة 1993، ص 139 .
--------------------------