المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مؤسسات النظام السياسي الإسلامي ومعالمها


عبدالناصر محمود
12-06-2014, 08:49 AM
مؤسسات النظام السياسي الإسلامي ومعالمها
ــــــــــــــــــــــ

(د. تامر بكر)
ـــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/8860.jpg

ذكرتُ في دراسة سابقة بعنوان: (المبادئ العامة للنظام السياسي الإسلامي، مقاربة نقدية)(1)، أن النظام السياسي الإسلامي، يتكون من المعالم الرئيسة الآتية:

1- كليات المبادئ العامة.

2- مؤسسات النظام السياسي الإسلامي ومعالمها.

3- الدولة الإسلامية ومكوناتها.

وانتهيت في ذات الدراسة إلى أن المبادئ العامة للنظام السياسي الإسلامي، ليست محصورة في عدد معين، وأنها تتسع لتشمل كل ما يمكن استنباطه -بالطرق المعروفة في أصول الفقه- من خلال نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية-حديثا وسيرة-، وسيرة الخلفاء الراشدين، حسبما يفتح الله لعباده من أهل العلم من فيوضات تنير بصائرهم.

وأن الكليات والمبادئ العامة للنظام السياسي الإسلامي هي نسق فكري عام نابع من القرآن والسنة، تكفّل بإرساء الأساس النظري والإطار المرجعي، الذي ينبثق منه النظام السياسي الإسلامي، بحيث تفصَّلت فروعه بعدما تأصلت كلياته.

وأن فائدة تلك الكليات أو القواعد والمبادئ العامة للنظام السياسي الإسلامي تكمن في أنها شكلت أساسا لبعض معالم هذا النظام في عهد رسول الله-صلى الله عليه وسلم- وفي عهد الراشدين، كما أنها شكلت سابقا ويمكن أن تشكل لاحقا أساساً لما يمكن أن ينبثق منها، وينبني عليها من اجتهادات المسلمين عبر العصور وحسب حاجاتهم في وسائل وكيفيات وآليات معالم النظام السياسي الإسلامي.

وأُكمِلُ في هذه الدراسة ما بدأته سابقا؛ حيث أعرض هنا مؤسسات النظام السياسي الإسلامي ومعالمها.

وكما جاء في القرآن والسنة ما نستطيع أن نصوغه في مبادئ وأسس عامة للنظام السياسي الإسلامي، فقد ظهر أيضا في دولة الإسلام مؤسسات واضحة لذلك النظام السياسي.

تلك المؤسسات السياسية وإن افتقدت التنظير الواضح لها في أول الإسلام-على طريقة أهل عصرنا– إلا إنها تم العناية بها والتنظير لها لاحقا، كما أن تلك المؤسسات هي التي تَعرَّفنا عليها من خلالها على الممارسة العملية للمبادئ والأسس العامة للنظام السياسي الإسلامي والتي وضحتها بالجملة في الدراسة آنفة الذكر.

وعلى أية حال فإن شكل مؤسسات النظام السياسي في الإسلام ومعالمه وهيكله مبثوث في ثنايا شروح الكتب، ولذلك فمحاولة استخلاصه منها تحتاج إلى جهد كبير ونظر طويل.

مؤسسات السلطات الثلاث (2):

يقول الدكتور سليمان محمد الطماوي " إننا نسلم بأن الاصطلاحات العصرية في هذا الخصوص غريبة على نظام سياسي بدأ تطبيقه منذ أربعة عشر قرناً، ولكن الحقيقة المسلم بها إن الدولة العربية الأولى قد عرفت ثلاث وظائف متميزة هي التشريع والتنفيذ والقضاء، وفقاً لمبادئ أصولية متميزة"(3)

وإذا كانت هذه الكتابات قد أسقطت المفاهيم الغربية للدولة على مفهوم الدولة في الإسلام فتحدثت عن سلطات ثلاث أو وظائف ثلاث للدولة الإسلامية فإن البعض من هذه الكتابات حاولت أيضا أن تبين بأن الدولة الإسلامية تأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات.(4)

إننا إذا ما رجعنا إلى التاريخ الإسلامي، فسنجد أن المسلمين قد عرفوا السُّلطات الثلاث، وحصروها بين طائفتين من أبناء الأمَّة -بحسب وظائفهما-؛ وهم (العلماء) و(الأمراء)، ويندرج تحت مفهوم (العلماء) أهل الحل والعقد، والقضاة والمفتون وأصحاب المدارس والمذاهب والمقالات الفكريَّة، كما يندرج تحت مفهوم (الأمراء)، الخلفاء ووزراء التنفيذ والتفويض وقادة الجيوش، وغير ذلك.

1- السلطة التشريعية: ويمثلها مؤسسة أهل الحل والعقد:
--------------------------------

وهي المؤسسة التي تطبق من خلالها الشورى الإسلامية، وهي بمثابة المجلس التشريعي أيضا، وهي التي كانت إرادة الأمة تتمثل فيها، وكان أهل الحل والعقد أنفسهم يمثلون ما نسميه اليوم بالتعددية، حيث مارست الأمة آنذاك سلطانها في اختيار الحكام ومحاسبتهم وعزلهم من خلال تلك المؤسسة.

"وأهل الحل والعقد ليسوا منحصرين في علماء الشريعة المجتهدين فضلا عن أن ينحصروا في صفوتهم المختارة للتشريع، وإنما تتسع دائرتهم لتشمل غيرهم من العلماء والقضاة، والأمراء والخبراء والصلحاء، والوجهاء العدول الذين يحملون هم هذا الدين ويتحملون مسؤولية هذه الأمة ويعتبرون هم كبار الأمة وقادتها وأولو الأمر فيها" (5)

وأما عن الأصل الشرعي لهذه المؤسسة، فقد كان التشريع في عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- محصورا في يده وحده ما دام الأمر متعلقا بالتشريع والأحكام والحلال والحرام؛ لأنه كان يتلقى الوحي من الله تبارك وتعالى، أما مالا يتصل بالتشريع والحل والحرمة، فقد كان يستشير طوائف من أصحابه رضوان الله عليهم.

أما بعد وفاته- صلى الله عليه وسلم- فالذي يظهر لنا مما حدث في تولية أبي بكر رضي الله عنه، وكذلك تولية الخلفاء الراشدين من بعده أنه كانت هناك مجموعة من الرجال معروفة- نستطيع أن نسميها بلغة أهل زماننا مؤسسة- كانت هي التي تجتمع وتناقش وتبحث موضوع التولية، بل الذي يظهر من المتابع لكيفية تولية الخلفاء الراشدين على تنوع طرق التولية بينهم، يجد أن تلك المجموعة من الرجال- على اختلافهم من زمن لآخر - قد كانت من الشهرة بمكان لدى عموم جماهير المسلمين على عهد رسول الله– صلى الله عليه وسلم- وعهد الخلفاء الراشدين لدرجة أن تلك الجماهير كانت تثق فيهم وتسمع لهم وتطيع "فالذين اجتمعوا في السقيفة ليبرموا أمر الأمة لم يكونوا كل الأمة الإسلامية ولا جمهورها، ولم يكونوا كذلك دخلاء عليها ولا مفتأتين على إرادتها، فمن يكونون- إذا- إن لم يكونوا كبارها وأولياء أمرها، وأهل الحل والعقد فيها؟ والذين دخلوا على أبي بكر وهو يودع الحياة فشاورهم وأشاروا عليه، وأشرفوا على تولية عمر بن الخطاب وعقدوا البيعة له من الخاصة ثم العامة، من يكونون إن لم يكونوا أهل الشورى وأهل الاختيار؟ والذين ترك عمر شورى فيهم فسلمت لهم الأمة قيادها؛ فقادوها إلى بر الأمان بتسليم زمام الإمامة إلى عثمان، من يكونون إن لم يكونوا الصفوة والنخبة التي تضع الأمة فيهم ثقتها وتنيط بهم أمرها؟

والذين يوم أن غابوا خلف ضباب الفتنة يوم مقتل عثمان-رضي الله عنه– التمسهم الثوار الخارجون وضربوا عليهم الأبواب، واقتحموا عليهم الحيطان وصاحوا فيهم- برغم أنهم كانوا مستغنين عنهم بالسيف القاهر- (أنتم أهل الشورى وأنتم تعقدون الإمامة وأمركم عابر على الأمة، فانظروا رجلا تنصبونه) (تاريخ الطبري 2/700) فبايعوا لعليّ، فبايع الناس بمبايعتهم، ولولا بيعتهم لعليّ لما استقر أمر الأمة كلها على أحد، فمن يكون هؤلاء إن لم يكونوا- كما اعترف بذلك الخارجون- أصحاب الأمر العابر على الأمة؟!...، ومع ذلك فلهذه الجماعة أصل لمشروعيتها في كتاب الله، وفي سنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم -، فمن المبادئ التي تعتبر من الأدلة الشرعية على إيجاد أهل الحل والعقد (6) ما يلي:

- قول الله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} (النساء 59)، فهذه الآية الكريمة تأمر المسلمين بطاعة أولي الأمر، وهذا يعني أن لهم نفوذا وسلطانا، وأولو الأمر: "أصحاب الأمر وذووه، وهم الذين يأمرون الناس، وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة وأهل العلم والكلام؛ فلهذا كان أولو الأمر صنفين: العلماء والأمراء" (مجموع فتاوى ابن تيمية 28/170)...

- قول الله تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} (النساء83)...

- قول الله تعالى من سورة المائدة: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً} (المائدة 12)... والشاهد من الآية قول الله تعالى: {وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً}، فهؤلاء النقباء كانوا يمثلون اثني عشر قبيلة، هي مجموع قبائل بني إسرائيل، ولا يعتبر هذا من شرع من قبلنا المختلف في حجيته، لأن شرعنا قد ورد فيه ما يؤيده، وهو أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال للأنصار في بيعة العقبة: "أخرجوا لي منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على قومهم بما فيهم" (سيرة ابن هشام 2/51، وطبقات ابن سعد 3/602)

- و في صحيح البخاري: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلاَّ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمُسْلِمِينَ فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلاَءِ قَدْ جَاؤُونَا تَائِبِينَ وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ بِذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ فَقَالَ النَّاسُ قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّا لاَ نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا" (صحيح البخاري 2367). (7)

وفي زمننا المعاصر يقول الدكتور محمود الخالدي محاولا استنباط معيار جديد لأهل العقد والحل يحافظ على حق الأمة بممارسة السلطان والشورى، ويحقق الرضا والقبول من جمهرة المسلمين أيضا: "الحكم الشرعي هو أن يقوم بنصب الخليفة جمع يتحقق في نصبهم له رضا المسلمين، أي بإمارة من إمارات التحقق، سواء كان ذلك بكون المبايعين أكثر أهل الحل والعقد، أو بكونهم أكثر الممثلين للأمة.. وإن كون السلطان للأمة يستلزم كون أمر رئيس الدولة راجعا للأمة، فهي صاحبة الحق الشرعي في نصبه عن رضا واختيار، وإن أبرز ما يميز سلطان الأمة هو حق البيعة، لأنه يجعل المسلمين يملكون نصب الحاكم ويملكون عزله إن خرج عن حدود الشرع". (8)

2- السلطة القضائية:
-------------

وقد وُجِدت هذه السلطة في الدولة الإسلامية في جميع عصورها، ففي عصر النبوة كانت في يد النبي-صلى الله عليه وسلم– وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القاضي الأول في الإسلام، وقد شرّع في القضاء مبادئ وأصولاً ومناهج لإقامة العدل ما زالت حتى يومنا الحاضر تعتبر دستوراً لجميع قضاة الأرض، وستظل عَلَماً ونوراً يهتدون به ويسيرون في ضوئه في كل مكان وعلى كل الأزمان، فمن هذه المبادئ والأصول التي جاءت النصوص الشرعية واضحة فيها:

أ- أوجب صلى الله عليه وسلم على كل قاض ألا يقضي في الحادثة حتى يسمع كلام الخصوم سماع فهم وتدبر، لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب: "إذا تقاضى إليك رجلاً فلا تقضي للأول حتى تسمع كلام الآخر فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء"(9)

ب- أوجب رسول الله على القاضي حين يقضي أن يكون حاضر الذهن هادئ البال، غير منفعل ولا غضبان، حتى يأمن الخطأ في قضائه، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان" (10)

ج- شرع رسول الله مبدأ البينة والحجة على إقامة الحق والعدل، فقال: "البيّنة على المدعي واليمين على مَن أنكر"، ولي ذلك فحسب، بل لقد حثّ الرسول- صلى الله عليه وسلم- المسلمين على اهتمامهم بتحقيق العدالة في الدنيا ولو كانت على حساب مصالحهم الخاصة، يظهر ذلك مما رواه البخاري بسنده عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ :"إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلاَ يَأْخُذْهَا" (11)

د- اعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم الناس أمام عدل الله سواء، مصداقاً لقول الله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومَن يعمل مثقال ذرة شراً يره} (الزلزلة 7، 8)، ومن هذا الباب قال صلى الله عليه وسلم: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا" (12)

"ولما توفي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- انتقلت مسؤولية القضاء من بعده إلى الخلفاء والصحابة رضوان الله عليهم، ولقد كانت السلطة القضائية والسلطة التنفيذية متحدتان في عهد رسول الله-صلى الله عليه وسلم– فكان رسول الله-صلى الله عليه وسلم– هو الذي يباشر السلطتين، وكذلك ولاته في الأمصار كعلي في اليمن وعتاب في مكة.. وكذلك كانت في عهد أبي بكر وصدرا من خلافة عمر، ثم لما اتسعت المسؤوليات في عهد عمر فُصِل القضاء عن السلطة التنفيذية فكان عمر يرسل إلى المصر من الأمصار اثنين أحدهما واليا والآخر قاضيا، مثلما فعل في البصرة إذ ولى عليها أبا موسى الأشعري، وجعل عبد الله بن مسعود على القضاء" (13)

3- السلطة التنفيذية:
------------

"تعتبر السلطة التنفيذية أكبر مؤسسات السلطة الحاكمة في الأمة الإسلامية، وهي في الحقيقة تتكون من مؤسستين غير منفصلتين:

الأولى: مؤسسة الخلافة.
--------------

الثانية: الجهاز الإداري.
--------------

والثانية منهما منضوية تحت لواء الأولى وداخلة تحت سلطانها، بل ومنبثقة عنها.

والسلطة التنفيذية يُراد بها في الدولة الموظفون المنوط بهم تنفيذ أوامر الشرع الإسلامي، وفي مقدمة هؤلاء: رئيس الدولة سواء سُمِّي خليفة أو إماما أم أميرا للمؤمنين أم سلطانا أم ملكا أم سُمِّي بأي اسم آخر مثل ما أطلق عليه بعد ذلك.

ثم الجهاز الإداري للدولة؛ حيث يكون أعضاؤه أعضاء في السلطة التنفيذية: وهم الوزراء والولاة على الأقاليم وقواد الجيوش والعمال والمحتسبون ورجال الشرطة وسائر الموظفين في الدولة الإسلامية "(14)

ومن الجدير بالذكر أن النُّظمَ والمؤسساتِ القضائية والتشريعية والأجهزة الإدارية، إنما هي مصالح مرسلة، تترتب شرعيتها التأصيلية وأهميتها ومكانتها تبعا لما تحققه وتخدمه من مقاصد.

لقد كانت مؤسسة الخلافة هي عنوان نظام الحكم في دولة الإسلام، وكانت تحل محل ما نسميه الآن نظاما جمهوريا أو نظاما ملكيا ونحو ذلك، ولذلك فهي مَعْلَم رئيس من معالم النظام السياسي الإسلامي، مما جعل بعض المعاصرين يبالغ فيها فيعتبر أن "الخلافة...أحد فروض الدين الأساسية بل الفرض العام الأكبر" (15)، ولعل الغرض من ذلك هو التحرّج من القول بأن الخلافة والدولة في الإسلام إنما هما في النهاية وسيلتين لتحقيق بعض المقاصد؛ حيث إنهما لم يقصدا لذاتهما، فمثل هذا القول قد يؤدي إلى أن يُرتِّب بعضهم عليه قولا آخر بعدم وجود الإلزام فيهما؛ كما هو مشهور عن الكيفيات والوسائل.

والحقيقة أن هناك فرقا بين مؤسسة الخلافة وبين جهازها الإداري؛ فالخلافة جاءت النصوص الشرعية واضحة فيها لنعرف منها أن الخلافة واجبة -كوسيلة لمقصد حفظ الدين وسياسية الدنيا بالدين-، أما الجهاز الإداري فهو بدوره من الآليات والوسائل التي تعتمد عليها مؤسسة الخلافة في التنفيذ؛ فهو وسيلة للوسيلة، وبالتالي فلا نستطيع القول بأن هناك إلزاما للمسلمين في الكيفيّات أو وسائل الوسائل الواجبة للنظام السياسي الإسلامي.

ولأننا هنا نبتغي الحق في محاولتنا للكشف عن النظام السياسي الإسلامي، فلا نملك إلا أن نقول ما يثبت لنا الحق فيه؛ فالخلافة والدولة في الإسلام وإن كانتا وسيلتين لتحقيق بعض المقاصد؛ حيث إنهما لم يقصدا لذاتهما، إلا أنهما لا مفر منهما ولا غنى عن تحقيق مقاصد الأمة إلا بهما، وهو ما يظهر لنا استنباطا من الأدلة الشرعية؛ مما يُضفي عليهما صفة الوجوب مع كونهما وسيلتين أيضا(16)، وذلك غير متعارض مع نُقِلَ عن الصحابة من إجماع على وجوب الخلافة..

إنني أعتبر كل من الخلافة وإقامة الدولة في الإسلام-على أهميتهما وضروريتهما- وسيلة (واجبة) وليستا فرضا؛ لأنه لم يأت نص بإقامتهما في صيغة أوامر شرعية صريحة كالصلاة والصيام-مثلا-؛ فيظهر أن كلا منهما غير مقصود لذاته.(17)

فقد أمر الله تعالى الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يحكم بين المسلمين بما أنزل الله، وكان أمره له بشكل جازم، قال تعالى مخاطباً الرسول عليه الصلاة والسلام: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} (المائدة 48) وقال أيضا: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} (المائدة 50). وخطاب الرسول خطاب لأمته ما لم يرد دليل يخصصه به، وهنا لم يرد دليل فيكون خطاباً للمسلمين بإقامة الحكم. ولا يعني إقامة الخليفة إلا إقامة الحكم والسلطان. على أن الله تعالى فرض على المسلمين طاعة أولي الأمر، أي الحاكم، مما يدل على وجوب وجود ولي الأمر على المسلمين. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ولا يأمر الله بطاعة من لا وجود له. فدل على إيجاد ولي الأمر، وهذا الإيجاد ليس على الندب أو الإباحة، بل على الوجوب لأن الحكم بما أنزل الله واجب. فالله تعالى حين أمر بطاعة ولي الأمر فإنه يكون قد أمر بإيجاده. فإن وجود ولي الأمر يترتب عليه إقامة الحكم الشرعي، وترك إيجاده يترتب عليه تضييع الحكم الشرعي، فيكون إيجاده واجباً لما يترتب على عدم إيجاده من حُرمة، وهي تضييع الحكم الشرعي.

وأما السنة فقد جاءت بعدد من النبوءات التي تبشر بعودة الخلافة، وتحث على اعتزال الفرق حالة غياب الخليفة، وتحث على بيعة الخليفة الأول عند منازعته من آخر، وتحث المسلمين على طاعة أولى الأمر والوفاء بالبيعة، وضرورة وجود بيعة-أي بيعة- عند المسلم في حياته.

روى الإمامان مسلم والبخاري بسنديهما-واللفظ لمسلم (4879)- عَنْ أَبِى حَازِمٍ، قَالَ: قَاعَدْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ خَمْسَ سِنِينَ فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِىٌّ خَلَفَهُ نَبِىٌّ وَإِنَّهُ لاَ نَبِىَّ بَعْدِى وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ فَتَكْثُرُ». قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ « فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ ».

وعلى ذلك فلا عجب أن نجد كثيرا من علماء المسلمين المُتقدمين يقولون بأن حكم الخلافة- أو تنصيب الإمام - هو الوجوب (18)، بل قال بذلك المتأخرون والمعاصرون أيضا. (19)

ولقد بيّن القرآن والسنة لنا التفاصيل العامة لمؤسسة الخلافة، إما نصَّا وإما من خلال المبادئ والقواعد العامة، مثل: واحدية الأمة، وواحدية القيادة العليا، ونوعية عقد الولاية بين الحاكم والرعية، وواجبات الحاكم، حيث فصلت كتب الفقه ذلك كله في ضوء المبادئ والقواعد العامة في القرآن الكريم، والسنة النبوية؛ ثم تُرِكَتْ بعد ذلك للمسلمين حسب أحوالهم حرية التحرك في تلك المعالم والتفاصيل العامة المحددة لمؤسسة الخلافة، وذلك من خلال الطرق العملية والإجراءات التنفيذية والآليات والوسائل - والتي هي في حقيقتها وسيلة للوسيلة كما قلنا من قبل-، مثل كيفية اختيار الخليفة، وبعض شروطه، وهل تكون بيعته أبدية أم محددة بمدة؟، وكيفية تحقيق تلك الوحدة الإسلامية، وكيفية تحقيق واحدية القيادة. (20)

والخلاصة:
-------

إن هذا الكلام مؤسسات النظام السياسي الإسلامي، ومعالمها هو في فحواه ما جاء به الإسلام- ولا ضير في ذلك-؛ ليقوم الفقه الإسلامي بالتفصيل فيه كله من خلال أصول الفقه المتعددة، والراجعة في النهاية إلى الأصول والمقاصد التي قررها القرآن والسنة؛ لأننا كمسلمين علينا الاجتهاد في هذا الإطار لتحقيق تلك المبادئ والأهداف بأفضل الوسائل الشريفة التي لا تتعارض مع النصوص الواضحة أو تلوى أعناقها بعيدا عن اللغة والشريعة.

ولقد بيّن تراثنا الفقهي-الذي يجب ألا نتجاهله بالكلية، تماما مثلما يجب ألا نجمد عليه- من خلال النصوص الشرعية الواضحة أو المستنبطة الكثير من تلك الأمور التي عرضتها، والأحكام المفصلة لها، مثل:

أحكام المؤسسة التشريعية: كأحكام الاجتهاد وشروط المجتهدين وطرق استنباط الأحكام وأدلتها، وصفات أهل الحلّ والعقد، وأعمال أهل الحل والعقد، وكيفية اختيارهم.

وأحكام المؤسسة التنفيذية: كوجوب تنصيب الإمام، ووجوب مراقبته ووجوب محاسبته، وأحكام التولية والعزل، ووجوب العدل من الإمام ووجوب السمع والطاعة في غير معصية من الرعية، وصفات وشروط الأئمة، وأحكام الشورى.

وأحكام الهيئة القضائية: كشروط القاضي وآدابه، وعلاقته بالحكام، وتولية المرأة للقضاء، وغير ذلك.

وأحكام العلاقات الخارجية: كعلاقة الدولة الإسلامية بالدول الأخرى، والمعاهدات وأنواعها، وشروطها وأحكامها، ومتى يكون العهد مصحوبا بالجزية كالعهد مع نصارى نجران، ومتى يكون العهد مطلقا بلا جزية كالعهد مع يهود المدينة وأنواع الجهاد والحروب، والآثار المترتبة عليها كأحكام الأسرى والخراج.

وبناء على ذلك فلا عجب أن تعددت المصطلحات السياسية في تراثنا الفقهي، حتى أن بعض الدراسات أحصت (250) مصطلحا سياسيا وردت في كتب التراث الفقهي.(21)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يُنظر: موقع مركز التأصيل للدراسات، بتاريخ 19/11/ 2014م، على الرابط:

http://taseel.com/display/pub/default.aspx?id=8815&ct=24&ax=5

(2) يُنظر: د/ عطية عدلان (الأحكام الشرعية للنوازل السياسية ) الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح، ط1 / 2011م (ص127: 150).

(3) د. سليمان محمد الطماوي (السلطات الثلاث في الدساتير العربية المعاصرة وفي الفكر السياسي الإسلامي) دار الفكر العربي بالقاهرة، ط4/ 1979م، (ص323)

(4) د. محمود عاطف البنا (الوسيط في النظم السياسية) دار الفكر العربي، القاهرة، ط1/ 1988م، (ص126- 128(

(5) المرجع السابق (ص130)

والحقيقة أن الواقع المعاصر يحتاج إلى الكثير من الاجتهادات المعاصرة لإسقاط هذه المؤسسة على الواقع، وبالتالي نحتاج إلى الإجابة على عدد من الأسئلة، من مثل:

هل تقوم المجالس النيابية المعاصرة مقام مؤسسة أهل الحل والعقد؟، وما الموقف من مشاركة المرأة فيها وكذلك غير المسلمين؟ وغير ذلك من الأسئلة الفرعية.

وقد ناقشتْ اجتهاداتُ بعض المعاصرين هذه الأسئلة وغيرها، وأجابتْ عليها من عدة زوايا، وما زالتْ أجوبة تلك المسائل تحتاج للمزيد، ولكن ليس مجالنا ولا هدفنا هنا عرض كل تلك التفاصيل.

(6) تتبع هذه الأدلة في حقيقتها المبادئ والقواعد العامة في القرآن الكريم، والتي هي مكون أساسي من مكونات النظام السياسي الإسلامي، وهي قواعد وجدنا لها ما أيدها من واقع الصحابة العملي كما ذكرته قبل ذكر هذه الأدلة.

(7) د. عطية عدلان، مرجع سابق (ص115: 121).

(8) د. محمود الخالدي (معالم الخلافة في الفكر السياسي الإسلامي)، دار الجيل للطبع والنشر والتوزيع، بيروت، ط1/ 1984م (ص 109)

(9) رواه الترمذي (1331) بسنده وحسنه، ووافقه الألباني في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل برقم (2600)

(10) رواه البخاري في الصحيح برقم ( 7158 )

(11) رواه البخاري في الصحيح برقم ( 2680)

(12) رواه البخاري في الصحيح برقم ( 4304 )

(13) صالح بن فوزان الفوزان (بحوث فقهية في قضايا عصرية) دار العاصمة بالرياض ط1/ 1415ه- (ص32).

(14) د/ عطية عدلان، مرجع سابق (ص144) بتصرف

(15) د.محمد ضياء الدين الريس (الإسلام والخلافة في العصر الحديث) مكتبة در التراث، ط7/ 1976م (ص 349)

(16) إن الوسائل من حيث الحكم التكليفي والحكم عليها تنقسم إلى عدة أقسام، والذي يعنينا منها هنا هي (الوسيلة الواجبة) وسأتكلم عنها بوضوح أكثر في الدراسة القادمة -بإذن الله - وهي عن الدولة في الإسلام ومعالمها.

ويمكن للقارئ الكريم أن يتوسع أكثر فيما يسمى فقه الوسائل؛ فينظر: د/ أم نائل بركاني (فقه الوسائل في الشريعة الإسلامية)، كتاب الأمة، «وقفية الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني للمعلومات والدراسات» رجب 1428 ه-، تموز (يوليو)- آب (أغسطس) 2007م، (العدد 120)

(17) الفريضة المقصودة لذاتها كالصلاة والصيام، مثلا: لا يشترط لتأديتها معرفة العلة والمقصد من أدائها، فمعرفة مقاصدها إنما هو من باب الترغيب، وليس من باب الضرورة.

(18) مثل الإمام علي بن محمد المواردي في مطلع كتابه (الأحكام السلطانية والولايات الدينية) مطبعة البابي الحلبي، مصر، ط3/ 1393ه-.

والإمام أبو يعلى محمد بن حسين الفراء في (ص19) من كتابه (الأحكام السلطانية)– ط2/ دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1421 ه- - 2000 م.

وشيخ الإسلام ابن تيمية، كما في (مجموع الفتاوى)، مرجع سابق (35/ 22).

وقد رجحتُ هنا أن كل من الخلافة والدولة الإسلامية وسيلة واجبة؛ لأنه لا يقال أنهما مقصودان لذاتهما، وعلى أية حال فسواء قيل أن حكمهما هو الوجوب أو أنهما وسيلة واجبة؛ فالنتيجة واحدة، والفرق في ذلك أن القول بأنهما وسيلة واجبة يفسر لماذا لم يأت الأمر المباشر بهما في القرآن الكريم كالصلاة والصيام.

(19) توقفت في هذه الدراسة عن نقل الأدلة الشرعية الدالة على الخلافة من القرآن والسنة، منعا للإطالة، ونظرا لانتشارها في كثير من الدراسات والمواقع الإلكترونية الرصينة، علما أنني جمعتها في دراسة أخرى تحت النشر بعنوان: (أضواء حول نظام الخلافة)

(20) انظر: دراستي عن الخلافة -المرجع السابق- حيث ذكرت فيها كثيرا من التفاصيل والتوضيحات، كما ذكرت فيها مقترحا معاصرا لإعادة إحياء الخلافة.

(21) د.سامي محمد الصلاحات )معجم المصطلحات السياسية في تراث الفقهاء( المعهد العالمي للفكر الإسلامي ومكتبة الشروق الدولية، ط1/ 1427ه-، 2006م.
-------------------------------------